«مسرح الشعب»... تراث البسطاء من أجل فرجة بلا حواجز

ثلاثة أعمال لعلي الراعي تستعيد جمالياته وطبيعته المتمردة

«مسرح الشعب»... تراث البسطاء من أجل فرجة بلا حواجز
TT

«مسرح الشعب»... تراث البسطاء من أجل فرجة بلا حواجز

«مسرح الشعب»... تراث البسطاء من أجل فرجة بلا حواجز

أعادت الهيئة العامة المصرية لقصور الثقافة ضمن مشروعها لإحياء التراث طباعة كتاب «مسرح الشعب» للدكتور علي الراعي (1920 - 1999) أحد فرسان النقد المسرحي في مصر والعالم العربي. يضم الكتاب ثلاثة مؤلفات أساسية في مسيرة الراعي هي «الكوميديا المرتجلة»، «فنون الكوميديا»، «مسرح الدم والدموع». ويتمثل الخيط الرابط بينها في هذا السؤال: هل لا يزال من الممكن البحث عن صيغة عربية للمسرح؟ يجيب الراعي بالإثبات مستشهداً بالكاتب التونسي طاهر قيقه (1922 – 1993)، الذي قال إنه تقدم ذات يوم بالنصح إلى شباب المسرحيين في تونس بأن يلتفتوا إلى التراث القصصي العربي ويستنبطوا منه أشكالاً فنية تخدم المسرح كما عرض عليهم أن يفيدوا من شخصية الراوية في هذا التراث. هذا الرجل الذي كان يمسك بزمام السير الشعبية ومصائر الأبطال ويدافع بها أيضاً عن نفسه حين تقضي وقائع السيرة أن يناصر بطلاً على آخر.
وفي المغرب نبه عبد الله سنوقي إلى أهمية «مسرح الحلقة» في تراث المغرب الأدبي ووصفه بأنه تجمع لعشرات من المتفرجين البسطاء على شكل حلقة يدور في وسطها التمثيل، أما الممثلون فيقومون بأدوار ثابتة يفيضون فيها ويبتكرون من خلال ملخص سريع للأحداث يُعطى لهم من قبل، بشكل ملفق يسخر من كل محاولة لمشاكلة الواقع، والرجال فيهم يقومون بأدوار النساء. ويحرص ممثلو الحلقة على إرضاء جمهورهم فيواجهون الجزء الأكبر منه بوجوههم بينما الجزء الباقي يقتربون منه بظهورهم إلى درجة الملامسة فيستغني المتفرج بهذا عن رؤية وجه الممثل وتحل بهذا مشكلة الرؤية في مسرح الحلقة المغربي، وإلى جوار هذا يسعى الممثلون في مسرح الحلقة إلى دعم فكرة إشراك المتفرجين معهم في الاهتمام بالعرض عن طريق دعوة واحد أو أكثر من المتفرجين إلى المساهمة في التمثيل إلى جوار الممثلين.
وفي المغرب أيضا قام الطيب الصديقي (1939 - 2016) بالدعوة إلى إنشاء مسرح وطني يعتمد على وحدة فنون العرض جميعاً، إنه المسرح الشامل أو كما يسميه هو «المسرح الكامل»، كما دعا إلى توسيع رقعة الجماهير وزيادة عددها وذلك عن طريق إشراكها في الحدث المسرحي إما بنقل هذا الحدث من القاعات الضيقة إلى الشوارع والميادين أو بنقل تكتيك فن الشوارع إلى أبنية المسرح التقليدية مثلما حدث حين قدم مسرحية «ديوان سيدي عبد الرحمن المجذوب» على مسرح «منصة»، مستخدماً أساليب مسرح الحلقة.

ضد مسرح المؤلف

على ضوء هذا ينتقد الراعي فكرة المسرح القائم على فكرة نص مكتوب معد من قبل مؤلف عبقري أو موهوب وأصبح وثيقة مقدسة لا يمكن أن يتطرق إليه أي تعديل، لأنه شيء ثابت وأزلي لا يتغير! لافتاً إلى أن هذه الفكرة ستسلم المسرح العربي إلى الجمود الشديد المهدد بالموت مثلما فعلت ببلاد أخرى كثيرة.
في هذا السياق حاول يوسف إدريس في «الفرافير» أن يعود إلى تقليد المسرح الشعبي فاستخدم الشخصية الذكية المضروبة الضاربة المستفزة المتظاهرة بالغباء، شخصية الفرفور ويقابلها في مسرح الارتجال شخصية كامل الأصلي.
كما استخدم جو السيرك والأكروبات وبسط على المسرحية مظهراً من مظاهر الكوميديا المرتجلة بتعليقاته على موضوعات الساعة وإشاراته إلى أشخاص حقيقيين افترض وجودهم بين الجمهور وإدخاله ما يشبه حوار القافية بين السيد والفرفور وإنشائه لعلاقة تشبه علاقة الحاوي بمساعده حين ربط بها هاتين الشخصيتين الرئيسيتين وبوضعه ممثلة بين الجمهور لتمثل دور متفرجة وتحقق الصلة المباشرة بين الصالة والخشبة.
ثم جاء مخرج المسرحية كرم مطاوع «1933 – 1996» فكسر الحاجز بين الجمهور والممثلين بأن جعل الفرفور يتجول في ممرات الصالة التي اعتبرت جزءاً من الخشبة. كل هذا جعل كما يقول الراعي المسرحية تستحوذ على قلب الجمهور وعقله معاً، مما يشير بوضوح إلى الاتجاه الذي يود جمهورنا أن تسير فيه العروض المسرحية، في اتجاه يجعل الممثل والمتفرج وحدة واحدة ويلغي فكرة أن الثاني يتفرج في سلبية على ما يفعله الأول ويجعل من المسرحية كائناً حياً متطوراً لا أسطوانة مسجلة يلعبها الممثلون كل ليلة من آلات داخل أجسادهم.

من البربري إلى الريحاني

ويجري الراعي مقارنة بارعة بين شخصية «البربري عثمان»، التي جسدها الفنان علي الكسار لتصبح أشهر شخصية في المسرح والسينما بمصر في النصف الأول من القرن العشرين وبين شخصية «أرليكنيو» الإيطالي، فحين قرر علي الكسار أن يطلي وجهه باللون الأسود لم يكن يدري أنه بهذا يربط نفسه من حيث الشكل بواحد من أشهر الخدم في دنيا الكوميديا وأحبهم إلى قلوب الجماهير العريضة والمثقفين معاً، إنه الخادم الماكر الذكي المندفع الجبان محب الحياة ومساعد المحبين الذي يشبه أرليكنيو ذا القناع الأسود.
واللقاء بين عثمان عبد الباسط البربري وأرليكنيو الإيطالي يتعدى مجرد الشكل، ولكن الغريب حقاً أن يلتقي الاثنان في القناع كذلك، ويتساءل الراعي: أهي مصادفة طريفة وحسب، أم أن علي الكسار كان يعرف شيئاً عن الكوميديا الشعبية الإيطالية؟ شيئاً شاهده في الفرق المصرية الجوالة التي كانت تقدم لجماهيرها الشعبية الضحك المرتجل والمحفوظ معاً في مسارح المقاهي وحلقات السيرك منذ أوائل القرن، خاصة أن الكسار كان يهوى التمثيل منذ حداثته وكان دائم التردد على الفرق الجوالة التي تضرب خيامها في ساحات الموالد والأعياد الشعبية، وكان يعجبه كثيراً دور البلياتشو الذي يتبع البهلوان، فكان يصفق كثيراً ويضحك من أعماقه حينما يحاول البلياتشو أن يقلد البهلوان في خفة حركاته ورشاقته المفرطة وهو يثب على الحبل فيقع البلياتشو المسكين لا مفر، وهنا يسأله البهلوان: أنت مت يا بلياتشو فيقول البلياتشو: من زمان!
ولا يستبعد الراعي أن الكسار قد قرر في أعماقه أن يصبح هو الآخر نوعاً من البلياتشو، ولعله أعجب بما في هذا المسكين من تطلع ورغبة في التفوق رغم عجزه الواضح وافتقاره موهبة اللياقة البدنية فانعطف قلب الكسار إليه وقرر أن يعبر عن هذه الشخصية في أعمال فنية متعددة وأن يقدمها بهدف إثارة العطف إلى جانب الضحك منها ومعها.
والبلياتشو واحد من الخدم العديدين في عالم الكوميديا، شأنه في ذلك شأن أرليكنيو، هو مضحك ريفي ظهر قرب نهاية القرن السادس عشر وتعددت أسماؤه بتعدد البلاد التي نجم فيها أو ارتحل إليها، له شرف الفلاح الساذج وصراحته ونقاء روحه، وهو دائماً عون للمحبين يحنو عليهم، والعامل المحرك له هو خوفه مما يحيط من أشياء وأشخاص وتوجسه وتوقعه أن يصيبه المكروه على أيدي الناس، أما أرليكنيو الذي ظهر بعد البلياتشو بقرن تقريباً في نهاية القرن السابع عشر فهو أشهر خدم الكوميديا وأكبرهم أثراً في قلوب الناس في أوروبا.
الكوميديا المرتجلة

