تمام سلام: العونيون تصرفوا كميليشيا سياسية ولولا تغطية «حزب الله» لما استطاعوا التعطيل

من مذكرات يتحدث فيها عن الصعوبات في رئاسة الحكومة والإساءات إلى علاقات لبنان مع العرب

جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)
جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)
TT

تمام سلام: العونيون تصرفوا كميليشيا سياسية ولولا تغطية «حزب الله» لما استطاعوا التعطيل

جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)
جانب من جلسة مجلس الوزراء اللبناني التي انعقدت برئاسة رئيس الحكومة تمام سلام سنة 2015 (دالاتي ونهرا)

يصدر قريباً عن «دار رياض الريس للكتب والنشر» كتاب «الدولة المستضعفة» للزميل عبد الستار اللاز. يروي تفاصيل عن الفترة الصعبة التي تولى خلالها الرئيس تمام سلام رئاسة الحكومة اللبنانية التي كانت الأخيرة في عهد الرئيس ميشال سليمان، ثم خلال الفراغ الرئاسي الذي امتد عامين ونصف قبل انتخاب الرئيس ميشال عون. ويروي الكتاب محطات أساسية واجهت سلام في هذه المسيرة التي أمضى منها عشرة أشهر وعشرة أيام وهو يسعى لتأليف حكومة «المصلحة الوطنية»، وسنتين وعشرة أشهر وهو يقود الحكومة التي تولت مسؤوليات رئاسة الجمهورية حسب الدستور في غياب رئيس الجمهورية.
وتنشر «الشرق الأوسط» مقتطفات من أحد فصول الكتاب بعنوان «الأشقاء حين نجعلهم خصوماً»، يتناول الصعوبات التي واجهت حكومة الرئيس تمام سلام في العلاقات مع الدول العربية، بسبب دور «حزب الله» وتدخلاته في الشؤون الداخلية لدول الخليج. فضلاً عن مواقف وزير الخارجية جبران باسيل التي كانت منحازة لإيران ولم تكن مرضية لمعظم الدول العربية.
ويتحدث الرئيس تمام سلام إلى الزميل اللاز عن الصعوبات التي واجهته بسبب تلك التدخلات، والدور السلبي الذي لعبه «حزب الله» و«التيار الوطني الحر». ويقول:
أنا من مدرسة تعتبر السياسة عملاً نبيلاً له شروطه الأخلاقية كالنزاهة والشفافية والترفع ونظافة الكفّ التي تأتي قبل الموجبات الأخرى المتعلقة بالمعرفة والخبرة والكفاءة الإدارية. وأؤمن بأنّ ما يحتمله العمل السياسي من مناورات وتحالفات وخدع أحياناً يجب أن يتوقف عند حدود الإضرار بالمصلحة الوطنية العليا.
وعلى رغم معرفتي بدهاليز السياسة اللبنانية، التي راكمتها عبر السنوات بحكم تجربتي الشخصية في العمل العام، فقد صدمت بأداء هذه القوى التي تجاوزت كل السقوف والمحرّمات الوطنية خدمة لمصالح فئوية.
> تقصد بذلك التيار الوطني الحرّ؟
- هم وغيرهم. لكن العونيين بالذات تفوقوا على الجميع في تخطّي كلّ الحدود والتجرؤ على استخدام كل الوسائل للوصول إلى هدفهم السياسي في ترئيس العماد ميشال عون، ولو أدّى ذلك إلى عرقلة عجلة الدولة وصولاً إلى تعطيلها وتجميد مصالح المواطنين وإفقاد الوطن آخر مقوّماته.
كانوا يتصرفون كميليشيا سياسية، تقطع طريق الحكومة متى شاءت، وتجمّد عملها بذرائع شتى غير آبهة لصرخات الناس وتراكم الملفات الحيوية. تخطف مجلس النواب وتشلّ عمله لتطويع الاستحقاقات الدستورية وفق إرادتها، ولا يرفّ لها جفن مهما طال أمد الشغور في الرئاسة الأولى، ما دام قائدها لم يضمن تحقّيق حلمه التاريخي. استعملوا في معركتهم خطاباً فتنوياً وكلّ وسائل التحريض الطائفي، فبدوا كأنهم يستلحقون دوراً لم يلعبوه في الحرب الأهلية، مرتدين لباساً مستعملاً خلعه غيرهم منذ زمن بعيد.
وعن دور «حزب الله» يقول سلام:
- الحزب كان يتمايز عنهم أحياناً في التفاصيل، لكن في الأساسيات كان يقف دوماً إلى جانبهم. ولولا التغطية التي أمّنها لهم لما استطاعوا التمادي في سياسة التعطيل والعرقلة. طبعاً «حزب الله» يتحمل مسؤولية كبرى في هذه التجربة التي نحن في صددها. وأنا هنا لا أتحدث عن وزرائه الذين كانوا يتحلون على المستوى الشخصي باللباقة والأداء الجيد، بل عن السياسة العامة التي اتبعها مع حليفه من أجل إيصال ميشال عون إلى الرئاسة والأثمان التي تكبدتها البلاد في هذا السبيل.
علينا ألا ننسى أن من بين هذه الأثمان، القطيعة مع العالم العربي التي أدت إليها مواقف الحزب من دول الخليج، وتلك التي تفرّد بها وزير الخارجية جبران باسيل في المحافل العربية.
وهنا مقتطفات من فصل: «الأشقاء حين نجعلهم خصوماً»
حين ألّف تمّام سلام حكومته في شباط من عام 2014، لم يكن أحدٌ يؤمن بأنّ أعضاءها الآتين من مشارب مختلفة ومن قوى تتناحر منذ سنوات على الكبيرة والصغيرة، سيكونون فريق عمل ذا رؤية موحّدة، يعمل بتجانس كامل لإخراج البلاد من مشاكلها المتراكمة.
كان يدرك أنّ الأضداد الذين ضيّعوا قرابة أحد عشر شهراً في مماحكات التأليف، إنّما يجمعهم بعضهم إلى بعض داخل الحكومة، خيطٌ واهن قابل للانقطاع في أي ظرف أو قشرة هشّة معرّضة للكسر عند أول منعطف. وكان يعرف، كما جميع اللبنانيين، أنّ الهوّة بينهم أكبر من أن تردمها تفاهمات لفظية صيغت في البيان الوزاري بعد جهد ومشقّة.
بتنا أمام مأساة وطن، يواجه محاولات لا تتوقف من قوة إقليمية ذات امتدادات محليّة لسلخه عن عمقه الاستراتيجي وإبعاده عن حضنه العربي. نجحت هذه المحاولات في خلق إشكالات كبيرة بين لبنان وأشقائه العرب، وبخاصة المملكة العربية السعودية ودول الخليج. لكن النجاح التام تحقق لاحقاً، وصار البلد في عزلة تامة عن محيطه العربي. خسر المساعدات والاستثمارات ومداخيل السياحة، وفقد الدعم السياسي، وتُرك لمصيره.
حال العزلة التي وصل إليها لبنان هي بلا شك نتاج السياسات التي اتّبعها على مدى سنوات فريق سياسي محلي، هو «حزب الله»، وتدخلاته في الشؤون الداخلية لدول الخليج على إيقاع العداوة المستحكمة بينها وبين إيران.
حاول تمّام سلام مرات عديدة نزع فتيل التوترات التي كانت تثيرها هذه السياسة المستفزّة للعرب، والمحرجة للحكومة. واجه صعوبات عديدة. راهن دائماً على محبة الأشقاء الخليجيين لبلدنا، وعلى دفء مشاعرهم تجاهنا، وهي مشاعر صادقة عبّروا عنها في كل المحطات ولم يخذلوا لبنان ولو مرة واحدة.
