كيف نعلّم أطفالنا الفلسفة؟

الاكتشاف المبكر عن قدرة غريزية لمساءلة العناصر الأساسية في الحياة والمجتمع

الاستاذة الجامعية جان مور لون
الاستاذة الجامعية جان مور لون
TT

كيف نعلّم أطفالنا الفلسفة؟

الاستاذة الجامعية جان مور لون
الاستاذة الجامعية جان مور لون

قد يبدو عنوان هذه المقالة غريباً، بل وفنتازياً إلى حدود غير معقولة، وبخاصة في بيئتنا العربية. بل كيف تتفق الطفولة – المقترنة بالبراءة المطلقة - مع الفلسفة في المقام الأول؟ هنا يكمن الخلط المفاهيمي: البراءة المطلقة ليست قرينة الخواء الفكري؛ بل إن هذه البراءة ذاتها تمثل دافعاً لطرح أسئلة تكشف عن معضلات فلسفية وجودية قد يخافها الكثير من الكبار أو يتناسونها في أقلّ تقدير.
إذا غادرنا منطقة الكلام العمومي نحو الفعل الإجرائي، فثمّة نشاط أكاديمي وثقافي عام بشأن «الفلسفة للأطفال» و«الطفل الفلسفي». ربما تكون الفيلسوفة والأستاذة الجامعية جانا مور لون Jana Mohr Lone المثال الأبرز في هذا الميدان. تعمل مور لون مديرة مركز «الفلسفة للأطفالPhilosophy for Children » بجامعة واشنطن، وفي الوقت ذاته هي أستاذة مشاركة في قسم الفلسفة في الجامعة ذاتها. ألّفت لون (أو ساهمت في تأليف وتحرير) الكتب التالية: «الطفل الفلسفي» 2012، و«الفلسفة والتربية» 2012، و«الفلسفة في التربية» 2016 و«يُرى ولا يُسمَع».
كيف يمكن للأطفال أن يتعاملوا مع الفلسفة؟ أليس الأمر شاقاً للغاية عليهم؟ وما الذي نبتغي فعله: تعليم (أفلاطون وكانْط،،، إلخ) لأطفال في سنّ الحضانة؟ هذه بعض الأسئلة الطبيعية التي سيسألها كثيرون عندما يسمعون عبارة «الفلسفة للأطفال»؛ بل وقد يتخذ السؤال منحى مُغالياً في الشك بعض الأحيان عندما يتساءل أصحابه: ما نوعُ الفلسفة التي تصلح لكي يتعامل معها الأطفال؟
ترى لون في كتبها المنشورة بشأن الأطفال والفلسفة أنّ ردّات الفعل هذه مفهومة؛ لأنها تنشأ من مفترضات شائعة بشأن كلّ من الأطفال والفلسفة، وتعقّب قائلة، إنّ الدافع الرئيسي الذي يوجّه عمل مجموعتها البحثية في مركز «الفلسفة للأطفال» بجامعة واشنطن هو القناعة بضرورة تحدّي المعتقدات الخاصة بشأن القدرات الفلسفية المحدودة للأطفال، وفي الوقت ذاته توسيع تخوم فهمنا لطبيعة الفلسفة وللقادرين على التعامل الخلاق معها. الأمر هو بالضبط كما عبّر عنه طفل في السابعة حينما قال «نستطيع عبر التعامل مع الفلسفة تنمية عقولنا».
تعتقد لون أنّ أهدافنا بشأن الأطفال والفلسفة يجب أن تكون واضحة معلنة: معرفة أي الموضوعات يميل الأطفال للتفكير حولها فلسفياً، وتعزيز المناقشات والتأمّلات حول هذه الموضوعات. الموضوعة الأساسية في الأمر كله ليست تعليم الأطفال تأريخ الفلسفة، كما لا ينبغي إيلاء الكثير من الاهتمام لكيفية تعليمهم طريقة صياغة الحجج الفلسفية التي يجترحها الفلاسفة المتمرّسون.
يمكن لمساءلة الأطفال أن تكون الوسيلة الأولى الأكثر فاعلية في الممارسات الفلسفية معهم: التأمّل في معنى التجارب والمفاهيم العادية بغية تطوير فهمٍ للعالم والآخرين وللأطفال أنفسهم. عندما يُسألُ الأطفال أي الأسئلة تثير دهشتهم أكثر من سواها فإنّ إجاباتهم الأكثر شيوعاً تنطوي على أسئلة من هذا النوع:
- لِمَ أنا هنا؟
- من أنا؟
- لِمَ توجد كراهية في العالم؟
- ما الذي يحدث عندما نموت؟
- كيف أعرفُ الطريقة الصحيحة في العيش؟
بل حتى أنّ إحدى الأمّهات صرّحت بأنّ طفلتها البالغة ثلاث سنوات لا تنقطعُ عن سؤالها بطريقة لحوحة: «ماما، لماذا تستمرُ الأيامُ في القدوم يوماً بعد آخر؟».
مع أنّنا نحن - البالغين - نعرفُ بأنّ الأطفال الصغار يميلون لطرح الكثير من الأسئلة فإننا مسكونون بقناعة مفادها أنّ هؤلاء الأطفال ليسوا على قدر من النضج والتعقيد الفكري بالكيفية التي تؤهّلهم للتفكّر الدقيق في موضوعات فلسفية معقّدة. نحنُ نصِفُ الأطفال في العادة بأنّهم ذوو فضول معرفي هائل، وتحرّكهم دهشة خارقة تملأ جوانحهم؛ لكننا مع هذا نفترضُ أنهم لا يفهمون بطريقة حقيقية الأبعاد الفلسفية للأسئلة التي لا ينفكّون يطرحونها.
لكن لو فكّرنا بطريقة استرجاعية لوجدنا أنّ العديد من البالغين سيعترفون بأنّ بواكير دهشتهم الفلسفية إنما بدأت مع الطفولة. تعدُّ الطفولة لكثيرين منّا هي الطور الحياتي الذي نُمضي معظم وقتنا فيه متفكّرين ومندهشين، والحقُّ أنّ الولع الفلسفي للعديد من الفلاسفة المتمرسين في حقل فلسفي محدّد انبثق مدفوعاً من حماسة مبكّرة للتساؤل. يصفُ البعضُ من هؤلاء الفلاسفة - في أعمال منشورة لهم - تجربة انخراطهم في صف فلسفي أو قراءة نص فلسفي، والكيفية التي أدركوا بها طبيعة الأسئلة الفلسفية المطروحة في تلك الصفوف أو النصوص والتي هي في عمومها أسئلة أطالوا النظر فيها والتفكّر العميق بشأنها مُذ كانوا أطفالاً.
تعلّق مون حول الشغف الفلسفي لدى الأطفال فتكتب «عندما كنتُ طالبة متخرّجة من قسم الفلسفة لطالما أدهشتني الأسئلة التي كان أطفالي يلحّون في سؤالها، وهي في عمومها أسئلة دفعتني للتفكير بطفولتي الشخصية، فضلاً عن استذكار الأفكار التي كانت تراودني حينذاك حول الحياة والموت، ومعنى الحياة، والصداقة، والسعادة، والعائلة. لم أزلْ حتى اليوم، وعلى سبيل المثال، أذكرُ - وأنا بعمر السادسة أو السابعة - كيف كنتُ في فراشي قبل النوم أفكّرُ بالموت وإمكانية أنني في يوم ما لن أكون موجودة بأي شكل من الأشكال في هذا العالم. إنه العدم أو الخواء Nothingness. تساءلتُ حينها: كيف يمكن للأمر أن يكون على هذا النحو حيث إنا موجودة هنا الآن، ثم في يومٍ ما سأختفي إلى الأبد؟ كانت حقيقة أنني سأموتُ يوماً ما مرعبة لي، ولطالما دفعتني هذه الفكرة المرعبة للتساؤل عن معنى التفكير بالكيفية الواجبة التي ينبغي لي أن أعيش حياتي مسترشدة بها».
تؤكّد مون أنّ نقاشاتها المستفيضة مع الأطفال والآباء على مدار سنوات عديدة أكّدت لها أنها لم تكن وحيدة في تفكّرها المستفيض بمثل هذه الأفكار في طفولتها؛ إذ لطالما اعتاد أرسطو على ترديد عبارته ذائعة الشهرة «كلّ البشر يسعون - بالطبيعة - لبلوغ فهم أفضل لكلّ شيء». يشرع الأطفال في وقت مبكّر من حياتهم في محاولة إضفاء معنى على العالم، وكذلك لفهم الطريقة التي تعمل بها الأشياء، ومتى ما صار الأطفال قادرين على صياغة الأسئلة المناسبة فإنهم لا يتردّدون في طرح الأسئلة الخاصة بالمفاهيم التي يسمعونها والعالم الذي يختبرونه.
