ميقاتي يصطدم بالعقبات التي اضطرت الحريري للاعتذار

رئيس الحكومة المكلّف يدرس حالياً خياراته... ووساطة اللواء إبراهيم في «إجازة»

TT

ميقاتي يصطدم بالعقبات التي اضطرت الحريري للاعتذار

لم يبدل الاتصال الذي أجراه رئيس الجهورية ميشال عون برئيس الحكومة المكلف نجيب ميقاتي، وأبلغه فيه بأنه ليس هو المقصود بالبيان الذي صدر عن مكتبه الإعلامي من التأزم الذي آلت إليه مشاورات تأليف الحكومة، كما يقول مصدر سياسي مواكب لوساطة المدير العام للأمن العام، اللواء عباس إبراهيم، التي لم يُكتب لها النجاح حتى الآن لإخراج عملية تشكيل الحكومة من المراوحة.
وكشف المصدر السياسي لـ«الشرق الأوسط» أن ميقاتي بدأ يواجه المشكلة نفسها التي اصطدم بها سلفه الرئيس سعد الحريري، ودفعته للاعتذار عن تشكيل الحكومة، وأكد أن مشاورات التأليف عادت إلى المربع الأول، وأن ترحيل استمرار وساطة اللواء إبراهيم إلى مطلع الأسبوع المقبل لا يعني أن الأجواء السياسية ستتبدل باتجاه فتح ثغرة في الحائط المسدود الذي يؤخر تشكيل الحكومة.
ويرى أن عون بات أسير الطروحات التي أصر عليها رئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل في اجتماعاته التي عقدها مع المعاونين السياسيين لرئيس المجلس النيابي النائب علي حسن خليل، والأمين العام لـ«حزب الله» حسين خليل، إبان تولي الحريري مهمة تأليف الحكومة، واضطرتهما إلى تجميدها، بعد أن توصلا إلى قناعة بأنه لا جدوى من مواصلتها.
ويؤكد المصدر نفسه أن باسيل اتخذ قراره بأن يضع كل أوراقه السياسية في السلة الإيرانية، بعد أن أدرك أنه لا مجال لرفع اسمه عن لائحة العقوبات الأميركية المفروضة عليه بسبب ارتباطه بـ«حزب الله»، وتوفير الغطاء السياسي له، ويقول إن اتصال باسيل بوزير الخارجية الإيرانية، حسين أمير عبد اللهيان، لم يكن لتهنئته على توليه منصبه فحسب، وإنما لتمرير رسالة إلى واشنطن.
ومع أن المصدر السياسي لا يأخذ على عاتقه نفي أو تأكيد ما يتردد بأن باسيل يتواصل عبر وسيط مع ميقاتي، فإنه لم يستبعد أن يكون اللواء إبراهيم قد التقى باسيل بعيداً عن الأنظار، قبل أن يوقف تحركه بين عون وميقاتي منذ يوم الجمعة الماضي، على أمل أن يستكشف الأجواء، ويقرر إذا كانت وساطته ما زالت على قيد الحياة أم أنه صرف النظر عن استئنافها، على غرار ما حصل مع وساطته بين عون والحريري.
ورداً على سؤال، يوضح المصدر السياسي أن باريس وواشنطن تتواصلان مع عون وميقاتي، وإن كانتا تحملان مسؤولية تأخير تشكيل الحكومة لعون وفريقه السياسي، ويؤكد أن اللواء إبراهيم لم يتمكن حتى الساعة من إحداث خرق لإحياء مشاورات التأليف بين الرئيسين، على الرغم من أن ميقاتي يربط زيارته للقاء عون باستعداد الأخير لتسهيل مهمته، ورفع شروطه التي تعيق ولادة الحكومة.
ويكشف أن سبب تجميد اجتماعات «الخليلين» بباسيل يكمن في أن الأخير يصر على عدم مشاركته في الحكومة، وامتناعه عن منحها الثقة، وتمسكه بحصول فريقه السياسي على «الثلث الضامن»، في مقابل تصلبه لجهة حصر تسمية الوزيرين المسيحيين بعون، ويقول إن ما يحصل الآن في ضوء الشروط التي يضعها رئيس الجمهورية على الرئيس المكلف يتقاطع مع الشروط التي تبلغها «الخليلان» سابقاً من باسيل.