كان من الصعوبة إقناعهم بصدق نيات الحكومة اللبنانية فيما أنّ فريقاً مشاركاً فيها لا يكفّ عن شتمهم، بل وعن القيام ببعض الأعمال الأمنية في بلادهم ومنطقتهم، كما يقولون.
لم يكن «حزب الله» وحده من أثار غضب الخليجيين، فوزير الخارجية جبران باسيل تبنّى في بعض المنتديات العربية مواقف لم ترضهم.
جبران باسيل كان ينسّق مع سلام في معظم الأوقات في شؤون السياسة الخارجية، ولكنّه في بعض المحطّات كان يجتهد ويتخذ مواقف لا تتناسب مع السياسة العامة للحكومة، ولم تجرِ مناقشتها في مجلس الوزراء، ما كان يسبب مشاكل مع بعض الدول العربية. نتيجة لذلك بدا لبنان، في سياسته الخارجية أحياناً، كمنزل ذي واجهة خارجية بشرفتين تتقاسمهما جماعتان، تحكي كلّ منهما لغتها الخاصة. أما رئيس الوزراء، فكان دوره نزع الألغام ومحاولة إيجاد لغة مشتركة.
أزمة مع البحرين والإمارات
تبنى وزراء الخارجية العرب في اجتماع لهم عُقد في القاهرة في 16 كانون الثاني 2015 بياناً تقدمت به البحرين، يعتبر تصريحات حسن نصر الله «تحريضاً واضحاً على العنف والإرهاب بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في مملكة البحرين ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، ويطالب الحكومة اللبنانية بأن «تتخذ الإجراءات اللازمة والرادعة لضمان عدم تكرار مثل هذه التصريحات البغيضة».
كان لبنان محرجاً في الاجتماع. سجّل وزير الخارجية جبران باسيل اعتراضه على البيان، معلناً في الوقت نفسه أنّ الموقف اللبناني الرسمي هو عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وعدم التعرّض لها. وقال باسيل: «إذا خُيّرنا ما بين الوحدة الوطنية اللبنانية وما بين علاقات لبنان العربية التي نحرص عليها ونتمسك بها، نختار حتماً الأولى ولا نفرط بالثانية».
هذه الصياغة للموقف اللبناني لم تُرضِ دول الخليج، لا بل زادت غضبهم. وقال وزير خارجية البحرين خالد بن محمد آل خليفة، إنّ الوفد اللبناني في الاجتماع «فضّل التمسك بوحدة وطنية زائفة على التضامن العربي الذي أنقذه من الاحتراب»، مضيفاً أنّ لبنان «بلد عظيم حكمه رجال وشيوخ كرام مثل بشارة الخوري وكميل شمعون وصائب سلام ورفيق الحريري، أما اليوم فيا للأسف يتحكم فيه إرهابي عميل».
خشي رئيس الوزراء أن تسبب هذه الأزمة إجراءات سلبية تطاول الرعايا اللبنانيين في بعض الدول الخليجية، فسارع إلى إصدار بيان متوازن لتهدئة الخواطر، أكّد فيه أنّ الموقف الرسمي للبنان من القضايا العربية والدولية تعبّر عنه الحكومة التي ينطق باسمها رئيس مجلس الوزراء «وليس أي جهة سياسية منفردة، حتى ولو كانت مشاركة في الحكومة الائتلافية».
لم تتخذ مملكة البحرين أي إجراء في حقّ اللبنانيين، على رغم الاستياء من كلام نصر الله، لا بل إنّ وزير خارجيتها أكد للرئيس سلام الذي التقاه على هامش مؤتمر الأمن في ميونيخ مطلع شباط، أنّ اللبنانيين في البحرين «يعيشون في بلدهم وبين أهلهم ولن يضيمهم شيء».
كان الشيخ خالد بن محمد آل خليفة في ذلك اللقاء بالغ الودّ، على عادة أهل البحرين جميعاً، وقد نفى أي نية لاتخاذ إجراءات بحق اللبنانيين المقيمين في بلاده، ردّاً على مواقف «حزب الله». لكنّه عبّر عن عميق ألمه للكلام القاسي الذي قاله نصر الله بحق البحرين وقيادتها، وقال إنّه يتفهم الواقع السياسي اللبناني، لكنه يتمنّى لو أنّ الحكومة اللبنانية تستطيع ضبط هذا النوع من التصريحات، خصوصاً إذا كان صادراً عن فريق سياسي مشارك في الائتلاف الحكومي.
طُويت المشكلة مع البحرين، لكنها انفجرت في مكان آخر، وتحديداً مع دولة الإمارات العربية المتحدة. بدأت تصل إلى بيروت معلومات عن نية سلطات أبوظبي إبعاد عدد من اللبنانيين العاملين لديها. اغتنم تمّام سلام فرصة وجوده ووزير خارجية الإمارات الشيخ عبد الله بن زايد في ميونيخ ليفاتحه بهذا الموضوع، وكانت نتيجة اللقاء قاسية بالنسبة إلى لبنان.
كان الشيخ عبد الله غاية في الدماثة، لكنّه في الوقت نفسه تحدث بلهجة حاسمة عكست مقدار الغضب الذي يتفاعل لدى القيادات الخليجية من تمادي «حزب الله» المتكرر في الاعتداء اللفظي على بلدانها والتدخل في شؤونها. قدّم أمام سلام، بكثير من التهذيب، عرضاً تاريخياً للعلاقة مع لبنان. قال: عندما كان بلدكم في أوج ازدهاره، كنّا لا نزال في بداية الطريق نحو بناء الدولة. كنا نعتبركم قدوة لنا وننظر إليكم وإلى المكانة التي وصلتم إليها بكثير من الإعجاب، ونغبطكم على ما حقّقتموه من تقدّم جعلكم في نظرنا كأي دولة أوروبية. كنا نحلم بأن يكون لدينا ما لديكم من بنى تحتية ومستشفيات ومدارس. أخي محمد بن زايد كان في السبعينيات من بين أول عشرة طلاب في الإمارات نالوا الثانوية العامة، بينما كانت جامعاتكم في لبنان تخرّج الآلاف من اللبنانيين والعرب في اختصاصات مختلفة.
قال الشيخ عبد الله أيضاً: لقد اختلف الوضع الآن. بذلنا جهداً هائلاً حتى وصلنا إلى ما وصلنا إليه من نهضة اقتصادية وتقدّم وبحبوحة. واليوم تستقبل الإمارات كادرات وعمالاً من أكثر من مائة وسبعين دولة، يعيشون جميعاً في أمان واستقرار. اعذرني يا دولة الرئيس إذا قلت لك إنّنا غير مستعدين للسماح باللعب بهذا الاستقرار من أجل لبنان أو فريق سياسي لبناني يناصبنا العداء ويشتمنا ليل نهار ويتدخل في شؤوننا الداخلية.
أكّد المسؤول الإماراتي أن بلاده تتفهم دقائق الوضع اللبناني، لكنها تعتبر أن «حزب الله» يمثّل حالة شاذّة لا بدّ أن تنعكس ضرراً على علاقات لبنان مع أشقائه. وعندما سأله الرئيس سلام عن مدى صحة النيّة بترحيل أعداد من اللبنانيين لم ينفِ ذلك، وقال إنّ سلطات الإمارات لا تفتري على أحد، لكنّها لن تتهاون مع أي مقيم يمكن أن يشكل خطراً على أمنها القومي.
