ميقاتي يصطدم بالعقبات التي اضطرت الحريري للاعتذار

رئيس الحكومة المكلّف يدرس حالياً خياراته... ووساطة اللواء إبراهيم في «إجازة»

TT

ميقاتي يصطدم بالعقبات التي اضطرت الحريري للاعتذار

لم يبدل الاتصال الذي أجراه رئيس الجهورية ميشال عون برئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي، وأبلغه فيه بأنه ليس هو المقصود بالبيان الذي صدر عن مكتبه الإعلامي من التأزم الذي آلت إليه مشاورات تأليف الحكومة، كما يقول مصدر سياسي مواكب لوساطة المدير العام للأمن العام، اللواء عباس إبراهيم، التي لم يُكتب لها النجاح حتى الآن لإخراج عملية تشكيل الحكومة من المراوحة.
وكشف المصدر السياسي لـ«الشرق الأوسط» أن ميقاتي بدأ يواجه المشكلة نفسها التي اصطدم بها سلفه الرئيس سعد الحريري، ودفعته للاعتذار عن تشكيل الحكومة، وأكد أن مشاورات التأليف عادت إلى المربع الأول، وأن ترحيل استمرار وساطة اللواء إبراهيم إلى مطلع الأسبوع المقبل لا يعني أن الأجواء السياسية ستتبدل باتجاه فتح ثغرة في الحائط المسدود الذي يؤخر تشكيل الحكومة.
ويرى أن عون بات أسير الطروحات التي أصر عليها رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل في اجتماعاته التي عقدها مع المعاونين السياسيين لرئيس المجلس النيابي النائب علي حسن خليل، والأمين العام لـ«حزب الله» حسين خليل، إبان تولي الحريري مهمة تأليف الحكومة، واضطرتهما إلى تجميدها، بعد أن توصلا إلى قناعة بأنه لا جدوى من مواصلتها.
ويؤكد المصدر نفسه أن باسيل اتخذ قراره بأن يضع كل أوراقه السياسية في السلة الإيرانية، بعد أن أدرك أنه لا مجال لرفع اسمه عن لائحة العقوبات الأميركية المفروضة عليه بسبب ارتباطه بـ«حزب الله»، وتوفير الغطاء السياسي له، ويقول إن اتصال باسيل بوزير الخارجية الإيرانية، حسين أمير عبد اللهيان، لم يكن لتهنئته على توليه منصبه فحسب، وإنما لتمرير رسالة إلى واشنطن.
ومع أن المصدر السياسي لا يأخذ على عاتقه نفي أو تأكيد ما يتردد بأن باسيل يتواصل عبر وسيط مع ميقاتي، فإنه لم يستبعد أن يكون اللواء إبراهيم قد التقى باسيل بعيداً عن الأنظار، قبل أن يوقف تحركه بين عون وميقاتي منذ يوم الجمعة الماضي، على أمل أن يستكشف الأجواء، ويقرر إذا كانت وساطته ما زالت على قيد الحياة أم أنه صرف النظر عن استئنافها، على غرار ما حصل مع وساطته بين عون والحريري.
ورداً على سؤال، يوضح المصدر السياسي أن باريس وواشنطن تتواصلان مع عون وميقاتي، وإن كانتا تحملان مسؤولية تأخير تشكيل الحكومة لعون وفريقه السياسي، ويؤكد أن اللواء إبراهيم لم يتمكن حتى الساعة من إحداث خرق لإحياء مشاورات التأليف بين الرئيسين، على الرغم من أن ميقاتي يربط زيارته للقاء عون باستعداد الأخير لتسهيل مهمته، ورفع شروطه التي تعيق ولادة الحكومة.
ويكشف أن سبب تجميد اجتماعات «الخليلين» بباسيل يكمن في أن الأخير يصر على عدم مشاركته في الحكومة، وامتناعه عن منحها الثقة، وتمسكه بحصول فريقه السياسي على «الثلث الضامن»، في مقابل تصلبه لجهة حصر تسمية الوزيرين المسيحيين بعون، ويقول إن ما يحصل الآن في ضوء الشروط التي يضعها رئيس الجمهورية على الرئيس المكلف يتقاطع مع الشروط التي تبلغها «الخليلان» سابقاً من باسيل.
