الإخوة عساف ينحتون عالمهم في صخور جبل لبنان

على مدى ربع قرن في بلدة الورهانية الشوفية منقطعون عن العالم وملتحمون بالطبيعة

تمثال من البرونز بارتفاع مترين ونصف المتر لـ {شهيد الاستقلال} سعيد فخر الدين
تمثال من البرونز بارتفاع مترين ونصف المتر لـ {شهيد الاستقلال} سعيد فخر الدين
TT

الإخوة عساف ينحتون عالمهم في صخور جبل لبنان

تمثال من البرونز بارتفاع مترين ونصف المتر لـ {شهيد الاستقلال} سعيد فخر الدين
تمثال من البرونز بارتفاع مترين ونصف المتر لـ {شهيد الاستقلال} سعيد فخر الدين

يجلس فريد الأطرش ساهماً في الطبيعة وتحت قدميه تتناثر أوراق الشجر، إلى جانبه عوده، وعدة وريقات وقلم رصاص. ليس بعيداً عنه، يقف شوشو، سيد المسرح وعاشقه، بشعره الطويل المعتاد وشاربيه الكثين، يرفع إصبعه عالياً في وجه الزائر، والابتسامة لا تغادر وجهه، إلى جانبهما شارل مالك والشاعر طليع حمدان، وشخصيات أخرى بينها الفنانان التشكيليان الراحلان وجيه نحلة وعارف الريس. المنحوتات عديدة ومبهرة، بعضها بأحجام أصحابها الأصلية، تلتقيها في الصالة الرئيسية لـ«محترف عساف»، الشامخ في أعالي منطقة الشوف في جبل لبنان، إضافة إلى منحوتات حديثة. الإخوة الثلاثة، عساف ومنصور وعارف، من عائلة عساف، لا يفرقون بين كلاسيكي وحديث. فهم يعملون حيث يحلو لهم، وكما تأتيهم القريحة. بدأوا بإقامة مشروعهم هنا في بلدة الورهانية في جبل لبنان، قبل 24 عاماً، بعيداً عن صخب المدن، وأخبار الانهيارات والأوبئة والمنغصات اليومية. على مساحة 13 ألف متر مربع، قرر الإخوة أن ينحتوا أحلامهم في صخر الجبال. تركوا مكان إقامتهم القديم في عاليه، وجاء كبيرهم عساف إلى الورهانية، في أعالي منطقة الشوف، وبدأ يحضّر النواة الأولى للمشروع قبل انتقال الأم والأب وأخويه منصور وعارف. منذ ذلك الحين، بدأت الأرض المهجورة، تتحول إلى مركز فني، بيئي، معماري، نموذجي، والطموحات تكبر، والخطط تنفذ، والأمل الآن أن تتوارث الأجيال حلم الإخوة الذي لا يكفيه عمر واحد.
تبدأ رحلة زائر «محترف عساف» من تمثال رخامي ضخم مثبت في الصخر لكمال جنبلاط، تصعد في الجبل ليطل عليك شهيد الاستقلال سعيد فخر الدين، ملوحاً برايته من مرتفع شاهق. تدلف إلى المشروع من باب خشبي يقودك إلى أدراج حجرية تعبر خلالها الحديقة الضخمة، التي حرص الإخوة على الاحتفاظ بمزروعاتها الطبيعية. عشرات النباتات والأعشاب التي اقترنت بأسمائها بلغات ثلاث، إضافة إلى الرمز الرقمي، وتم تصنيفها بالتعاون مع الجامعة الأميركية، احتراماً لهويتها. كل ما تطلبه تجده هنا، من الصعتر إلى القصعين، السماق، الفستق، الهليون، السنديان، الزيزفون، التفاح، الكروم، وحتى شجر الأرز. هذا الجانب البيئي يتكامل مع الفكرة الرئيسية للمركز أو المجمع الفني الذي يحوي منزلاً ومحترفاً ومعرضاً، ومجلساً، وحدائق، أقيمت جميعها بالانسجام مع بيئتها والطبيعة. كل نافذة وباب وطاولة وكرسي، معاد تدويرها من مواد موجودة سابقاً. حركة المياه للري وللاستخدام اليومي، هي أيضاً مدروسة كي لا تذهب نقطة منها هدراً. الأسطح عولجت بمواد خاصة وزرعت، كي تعزل الحرارة وعوامل