فجر الخميس الخامس والعشرين من آذار 2015 أصدرت السعودية والإمارات والبحرين وقطر والكويت بياناً حول الأوضاع في اليمن، ونشرت نص رسالة تلقاها قادة دول مجلس التعاون الخليجي من الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي تناشدهم «تقديم المساندة الفورية بالوسائل والتدابير اللازمة كافة، بما في ذلك التدخل العسكري لحماية اليمن وشعبه من العدوان الحوثي المستمر، وردع الهجوم المتوقع حدوثه في أي ساعة على مدينة عدن وبقية مناطق الجنوب، ومساعدة اليمن في مواجهة القاعدة وداعش».
وقال البيان إنّ الدول الخليجية الخمس قررت «استجابة طلب الرئيس اليمني لحماية اليمن وشعبه من عدوان الميليشيات الحوثيّة التي كانت ولا تزال أداة في يد قوى خارجية».
هكذا بدأ تحالف من عشر دول بقيادة السعودية عمليات «عاصفة الحزم» ضد الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن، وفُتح فصل جديد دامٍ من فصول الصراع الخليجي - الإيراني في هذه المنطقة من العالم.
تردّدت أصداء هذا الحدث الكبير في بيروت حيث الانقسام الحادّ بين القوى السياسية. توالت ردود الفعل بين مؤيد للعملية العسكرية، مثل الرئيس سعد الحريري ووليد جنبلاط، ومعارض مثل «حزب الله» وحلفائه. بدت البلاد أمام اختبار آخر لاستقرارها السياسي الهشّ، وامتحان جديد للحكومة. وأولى محطات هذا الاختبار كانت تنتظر رئيس الوزراء في اليوم التالي في شرم الشيخ حيث ينعقد مؤتمر القمة العربي السادس والعشرون، الذي سيلقي فيه سلام كلمة لبنان.
رسمت الساعات الثماني والأربعون التالية صورة قاتمة للبنان، ولو أنّها صورة غير جديدة. فبين كلمة بالغة الحدّة لأمين عام «حزب الله» حسن نصر الله تضمنت هجوماً غير مسبوق بعنفه على المملكة العربية السعودية ودول الخليج، وخطاب رصين ومدروس بدقّة، حمله معه تمّام سلام إلى قمة شرم الشيخ لنزع فتيل أزمة جديدة مع الحاضنة العربية للبلد وأهله، بدا لبنان مرة أخرى كأنّه لبنانان يتحدثان لغتين مختلفتين ويسيران في خطين متعارضين لا أمل في تلاقيهما.
اتجهت الأنظار إلى شرم الشيخ ترقباً لكلمة رئيس الوزراء. قال الرئيس تمّام سلام في كلمته:
«إنّ لبنان، وانطلاقاً من حِرصِه على دعم الشرعية الدستورية في اليمن، وعلى الإجماع العربي ووحدة جميع البلدان العربية واستقرارِها، يعلنُ تأييده أي موقفٍ عربي يحفظُ سيادة اليمن ووحدة أراضيه وتماسكَ نسيجِه الاجتماعيّ.
إنّنا، إذ نؤكدُ إيمانَنا بأهمية اعتمادِ الحلول السياسيّة للأزماتِ الداخليّة بعيداً عن أي تدخل خارجي في شؤون الدول العربية، نأملُ أن يعودَ الأمنُ سريعاً إلى ربوع اليمن حِفظاً لأرواح أشقائنا اليمنيين وصَوْناً لمقدَّرات بلدِهم، تمهيداً لاستئناف الحوار في إطارِ عملية سياسيّة تَستوعبُ الخلافات، وتُرمم العلاقات بين مختلف الأطراف، وتُضع خريطة طريق للمستقبل»...
خلّف هذا الموقف ارتياحاً لدى دول الخليج، وعبر لبنان بنجاح الاختبار الإقليمي الصعب، خصوصاً أن الرئيس سلام تلقى في أثناء وجوده في شرم الشيخ معلومات، مفادها أنّ الجاليات اللبنانية في الخليج بعثت برسائل إلى السلطات الرسمية في بيروت تبدي تخوفاً من انعكاسات الكلام الأخير للسيد نصر الله على اللبنانيين هناك، وتدعو إلى التحرك لحماية مصالحهم.
بعد شرم الشيخ، زار الرئيس سلام الكويت في مؤتمر للنازحين، لكن فور عودته إلى لبنان ووجه بموقف لحزب الله رافض لما أُعلن في القمة العربية.
أعلن الحزب اعتراضه فور انتهاء القمة، واعتبر أنّ ما قاله سلام في شرم الشيخ لم يناقش في مجلس الوزراء، وبالتالي فإنه يعبّر عن وجهة نظر قسم من اللبنانيين، وليس عن وجهة نظر لبنان الرسمي. عاد الرئيس سلام وسمع الكلام نفسه من الوزير حسين الحاج حسن في أول جلسة لمجلس الوزراء عُقدت بعد عودته من الكويت.
قال في بداية الجلسة إنّ كلمته في القمة العربية لم تأخذ في الاعتبار إلّا مصلحة لبنان واللبنانيين، وشدّد على علاقات لبنان الوثيقة مع المملكة العربية السعودية وأفضالها الكثيرة عليه وكذلك على علاقات لبنان مع سائر دول الخليج. بعد ذلك شهدت الجلسة نقاشاً مستفيضاً بين الوزراء تميّز بالحدّة أحياناً.
حظي موقف سلام بتأييد الغالبية العظمى من الوزراء. وأعلن في النهاية تمسكه بموقفه الذي اعتبر أنّه يخدم المصلحة العليا للبنان، وقال إنه ليس في حاجة لأن يأخذ إذناً من أحد عندما يريد إعلان ما يؤمن به. وقابلت الغالبية العظمى من الوزراء كلامه هذا بالتصفيق.
بدا حزب الله وحيداً في موقفه. سجل تحفّظه في المحضر، وانتهت الجلسة بهدوء. عبرت الحكومة هذه الأزمة الجديدة بأقل الأضرار الممكنة، وأظهر المتخاصمون مرة أخرى، ولا سيما تيار المستقبل و«حزب الله»، أنّهم ليسوا في صدد تفجيرها من الداخل.
النأي بلبنان عن عروبته
لم يطل الأمر كثيراً حتى انفجرت القنبلة الكبرى. الفتيل هذه المرّة أشعله وزير الخارجية جبران باسيل عندما أعطى تعليمات لسفير لبنان في المملكة العربية السعودية عبد الستار عيسى، بالامتناع عن التصويت على قرار في مؤتمر منظمة التعاون الإسلامي في جدة، يندّد بإيران بسبب اعتداءات تعرضت لها سفارة السعودية في طهران وقنصليتها في مشهد.
أغضب هذا الموقف اللبناني السعودية والدول الخليجية وأثار ردود فعل داخلية كثيرة اعتبرته نأياً بلبنان عن عروبته وارتماء في أحضان إيران وسياستها التوسعيّة في المنطقة. وكالعادة، سارع رئيس الوزراء الذي كان يشارك في منتدى دافوس الاقتصادي إلى الحؤول دون اندلاع الحريق، وأصدر موقفاً لتصويب البوصلة قال فيه «إنّ السعودية محقّة بمواقفها، ولها دور قيادي في العالم العربي لتعزيز الاستقرار وتحسين الأوضاع الإقليمية، أما إيران فتتدخل في العالم العربي منذ سنوات عديدة، وهذا هو أصل النزاع بينها وبين المملكة».
ردّ باسيل من بيروت ببيان قال فيه إنّ وزارة الخارجية عملت «بموجب التوافق الذي ظهر جلياً على طاولة الحوار الوطني في جلسته الأخيرة»، مشدّداً على «انسجام السياسة الخارجية مع البيان الوزاري ومع سياسة حكومة الوحدة الوطنية ومنطقية مواقف الخارجية، بما يؤمن الإجماع العربي من دون المساس بالوحدة الوطنية».
عندما سُئل سلام عن سبب اتخاذ لبنان هذا الموقف خارج الإجماع العربي، أجاب بأن وزير الخارجية ارتأى ذلك من دون أن يشاوره في الأمر.
لم يكن بإمكان تمّام سلام أن يعالج هذه المسألة مهما حاول تلطيف الموقف بالبيانات والتصريحات لاسترضاء العرب. هناك واقع لا يمكن التعمية عليه كمن يحاول إخفاء نور الشمس بالغربال، وهو أنّ هناك قوة لبنانية مشاركة في الحكومة تلتزم لفظياً مبدأ النأي بالنفس وتمارس عكسه في السياسة والأمن، ولا تتوقف عن التعرض لدول الخليج العربي، وتُغلّب ارتباطها السياسي بإيران على مصلحة لبنان وأبنائه المنتشرين في دول الخليج. وهناك قوة ثانية مشاركة في الحكومة أيضاً متحالفة معها وتقدم التغطية الكاملة لها لتحقيق أهداف سياسية داخلية، أولها إيصال مرشحها إلى رئاسة الجمهورية. هذا هو واقع الحال، وهذا ما دفع لبنان ثمنه غالياً عزلة خانقة عن محيطنا العربي.
يوم التاسع عشر من شباط 2016 كانت الصدمة الكبرى. أعلنت المملكة العربية السعودية أنها أجرت مراجعة شاملة لعلاقاتها مع الجمهورية اللبنانية، وقررت إيقاف المساعدات المقررة لتسليح الجيش اللبناني بقيمة ثلاثة مليارات دولار، وكذلك ما بقي من مساعدة المليار دولار أميركي المخصصة لقوى الأمن الداخلي اللبناني. وعزت هذا الموقف إلى «المواقف اللبنانية المناهضة للمملكة على المنابر العربية والإقليمية في ظل مصادرة ما يسمى حزب الله لإرادة الدولة»، فضلاً عن «المواقف السياسية والإعلامية التي يقودها ما يسمى حزب الله في لبنان ضد المملكة العربية السعودية وما يمارسه من إرهاب بحق الأمة العربية والإسلامية».
شعر تمّام سلام بالمرارة لهذا القرار الذي اعتبره ضربة كبيرة للبنان، ويعبّر عن مستوى الغضب لدى الرياض التي لم تتراجع في تاريخها عن أي هبة قدّمتها لأي جهة. أدرك على الفور أن السعودية أرادت القول بقرارها هذا إنّ الكيل قد طفح وإنّ فترة التسامح والصبر قد انتهت، وعلى لبنان إذا أراد الحفاظ على علاقاته معها ومع دول الخليج العربي وعلى مصالحه أن يعالج مسألة «حزب الله».
دعا الرئيس سلام إلى جلسة استثنائية لمجلس الوزراء لمناقشة القرار السعودي والسياسة الخارجية للبنان.
دام النقاش سبع ساعات، وانتهى ببيان حظي بالإجماع وتلاه رئيس الوزراء شخصياً. وقد أُريدَ منه تصويب الموقف اللبناني واحتواء غضب المملكة العربية السعودية ودول الخليج.
لكن قبل أن يجفّ حبر البيان، عقد جبران باسيل مؤتمراً صحافياً قال فيه إنّ «هناك مشكلة حقيقية مع الدول العربية إذا كانت لا تتفهم الموقف اللبناني، لأنّ الحكومة وحماية لبنان واستقراره قامت على أنّ وحدته الداخلية وصونها يتطلّبان احترام النأي بالنفس». وأضاف: «إذا خُيِّرنا بين الإجماعِ العربي وبين الوَحدة الوطنية، فسننحازُ إلى الوَحدة وعدمِ تفجيرِ البلد والمَسِّ باستقراره».
استدعى هذا الكلام ردّاً من المكتب الإعلامي لسلام أوضَح فيه «أنّ بيان مجلس الوزراء صدر بإجماع الوزراء المشاركين في الاجتماع، بمن فيهم الوزير باسيل نفسه، وأي خروج عن هذا النص هو من قبِيل الاجتهاد الشخصي ولا يعبّر عن موقف لبنان الرسمي».
وبالفعل، فإن رئيس الوزراء والوزراء كانوا قد بذلوا جهوداً مضنية للوصول إلى إجماع على هذا البيان. شمل النقاش كلّ نقطة وفاصلة فيه، إلى أن جرى التوصل إلى الصيغة التي اعتقدوا أنها ستخفّف الاحتقان. لكن جبران باسيل هو جبران باسيل. زايد على «حزب الله» واتخذ هذا الموقف الذي زاد الأمور تدهوراً.
الضيف الدائم
مسؤولون إيرانيون تعاقبوا على زيارة لبنان في الفترة التي أمضاها تمّام سلام رئيساً للحكومة. منهم من تكررت زيارته مرتين أو ثلاثاً مثل عبد اللهيان، ومنهم من زار أربع مرات أو خمساً مثل بروجردي، ومنهم من اجتمع به سلام في لبنان وخارجه مثل ظريف.
وإذا أضيف إلى هذه القائمة الطويلة الرئيس حسن روحاني الذي التقاه سلام في نيويورك، عدا اللاعب الأبرز في السياسات الإيرانية الإقليمية رئيس فيلق القدس في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني، وغيره من المسؤولين الأمنيين الذين كانوا يأتون لبنان سرّاً ودون استئذان، تكتمل صورة الحضور الإيراني الدائم في المشهد السياسي في بيروت، التي تفاخر مسؤولون عديدون في طهران بأنها صارت واحدة من أربع عواصم عربية تحت السيطرة الإيرانية.
لم يملّ الرئيس سلام من تكرار الدعوة إلى الإيرانيين للضغط على حلفائهم من أجل المساعدة على انتخاب رئيس.
هكذا فعل مع نائب وزير الخارجية مرتضى سرمدي ثم مع مستشار مرشد الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدكتور علي أكبر ولايتي. لا بل إنّه استعمل مع الأخير لهجة أكثر حزماً من المعتاد حين قال له: «أنا أريد أن تقترن هذه الزيارة بعمل يترجم على الأرض لأنه لا يمكن إيران أن ترسل المبعوث تلو الآخر بدون أن تقرن هذه الزيارات بأفعال».
الجواب؟ لغة دبلوماسية راقية لا تُسمن ولا تغني من جوع. وعلى غرار باقي الزوار الدائمين من الجمهورية الإيرانية كانت تصريحات ولايتي خارج الأبواب المغلقة تشيد بـ«الإنجازات الكبرى والانتصارات التي استطاعت المقاومة اللبنانية الباسلة أن تحققها جنباً إلى جنب مع الجيش السوري في مجال دحر القوى المسلحة التكفيرية في منطقة القلمون، والتي تؤدي إلى تقوية محور المقاومة والممانعة في المنطقة برمتها».
استمرت الزيارات الإيرانية واستمر دفق الكلام المنمّق عن الوحدة الوطنية اللبنانية وحكمة المسؤولين اللبنانيين، وعن العلاقات الأخوية بين لبنان وإيران واستعداد الجمهورية الإسلامية لتقديم كل عون ممكن، إلى أن جاء العون أخيراً، لكن بالاتجاه المعاكس، أي من لبنان إلى إيران.
فقد انتخب مرشح «المقاومة والممانعة» رئيساً للجمهورية. فازت إيران وحلفاؤها بالجائزة الكبرى، ولم تعد هناك حاجة إلى الكثير من الزيارات.



«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية
TT

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

«أصوات بلا ذاكرة»... عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية

لم يعد الجدل الأكثر إثارة في موضوع الذكاء الاصطناعي متعلقاً بمدى قدرة الآلة على الكتابة مثل الإنسان؛ إذ تجاوزت النماذج اللغويّة الحديثة جانباً مهماً من اختبار المحاكاة، وأصبحت تُنتج نصوصاً متماسكة، وتُترجم وتُلخص وتُحاور، بل وتُحاكي أنماطاً أدبيّة وفكريّة بدرجة تثير الدهشة. إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم يبدو أكثر عمقاً، وأهميّةً: ماذا يبقى من المعنى عندما تنفصل الكلمات عن التجربة الإنسانية الحيّة التي أنجبتها؟

من ربقة هذا التساؤل ينطلق كتاب «أصوات بلا ذاكرة: عن اغتراب المعنى في ذكاء الآلة» (2026) للدكتور غسان مراد، الذي يستكشف الذكاء الاصطناعي من منطقة تتقاطع فيها الفلسفة واللغة والتكنولوجيا والعلوم الإنسانية. ويلخص العنوان مفارقته المركزية: نحن أمام أصوات تستطيع الكلام بطلاقة، لكنها تفتقر إلى الذاكرة بمعناها الإنساني، ذاكرة الألم والفرح والفقد والخوف، وتراكم العلاقات والتجارب والقراءات والزمن، أي ذلك التراكم الذي يجعل الكلمة البشرية جزءاً من سيرة صاحبها، وليس مجرد علامة لغويّة تؤدي وظيفة داخل جملة.

حين يكتب الإنسان عن المنفى، على سبيل المثال، تحمل الكلمة شيئاً من وطن تركه أو فقده، وحين يستدعي الحب أو الموت تتداخل في لغته طبقات من التجربة والذاكرة. أما النموذج اللغوي، فيصل إلى الكلمات عبر العلاقات الإحصائيّة والأنماط الرياضيّة المستخلصة من كميات هائلة من النصوص. يستطيع بناء خطاب بليغ عن الحزن من غير أن يختبر مرارته، وعن الخوف من غير أن يرتجف، وعن الموت من غير أن يفقه معنى الفناء الذاتي. وهنا يتضح التمييز بين المعلومة القابلة للتخزين والمعالجة والاسترجاع، والمعرفة التي تتشكل داخل ذوات حيّة تعيش في الزمن، وتتغير بما تختبره.

غير أن هذه المفارقة تتجاوز التفلسف المجرد؛ فالآلة التي تفتقر إلى ذاكرة ذاتيّة تتغذّى بالمبدأ على ذاكرة بشرية منتقاة وغير متوازنة. وما نسميه بيانات هو حصيلة ما دوّنته المجتمعات ورقمنته وحفظته وأتاحته، حاملاً معه تحيزاتها وموازين قواها وطرائق تصنيفها للأشياء. وهكذا تنتقل التحيزات المعرفيّة إلى قلب الخوارزميّة؛ ما يفرض طرح أسئلة تتعلق بالتاريخ الذي تتعلمه الآلة، والمصادر التي تمنحها الأولويّة، والثقافات التي تمتلك حضوراً رقمياً يسمح لها بالمشاركة في تشكيل الإجابات.

وبالنسبة إلينا في هذا الجزء من العالم، تحتل اللّغة العربيّة موقعاً حساساً عند هذا المفصل التاريخي، فهي تحمل تراثاً نصيّاً هائلاً يمتد قروناً، في حين يبقى جانب معتبر من ذاكرتها خارج البنى الرقميّة القابلة للمعالجة الحديثة. وتتجاوز المشكلة قدرة النموذج على إنتاج نصّ عربي سليم إلى طبيعة العربيّة التي يتعلمها، وحضور الفصحى واللهجات، والمصطلحات والمراجع التي تشكل خرائطه المفاهيمية. فقد يتقن النظام العربيّة لغوياً، في حين يستمد جانباً من تصوراته من معرفة تشكلت بلغات وثقافات أخرى. ومن هنا تصبح رقمنة التراث وبناء المدونات اللغويّة وتطوير المحتوى العلمي والفلسفي المعاصر قضايا تتصل على نحو وثيق بالسيادة المعرفيّة.

يضع الكتاب هذه اللحظة ضمن تاريخ الثورات التي أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعرفة. فقد دشّنت اللغة الثورة المعرفيّة الأولى، حين منحت الإنسان القدرة على تحويل التجربة إلى معنى مشترك وتداوله مع الآخرين، ثم جاءت الكتابة لتمنح هذا المعنى ذاكرة تتجاوز حدود الفرد والزمن، وأتاحت الطباعة انتشار المعرفة على نطاق واسع، قبل أن يجعل الإنترنت المعلومات قابلة للبحث والتداول الفوري. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي، فيمثل نقلة مغايرة؛ إذ أصبحت الآلة تعيد تركيب المعرفة وتلخيصها وترجمتها وصياغتها، في انتقال نوعيّ من امتلاك المعلومات إلى امتلاك الأنظمة التي تعيد إنتاجها وتقديمها للبشر.

ومن هذا الانتقال يفتح «أصوات بلا ذاكرة» نافذة على صراع القوة العالمي. ففي التصورات المرتبطة بحروب الجيل السادس، تتداخل القوة العسكريّة مع الفضاء السيبراني وحروب المعلومات والأنظمة الذاتيّة وتقنيات التأثير في الإدراك. وتدخل اللغة نفسها ساحة الصراع؛ إذ تستطيع الأنظمة التوليديّة إنتاج الرسائل والصور والسرديّات ونشرها على نطاق هائل، لتصبح القدرة على تشكيل المجال المعلوماتي جزءاً أصيلاً من القوة الاستراتيجية للدول.

وتتفرع من هذا الصراع معركة أخلاقية تتنافس فيها الدول الكبرى على التفوق التكنولوجي وصياغة قواعد تنظيمه في آن، في حين تمتلك الشركات العملاقة الجانب الأهمّ من النماذج والبنيّة الحاسوبيّة والخبرة التقنيّة. فمن يحدد حدود المقبول؟ ومن يعرّف الضرر والتحيز؟ ومن يتحمل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟ إنها أسئلة تنقل الأخلاق (والفلسفة) إلى مركز الصراع على مستقبل التكنولوجيا.

وهذا يأخذنا إلى ما يسميه الدكتور مراد بالعلوم الإنسانيّة الرقميّة، بوصفها مساحة يلتقي فيها الأدب والتاريخ والفلسفة واللسانيات مع الحوسبة وتحليل البيانات. إذ يستطيع الباحثون اليوم بمساعدة الذكاء الاصطناعي فحص ملايين النصوص وتتبع تحول المفاهيم واكتشاف أنماط وعلاقات يصعب رصدها بالقراءات التقليديّة، في حين يظلّ تفسير تلك الأنماط مرتبطاً بالسياق التاريخي والخبرة الإنسانية. وهكذا، تتسع أدوات البحث من دون أن يفقد التأويل موقعه في إنتاج المعرفة.

يفتح الكتاب النقاش المهمّ حول الصفحة التاليّة من مستقبل الذكاء الاصطناعي، بالانتقال من المعالجات الإلكترونيّة إلى الحوسبة البيولوجيّة والذكاء العضوي، حيث يجري استكشاف إمكان توظيف الجزيئات والخلايا والأنظمة الحيّة في معالجة المعلومات. ويعرض في هذا الإطار الأبحاث المتعلقة بالحواسيب الجزيئيّة التي تستخدم الحمض النووي والبروتينات، وما تتيحه من احتمالات مختلفة للحوسبة والتخزين، إلى جانب التحديات العلميّة التي لا تزال تفصل التجارب المختبريّة عن التطبيقات الواسعة.