ولم يستبعد المصدر نفسه أن عون قد اتخذ قراره بأن ينسحب ما حصل مع الحريري على ميقاتي، ويعزو السبب إلى أنه يريد أن يدير شؤون البلد وحيداً، إلا إذا استسلم الرئيس المكلف لشروطه، فيبادر إلى تشكيل حكومته بغطاء سياسي منه، وهذا ما يرفضه ميقاتي الذي لا يقبل بأن يشكل حكومة بأي ثمن.
ويؤكد أن عون يصر على الثلث الضامن، باشتراطه الحصول على أكثر من 8 وزراء في حكومة من 24 وزيراً، ويقول إنه يريد الإمساك بالملف الاقتصادي، ووضع يده على الوزارات المعنية بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي، وهي الاقتصاد والطاقة والشؤون الاجتماعية، باستثناء وزارتي المالية والاتصالات، وهذا ما يلقى معارضة لا تقتصر على ميقاتي، وإنما تتجاوزه إلى المؤسسات الدولية، من مالية واقتصادية واستثمارية، إضافة إلى أن رئيس البرلمان نبيه بري ليس في وارد توفير الغطاء السياسي لحكومة تعطي الثلث المعطل لعون، ولو مقنعاً.
لذلك، فإن الأسبوع الطالع لن يحمل أي جديد ما لم يبادر عون إلى سحب شروطه التي تؤخر ولادة الحكومة، وتقطع الطريق على اللواء إبراهيم الذي قد يضطر إلى تجميد وساطته، وإلا سيكون لميقاتي موقف آخر، بعد انصرافه إلى تقويم الوضع في ضوء العقبات التي يفتعلها عون وفريقه السياسي. وقد يضطر ميقاتي للخروج عن صمته، خصوصاً أن تبادل التوضيحات بين مكتبه الإعلامي والمكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية لن يقدم أو يؤخر ما دام أن الأبواب ما زالت موصدة في وجهه، وإن كان الفريق المحسوب على عون يخطط لتحميل الحريري ونادي رؤساء الحكومات السابقين مسؤولية تأخير تشكيل الحكومة.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن تيار «المستقبل» استبق لجوء «التيار الوطني الحر» إلى رمي مسؤولية تعطيل تشكيل الحكومة في مرمى الحريري، واتهامه بأنه يضغط على ميقاتي لمنع تشكيلها، وبادر إلى إصدار بيان أكد فيه، بلسان مصادره، أن زعيمه لا يريد حصة لنفسه، وأنه يدعم ميقاتي، وأن كتلة «المستقبل» النيابية ستمنح حكومته الثقة.
وعليه، فإن ميقاتي يدرس خياراته، ومن بينها أن يتقدم من عون بتشكيلة من 24 وزيراً، من دون أن تتلازم مع تفكيره بالاعتذار عن تشكيلها، تاركاً القرار لعون، وما إذا كانت لديه القدرة على مواجهة الضغوط الدولية، خصوصاً أن دعم «حزب الله» لتشكيلها يقف عند حدود عدم الضغط على عون وباسيل، كأنه يريد توجيه رسالة للخارج، مفادها أنه لا يربط تأليفها بتوقف المفاوضات في فيينا حول الملف النووي الإيراني.
كما أن ما تردد عن وجود نية لدى ميقاتي بأن يتقدم بتشكيلة وزارية جديدة من 14 وزيراً، تضم الأقطاب وممثلين من الصف الأول للقوى السياسية، هي فكرة ما زالت قيد الدرس، إذ لم يبادر إلى استمزاج آراء معظم الذين وردت أسماؤهم في التشكيلة، وهذا ما أكده عدد منهم لـ«الشرق الأوسط» بقولهم إن ميقاتي قد يطرحها لحشر عون، أو أنه يريد اختبار ردود الفعل المحلية أو الدولية عليها، مع أن عون سيرفضها سلفاً لأن من يصر على «الثلث المعطل» لن يقبل بأن يتمثل بوزير واحد.
وبصرف النظر عن الترويج لحكومة من هذا القبيل، فإنها تبقى بمثابة «بالون اختبار»، وقد سبق لميقاتي أن طرح تشكيل حكومة تكنوسياسية، قبل اعتذار السفير مصطفى أديب عن تشكيلها، لكن يبقى السؤال: هل يمكن تسويقها شعبياً في ظل تحميل الطبقة السياسية مسؤولية الانهيار؟ وهل يوافق عون على حكومة كهذه لا تتضمن اسم باسيل كسواه من الأقطاب؟ إضافة إلى أنها تتعارض وروحية المبادرة الفرنسية، ولا تحظى بموافقة القوى السياسية التي فوجئت بها.



