العلم والدين... تنافس أم محاولة لتفسير الكون؟

مؤرخ أميركي يشرح مفارقات الزواج والطلاق المتكرر بينهما

العلم والدين... تنافس أم محاولة لتفسير الكون؟
TT

العلم والدين... تنافس أم محاولة لتفسير الكون؟

العلم والدين... تنافس أم محاولة لتفسير الكون؟

عن العلاقة القديمة بين العلم والدين وقصة تقاربهما وتباعدهما والتي دائما كانت تتأرجح بين حقبة عسل وزواج، وتارة أخرى بين انفصال وطلاق، يدور كتاب «أبناء أرسطو» للمؤرخ الأميركي ريتشارد إي. روبنشتاين، ترجمه للعربية رضا زيدان، وصدر حديثا عن دار أدب للنشر والتوزيع بالسعودية.
ومن أجل تبسيط الخطوط العريضة للكتاب سأقسمه للقارئ إلى أربع محطات:
المحطة الأولى: ساد فيها الخصام والطلاق بين العلم الأرسطي اليوناني والأديان الإبراهيمية، فرؤية العالم التي قدمها أرسطو (القرن 4 قبل الميلاد) والمصطبغة بنظرة مادية ودنيوية، لا غبار عليها، أو لنقل إنها نظرة علمانية للكون تقرؤه من خلال الكون نفسه، ما كان للدين أن يتقبلها، فيكفي أن إله أرسطو محايث للكون الذي يراه أزليا، خلافا لإله الأديان الإبراهيمية المفارق وخالق الكون من عدم.
إضافة إلى اختلاف التصور لمفهوم السببية الذي هو عند أرسطو ضرورة تسير عليه الأمور، أما بالنسبة للدين فهو لا يكتسي هذه الضرورة المطلقة وذلك لفسح المجال للمعجزات والتدخل الإلهي في تفاصيل الكون وحضور عنايته.
فالعلاقة إذن بين الدين والعلم آنذاك، والذي كان رمزه هو أرسطو، كانت علاقة تنافر وتباعد أو لنقل إن كل واحد منهما قد قدم تصورا منافسا للآخر، وهو ما يفسر لماذا لم يكن أرسطو مرحبا به في القرون الأولى للمسيحية، حيث تم الاحتفاء بأستاذه أفلاطون أكثر لأن تصوره مشحون بالعوالم المفارقة والمثالية التي يسهل توفيقها مع الدين، ولنا في عمل القديس أوغسطين (القرن الرابع والخامس للميلاد) أحسن مثال على ذلك.
المحطة الثانية: وقف الكتاب عند حقبة ثانية من مسار التنافس بين التصور الديني والتصور العلمي، وهي حقبة لم يقدر العقل فيها على الإبقاء على التناقضات بين النسقين: النسق المحايث والنسق المفارق، فظهرت حمى التوفيق والإدماج بينهما وعلت الإرادة لإقامة الصلح بين المنظومة الأرسطية والدين، حيث اجتهد الفلاسفة في التربة الإسلامية للتوفيق بين التصورين المتنافسين، وإيجاد ما بينهما من اتصال فكان التتويج في هذا العمل مع الشارح القرطبي ابن رشد (القرن الثاني عشر الميلادي)، الذي يؤكد المؤلف عليه وعلى جهده الجبار لتقريب الرؤية الأرسطية من الرؤية الدينية، لكن كان مصير هذا الجهد الفشل، خاصةً بعد ما قام به الإمام الغزالي (القرن الحادي عشر الميلادي) من تفكيك لأواصر القرابة بينهما.
لقد كان دخول أرسطو في الفضاء الإسلامي حقا غير مريح، رغم أهميته العلمية والتفاني في ترجمته، فالأرض لم تكن مفروشة له بالورود، فالاحتدام معه كان شرسا، وهو الأمر الذي يمكن تسميته بمعركة «تهافت الفلاسفة».
لكن هذه المعركة التي خرج منها أرسطو مطرودا غير مهزوم من التربة الإسلامية ستأخذ دربا آخر في الفضاء المسيحي خاصةً بعد القرن 12م، حيث ستتمكن المسيحية اللاتينية، بعد أخذها المشعل من المسلمين، وبعد صراع مرير، يسمى بالمعركة الأرسطية، من إقامة الصلح وإبرام عقد زواج بين أرسطو والدين، بين العقل والإيمان، ولعل توما الاكويني (القرن 13م) أهم من قام بتعميد أرسطو وتنصيره وجعله الناطق الرسمي باسم الكنيسة، التي رفعت مقامه إلى مصاف الآباء والقديسين، إلى حد أصبح معه انتقاد أرسطو هو انتقاد للكنيسة نفسها.
إن هذه المحطة الثانية التي تم تتويجها بزواج مرتب بين الفلسفة (العلم) الأرسطية والدين المسيحي هي اللحظة الأساسية في الكتاب، حيث وقف روبنشتاين فيها عند تفاصيل كثيرة، سبقت ترتيبات الزواج، وكانت الانطلاقة المهمة عنده من إسبانيا (الأندلس) حيث كان الظهور المسرحي الثوري لأعمال أرسطو.
فإسبانيا كانت إحدى أهم المناطق الإسلامية في القرون الوسطى التي حافظت على التراث اليوناني الذي تحول آنذاك لملكية فكرية للحضارة العربية المزدهرة والمستنيرة، فهذه اللحظة بالضبط ونظرا لظروف تاريخية محددة طالت أوروبا: ارتبطت بالحروب الصليبية والتغيرات الاجتماعية الطارئة وبروز ثورات تريد الحد من هيمنة الكنيسة وشيوع أفكار إصلاحية تريد العودة إلى زمن التقشف والزهد الرسولي، عوضاً عن الملكية المفرطة للإكليروس، إضافة إلى ظهور أجيال جديدة فضولية ترفض الإيمان والأسرار الكنسية دونما فهم ومعقولية، كل هذه العوامل وأخرى ساهمت في خلق فضاء يغلي ومتعطش للجديد، هذا الجديد كان عند العرب، مما عجل وسرع من وتيرة الترجمة، ترجمة التراث اليوناني مع كل تنقيحات وتصويبات وشروحات وإضافات فلاسفة الإسلام وأبرزهم ابن رشد الذي سيصبح له أتباع من اللاتين وسيشكلون مذهبا كامل الأركان يسمى الرشدية.
يرفض المؤلف فكرة الأصالة الثقافية، فهي بالنسبة له، أسطورة فلا حضارة تتطور بمفردها دونما استعارة من الآخر، ولعل ما حدث فيما يسمى بنهضة القرون الوسطى شاهد على ذلك، فالغرب المسيحي ما كان لينطلق في ثورته الحداثية دون سند الخيرات والتراكمات الفلسفية والعلمية التي قدمها العرب على طبق من ذهب، فالقول بصفاء الذات ثقافيا هو مجرد تعصب لا يسنده التاريخ.
المحطة الثالثة: هي لحظة بدأت في القرون الوسطى المتأخرة وبالضبط مع مدرسة باريس إبان القرن 14م، حيث لم يمض زمن طويل من الوفاق والتلاقي الحميم بين العقل والإيمان لتظهر ملامح الشقاق من جديد، فإذا كان الدين المسيحي قد تنفس الصعداء حينما تخلص من التناقض الذي طرحته الأرسطية عليه ووجد صيغة مثلى لتنصير أرسطو ومن ثم إسكات شغف الفهم وإضفاء المعقولية على أسرار الكنيسة.
فإن الأمر لم يبق كما هو، حيث إن التناغم الذي حصل سيدفع بالعقول الفذة لمدرسة باريس إلى تحدي النسق الأرسطي العلمي نفسه وإبراز تهافت بعض آرائه، خاصةً في مفهوم الحركة، حيث ستظهر «نظرية الاندفاع» التي من خلالها سينطلق أهم مبدأ سيدشن الفيزياء الحديثة مع جاليليو وهو مبدأ «القصور الذاتي».
فجاليليو هو مجرد تلميذ مدرسة باريس بزعامة الراهبين أورزم وبوريدان، اللذين قاما ببلورة ملامح أولية لقول غير أرسطي في العلم، فهما من سمحا بالحديث عن إمكانية دوران الأرض مما مهد السبيل لعالم الفلك الشهير كوبيرنيكوس لإعلان نظرية دوران الأرض الثورية والتي قلبت كيان العلم ودقت مسماراً في نعش العلم الأرسطي وانطلق معها الزمن الحديث الذي ستتحدد ملامحه بجلاء كبير في القرن السابع عشر مع أسماء كبيرة مثل: جاليليو وديكارت وكبلر وباسكال ونيوتن، الذين سيتم معهم توقيع وثيقة الطلاق من جديد بين العلم والإيمان.
لكن هذه المرة مع العلم الطارئ الجديد وليس العلم الأرسطي المهزوم، إذ ستظهر رؤية جديدة للعالم قوامها النظرة الميكانيكية، حيث التفسير للظواهر يتم من خلال العالم نفسه، فلا شيء مفارق يعتمد عليه في الفهم، أو لنقل إن الدين أصبح مقتصرا على الاهتمام بخلق الأشياء، أما العلم فأصبح مقتصرا على تكوين الأشياء، فالزمن الحديث حدد المهام المنوطة بكل طرف بإحكام، فالطلاق بين العلم والدين أصبح طلاقا منهجيا. وهو ما تعمم في كل مناحي الحياة بما أصبح يسمى «العلمانية».
وهنا لا بد من الإشارة إلى فكرة هامة يقف عندها المؤلف وهي الدور الهائل الذي لعبته الكنيسة في بناء العلم الحديث، فهو خرج من رحمها، فعمل مدرسة باريس الجبار تم من طرف رهبان، عكس المعتقد السائد بأن الكنيسة عدوة للعلم، فالذي حدث بالضبط هو أن تصدي الكنيسة المشهور لرواد العلم (حرق برونو، محاكمة جاليليو...) كان بسبب هجومهم على أرسطو الذي أصبح في مقام القديسين، فالكنيسة في حقيقة الأمر دافعت عن هيبتها، لأنها تبنت أرسطو الذي أصبح يتهاوى أمامها، ولنقل بوضوح أن الصراع في حقيقته لم يكن بين الدين والعلم في الزمن الحديث بل كان بين العلم والعلم، علم أرسطي يتآكل وعلم حديث يتبلور.
المحطة الرابعة: هي التي تتم في عصرنا الراهن هذا، حيث تبدو ملامح العودة من جديد للوئام بين الرؤيتين المتنافستين تاريخيا، ليطلب العلم والدين يد بعضهما لبعض للزواج، فبعد مرور 4 قرون من الحداثة وذيوع الفصل بين العالم الأرضي والعالم السماوي في كل المجالات، وإبعاد الغايات والمقاصد من كل رؤية، والاكتفاء بكل ما تحته حساب وأرقام، أي كل ما من وراءه مردودية ونجاعة، والتخلي عن القيم والعوالم المفارقة.
لأنها تخرج من نطاق التكميم، بعد كل ذلك حصلت أزمة في معنى الوجود، فالإنسان بات قلقا، وفاقدا في كثير من الأحيان لبوصلته ومضيعا لقبلته وتائها في عالم لا يكترث للماورائيات، مما استدعى إعادة النظر من جديد في الطلاق بين العلم والدين وطلب الرجوع للزواج من جديد، وبالطبع هو رجوع من طراز مختلف تماما، فقد مرت مياه كثيرة تحت القناطر.
وهنا بالضبط يتدخل كتاب روبنشتاين بدعوته إلى ضرورة العودة إلى العقل المحمل بالقيمة وهو ما يمكن تعلمه واستلهامه من القرون الوسطى التي قدمت تصورا دينيا لا يخاف العقل وتصورا عقليا لا يتجاوز الديني.



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.