وينتقل الراعي إلى رصد مؤسس آخر من مؤسسي الكوميديا في مصر والعالم العربي وهو نجيب الريحاني باعتباره أحد ممثلي ما يسميه «مسرح الشعب»، حيث بدأت كوميديا الريحاني بداية شعبية صرفة استمدت وجودها من فصول الكوميديا المرتجلة التي عرفتها مسارح مصر ومقاهيها وأفراحها منذ أوائل القرن العشرين.
تمرس الريحاني خلال جولته مع فرقة الشامي بحياة الناس ولمس عن كثب أحوالهم وعاش حياة الفقراء، فعلمه هذا كيف يقترب من جمهوره فيما بعد وكيف يسعى إلى إرضائه بوسائل مختلفة، منها ما هو قريب من الإسفاف خاصة في البداية، كما لقنه زميله «عزيز عيد» الدرس الثمين، وهو أنه إذا كان المقصود عرض مسرحية ما من أصل أجنبي على جمهور مصري فمن الواجب أن يدخل في الاعتبار ذوق هذا الجمهور وعاداته ووجدانه وإذن يكون التمصير لا الترجمة هو الأسلوب ويكون التصرف في وقائع المسرحية بما يلائم الذوق المحلي أمراً لازماً وليس عليه غبار.
تعلم الريحاني منذ البداية أن الكوميديا يجب أن تنبع من عرض مسرحي ناجح من فرجة واضحة على أن يسمح هذا العرض بالنقد الاجتماعي وبشيء من الفكر والعاطفة في الوقت المناسب، لهذا فحين عرض إستيفان روستي في عام 1916 على زميله المفلس نجيب الريحاني أن يشترك وإياه في نمرة «خيال الظل» التي كانت تعرض كل مساء في كازينو «أبيه دي روز» لم يكن «الإفلاس» وحده هو الذي دفعه للقبول، بل شعور باطن من الريحاني بأن هذه النمرة تسمح له بأن يتخذها منطقاً لفن ترفيهي متعدد الألوان يتداخل فيه الرقص مع الموسيقى والتمثيل ويعجب طبقات عدة من الجمهور.
ويخلص الراعي إلى أنه حتى النهاية ظلت كوميديا الريحاني أمينة لنشأتها الأولى في حضن المسرح الشعبي، إليه كانت تلجأ كلما تعثرت الجهود لدفع الكوميديا المصرية خطوات أخرى في طريق العمل المسرحي المتقن.
ومن الكوميديا الشعبية كان الريحاني ورفيقه بديع خيري يتزودان حتى في مسرحيات النضوج ففي مسرحية «حكاية كل يوم» نجد ثمرة معروفة من ثمار الكوميديا المرتجلة هي ثمرة التمثيل الصامت التي يلجأ إليه الممثل الشعبي ليخرج من ورطة تعبيرية وقع فيها!
ففي فصل «كامل وأولاده» يقع كامل وصديقه في مأزق حين يحتاجان إلى بيض فيطلبانه من صاحب فندق في باريس بلغة الإشارة فالاثنان لا يعرفان الفرنسية، يقلد كامل صوت الدجاجة ويقلد الأفندي صوت الديك ويقوم الاثنان بمحاكاة فكاهية لعملية وضع الدجاجة للبيض يمثلها «طربوش» يتدحرج بين فخذي كامل حتى يصل للأرض فيفهم صاحب الفندق المطلوب!
ولا يتسع المجال لعرض جميع الأفكار التي يحفل بهذا العمل الضخم الذي يقع في 490 صفحة من القطع الكبير، ويعد من عيون تراث النقد المسرحي، ولا يعيبه سوى سوء التنسيق الفني والإخراج الداخلي للصفحات وافتقاده الطباعة الجيدة اللائقة.



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.