العليمي: السلام المستدام يبدأ بإنهاء المشروع الحوثي الإيراني

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل وفداً من المعهد الملكي البريطاني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل وفداً من المعهد الملكي البريطاني (سبأ)
TT

العليمي: السلام المستدام يبدأ بإنهاء المشروع الحوثي الإيراني

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل وفداً من المعهد الملكي البريطاني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي استقبل وفداً من المعهد الملكي البريطاني (سبأ)

شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن أي مقاربة دولية لإنهاء الحرب في اليمن لن تنجح ما لم تتعامل مع الجماعة الحوثية بوصفها جزءاً من مشروع إيراني عابر للحدود، وليس مجرد طرف سياسي محلي، محذراً من أن التركيز على الهدن المؤقتة وترتيبات وقف إطلاق النار لن يؤدي إلا إلى إدارة المخاطر وتأجيل أسباب الصراع، بدلاً من بناء سلام دائم ومستقر.

وقال العليمي، خلال لقائه وفداً من المعهد الملكي البريطاني (تشاتام هاوس)، إن الجماعة الحوثية لم تكن يوماً طرفاً مُقصًى من العملية السياسية كما تدّعي، مذكّراً بمشاركتها في مؤتمر الحوار الوطني، غير أنها ـ بحسب تعبيره ـ رفضت الانخراط كقوة سياسية داخل مؤسسات الدولة، وسعت إلى فرض واقع قائم على احتكار السلاح والسلطة خارج الدستور والشراكة الوطنية.

واتهم الرئيس اليمني بعض الدوائر الغربية والبحثية بسوء فهم طبيعة الوضع في مناطق سيطرة الحوثيين، موضحاً أن فرض القبضة الأمنية المشددة لا يعني وجود حالة استقرار سياسي أو اجتماعي طبيعي. وقال إن الخلط بين المدن الخاضعة بالقوة والمجتمعات التعددية أدى إلى مقاربات قاصرة في التعامل مع الأزمة اليمنية، خصوصاً فيما يتعلق بتوصيف الجماعة الحوثية كسلطة أمر واقع قابلة للاحتواء السياسي.

جانب من لقاء العليمي مع وفد من المعهد الملكي البريطاني (سبأ)

وأكد العليمي أن «السلام الحقيقي» لا يقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل يرتبط ببناء دولة تضمن الحقوق والحريات والمواطنة المتساوية لجميع اليمنيين، معتبراً أن التعامل مع الحوثيين بوصفهم سلطة طبيعية يمنح شرعية لفكرة «الحق الإلهي»، ويكرّس بقاء السلاح خارج مؤسسات الدولة.

وفي سياق حديثه عن المخاطر الأمنية، قال رئيس مجلس الحكم اليمني إن الجماعة الحوثية تجاوزت في ممارساتها كثيراً من التنظيمات الإرهابية، مشيراً إلى استخدامها الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والألغام البحرية والسيارات المفخخة، إلى جانب استهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر، وتجريف الحياة العامة وتقييد الحريات في مناطق سيطرتها.

أمن البحر الأحمر

ربط العليمي بين استقرار اليمن وأمن الملاحة الدولية في البحر الأحمر، مؤكداً أن حماية الممرات البحرية لا تبدأ من البحر فقط، وإنما من معالجة مصادر التهديد على اليابسة وإنهاء الانقلاب الحوثي. وأضاف أن التطورات الإقليمية الأخيرة أثبتت ترابط الأمن اليمني والخليجي والدولي، خصوصاً مع تصاعد الهجمات على السفن التجارية وخطوط الملاحة الدولية.

وأشار رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى أن الشراكة مع المملكة العربية السعودية تمثل ضرورة جغرافية وأمنية واستراتيجية، فرضتها المصالح المشتركة وطبيعة التحديات القائمة، مثمّناً الدعم السعودي لليمن على المستويات العسكرية والأمنية والاقتصادية والإنسانية.