توقُظُ الفضول في هذا السياق فكرة بالغة الإثارة تكاد تكون مُستلّة من أدب الخيال العلمي، تتعلق باستخدام الحمض النووي (DNA) وسيطاً لأرشفة المعلومات الرقميّة. فالمادة التي تحمل الشيفرة الوراثيّة للكائنات الحيّة تمتلك كثافة تخزينيّة خارقة، وقد أظهرت التجارب إمكان ترميز البيانات الرقميّة داخل تسلسلات من الحمض النووي الاصطناعي ثم استعادتها بقراءتها. ويفتح ذلك تصوراً جديداً للذاكرة، تنتقل فيه المعلومات من الشرائح الإلكترونيّة إلى وسيط جزيئي مستمد من المادة التي تحمل تعليمات الحياة نفسها.

مَن يتحمَّل المسؤوليّة عندما تدخل الخوارزميّة في التعليم والإعلام والعمل واتخاذ القرارات؟

أما الاحتمال الأبعد، فيتمثل في التهجين الرقمي والبيولوجي، حين تتداخل الأنظمة الحاسوبيّة مع المكونات العضويّة، وصولاً إلى تصورات عن ذكاء يجمع خصائص العالمين. ويتناول الكتاب إمكان تطوير أنظمة تستفيد من الجزيئات البيولوجيّة، وأخرى قد تتفاعل مع جسم الإنسان ووظائفه، بحيث تتشوش الحدود الفاصلة بين الطبيعي والمصطنع، والبيولوجي والرقمي، والإنسان وما يضيفه إلى قدراته من أدوات وتقنيات.

ويتجاوز مفهوم التهجين الجانب العضوي ليشمل الهويّة والثقافة والعلاقات الاجتماعيّة. فالإنسان المعاصر يعيش بالفعل داخل بيئات هجينة يتداخل فيها الحضوري والافتراضي، ومع ازدياد تشابك الذكاء الاصطناعي في الحياة اليوميّة، تصبح التكنولوجيا شريكاً متزايد التأثير في تشكيل التجربة الذاتيّة، وتظهر أسئلة جديدة حول الهويّة والخصوصيّة والاختلاف وحدود التدخل التقني في الحياة الإنسانيّة.

ومن الطبيعي أن تنعكس هذه التحولات على التربيّة والتعليم. فحين تتولى الأنظمة الذكيّة جانباً متزايداً من البحث والكتابة والتحليل وحلّ المشكلات، تتغير العلاقة بين المتعلم والمعرفة. ويصبح التحدي التربوي الحقيقيّ متعلقاً بتنمية القدرة على التفكير النقدي والتمييز والتحقق والاستدلال، إلى جانب اكتساب المهارات التقنية. كما تتغير وظيفة المعلم من نقل المعلومات إلى توجيه التعلم وبناء الأسئلة ومساعدة المتعلمين على فهم حدود الإجابات التي تقدمها الآلة. وفي المقابل، يثير الاعتماد المفرط على الأنظمة التوليديّة مخاوف تتعلق بضمور بعض مهارات التفكير والبحث والإبداع المستقل عند المتعلمين.

يتجاوز «أصوات بلا ذاكرة» كونه قراءة في تكنولوجيا مستجدّة، ليضع الإنسان نفسه أمام استحقاقات ثوريّة تتعلق بطبيعة (ومعنى) المعرفة والذاكرة والوعي والأصالة والإبداع والهوية. فالآلة التي تعلمت لغتنا ببراعة دفعتنا إلى إعادة النظر في مفاهيم اعتدنا التعامل معها بوصفها مسلّمات، في حين تفتح احتمالات الذكاء العضوي والتهجين المعرفي والبيولوجي أفقاً تتغير فيه العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا على نحو قد يطول تكوينه الجسدي وقدراته الذهنيّة.

وإذا كانت الآلة تستطيع اليوم أن تقول الكثير من دون أن تعيش حياةً واحدة، فإن السؤال الذي يتركه الكتاب مُشرعاً أمامنا يتجاوز مصدر الكلمات إلى مستقبل الذات الإنسانية: من أي ذاكرة ستتكلم هذه الآلة؟ وبأي قيّمٍ ستتعلم؟ وأيّ مساحةٍ سيحتفظ بها الإنسان لاستقلاله وحريته حين تصبح الخوارزميات شريكاً متزايد النفوذ في إنتاج المعرفة وصياغة المعنى؟


«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء
TT

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

«طيران على مستوى منخفض»... وقائع حرب بين الأرض والسماء

صدرت حديثاً للكاتبة والإعلامية اللبنانية ثناء عطوي، «نوفيلا» جديدة بعنوان «طيران على مستوى منخفض»، عن «محترف أوكسجين للنشر».

تستند قصة الكتاب إلى شخصيات حقيقية، وأحداث واقعية جرت أثناء الحرب الأخيرة على غزة ولبنان، وهي واحدة من بين آلاف القصص التي لم تجد من يرويها.

تستهل الكاتبة هذه النوفيلا بعبارة شديدة الوقع: «نحن أبناء البلادِ القديمة، نخرج من الصورة مثل وطنٍ صغيرٍ أضاع البوصلة، فيستقبلنا عالمٌ يتحدّث لغة لا نجيدُها»

ثم يطفو سؤال ملحّ إلى السطح: بأيّ لغةٍ نخاطب العالم؟ لعلّها اللغة التي نسعى من خلالها إلى ترميم الذاكرة ومواجهة الحقائق التي تمنع محو آثار الجريمة متعدّدة الأبعاد. أو ربما هي تلك اللغة المنسية كأصحابها، لغة الذات وهي تحاورُ أطيافَها وتمنحُ الفرد المجهول حضوراً وهوية، حتى لا يكون مجرّد رقمٍ في الوجع الجماعي والخراب العميم.

ومنذ سؤال السطر الأول من الكتاب «لماذا أنت هنا؟» تتوالى الأسئلة الحرجة، التي ليس لها إجابات: «إلى أين تمضي قصص الحرب وفي أي اتجاهٍ تسير؟ هل يمتصّها الغيم مخزن أسرار الأرض، أم تخترق السماء، سقفَ العالم وغطاءَه؟»

والكثير من علامات الاستفهام والمشاعر المتناقضة بين بطلي النوفيلا: «وبينما يخوض أليعازر الفضاء وعيناه نحو الأرض، يتساءل علي موزارت: أي سلّم بمقدوره الصعود بي إلى السماء؟» من هذا المنطلق تبدأ كلمة الغلاف بسؤال أيضاً: «أي طيّار إسرائيلي هذا وهو ينقض على هدفه ولا يقصفه؟ من هو هذا المقاتل الفلسطيني الرابض تحت الأرض وهي تُزلزل من فوقه؟ هل للموسيقى أن تجمعهما؟ وهل للرسائل المدوّنة على الصواريخ أن تتحوّل إلى أغانٍ؟

أسئلة تضعنا حيالها الكاتبة والمراسلة الحربية اللبنانية ثناء عطوي، مازجة المتخيل بالتوثيقي، والوقائع بالقصص والأفكار، وقد أصبح القتل أرقاماً على شاشة، والناس على الأرض يتتبعون النجاة على خرائط «غوغل»، ومحظوظ من وجد مدوِّناً لحكايته».