ولم يستبعد المصدر نفسه أن عون قد اتخذ قراره بأن ينسحب ما حصل مع الحريري على ميقاتي، ويعزو السبب إلى أنه يريد أن يدير شؤون البلد وحيداً، إلا إذا استسلم الرئيس المكلف لشروطه، فيبادر إلى تشكيل حكومته بغطاء سياسي منه، وهذا ما يرفضه ميقاتي الذي لا يقبل بأن يشكل حكومة بأي ثمن.
ويؤكد أن عون يصر على الثلث الضامن، باشتراطه الحصول على أكثر من 8 وزراء في حكومة من 24 وزيراً، ويقول إنه يريد الإمساك بالملف الاقتصادي، ووضع يده على الوزارات المعنية بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي، وهي الاقتصاد والطاقة والشؤون الاجتماعية، باستثناء وزارتي المالية والاتصالات، وهذا ما يلقى معارضة لا تقتصر على ميقاتي، وإنما تتجاوزه إلى المؤسسات الدولية، من مالية واقتصادية واستثمارية، إضافة إلى أن رئيس البرلمان نبيه بري ليس في وارد توفير الغطاء السياسي لحكومة تعطي الثلث المعطل لعون، ولو مقنعاً.
لذلك، فإن الأسبوع الطالع لن يحمل أي جديد ما لم يبادر عون إلى سحب شروطه التي تؤخر ولادة الحكومة، وتقطع الطريق على اللواء إبراهيم الذي قد يضطر إلى تجميد وساطته، وإلا سيكون لميقاتي موقف آخر، بعد انصرافه إلى تقويم الوضع في ضوء العقبات التي يفتعلها عون وفريقه السياسي. وقد يضطر ميقاتي للخروج عن صمته، خصوصاً أن تبادل التوضيحات بين مكتبه الإعلامي والمكتب الإعلامي لرئاسة الجمهورية لن يقدم أو يؤخر ما دام أن الأبواب ما زالت موصدة في وجهه، وإن كان الفريق المحسوب على عون يخطط لتحميل الحريري ونادي رؤساء الحكومات السابقين مسؤولية تأخير تشكيل الحكومة.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن تيار «المستقبل» استبق لجوء «التيار الوطني الحر» إلى رمي مسؤولية تعطيل تشكيل الحكومة في مرمى الحريري، واتهامه بأنه يضغط على ميقاتي لمنع تشكيلها، وبادر إلى إصدار بيان أكد فيه، بلسان مصادره، أن زعيمه لا يريد حصة لنفسه، وأنه يدعم ميقاتي، وأن كتلة «المستقبل» النيابية ستمنح حكومته الثقة.
وعليه، فإن ميقاتي يدرس خياراته، ومن بينها أن يتقدم من عون بتشكيلة من 24 وزيراً، من دون أن تتلازم مع تفكيره بالاعتذار عن تشكيلها، تاركاً القرار لعون، وما إذا كانت لديه القدرة على مواجهة الضغوط الدولية، خصوصاً أن دعم «حزب الله» لتشكيلها يقف عند حدود عدم الضغط على عون وباسيل، كأنه يريد توجيه رسالة للخارج، مفادها أنه لا يربط تأليفها بتوقف المفاوضات في فيينا حول الملف النووي الإيراني.
كما أن ما تردد عن وجود نية لدى ميقاتي بأن يتقدم بتشكيلة وزارية جديدة من 14 وزيراً، تضم الأقطاب وممثلين من الصف الأول للقوى السياسية، هي فكرة ما زالت قيد الدرس، إذ لم يبادر إلى استمزاج آراء معظم الذين وردت أسماؤهم في التشكيلة، وهذا ما أكده عدد منهم لـ«الشرق الأوسط» بقولهم إن ميقاتي قد يطرحها لحشر عون، أو أنه يريد اختبار ردود الفعل المحلية أو الدولية عليها، مع أن عون سيرفضها سلفاً لأن من يصر على «الثلث المعطل» لن يقبل بأن يتمثل بوزير واحد.
وبصرف النظر عن الترويج لحكومة من هذا القبيل، فإنها تبقى بمثابة «بالون اختبار»، وقد سبق لميقاتي أن طرح تشكيل حكومة تكنوسياسية، قبل اعتذار السفير مصطفى أديب عن تشكيلها، لكن يبقى السؤال: هل يمكن تسويقها شعبياً في ظل تحميل الطبقة السياسية مسؤولية الانهيار؟ وهل يوافق عون على حكومة كهذه لا تتضمن اسم باسيل كسواه من الأقطاب؟ إضافة إلى أنها تتعارض وروحية المبادرة الفرنسية، ولا تحظى بموافقة القوى السياسية التي فوجئت بها.



السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يدين ويرفض هجمات إيران على دول الخليج

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، تطلع بلاده إلى وقف الهجمات الإيرانية على دول الخليج والأردن والعراق وإعلاء مبدأ حسن الجوار، وذلك خلال اتصال هاتفي، الجمعة، مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وجدد السيسي «إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق»، مشدداً على أن «هذه الدول لم تؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل أسهمت في جهود خفض التصعيد ودعمت المفاوضات الإيرانية - الأميركية سعياً للتوصل إلى حل دبلوماسي للأزمة».

وأعرب الرئيس المصري، خلال الاتصال، «عن أسف بلاده للتصعيد الراهن وقلقها البالغ من انعكاساته السلبية على استقرار المنطقة ومقدرات شعوبها»، كما استعرض الجهود المصرية المبذولة لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضي، مع التشديد على «ضرورة التحلي بالمرونة» في هذا السياق، وفق بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

جاهزية قتالية متقدمة ويقظة رفيعة في المنظومة الدفاعية لدول الخليج (أ.ب)

وأشار السفير محمد الشناوي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، إلى أن الرئيس الإيراني أكد «أن بلاده شاركت في جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني، كما شدد على حرص بلاده على علاقات الأخوة وحسن الجوار مع الدول العربية».

وتناول الاتصال، وفق بيان الرئاسة المصرية، السبل الممكنة لإنهاء التصعيد، وجدد السيسي التأكيد على «استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة»، مؤكداً «ضرورة احترام الجميع للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية».


الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
TT

الحرب والغلاء يبددان تنوع المائدة الرمضانية في اليمن

يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)
يمنية تعاين أطباق مطبخها الفارغة بسبب الأزمات المعيشية (رويترز)

منذ 8 أعوام لم يتذوق مختار قاسم، وهو موظف عمومي، الأطعمة الرمضانية إلا في أوقات نادرة، بعد أن أجبره انقطاع راتبه على نقل عائلته من العاصمة اليمنية صنعاء إلى مسقط رأسه في ريف محافظة تعز (جنوب غرب)، فيمَ يتنقل هو بين عددٍ من المحافظات للعمل في عدة مهن حسب الطلب.

ويقول قاسم إنه كان في البداية يتحسر على عدم حصوله على الأطعمة الرمضانية، إلا أنه وبعد عمله في نقل مساعدات غذائية خلال الأسابيع الأخيرة إلى مخيمات النزوح في محافظة مأرب (شرق صنعاء)، شعر بالامتنان لنفسه لأنه يستطيع توفير تلك الأطعمة لعائلته، بعد أن شاهد آلاف النازحين يفطرون بالماء والخبز وقليل من الأرز.

ودفع التدهور المعيشي والاقتصادي الآلاف من العائلات اليمنية في مختلف المحافظات إلى التنازل عن إعداد الأطباق الرمضانية المتنوعة، والاكتفاء بما تيسر لها من وجبات متواضعة، في وضع ساوى بين مختلف الشهور وشهر رمضان الذي يحظى بحميمية خاصة لدى اليمنيين، في حين تراجعت مظاهر التكافل الاجتماعي وتوقف الكثيرون عن إقامة موائد الإفطار لأقاربهم وأصدقائهم.

تبدي أميرة سلام، وهي ربة منزل ومعلمة في صنعاء، حزنها لعدم قدرتها على إعداد كامل الأصناف الرمضانية المعتادة، واكتفائها كل يوم بصنف واحد تقدمه لعائلتها بعد أن توقف راتب زوجها الذي لم يتمكن من الحصول على عمل آخر، في حين لا يكفي راتبها لسد كافة الاحتياجات والمتطلبات.

غلاء المعيشة في اليمن أدى إلى تقليص خيارات السكان الغذائية (أ.ب)

وتكشف عن اكتفاء عائلتها بتناول طبق «الشفوت» يومياً، الذي يتكون من الخبز واللبن الرائب أو الزبادي، أما الشورية والباجية، وهي فلافل يتم تحضيرها من اللوبياء، والكاتلكس (بطاطس محشوة)، والسنبوسة، فيتم تناول كل واحدة منها مرة في الأسبوع، ومثلها الحلويات المسماة بنت الصحن والرواني والشعوبية.

وأوقفت الجماعة الحوثية منذ نحو 10 أعوام رواتب غالبية الموظفين العموميين في مناطق سيطرتها، في حين يشكو الكثير من السكان هناك، تحتكر الإشراف على تقديم المساعدات الغذائية والمالية المقدمة من المنظمات الدولية وفاعلي الخير للمحتاجين.

تناقض سعري منهك

يتهم خبراء ماليون واقتصاديون الحوثيين بفرض سعر ثابت وغير عادل للعملات الأجنبية (535 ريالاً للدولار)، بهدف الاستفادة من الفارق بين هذا السعر والسعر الحقيقي لصالح الجماعة، في حين تواصل المواد الاستهلاكية ارتفاع أسعارها بدون أي ضوابط.

تراجع المعونات الغذائية لليمنيين خلال السنوات الأخيرة حرمهم من توفير الوجبات الأساسية (أ.ف.ب)

وعلى نقيض ذلك تتحرك الأسعار في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية وفقاً لأسعار صرف العملات الأجنبية، إلا أن السكان والمختصين الاقتصاديين يقولون إن التعافي الذي شهدته العملة في صيف العام الماضي لم يؤدِ إلى تراجع أسعار المواد الاستهلاكية.

وشهد شهر رمضان هذا العام عزوفاً مضاعفاً عن الاستهلاك، برغم الوعود الحكومية بتحسن الأوضاع المعيشية، بعد أسابيع من إخماد التمرد جنوب وشرق البلاد، وما تبع ذلك من وقف الكثير من أعمال الابتزاز بحق التجار والبضائع المنقولة والجبايات غير القانونية.

ويسعى عمار محمد، وهو اسم مستعار لمتعهد مقاولات صغيرة في صنعاء، لإقامة مائدة واحدة على الأقل لعماله خلال الأيام المتبقية من رمضان، بعد أن عجز عن ذلك طوال الأيام الماضية بسبب حرمانه من التصرف بأرصدته البنكية من قبل الجماعة الحوثية، وهو الذي كان يقيم موائد رمضانية يومية في السابق.

من جهته أرسل مختار قاسم لعائلته مبلغاً مالياً منذ أيام، وطلب منها شراء كافة الاحتياجات الضرورية لما تبقى من رمضان مع وعدٍ لها بأن يلتحق بها قبل انقضاء الشهر، ممنياً نفسه بالحصول على بعض الوجبات التي افتقدها خلال السنوات الأخيرة، ودعوة أقاربه إلى إفطار جماعي في منزل والده.

يمنية نازحة تعدّ وجبة فقيرة متواضعة لأطفالها (رويترز)

وبرغم تحسن وضع العملة المحلية نسبياً، فإن ذلك لم يؤد إلى تحسين الوضع المعيشي لليمنيين بشكل لافت، فهذا التحسن جاء بإجراءات رسمية اتخذتها الحكومة والبنك المركزي بعد أشهر من التدهور السريع للعملة، لتستعيد جزءاً من قيمتها دون أثر كبير على الأسعار والمعيشة.

إفقار المطبخ اليمني

مع اقتراب شهر رمضان من نهايته، يتحول هاجس السكان نحو تلبية احتياجات العيد، إلا أن العديد منهم يبذلون جهوداً لعدم السماح له بالرحيل دون توفير بعض متطلباته التي لم يستطيعوا توفيرها منذ بدايته، حيث يحاول المغتربون إنجاز أعمالهم والسفر إلى عائلاتهم مبكراً.

يشير الناشط السياسي والاجتماعي في مدينة تعز، صلاح أحمد، إلى أن الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة ألقيا بأثر كبير على مختلف مظاهر الحياة، بما في ذلك المظاهر الاجتماعية الرمضانية وعاداتها الغذائية.

أطفال نازحون يتلقون مساعدات غذائية لعائلاتهم قبل أعوام في الحديدة (أ.ف.ب)

ويبين أن المدينة، وبقدر ما شهدت ظهور الكثير من الأثرياء الجدد الذين صنعت الحرب ثرواتهم باستغلال معاناة سكانها، فإن الغالبية يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة يتضاعف أثرها خلال شهر رمضان الذي افتقر خلال الأعوام الأخيرة لمظاهره المعتادة، وتراجع تكافل الناس فيه بشكل كبير.

وبحسب أحمد، كانت العائلات سابقاً تتبادل الوجبات التي يجري إعدادها، وبرغم التشابه الكبير بينها، فإن لكل ربة منزل لمستها المختلفة، وهو ما كان يجعل كل مائدة في كل منزل تحتوي تنوعاً حتى في الأصناف نفسها المعتادة، ما يضفي حميمية دائمة على الأجواء الرمضانية خسرها الأهالي بسبب الحرب.

وفي حين يبدي الكثير حسرتهم بسبب عدم حصولهم على الوجبات الرمضانية التي تعودوا عليها منذ طفولتهم، يُتَوقع أن تؤثر الأوضاع المعيشية الصعبة على تراث المطبخ اليمني، وتدفع السكان إلى عادات غذائية فقيرة في المستقبل.


حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
TT

حملات حوثية تنغص معيشة اليمنيين في محافظة إب

اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)
اتهامات للجماعة الحوثية بتصعيد الانتهاكات ضد اليمنيين (إكس)

أقدم الحوثيون على تنفيذ حملات تعسف استهدفت بالإغلاق والهدم أسواقاً ومتاجر ومنازل في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، وذلك في سياق عملية مُمنهجة، ظاهرها «إزالة العشوائيات» وباطنها فرض مزيد من الإتاوات غير القانونية.

ووفق ما ذكرته مصادر محلية في إب لـ«الشرق الأوسط»، فإن حملة التعدي التي أطلقتها الجماعة، عبر ما يُسمى «مكتب الأشغال العامة» و«إدارة المرور»، أغلقت سوقين شعبيين وطردت التجار والباعة، كما هدمت منازل عدة بعضها طور الإنشاء في المنطقة الخامسة بمديرية الظهار جنوب مدينة إب (مركز المحافظة).

واشتكى مُلاك منازل ومحلات تجارية طالهم التعسف الحوثي، وأوضحوا لـ«الشرق الأوسط»، أن الجماعة تشنّ حملات تستهدف منازلهم ومصادر عيشهم تحت مبررات غير قانونية.

باعة أرصفة يتعرضون للابتزاز من قبل مسلحين حوثيين (فيسبوك)

وقال مراد، وهو اسم مستعار لمالك بسطة تجارية بمديرية الظهار لـ«الشرق الأوسط»، إن الحملة باغتتهم دون سابق إنذار، موضحاً: «نعتمد على هذه البسطة منذ سنوات لإعالة أسرنا، وفجأة جاءت الجرافات ومعها مسلحون وطلبوا منا إخلاء المكان خلال دقائق قليلة جداً، ثم بدأوا بهدم كل شيء». ولفت إلى أن الإجراءات تمت هذه المرة كسابقاتها بطريقة قاسية، مؤكداً أن كثيراً من المُتضررين لم تُمنح لهم فرصة لنقل ممتلكاتهم أو بضائعهم.

اتساع التعسف

في مديرية العدين (جنوب غرب إب) استخدمت الحملة الحوثية - التي أشرف على تنفيذها قيادات في الجماعة - 4 جرافات لاستهداف مُمتلكات السكان ومصادر عيشهم.

وأوضح سكان لـ«الشرق الأوسط»، أن مشرفين حوثيين برفقة عربات ومسلحين نفذوا حملات دهم استهدفت بالإغلاق «السوق المركزي» الكائن وسط المدينة، إلى جانب تجريف وإزالة لعدد من البسطات والمحلات الصغيرة والأكشاك التي يعتمد عليها مئات المواطنين كمصدر رئيسي للعيش.

تعرض متاجر للهدم الحوثي في مديرية العدين بمحافظة إب (فيسبوك)

وبحسب السكان، فإن هذه الحملات لم تقتصر على إزالة ما تصفه الجماعة بالمخالفات، بل طالت ممتلكات قائمة منذ سنوات، دون تقديم بدائل مناسبة للمتضررين أو مراعاة للأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السكان في ظل تدهور الأوضاع المعيشية.

وأوضح عدد من المتضررين أن الحملة نفذت بشكل مفاجئ، ولم تمنح أصحاب البسطات والعربات أي مهلة لإخلاء مواقعهم، قبل أن تباشر الجرافات بعملية الهدم والتجريف، ما أدى إلى خسائر مادية كبيرة، وقطع مصادر دخل أسر كاملة.

ويتحدث بائع خضروات في سوق العدين لـ«الشرق الأوسط»، عن أن مصدر دخله الوحيد اختفى خلال دقائق جراء حملة التعدي الحوثية، وأضاف: «ليس لدينا عمل آخر. بعد التجريف أصبحنا بلا عمل ولا نعرف كيف سنوفر احتياجات أسرنا».

وبررت الجماعة الحوثية استهدافها أملاك السكان ومصادر رزقهم بأنه ضمن ما تُسميه خُطة لتنظيم المدن وإزالة العشوائيات، إلا أن ناشطين يرون أن الحملة تفتقر إلى أبسط مقومات التخطيط العادل، وتستهدف الفئات الأكثر ضعفاً في المجتمع، دون بدائل ومعالجات حقيقية.

خوف متصاعد

يتخوف السكان في المحافظة اليمنية ذات الكثافة السكانية العالية (إب)، من توسع نطاق هذه الحملات لتشمل بمقبل الأيام أسواقاً ومتاجر في مديريات أخرى، الأمر الذي يُهدد بفقدان المزيد من المواطنين مصادر رزقهم في ظل غياب أي برامج دعم أو تعويض.

قيادات حوثية تشرف على حملات الاستهداف في إب (فيسبوك)

ولفت السكان إلى أن المئات من ملاك الأسواق والتجار والباعة باتوا خائفين لكون مصدر رزقهم مُهدداً، في ظل ظروف معيشية صعبة وقاسية، إذ إن أي خسارة تعني أن أسراً كاملة ستفقد قدرتها على العيش.

وطالب السكان والناشطون في المحافظة بوقف هذه الحملات، وإيجاد حلول تنظيمية تراعي أوضاع المواطنين، وتضمن عدم الإضرار بمصادر عيشهم، مؤكدين أن معالجة العشوائيات وتنظيم المدن يجب أن يتمّا عبر خطط حضرية واضحة وتوفير بدائل مناسبة للمتضررين، وليس عبر المصادرة والهدم المفاجئ والتجريف القسري.