وقال إن الدعم السعودي لم يقتصر على مساندة الحكومة الشرعية في مواجهة الحوثيين، بل شمل أيضاً دعم الاقتصاد والخدمات العامة وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وإنقاذ الأرواح عبر التدخلات الإنسانية والتنموية المختلفة.

كما تطرق اللقاء إلى الإصلاحات التي يقودها مجلس القيادة الرئاسي والحكومة، بما في ذلك توسيع مشاركة الشباب والنساء في مؤسسات الدولة، وإعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، واستيعاب الكفاءات اليمنية في الداخل والخارج ضمن جهود تعزيز فاعلية مؤسسات الدولة وتحسين أدائها.

مباركة رئاسية

في سياق متصل، بارك رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الاتفاق الذي تم التوصل إليه، الخميس، للإفراج عن نحو 1750 محتجزاً من مختلف الأطراف، في أكبر عملية تبادل منذ بدء الحرب، معتبراً الاتفاق «لحظة فرح وأمل»، وفرصة جديدة لتغليب الاعتبارات الإنسانية، ولمّ شمل العائلات قبل عيد الأضحى.

وأعرب العليمي، في تدوينة على منصة «إكس»، عن تقديره للدور الذي لعبته السعودية في إنجاز الاتفاق، مثمّناً كذلك جهود مكتب المبعوث الأممي، ووساطة كل من سلطنة عمان والأردن، إضافة إلى دور اللجنة الدولية للصليب الأحمر والفريق الحكومي المفاوض.

وكان الوفد الحكومي المعني بملف الأسرى والمحتجزين أعلن التوصل إلى الاتفاق بعد جولة مفاوضات انطلقت من العاصمة العُمانية مسقط في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وفق قاعدة «الكل مقابل الكل»، موضحاً أن الاتفاق شمل التوقيع على الكشوفات وآلية التنفيذ، بما يمهد لانفراج إنساني واسع في واحد من أكثر الملفات تعقيداً منذ اندلاع الحرب اليمنية.


ألغام وجوع وحرمان... اليمنيون يدفعون ثمن الانقلاب الحوثي

الحوثيون زرعوا الألغام في الطرقات والمزارع ووسط التجمعات السكانية (إعلام محلي)
الحوثيون زرعوا الألغام في الطرقات والمزارع ووسط التجمعات السكانية (إعلام محلي)
TT

ألغام وجوع وحرمان... اليمنيون يدفعون ثمن الانقلاب الحوثي

الحوثيون زرعوا الألغام في الطرقات والمزارع ووسط التجمعات السكانية (إعلام محلي)
الحوثيون زرعوا الألغام في الطرقات والمزارع ووسط التجمعات السكانية (إعلام محلي)

كشف أحدث التقارير الأممية عن اتساع الكارثة الإنسانية في اليمن بصورة غير مسبوقة، بعد أكثر من عقد على انقلاب الجماعة الحوثية وإشعال الحرب، حيث باتت البلاد واحدة من أكثر دول العالم تلوثاً بالألغام التي زرعتها الجماعة، بالتزامن مع انهيار واسع في قطاعات التعليم والصحة والخدمات الأساسية، ودفع ملايين الأطفال إلى دائرة الفقر وسوء التغذية والحرمان من التعليم.

ووفق أحدث البيانات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، فإن أكثر من 4.5 مليون طفل يمني أصبحوا خارج مقاعد الدراسة، في وقت يواجه فيه ملايين الأطفال مخاطر الجوع والأمراض والعنف، بينما تتفاقم معاناة السكان نتيجة استمرار الحرب والانهيار الاقتصادي وتراجع المساعدات الإنسانية.

وأفاد التقرير الأممي بأن اليمن أصبح بعد سنوات من أكثر البلدان تلوثاً بالألغام التي زرعها الحوثيون في الطرقات والمزارع ومحيط التجمعات السكانية، وهو ما تسبب في سقوط آلاف الضحايا بين قتيل وجريح، بينهم أعداد كبيرة من الأطفال.

41 في المائة من أطفال اليمن يعانون من نقص الوزن نتيجة سوء التغذية (الأمم المتحدة)

وأكد التقرير أن خطر الألغام لا يزال يهدد حياة المدنيين بصورة يومية، خصوصاً في المناطق الريفية وخطوط التماس بين المواقع الحكومية والحوثية، حيث تتسبب هذه المتفجرات في إعاقات دائمة وتشويه حياة كثير من الأطفال والأسر، فضلاً عن عرقلة عودة النازحين واستئناف الأنشطة الزراعية والتنموية.

وفي الوقت ذاته، يواجه قطاع التعليم انهياراً واسعاً؛ إذ لا يزال أكثر من 4.5 مليون طفل خارج المدارس، نتيجة النزوح والفقر وتدمير البنية التعليمية، واستخدام كثير من المدارس لأغراض غير تعليمية خلال سنوات الحرب.

وتقول المنظمة الأممية إن استمرار حرمان الأطفال من التعليم يهدد بظهور جيل كامل فاقد لفرص التعلم والعمل، ويزيد من مخاطر الاستغلال والتجنيد والانخراط في دوائر العنف، خصوصاً مع اتساع رقعة الفقر والانهيار الاقتصادي.

كما أشار التقرير إلى أن ملايين الأطفال باتوا معرضين لمخاطر متزايدة تشمل العنف والاستغلال والعمالة القسرية والزواج المبكر، إلى جانب الأخطار المباشرة الناتجة عن الذخائر المتفجرة والألغام المزروعة في مناطق واسعة من البلاد.

سوء تغذية وأمراض

بحسب التقرير الأممي، بلغت مؤشرات سوء التغذية في اليمن مستويات وصفت بأنها من الأعلى في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث يعاني 17 في المائة من الأطفال من الهزال، و49 في المائة من التقزم، فيما يعاني 41 في المائة من نقص الوزن نتيجة نقص الغذاء والرعاية الصحية.

وتتوقع الأمم المتحدة أن يعاني نحو نصف مليون طفل يمني من الهزال الشديد خلال العام الحالي، وهي حالات تهدد حياة الأطفال بصورة مباشرة وتتطلب تدخلات علاجية عاجلة، في وقت يعاني فيه القطاع الصحي من انهيار واسع ونقص حاد في التمويل والأدوية والمستلزمات الطبية.

وذكر التقرير أن طفلاً واحداً من بين كل 25 طفلاً في اليمن يموت قبل بلوغه سن الخامسة، نتيجة سوء التغذية والأمراض وضعف خدمات الرعاية الصحية، بينما يفتقر أكثر من 17.8 مليون شخص إلى خدمات الصحة والمياه والصرف الصحي والنظافة.

الحوثيون حولوا المدارس إلى مراكز لتغذية الأطفال بالأفكار المتطرفة وحمل السلاح (إعلام محلي)

كما يعاني ملايين اليمنيين من تدهور الأوضاع الاقتصادية بصورة حادة؛ إذ تشير تقديرات المنظمة الأممية إلى أن ما لا يقل عن 74 في المائة من السكان يعيشون حالياً تحت خط الفقر، في ظل ارتفاع معدلات التضخم وتراجع التحويلات المالية وتعطل الأنشطة التجارية ونقص الوقود.

وأكدت «يونيسف» أن التدهور الاقتصادي خلال العامين الماضيين، أدى إلى زيادة هشاشة الأسر اليمنية، وعجز كثير منها عن توفير الغذاء أو الرعاية الصحية أو التعليم لأطفالها، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على ارتفاع معدلات سوء التغذية والتسرب المدرسي وعمالة الأطفال.

وفي جانب آخر من الأزمة، أشار التقرير إلى أن 43 في المائة من الأطفال النازحين يفتقرون إلى شهادات الميلاد، الأمر الذي يحرمهم من كثير من الخدمات الأساسية، ويجعلهم أكثر عرضة للاستغلال والانتهاكات.

كما يوجد في اليمن أكثر من 5 ملايين شخص من ذوي الإعاقة، يشكل الأطفال نحو 21 في المائة منهم، وسط نقص حاد في خدمات الرعاية والتأهيل والدعم النفسي والاجتماعي.

الكوليرا والسيول

لم تتوقف معاناة اليمنيين عند الحرب والفقر والألغام؛ بل تفاقمت أيضاً بسبب انتشار الأوبئة والكوارث المناخية، حيث كشف التقرير عن استمرار تفشي الكوليرا في معظم مناطق البلاد.