يُبدي الأطفال نوعاً من الشغف المدهش حول كثير من جوانب العالم التي يتعامل معها معظم البالغين وكأنها معطيات جاهزة مسلّم بها، والأطفال إذ يفعلون هذا فإنهم يكشفون عن قدرة غريزية لمساءلة العناصر الأكثر أساسية في الحياة والمجتمع؛ لكن برغم إدراكنا بأنّ الأطفال مسكونون بالدهشة التي تدفعهم لطرح أسئلة كبرى فإنّ المعنى الأعمق الكامن وراء تساؤلاتهم يجري تجاهله على نحوٍ روتيني من قبل البالغين. نحنُ - البالغين - في العادة نميل لإبداء ردّات فعلٍ متباينة تجاه الأسئلة الكبرى للأطفال أو تعبيراتهم التي تتضمّنُ أفكاراً فلسفية، والغالب هو أنّ البالغين لا يتعاملون مع تساؤلات الأطفال وأفكارهم الفلسفية بالحد الأدنى من الجدية اللازمة.
أن يكون الكائن البشري طفلاً لا يعني معاملته كمفكّر بالمقاييس العادية السائدة؛ لكنّ فكرة كون الأطفال قادرين على التفكير الدقيق حول العديد من الموضوعات المجرّدة هي فكرة يجد العديد من البالغين مشقة واستعصاءً في قبولها، وبسبب هذا الأمر فإنّ فكرة تعامل الأطفال مع الفلسفة تفرضُ تحدياتها الخاصة ذات الطبيعة المتفرّدة.
بدلاً من تعليم الفلسفة للأطفال بالطريقة الأكاديمية السائدة يمكننا ممارسة الفلسفة معهم عبر خلق فضاءات حوارية تتيحُ لهم استكشاف ومساءلة الموضوعات الفلسفية التي يجدون فيها مواطن للشغف والولع. يمكن – مثلاً – البدء مع الأطفال باقتراح مفردة أو عبارة فلسفية يمكن أن تكونا مدار بحث ومساءلة مستفيضة، مثل: معنى السعادة، والعدالة، والكياسة، والعلاقة بين الحرية والجماعة البشرية، وطبيعة الجمال،،، والعديد من موضوعات شبيهة أخرى لا تنبثق من أعمال الفلاسفة الكلاسيكيين والمعاصرين، بل أيضاً من معاينة الكتب المصوّرة المخصصة للأطفال، بالإضافة إلى الكتب الخاصة بأدبهم، وفنونهم، وموسيقاهم، وأفلامهم، وألعابهم، وفعالياتهم، ومن أنشطة عادية كثيرة أخرى يمارسها البالغون في الحياة اليومية.
الاعتراف بكون الأطفال مفكّرين فلسفيين بطريقتهم الخاصة يمنحهم الفرصة، وبطريقة واقعية للغاية، للنظر في أنفسهم بطريقة مختلفة باعتبارهم مفكّرين مستقلين ذوي قيمة معتبرة. يمتلك الأطفال الكثير مما يمكن أن يعلّموه للبالغين، ولو أمكننا الاستجابة لهم من غير التفكير بأنهم «مجرّدُ أطفال» نستطيعُ حينها تعزيز التبادلات الفلسفية بصورة انعكاسية بين الأطفال والبالغين، وهذا أمرٌ ستكون له مفاعيله الطيبة في توسيع منظوراتنا وتعميق علاقاتنا مع الأطفال.


مقالات ذات صلة

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

أول ترجمة عربية لديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا

صدر أخيراً عن مجموعة «كلمات» للنشر بالشارقة، ديوان «فن الطيور» لبابلو نيرودا بترجمة عربية أنجزها الشاعر والمترجم السعودي غسان الخنيزي.

«الشرق الأوسط» (الدمام)
كتب روي بلانت جونيور

كرة القدم الأميركية محكوم عليها بالفناء

لعل إحدى أقوى الحجج المدافعة عن كرة القدم هي تلك التي ساقها روي بلانت جونيور في كتابه «نقص بمقدار ثلاث لبنات - About Three Bricks Shy of a Load».

دوايت غارنر

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً