روسيا والصين... معاً في أفغانستان

قيادي «طالبان» عبد الغني برادر ووزير الخارجية الصيني وانغ يي في بكين 28 يوليو الماضي (أ.ب)
قيادي «طالبان» عبد الغني برادر ووزير الخارجية الصيني وانغ يي في بكين 28 يوليو الماضي (أ.ب)
TT

روسيا والصين... معاً في أفغانستان

قيادي «طالبان» عبد الغني برادر ووزير الخارجية الصيني وانغ يي في بكين 28 يوليو الماضي (أ.ب)
قيادي «طالبان» عبد الغني برادر ووزير الخارجية الصيني وانغ يي في بكين 28 يوليو الماضي (أ.ب)

إن تشابه المصالح والمواقف بين روسيا والصين فيما يتعلق بأفغانستان، بعد انتصار «طالبان» هناك، يحدد مسبقاً إمكانية تعزيز مواقفهما وتعاونهما الوثيق. بالنظر إلى الصين، واستناداً إلى تصريحات المسؤولين والمواد الإعلامية الصينية، نرى أنه يمكن -وإن كان بشكل تخميني- وصف موقف بكين تجاه هذا البلد في الوقت الحاضر على النحو التالي:
أولاً، ستسعى قيادة الصين، بناءً على أولوية ضمان الأمن القومي للبلاد، إلى التعامل باستخدام الوسائل الدبلوماسية، باستثناء الحالات التي تكون فيها أراضيها عُرضة للعدوان؛ وهذا الموقف يتطابق مع الموقف الروسي.
ثانياً، نظراً للغموض الذي يكتنف الوضع في أفغانستان نفسها وحولها، من الواضح أن بكين لن تتسرع في اتخاذ القرارات، ولكنها ستتصرف بحذر وتأنٍّ. ويرجع ذلك إلى حقيقة أنه لم يتضح للصينيين بعد، كما لكثير من شركائهم، ما إذا كانت «طالبان» ستفي بكل وعودها السخية، بما في ذلك تأكيداتها حول عدم السماح باستخدام الأراضي الأفغانية في أي أعمال موجهة ضد الصين. ومن المرجح أن المرحلة التي ستتجنب فيها السلطات الصينية اتباع خط سياسي واضح المعالم فيما يتعلق بالأحداث الأفغانية ستستمر لفترة طويلة (ما لم تكن هناك أحداث خطيرة)، ولن تتسرع الدبلوماسية الصينية في السعي خلف تحركات تهدف إلى شطب «طالبان» من قائمة المنظمات الإرهابية.
ثالثاً، يوجد من الأسباب ما يكفي للاعتقاد بأن بكين التي اتبعت في السنوات الأخيرة مساراً للتقارب مع روسيا، حيث لاقت تفاهماً متبادلاً كاملاً معها حول جميع المشكلات الإقليمية تقريباً، بما في ذلك الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، يمكن أن تنسق مع موسكو سياستها تجاه أفغانستان. فمثل هذا المسار لا يحمل أي مخاطر لبكين، بل على العكس يجعلها أقوى. مع أنها، بطبيعة الحال، ستواصل تنسيقها الوثيق مع باكستان ذات التأثير الكبير على الوضع في أفغانستان.
رابعاً، ونظراً لاهتمامها بتحييد الحركة الانفصالية الإرهابية التي أنشأها الأويغور (حركة شرق تركستان الإسلامية)، ستضغط بكين على «طالبان» لحضها على اتباع خط قمع متشدد ضد المسلحين. وحتى الآن، لا تعطي حركة «طالبان» أي سبب للشك في أن مسارها لا يلتقي مع مسار الراديكاليين الأويغور، ذلك لأن إقامة علاقات جيدة مع بكين يعد أكثر أهمية بالنسبة لها. ومع ذلك، وكما نسمع من عدد من الخبراء الصينيين، فإن الصين ليست مستعدة بعد للوثوق بـ«طالبان» دون قيد أو شرط، نظراً للتجربة السابقة. وهذا الحذر هو أيضاً سمة مميزة لرأي المتخصصين الروس، إلا أن التجربة الأولى لتفاعل موسكو مع حركة «طالبان» تبعث على التفاؤل، وتصريحات المسؤولين الروس دليل واضح على ذلك. يكفي ذكر العملية التي نُفذت ببراعة لإجلاء المواطنين الروس من كابل. بالمناسبة، الصين، تماماً مثل روسيا، تُجري حواراً مع «طالبان» منذ فترة طويلة، الأمر الذي لم يمنعها من التعاون مع حكومة كابل السابقة. ففي نهاية عام 2020 اعتقلت هيئة مكافحة التجسس الأفغانية في كابل مجموعة من ضباط المخابرات الصينية كانت تطارد مسلحي «حركة شرق تركستان»، بزعم التعاون مع أحد الهياكل الإرهابية لشبكة «حقاني».
خامساً، ستكون بكين مستعدة، جنباً إلى جنب مع روسيا، لدعم مسار يهدف لاستخدام منصة منظمة شنغهاي للتعاون لاتّباع سياسة موحدة تجاه الأزمة الأفغانية. فلديها ما يكفي من النفوذ لإشراك الأعضاء الآخرين في هذه المنظمة في إجراءات جماعية، وفي المقام الأول دول آسيا الوسطى المهتمة للغاية باستخدام إمكانات الصين الضخمة للتعاون الاقتصادي، وإمكانات روسيا القوية بصفتها مزوداً للأمن، إذ إن رغبة دول آسيا الوسطى في تطوير العلاقات مع موسكو وبكين تتزايد بوضوح، على خلفية خيبة الأمل من واشنطن خلال الأزمة الأخيرة. وموسكو في الوقت الحاضر تبذل جهوداً كبيرة لتعزيز القدرات الدفاعية لدول آسيا الوسطى وحماية حدودها. وهذا الأمر بات أكثر إلحاحاً بعد الهجمات الإرهابية التي وقعت في مطار كابل، وفي المدينة نفسها، التي نفّذتها الفروع المحلية لـ«داعش» في 26 أغسطس (آب)، ما يشير إلى أن مواقع الهياكل الإرهابية العابرة للحدود في أفغانستان لا تزال قوية. ومن المخطط له في بداية سبتمبر (أيلول) إجراء تدريبات عسكرية جديدة في آسيا الوسطى لقوات الرد السريع الجماعية التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي. وكانت القاعدة العسكرية الروسية 201 في طاجيكستان قد تلقت، في الفترة من يوليو (تموز) إلى أغسطس، أسلحة جديدة. وفي الآونة الأخيرة أيضاً، بدأت معدات عسكرية جديدة تصل إلى قيرغيزستان، إلى جانب المشاركين في المناورات المقبلة.
في هذا السياق، تجدر الإشارة كذلك إلى الاهتمام الواضح لسلطات «طالبان» في كابل بالشراكة مع إيران وتركيا أكثر من ذي قبل. ويُزعم أنهم عرضوا على الأخيرة توفير أمن مطار كابل بعد مغادرة الأميركيين من هناك. والواقع أن السياسيين الصينيين، حتى منذ أوائل العقد الماضي، كانوا متأكدين تماماً من حتمية هزيمة وانسحاب الأميركيين من أفغانستان.
تجدر الإشارة أيضاً إلى أنه رغم أن روسيا انتقدت الرئيس الأميركي بايدن بشدة، بسبب المنعطف العسكري والسياسي السريع الذي أبعد عنه حلفاءه في أفغانستان بعد أن شعروا بالإهانة، فإنه لم تكن هناك شماتة في التعليقات حول هذا الأمر، وإنما الحيرة والذهول فقط. بالمناسبة، روسيا كانت من بين أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذين صوّتوا، في 20 ديسمبر (كانون الأول) 2001، لصالح القرار (1386) بشأن إنشاء «قوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان» (إيساف). والآن، يتعاطف الروس بصدق، ليس مع الأفغان فحسب، بل مع الجنود الأميركيين أيضاً الذين سقطوا ضحايا الهجمات الإرهابية المروعة في مطار كابل التي أدانتها موسكو بشدة. والسفير الروسي في واشنطن، أناتولي أنطونوف، عبّر عن خالص تعازيه للجانب الأميركي. وفي الوقت نفسه، كما كتب في هذه الأيام الباحث في مركز «كارنيغي» في موسكو ألكسندر باونوف: «الشماتة التي يستقبل بها كثيرون الأخبار الواردة من كابل هي أكثر المشاعر غير المعقولة، رغم صعوبة الامتناع عن التفكير في أنه لو كانت هذه الصور مرتبطة بطريقة ما بروسيا أو تركيا أو الصين، لانغمس كثير من أولئك الذين يطالبون الآن بضبط النفس في فرحة عارمة».
لقد اندهش شركائي الصينيون، وكذلك الخبراء في روسيا، من الاعتراف غير المتوقع للرئيس بايدن، حين قال: «لم يكن من المفترض أن تتمثل مهمتنا في أفغانستان ببناء الدولة، ولم يكن من المفترض أن نؤسس ديمقراطية موحدة مركزية؛ تبقى مصلحتنا الوطنية الحيوية في أفغانستان اليوم كما كانت دائماً؛ منع هجوم إرهابي على الولايات المتحدة». فقد اتضح أن ملايين الأفغان الذين كانوا يعتمدون على مساعدة الولايات المتحدة في تأسيس دولة ديمقراطية جديدة بنوا آمالهم عليها، قد تم خداعهم بقسوة منذ البداية. ومع ذلك، رأى كثير من السياسيين والمحللين الروس مزايا إيجابية في حقيقة أن القيادة الأميركية باتت ترفض الآن زرع الديمقراطية بالقوة.
سادساً، يمكن أخيراً الافتراض أن الصين ستكون مستعدة، إلى جانب روسيا، لتقديم المساعدة الإنسانية لأفغانستان. لكن بكين لن تتوجه إلى تنفيذ المشاريع الاقتصادية الضخمة قبل أن يحقق النظام الجديد في أفغانستان الاستقرار، وتبني «طالبان» في كل من المركز والأقاليم نظام حكم فعالاً، وتوجه في الوقت نفسه ضربات حقيقية إلى الفساد الذي بات يمزق البلاد.
في الحقيقة، إذا نجحت «طالبان» فعلاً في ضمان الأداء المستقر لحكومة تمثيلية في البلاد، تأخذ في الاعتبار مصالح جميع أطياف المجتمع العرقية والطائفية، وتضمن الأمن على المدى الطويل، فسيترتب على كل من الصين وروسيا، وفقاً للخبراء الروس، المنافسة على مشاريع أفغانية مربحة (مثل هذه المشاريع ستظهر بالتأكيد) مع منافسين أقوياء آخرين، بما في ذلك مع شركات من دول الخليج.

- خاص بـ«الشرق الأوسط»



استخدام المُسيرات خارج ساحات المعارك يعزز سوق تكنولوجيا التصدي لها

رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
TT

استخدام المُسيرات خارج ساحات المعارك يعزز سوق تكنولوجيا التصدي لها

رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)
رادار لكشف المسيّرات في مدينة كاسل الألمانية وتبدو في السماء طائرة مسيّرة (رويترز)

تسببت وقائع اختراق من طائرات مسيرة بتعطيل مطارات في أوروبا ونفذت مسيّرات أخرى هجمات على حقول نفط في الشرق الأوسط، مما حفز نمواً سريعاً لسوق أجهزة الرادار والتشويش والمركبات الدفاعية لحماية المطارات والبنية التحتية من أي تهديدات جوية جديدة.

وصارت تكنولوجيا الطائرات المسيرة مصدراً للاضطراب في المطارات منذ سنوات. واضطر ​مطار غاتويك في لندن إلى تعليق الرحلات بسبب تحذيرات من الطائرات المسيرة قبل عام 2020. لكن موجة جديدة من وقائع الاختراق المرتبطة بالحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط زادت حدة هذه المخاوف بشكل كبير.

ومن ضمن التطورات التكنولوجية التي برزت في الآونة الأخيرة أداة على شكل مسدس من شركة «ديدرون» الأميركية قادرة على التشويش على هذه المُسيرات، وطائرة «وينغمان» ذاتية القيادة من شركة «بوينغ» تحلق برفقة طائرات مقاتلة وهي تحمل أجهزة تشويش مضادة للطائرات المسيرة وأسلحة في مقدمة قابلة للتبديل.

ويجذب هذا المجال استثمارات بمليارات الدولارات، ويتجاوز الاستخدام العسكري إلى قطاعات مثل الطاقة والشحن ومراكز البيانات والفنادق والمطارات.

مسيّرات عسكرية في معرض دفاعي قرب باريس (رويترز)

وتعد شركة «أفينور»، التي تمتلك وتدير 43 مطاراً في النرويج، إحدى الشركات التي ركبت نظاماً للكشف عن ‌الطائرات المسيرة في عملياتها ‌لمعالجة «الاضطرابات والتأخيرات» التي تسببها توغلات الطائرات المسيرة لحركة الطيران. وتحدثت «رويترز» إلى ستة ​مديرين ‌تنفيذيين ⁠لشركات في ​مجال ⁠التصدي للطائرات المسيرة، وقالوا إن هناك زيادة حادة في الطلب من الحكومات والمطارات وشركات تشغيل البنية التحتية المدنية.

وقال سيتي هامينغا، الرئيس التنفيذي لشركة «روبن رادار» للتصدي للطائرات المسيرة، ومقرها هولندا: «هناك تأثير مباشر؛ إذ يتصل بنا الكثيرون». وطورت الشركة هذه التكنولوجيا مستفيدة من أبحاث حول تعرض الطائرات للاصطدام بالطيور.

سوق تنمو 20 في المائة سنوياً

وسلّطت أساليب الحرب الهجينة في أوروبا والشرق الأوسط الضوء على الحاجة إلى حماية المنشآت الاقتصادية والمدنية، مثل الموانئ وحقول النفط والمطارات. وعلى مدار عام حتى الآن حدثت اضطرابات بسبب هجمات بطائرات مسيرة على مطار دبي وتوغلات في دول البلطيق، وحرائق ناجمة عن حطام مسيرات تم اعتراضها ⁠في منطقة الفجيرة للصناعة البترولية (فوز) وإنذارات للاشتباه في وجود طائرات مسيرة بمطاري ميونيخ ‌وكوبنهاغن. وصرحت سلطات بعض المطارات الأوروبية لـ«رويترز» بأنها تتطلع إلى زيادة استخدام التقنيات ‌المضادة للطائرات المسيرة.

مسيّرة للبحرية الكورية الجنوبية (رويترز)

وقال آش ألكسندر كوبر، الذي كان يشغل منصباً تنفيذياً ​في شركة «ديدرون» حتى يونيو (حزيران) الحالي وتحدث إلى ‌«رويترز» قبل ترك المنصب، إن الاتصالات لطلب حلول يمكن تركيبها «في أسرع وقت ممكن» بدأت فور اندلاع الحرب على إيران ‌في 28 فبراير (شباط). وأضاف: «أعتقد أننا واحدة من شركات كثيرة تتلقى هذه الطلبات، بعد أن أدرك الآن عدد أكبر كثيراً من الدول ليس فقط في الشرق الأوسط، مدى الخطر الذي يواجهها مع تطور نطاق وطبيعة التهديد الفوري للطائرات المسيرة».

وتشير تقديرات المحللين إلى أن حجم سوق التصدي للطائرات المسيرة عالمياً يتراوح بين ثلاثة وسبعة مليارات دولار، وتنمو السوق بنسبة 20 في المائة تقريباً كل عام. ‌وذكرت شركة «ماركتس آند ماركتس» في تقرير أن هذه القيمة ستصل إلى 14.5 مليار دولار بحلول عام 2030 من 4.5 مليار دولار حالياً.

وقال إيبين فرانكنبرغ، الرئيس التنفيذي ⁠لشركة «إيكوداين» المصنعة لأجهزة رادار تكتشف ⁠الطائرات المسيرة، إن الاستثمار في مصنع جديد ستفتتحه الشركة هذا العام سيضاعف طاقتها الإنتاجية السنوية إلى ما يزيد على 30 ألف وحدة.

وأضاف: «من حيث الطلب على أجهزة الرادار التي ننتجها، شهدنا نمواً تجاوز 100 في المائة بكثير على مدار عام حتى الآن، وهذا النمو لا يتباطأ».

لكن على الرغم من الاهتمام الكبير بهذه التقنيات، لا تزال التحديات التنظيمية والتساؤلات حول السلامة تحد من نشر تكنولوجيا التصدي للطائرات المسيرة خارج المجال العسكري.

وتطبق المطارات المدنية قواعد صارمة بشأن اختيار التكنولوجيا التي يمكن أن تستخدمها ضد الطائرات المسيرة، ولا تزال تركز بشكل كبير على أدوات الكشف.

فقد تؤدي مشكلات، مثل التشويش والتداخل مع نظام تحديد المواقع العالمي «جي بي إس»، إلى تعطيل الاتصالات والملاحة مما يجعل هذه الأنظمة غير مناسبة في مناطق المطارات. ولا يمكن أيضاً استخدام الأسلحة لإسقاط طائرات مسيرة في بيئة مدنية.

وقال متحدث باسم شركة «هينسولدت» الألمانية المصنعة لأجهزة الرادار: «لا يمكنك ببساطة استخدام ما يسمى الوسائل الحركية الفعالة، مثل المدافع الرشاشة أو ما شابه، بالقرب من بنية تحتية مدنية».

ويعود ​الكثير من الأمور إلى السلطات الوطنية فيما ​يتعلق بتحديد سبل استخدام الأنظمة التي تعمل في ساحات المعركة بشكل قانوني وآمن في السيناريوهات المدنية.

وقالت ستيفاني لينجيمان، رئيسة القسم الجوي في شركة «هيلسينغ» الألمانية للطائرات المسيرة والذكاء الاصطناعي: «المسموح به هو مسألة تنظيمية بأيدي الحكومات... لا يمكننا اتخاذ القرار».


لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
TT

لماذا يتقارب الحوثيون و«حركة الشباب»؟

التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)
التعاون بين الحوثيين و«حركة الشباب» الصومالية يضاعف من المخاطر على الأمن الإقليمي وأمن الملاحة (أ.ف.ب)

مع تراجع الدعم الإيراني للحوثيين في اليمن، تتطلع الجماعة عبر البحر الأحمر إلى الجماعة الإرهابية الأوسع شهرة في الصومال «حركة الشباب»، وذلك وفقاً للمحللة السياسية إميلي ميليكين، نائبة مدير مؤسسة «إن7» الفكرية والكاتبة المختصة في شؤون الخليج العربي واليمن وليبيا.

وقالت ميليكين، في تحليل نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست» الأميركية، إنه على مدى سنوات كانت العلاقة المتنامية بين الحوثيين في اليمن و«حركة الشباب» الصومالية تعدّ أمراً ثانوياً، حيث طغت عليها الحروب في قطاع غزة ولبنان والبحر الأحمر. ولكن مع ازدياد الضغوط على إيران وشبكتها الإقليمية، يبرز هذا التحالف بوصفه علامة تحذيرية من أمر أكبر؛ هو أن الجماعات المسلحة في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي قد تتكيف إذا لم تعد طهران قادرة على دعم وكلائها كما كانت تفعل سابقاً.

مقاتلون من «حركة الشباب» (أرشيفية - أ.ب)

وأشارت إلى أن الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن «يعملون على تعميق علاقاتهم بـ(حركة الشباب)؛ فرع تنظيم (القاعدة) في الصومال، بطرق قد تزعزع استقرار منطقة القرن الأفريقي بشكل دائم، وتعرض للخطر أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وربما الأمر الأهم من ذلك، هو أن هذه الشراكة المتنامية قد تعكس تحولاً أوسع نطاقاً داخل ما يسمى (محور المقاومة الإيراني)».

ورسمت التقارير الأخيرة صورة مثيرة للقلق، فقد قالت مصادر للجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن إن «عشرات من مقاتلي (حركة الشباب)، بينهم قادة بارزون، سافروا إلى اليمن، وتحديداً إلى محافظتي شبوة ومأرب، ويسهّلون عمل شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات إلى الصومال. وربما تكون هناك عناصر من الحوثيين داخل الصومال، حيث يدربون مقاتلي (حركة الشباب) على حرب الطائرات المسيّرة والمتفجرات، وغيرها من أساليب القتال التي أتقنوها على مدى سنوات من التدرّب على أيدي مستشارين من إيران و(حزب الله)» اللبناني.

عناصر من «حركة الشباب» الإرهابية الصومالية (أ.ب)

تدريبات

وترى ميليكين أن هذا التطور يأتي في لحظة حاسمة بالنسبة إلى الحوثيين؛ «حيث تعرضت شبكة حلفاء إيران ووكلائها إلى نكسات متتالية منذ عام 2024، وتراجعت قوة (حزب الله) بشكل كبير، وأطيح نظام بشار الأسد في سوريا، وتواجه الميليشيات العراقية قيوداً داخلية وسياسية متصاعدة، وأصبحت حركة (حماس) شبه مدمرة. وفي الوقت نفسه، تواجه طهران ضغوطاً عسكرية واقتصادية متنامية من الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين».

ومع ذلك، فقد خرج الحوثيون من هذه الفترة أجرأ. ورغم الضربات الأميركية والبريطانية والإسرائيلية المتواصلة، فإن الجماعة واصلت إظهار قدرتها على تعطيل الملاحة الدولية، وضرب إسرائيل، وترسيخ مكانتها لاعباً رئيسياً في انعدام الأمن بالبحر الأحمر. علاوة على ذلك، وعلى عكس كثير من حلفائهم، لا تزال القيادة العليا للحوثيين سليمة.

بالنسبة إلى الحوثيين، «توفر العلاقات بشبكات التهريب والمسلحين الصومالية الفرصةَ والنفوذ في خليج عدن. ويتيح التعاون مع (حركة الشباب) والجهات الإجرامية المرتبطة بها الوصولَ إلى طرق الملاحة البحرية غير المشروعة وشبكات الاستخبارات، وممرات تهريب الأسلحة، والبنية التحتية اللوجستية، على الجانب الأفريقي من مضيق باب المندب». وفي الوقت الذي يتعرض فيه داعموهم الرئيسيون لضغط دولي مكثف، فإن تنويع الشراكات يسمح للحوثيين بتقليل اعتمادهم على طهران مع توسيع نطاق عملياتهم في عمق المحيط الهندي الغربي.

أنظمة صاروخية حديثة لدى الحوثيين (وسائل إعلام)

وبالنسبة إلى «حركة الشباب»، تعني الشراكة مع الحوثيين الوصولَ إلى أنظمة أسلحة أعلى تطوراً، وخبرات في مجال الطائرات المسيرة، وقدرات بحرية، وأهمية إقليمية أكبر. ويُعتقد أن الحوثيين قد نقلوا بالفعل طائرات مسيّرة مسلحة، كما يتردد أن «حركة الشباب» طلبت في يوم ما إضافة صواريخ موجهة. ويمكن أن يكون عدم الاستقرار البحري المرتبط بهذا التحالف مربحاً لها من حيث ممارسة القرصنة والتهريب، فضلاً عن فرض الضرائب على الموانئ وابتزاز التجار وشركات الشحن.

وقالت ميليكين إن عواقب هذه العلاقة تتجاوز حدود اليمن والصومال. وأشارت إلى أن «هذا التعاون المتنامي بين الحوثيين و(حركة الشباب) يهدد بازدياد هشاشة الاقتصاد العالمي الهش بالفعل»... فقد أجبرت هجمات الحوثيين، التي بدأت أواخر عام 2023، كثيراً من شركات الشحن الكبرى على تغيير مسارها إلى «رأس الرجاء الصالح» لتجنب عبور البحر الأحمر. ويعني هذا القرار حدوث تأخيرات طويلة في سلاسل التوريد العالمية، وارتفاع تكاليف الوقود، وتضخم أقساط التأمين... والنتيجة هي ارتفاع الأسعار على المستهلكين في كل مكان، إلا إن أسواق الطاقة تظل الأكبر اضطراباً. لكن هذه العلاقة تشير أيضاً إلى تحول أوسع في علاقة إيران بالمتمردين.

ومع ضعف شبكة إيران الإقليمية، انتهز الحوثيون الفرصة لتأكيد أنهم كيان مستقل. كما أن تواصلهم مع جهات فاعلة، مثل روسيا والصين، إضافة إلى فروع تنظيم «القاعدة»، مثل «حركة الشباب»، و«تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، وحتى مع قراصنة الصومال، يعكس جهداً لتنويع العلاقات، وتقليل الاعتماد على طهران، وبناء نفوذ يتجاوز حدود اليمن. وقد يكون تحالفهم مع «حركة الشباب» مؤشراً مبكراً على كيفية تطور شبكة وكلاء إيران تحت الضغط.

الحوثيون رفعوا صوراً عملاقة للمرشد الإيراني علي خامنئي في شوارع صنعاء عقب مقتله بضربة إسرائيلية (إ.ب.أ)

ومع استمرار إيران في مواجهة ضغوط عسكرية واقتصادية وداخلية، فقد يضطر بعض شركائها - خصوصاً أولئك الذين يتعافون من فقدان القيادة ومخازن الأسلحة - إلى البحث عن مصادر تمويل وأسلحة ونفوذ إقليمي بديلة، بدلاً من الاعتماد فقط على طهران. ولهذا الغرض؛ فقد تبدأ هذه الجماعات تبني استراتيجيات أكبرَ عملية وواقعية والعمل خارج الخطوط الآيديولوجية التقليدية، مثلما يفعل الحوثيون.

واختتمت ميليكين تحليلها بالقول إن «هذه نتيجة ينبغي أن تُقلق صانعي السياسات أكثر بكثير مما كانت عليه الحال مع نموذج الوكالة التقليدي. فالضغط المطول على إيران وشبكتها الإقليمية قد يؤدي إلى أنظمة مسلحة أوسعَ تشرذماً، وأكبرَ استقلالية، ولا يمكن التنبؤ بها، في جميع أنحاء الشرق الأوسط».


ميلوني ومودي… «أشهر ثنائي على إنستغرام»: ما القصة؟

رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)
TT

ميلوني ومودي… «أشهر ثنائي على إنستغرام»: ما القصة؟

رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء الإيطالية جيورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال قمة مجموعة السبع في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)

في مشهد غير تقليدي على هامش القمم الدولية، خطف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ونظيرته الإيطالية جورجيا ميلوني الأنظار بتفاعلاتهما الودية والمرحة، التي تجاوزت البروتوكول الرسمي لتتحول إلى ظاهرة لافتة على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث باتا يُوصفان بـ«أشهر ثنائي على إنستغرام».

وخلال قمة مجموعة السبع في فرنسا، تبادل الزعيمان لحظات من الدعابة أثناء وصولهما لالتقاط الصورة الجماعية التقليدية في مدينة إيفيان لي بان. وأظهر مقطع فيديو لحظة تحيتهما لبعضهما البعض، بينما مازح مودي نظيرته بشأن شهرتهما على منصات التواصل الاجتماعي.

وكان رد ميلوني واضحاً عبر الميكروفون، إذ قالت مبتسمة: «نعم، نحن أشهر ثنائي على إنستغرام».

رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تتحدث مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال جلسة عمل في قمة مجموعة السبع بفرنسا (أ.ب)

هذه التفاعلات الودية، التي تتكرر بين الزعيمين على هامش اللقاءات الدولية، أثارت موجة واسعة من التفاعل عبر الإنترنت، شملت صوراً ساخرة، وتعديلات من المعجبين، ومنشورات انتشرت على نطاق واسع، بل وولّدت اتجاهاً خاصاً حمل اسم «Melodi» (ميلودي)، وهو دمج بين اسمي عائلتيهما.

وبدأت هذه الظاهرة عندما التقى الزعيمان للمرة الأولى خلال قمة مجموعة العشرين في بالي عام 2023، ثم تجدد اللقاء في نيودلهي لاحقاً في العام نفسه. وبلغ التفاعل ذروته في ديسمبر (كانون الأول) 2023، حين نشرت ميلوني صورة «سيلفي» تجمعها مع مودي خلال مؤتمر الأطراف الثامن والعشرين في دبي، مرفقة بوسم #Melodi.

وفي تطور لافت مؤخراً، أهدى مودي الزعيمة الإيطالية كيساً من حلوى «ميلودي» الهندية الشهيرة خلال زيارته إلى روما، في لفتة طريفة أثارت تفاعلاً واسعاً على وسائل التواصل الاجتماعي.

وأظهر مقطع فيديو نشرته ميلوني مودي وهو يسلّمها الحلوى وسط أجواء من الضحك، بينما علّقت قائلة: «شكراً لك على الهدية». وسرعان ما انتشر الفيديو على نطاق واسع.

ويُعدّ الزعيمان من بين أكثر الشخصيات حضوراً وشعبية على الإنترنت؛ إذ يتابع مودي نحو 107 ملايين شخص على منصة «إكس»، في حين تحظى ميلوني بمتابعة تقارب 3.3 مليون شخص. ويُسهم ظهورهما المشترك في تعزيز حضورهما الإعلامي، بوصفهما من القادة الذين يجيدون توظيف المنصات الرقمية للتواصل مع الجمهور.