وأوضح التقرير الأممي أن وباء الكوليرا كان قد أثر بحلول أواخر العام الماضي على نحو 98 في المائة من المناطق اليمنية، مع تسجيل أكثر من 93 ألف حالة اشتباه و248 وفاة، رغم أن الأرقام المسجلة تقل مقارنة بالعام السابق الذي شهد أكثر من 253 ألف حالة اشتباه و670 وفاة مرتبطة بالمرض.

وترجع المنظمات الإنسانية استمرار انتشار الكوليرا إلى انهيار شبكات المياه والصرف الصحي وضعف الخدمات الصحية وتلوث مصادر المياه، خصوصاً في المناطق المكتظة بالنازحين والفئات الأشد فقراً.

وفي موازاة ذلك، تسببت الأمطار الغزيرة والسيول المفاجئة في تدمير واسع للمنازل والبنية التحتية والأراضي الزراعية، وإغراق شبكات التصريف وقطع طرق الإمداد، ما أدى إلى زيادة معاناة مئات الآلاف من السكان.

وبحسب التقرير الأممي، فإن نحو 474 ألف شخص ظلوا معرضين لمخاطر سوء التغذية والأمراض والعوامل الجوية نتيجة الأضرار التي خلفتها السيول حتى نهاية العام الماضي، في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الوصول إلى المحتاجين بسبب تدهور الأوضاع الأمنية.

وأشار التقرير إلى أن تصاعد الصراع في بعض المناطق، خصوصاً شمال غربي اليمن الخاضع للحوثيين، أثر بشكل مباشر على العمليات الإنسانية، كما أن تراجع تمويل المانحين يضع ضغوطاً كبيرة على خطط الاستجابة الإنسانية، ويهدد بتقليص الخدمات المقدمة للفئات الأكثر ضعفاً.

خطط أممية

في مواجهة هذه الكارثة المتفاقمة، أكدت منظمة «يونيسف» أنها تعمل ضمن برنامج إنساني متعدد القطاعات يستهدف الفئات الأكثر ضعفاً، خصوصاً الأطفال والنساء والنازحين وذوي الإعاقة.

وقالت المنظمة إنها ستركز على تقديم تدخلات صحية وتغذوية عاجلة للأطفال الأكثر ضعفاً، وفي مقدمتهم المصابون بالهزال الشديد، إلى جانب تعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية والمياه والصرف الصحي والنظافة.

وتهدف التدخلات الإنسانية، وفق التقرير، إلى الوصول إلى أكثر من 1.4 مليون امرأة وطفل بخدمات الرعاية الصحية، وعلاج أكثر من 311 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد، فضلاً عن تقديم خدمات المياه والصرف الصحي والمساعدات الطارئة لمئات آلاف النازحين.

كما تعمل المنظمة الأممية على تنفيذ برامج للدعم النفسي والاجتماعي، وتعزيز مهارات الحياة للأطفال، والحد من الإصابات الناتجة عن الألغام ومخلفات الحرب، إلى جانب بناء قدرات المجتمعات المحلية وتحسين قدرتها على مواجهة الأزمات المتكررة.


غوتيريش يدفع نحو تسريع تنفيذ صفقة الأسرى اليمنية

جانب من الاجتماع الختامي لاتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن (رويترز)
جانب من الاجتماع الختامي لاتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن (رويترز)
TT

غوتيريش يدفع نحو تسريع تنفيذ صفقة الأسرى اليمنية

جانب من الاجتماع الختامي لاتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن (رويترز)
جانب من الاجتماع الختامي لاتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن (رويترز)

حظي الاتفاق الأخير الخاص بتبادل الأسرى والمحتجزين في اليمن بترحيب أممي، وسط آمال بأن يُشكّل أكبر اختراق إنساني في هذا الملف منذ سنوات مدخلاً لتحريك العملية السياسية المتعثرة، بعد إعلان التوصل إلى صفقة تشمل الإفراج عن أكثر من 1600 محتجز على خلفية النزاع.

وكانت الحكومة اليمنية والجماعة الحوثية قد توصلتا، الخميس، إلى اتفاق بعد مفاوضات استمرت نحو 14 أسبوعاً في العاصمة الأردنية عمّان برعاية الأمم المتحدة، واستندت إلى تفاهمات بدأت من مسقط أواخر العام الماضي، مروراً بجولات غير مباشرة في الرياض، قبل استكمال الاتفاق على الكشوفات وآليات التنفيذ.

ورحب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بالاتفاق، واصفاً إياه بأنه أكبر اتفاق من نوعه منذ اندلاع النزاع اليمني، داعياً الأطراف إلى الإسراع في تنفيذه بالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر بما يضمن لمّ شمل العائلات في أقرب وقت.

وأكد بيان منسوب إلى المتحدث باسم الأمين العام أن الاتفاق يمثل ثمرة أسابيع من المفاوضات المباشرة التي احتضنتها الأردن برعاية الأمم المتحدة، مشدداً على ضرورة البناء على هذه الخطوة لتحقيق مزيد من الإفراجات وفق مبدأ «الكل مقابل الكل» المنصوص عليه في اتفاق ستوكهولم.

وجدد الأمين العام دعوته إلى الحوثيين للإفراج الفوري وغير المشروط عن موظفي الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية المحتجزين تعسفياً، مؤكداً أن الأمم المتحدة ستواصل العمل عبر جميع القنوات المتاحة لضمان إطلاق سراحهم بصورة آمنة.

كما شدد البيان الأممي على ضرورة تمكين موظفي المنظمة الدولية، بمن فيهم اليمنيون، من أداء مهامهم بصورة مستقلة ومن دون عراقيل، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة واتفاقية الامتيازات والحصانات الخاصة بها.

وأعرب الأمين العام عن امتنانه للأردن لاستضافته جولة المفاوضات الأخيرة، كما شكر سلطنة عمان وسويسرا على استضافتهما جولات سابقة من المحادثات، إلى جانب تقديره للدور الذي اضطلعت به اللجنة الدولية للصليب الأحمر بصفتها شريكاً في رئاسة اللجنة الإشرافية لتنفيذ اتفاق إطلاق سراح الأسرى.

خطوة لتخفيف المعاناة

في الرياض، أشاد سفير السعودية لدى اليمن والمشرف على البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، محمد آل جابر، بالاتفاق، مؤكداً أنه جاء بتوجيهات ومتابعة من القيادة السعودية، وبتعاون مع الحكومة اليمنية، إلى جانب جهود ومساعٍ وصفها بالصادقة من سلطنة عمان.

وقال آل جابر إن الاتفاق الذي تم تحت إشراف مكتب المبعوث الأممي واللجنة الدولية للصليب الأحمر سيمكن المحتجزين من العودة إلى أسرهم، مثنياً على جهود فريقي التفاوض من الطرفين في التوصل إلى تفاهم يعالج قضية ذات طابع إنساني.

وكان «تحالف دعم الشرعية في اليمن» قد أعلن توقيع اتفاق إطلاق سراح 1750 أسيراً ومحتجزاً من جميع الأطراف اليمنية وقواته، يشمل 27 من «التحالف»، بينهم 7 سعوديين.

اتفاق تبادل الأسرى والمحتجزين الأخير في اليمن هو الأوسع من نوعه (رويترز)

من جهته، قال رئيس الوفد الحكومي اليمني المفاوض، هادي هيج، إن ملف المختطفين والمخفيين قسراً ظل طوال السنوات الماضية أحد أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً، نتيجة ما وصفه بالعراقيل والتعثرات التي واجهت جهود التفاوض.

وأوضح هيج أن الجولات السابقة كانت تقترب أحياناً من تحقيق تقدم، قبل أن تتراجع بسبب التعقيدات والخلافات، الأمر الذي جعل الوصول إلى الاتفاق الحالي عملية «شاقة ومعقدة».

واعتبر المسؤول الحكومي أن الاتفاق الأخير يمثل خطوة إنسانية مهمة من شأنها تخفيف جزء من المعاناة الممتدة منذ سنوات، خصوصاً في ظل ما يتعرض له المحتجزون داخل سجون الحوثيين، وفق تعبيره.

وأكد هيج أهمية البند المتعلق بالسياسي اليمني محمد قحطان، المغيب منذ أكثر من عقد، والذي نص على تشكيل لجنة مشتركة من الطرفين، بمشاركة أسرته و«الصليب الأحمر»، للكشف عن مصيره قبل تنفيذ الصفقة، مشدداً على أن قضيته تُعد من أبرز القضايا الإنسانية والوطنية التي لا يمكن تجاوزها.