الحر والبرد، وتتحول إلى حدائق إضافية على كتف الوادي. كل المباني شيدت والتماثيل ثبتت، بعد دراسة حركة الشمس والضوء والرياح. بعد زيارة المنزل النموذجي المشيد وفق النهج التراثي والاحتياجات العصرية، تصادفك في الحديقة منحوتات تجريدية من ست قطع، كل منها تمثل واحدة من حواس الإنسان، فيما السادسة تجسد «الحدس». يطلب منك بشار، دليلك إلى هذا المكان الشيق، الذي لا مثيل له في أي مكان آخر، أن تقف في مدخل المبنى الحجري الذي تدلف منه نزولاً إلى صالة المعرض، ومن فتحة صنعت خصيصاً تبعاً لعمليات حسابية دقيقة، وجدنا المنحوتات الست وقد تجمعت لتشكل مع بعضها بعضاً، تمثالاً كاملاً لوجه ميخائيل نعيمة. الإخوة عساف هم الذين نحتوا تمثال نعيمة الشهير في بسكنتا. كانت تلك فاتحة أعمالهم معاً. وتمثال نعيمة في الورهانية هذا، عمل يمزج بين الابتكار والحسابات الهندسية العلمية. حين تسأل اليوم، من نحت تمثال شوشو الذي استغرق أكثر من سنة ونصف أو رأس سعيد عقل، أو أي تمثال آخر، يأتيك الجواب واحداً: الثلاثة معاً. يحدثنا الأخ الأكبر عساف عساف، حين نستفسر عن هذه الشراكة التي تذكّر بـ«الأخوين رحباني» عن «فلسفة التخلي» عن نبذ الأنانية، عن مشروع كبير لن ينتهي في عمر واحد، بل يحتاج أجيالاً وتعاضداً. يقول عساف: «الحلم كبير والمشوار طويل، ونحن عازمون على المضي فيه. الأزمات لا تفرملنا. المخطط النموذجي للمشروع المعروض هنا، سيستكمل. عندنا طلاب حتى من كوريا، يأتوننا ليتتلمذوا. سننمي هذا الجانب التعليمي، في المرحلة المقبلة، سنوسع الأكاديمية، ونبني إقامات للفنانين والطلاب، ونكبّر مساحة العرض، والأهم هو مسرح ومدرج، في خلفيته منحوتة ضخمة لجبران ونعيمة وجنبلاط».
هذه المنحوتة لجبران ستزن أكثر من 200 طن، تم وضع تصورها، وسيعمل عليها تلامذة المعهد. «التلامذة الذين من بينهم سنختار الأكفأ والأجدر، ليبقوا معنا، منقطعين في رهبنة النحت. الفن إنكار للذات. نحن أول ما نعلم طلابنا فضيلة التخلي، أن يتخلوا عن أعمالهم وأفكارهم». يقول عساف عساف: «عملنا الأساسي ليس عبر غاليريات، أو أي شبكة، ولسنا حتى منتسبين إلى جمعية الفنانين اللبنانيين. نحن منفصلون عن كل شيء وملتحمون بالطبيعة، التي هي مدرستنا وملهمتنا. نحن نتشارك مع الشجر والحيوانات، وكل ما حولنا، لا نقبل أن نحجّم أفكارنا ونعزلها. عزلة الفكرة هو موت لها». حين تستغرق في الحديث يقول عساف عساف أنهم ورثوا بذرة المعرفة عن خالهم ووالدهم الذي كان معمارياً ونحاتاً أيضاً: «وأن ذبذبات المعرفة الأثيرية تنتقل في الطبيعة، وكل يلتقطها من الآخر، ويعمل على صقل موهبته الخاصة». الشيء الوحيد الذي تمكننا من معرفته حول تمايز كل من الأخوة عن بعضهم بعضاً، هو أن الشقيق الأوسط منصور هو الأقرب إلى العمل الهندسي الرياضي، الذي تحتاجه المنحوتات في طور التصميم والتكبير. ما عدا ذلك يصرّ الأخوة على شراكتهم الكلية وذوبان عملهم الجماعي، في المنحوتة الواحدة.
يعتقد الإخوة عساف أن علاقة معرفية كبيرة، ربطت كمال جنبلاط بميخائيل نعيمة، وجبران خليل جبران. الفلاسفة الثلاثة الذين لهم مكانة خاصة في الورهانية، فالنحاتون هنا ليسوا بعيدين عن تلك الفلسفة التي ترى مزجاً مستمراً بين روح الإنسان وما حوله.
حين تخرج من صالة العرض التي تبدو كأنها محفورة في مغارة تحت الأرض وتضم عشرات المنحوتات بسقفها الحجري المحدودب وإضاءتها المحترفة، وتماثيلها الأثيرة التي أحيط بعضها بزجاج منعاً للمس، تخرج إلى محترف في قلب الحديقة مشرفاً على الجبال المحيطة، وآخر في صالات مغلقة، هناك تلتقي بتماثيل نصفية أو كاملة لعشرات الشخصيات. تعرف أن الإخوة عساف نحتوا أكثر من 55 منحوتة معروضة في أنحاء لبنان، وكذلك في النرويج وبلجيكا ونيجيريا. وأقاموا لأنفسهم محترفاً في الصين ينفذون فيه ما يصعب عليهم تقنياً في لبنان. في المحترف تلتقي بغسان تويني والقديس شربل، الطبيب مايكل دبغي وشارل مالك. من الصعب أن تعدّ الشخصيات التي نحتت في هذه القمة الجبلية، واستقرت في أماكن أخرى وبقيت نسخة منها.
حين تنتهي الجولة في الحدائق وبين المنحوتات والمباني التي شيدها الأشقاء بسواعدهم، من حجارة القرية والقرى المجاورة، يجلسك مضيفوك في ساحة تظللها ثلاث سنديانات ضخمة قصت لتشكل سقفاً يجعلك تطل على الطبيعة الخلابة حولك دون أن تلسعك شمس أو تزعجك حرارة، الضيافة من تفاح الشجر المحيط ومياه الينابيع العذبة التي لا ينقطع خريرها، وفنجان قهوة. «كل النحاتين كانوا معماريين، ألم يكن ما يكل أنجلو معمارياً؟» يحزن عساف أن الصحافة لا تعنى بالنحاتين، مع أنهم «هم صنّاع الحضارة، وبناة المدن، وبناة النهضة. في لبنان 400 نحات وأكثر من أربعة آلاف رسام تشكيلي، ولا يعنى بهم. من بنى روما؟ أنهم النحاتون، من بنى بعلبك، والأهرامات؟». ويضيف: «أول ما نعلم طلابنا التخلي، أن يتخلوا عن أعمالهم وأفكارهم. نحن عملنا الأساسي ليس عبر فنانين، أو شبكة، ولسنا منتسبين إلى جمعية الفنانين. نحن منفصلون عن كل شيء وملتحمون بالطبيعة، هذه مدرستنا وملهمتنا. نتشارك مع الشجر والحيوانات، وكل ما حولنا، لا نقبل أن نحجم أفكارنا ونعزلها. عزلة الفكرة هو موت لها».
النحاتون عساف لا يعنيهم أن يكونوا حملة شهادات، هم أبناء الأرض، ورثوا مهنة العمارة التراثية عن والدهم كامل الذي توفي قبل أشهر بوباء «كورونا»، يقول الأخ الأكبر: «أنا وصلت للصف الخامس، لكنني تعلمت بمفردي». الأخ الأوسط منصور يعلّق: «لم نسافر، لم نهاجر، ولم يسبق لنا أن زرنا فرنسا أو إيطاليا، أو أي بلد أوروبي، نحن نتعلم مما يحيط بنا» وفي رأي منصور: «إن العبور في الأمكنة لا يساعد على وضوح الصورة، بل قد يشوشها. النظر إلى الصورة من زاوية واحدة، يساعد على التعمق في المشهد، ويعطي القدرة على التأمل والصفاء».
يوقف الإخوة عساف باب الزيارات في أول الشتاء، وينصرفون إلى التبتل في محترفهم. الصيف، هو فسحة لاستقبال الزوار والانفتاح على العالم والتعريف بما أنجز، حيث لا وقت ولا إمكانية للتركيز. بعد ما يقارب الشهر ونصف الشهر، سيعود النحاتون إلى مشغلهم يتبتلون برفقة أعمالهم ويغوصون في فلسفتهم، وفي الصيف المقبل، يطلوّن علينا من جديد، بوافر من منحوتات ونباتات وأبنية تضاف إلى المشروع - الحلم.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».