ويتضمّن الكتاب أعمالاً للفنان البريطاني توم يونغ، الذي يعيش متنّقلاً بين لندن وبيروت، ويعمل على منشآت فنية في أماكن مهجورة أو متضرّرة كسبيل إلى بثّ الروح فيها.

في أعمال يونغ لا تَنسى البلدان من دمّرها، ولا أسماء أعدائها، ولا الوجع الذي أصابها. لوحات للمشهد ذاته، للحرب التي تتكرّر بأسماء مختلفة، لأوطان غطى الغبار وجهها، وتحوّلت ببطء إلى أشجار معمّرة.

في كتابها هذا، تقدّم لنا ثناء عطوي نصّاً يجمع بين الأدب والتوثيق الصحافي، والفن التشكيلي والموسيقى، التي يلجأ إليها بطلا العمل في أوقاتِ الهدنة، ليجدا نفسيهما بعد الحرب وقد جمعتهما ظروف غير متوقّعة في مكان محايد، بعد عودة كل منهما من صخب الحرب والمعارك.. يتحدث كل منهما لطبيبه النفسي عن دوافعه ومخاوفه، وعن ذكرياته المؤلمة بطريقة مختلفة.

من الفصل التاسع «متساوون بالموسيقى» نقرأ:

«يقول لصديقه: نؤدي المهام نفسها منذ أشهر، ألا وهي سحق المدن والمدنيين، والقضاء على حياة جديدة كل يوم، واستهداف الأطفال بأعداد كبيرة. لا أعرف كيف سنغفل عنهم عندما نرى وجوههم في الصور، ونتذكر أنفاسهم الأخيرة، وما تلفّظوا به وهم يستغيثون في لحظات الفزع».

يسرح علي في عَلَم بلاده الذي رسمه أحد المقاتلين على جدران النفق. يقول لصديقه إبراهيم: «عندما نعود بالأكفان من هذه الحرب، سيعيدوننا إلى نفق آخر، ويمنحوننا أوسمة، ثم ينثرون الورد فوقنا. ستُغطى أجسادنا براياتٍ ملوّنة، تمنح موتنا قيمة عليا. لكن لدي أمنيةٌ واحدة، ليتهم يتركون القبور مفتوحة».

«طيران على مستوى منخفض» نوفيلا من 80 صفحة، تأخذنا من خلالها الكاتبة في رحلة سردية توثيقية بصرية تتناغم فيها ثماني لوحات للفنان البريطاني توم يونغ، مع فصول الكتاب الستة عشر، في محاولة لتفكيك شيفرات الحرب، وتغليب الإنساني على مشاهد العنف التي أصبحت المشهد الأول في يومياتنا العربية.

وكان الغلاف من تصميم إيهاب فياض.

ثناء عطوي كاتبة وإعلامية، عملت مراسلة حربية على خطوط النار لسنوات، ونشرت تقارير محلية وعربية عن الحرب. من إصداراتها: «تحوّلات المثقفين اللبنانيين منذ ستينيات القرن العشرين»، و«وسواس» سيرة روائية وهواجس حرب صدرت بالعربية والفرنسية، ودراسة بحثية بعنوان «الأسرى المحررون من أوهام الواقع».


«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع
TT

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

«عصر التزييف»... آليات إنتاج الوعي المصنّع

عن «مؤسسة شمس للنشر والإعلام»، بالقاهرة؛ صدر كتاب «عصر التزييف... هندسة الوعي وإعادة بناء الحقيقة»، للكاتب والمفكر العراقي «عباس النوري»، الذي يسعى في كتابه لمحاولة فهم التحولات العميقة التي يشهدها الوعي الإنساني في زمن تتداخل فيه الحقيقة بالوهم، والمعرفة بالضجيج، والاختيار بالتوجيه الخفي.

الكتاب يُعدّ مشروعاً فكرياً يسعى إلى قراءة التحولات العميقة التي يشهدها العالم في مجال الوعي والإدراك وصناعة السرديات، ويفتح باباً مهماً للتأمل في آليات تشكيل الوعي، بوسفه ضرورة بقاء، في زمن تتسارع فيه محاولات التأثير على العقول وإعادة تشكيل الإدراك، وباعتبار أن الإنسان ليس مجرد وعاء تُلقى فيه الأفكار، بل كائن قادر على مراجعة قناعاته واستعادة استقلاله الفكري.

ينطلق «عصر التزييف» من سؤال جوهري: لماذا أصبح الإنسان، رغم وفرة المعلومات، أكثر عُرضة للالتباس وصناعة القناعات الموجهة؟ وهل التزييف يقتصر على الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة، أم يمتد إلى توجيه الوعي والإدراك والقِيم والحقائق؟ ويقدم إطاراً فكرياً لتحليل آليات التأثير في الوعي، وتناقش دور الإعلام، والخوارزميات، واللغة، والخوف، والتكرار، في تشكيل الإدراك الإنساني. ولا يكتفي بالتشخيص، بل يطرح رؤية عملية لبناء وعي نقدي يعزز قدرة الإنسان على التمييز بين الحقيقة والوهم. كما يلفت إلى أن أخطر أشكال التزييف هو ذلك الذي يتخفى خلف شعارات الحرية والاختيار.

ويشير الكتاب إلى أن التزييف اليوم «لم يعد حدثاً عابراً أو حالة استثنائية، بل أصبح بنية عميقة، يعاد من خلالها صياغة الوعي، وتشكيل إدراك الإنسان للعالم، ومن ثم يمثل الكتاب محاولة فكرية لفهم هذا العصر، وتحليل آليات إنتاج (الوعي المصنّع)، وبيان كيف تدار الحقيقة وتعاد هندستها، مع السعي إلى حماية الإنسان من الانخداع بالوهم، ليحافظ على إنسانيته وقدرته على التفكير الحر».