روسيا والصين... معاً في أفغانستان

قيادي «طالبان» عبد الغني برادر ووزير الخارجية الصيني وانغ يي في بكين 28 يوليو الماضي (أ.ب)
قيادي «طالبان» عبد الغني برادر ووزير الخارجية الصيني وانغ يي في بكين 28 يوليو الماضي (أ.ب)
TT

روسيا والصين... معاً في أفغانستان

قيادي «طالبان» عبد الغني برادر ووزير الخارجية الصيني وانغ يي في بكين 28 يوليو الماضي (أ.ب)
قيادي «طالبان» عبد الغني برادر ووزير الخارجية الصيني وانغ يي في بكين 28 يوليو الماضي (أ.ب)

إن تشابه المصالح والمواقف بين روسيا والصين فيما يتعلق بأفغانستان، بعد انتصار «طالبان» هناك، يحدد مسبقاً إمكانية تعزيز مواقفهما وتعاونهما الوثيق. بالنظر إلى الصين، واستناداً إلى تصريحات المسؤولين والمواد الإعلامية الصينية، نرى أنه يمكن -وإن كان بشكل تخميني- وصف موقف بكين تجاه هذا البلد في الوقت الحاضر على النحو التالي:
أولاً، ستسعى قيادة الصين، بناءً على أولوية ضمان الأمن القومي للبلاد، إلى التعامل باستخدام الوسائل الدبلوماسية، باستثناء الحالات التي تكون فيها أراضيها عُرضة للعدوان؛ وهذا الموقف يتطابق مع الموقف الروسي.
ثانياً، نظراً للغموض الذي يكتنف الوضع في أفغانستان نفسها وحولها، من الواضح أن بكين لن تتسرع في اتخاذ القرارات، ولكنها ستتصرف بحذر وتأنٍّ. ويرجع ذلك إلى حقيقة أنه لم يتضح للصينيين بعد، كما لكثير من شركائهم، ما إذا كانت «طالبان» ستفي بكل وعودها السخية، بما في ذلك تأكيداتها حول عدم السماح باستخدام الأراضي الأفغانية في أي أعمال موجهة ضد الصين. ومن المرجح أن المرحلة التي ستتجنب فيها السلطات الصينية اتباع خط سياسي واضح المعالم فيما يتعلق بالأحداث الأفغانية ستستمر لفترة طويلة (ما لم تكن هناك أحداث خطيرة)، ولن تتسرع الدبلوماسية الصينية في السعي خلف تحركات تهدف إلى شطب «طالبان» من قائمة المنظمات الإرهابية.
ثالثاً، يوجد من الأسباب ما يكفي للاعتقاد بأن بكين التي اتبعت في السنوات الأخيرة مساراً للتقارب مع روسيا، حيث لاقت تفاهماً متبادلاً كاملاً معها حول جميع المشكلات الإقليمية تقريباً، بما في ذلك الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، يمكن أن تنسق مع موسكو سياستها تجاه أفغانستان. فمثل هذا المسار لا يحمل أي مخاطر لبكين، بل على العكس يجعلها أقوى. مع أنها، بطبيعة الحال، ستواصل تنسيقها الوثيق مع باكستان ذات التأثير الكبير على الوضع في أفغانستان.
رابعاً، ونظراً لاهتمامها بتحييد الحركة الانفصالية الإرهابية التي أنشأها الأويغور (حركة شرق تركستان الإسلامية)، ستضغط بكين على «طالبان» لحضها على اتباع خط قمع متشدد ضد المسلحين. وحتى الآن، لا تعطي حركة «طالبان» أي سبب للشك في أن مسارها لا يلتقي مع مسار الراديكاليين الأويغور، ذلك لأن إقامة علاقات جيدة مع بكين يعد أكثر أهمية بالنسبة لها. ومع ذلك، وكما نسمع من عدد من الخبراء الصينيين، فإن الصين ليست مستعدة بعد للوثوق بـ«طالبان» دون قيد أو شرط، نظراً للتجربة السابقة. وهذا الحذر هو أيضاً سمة مميزة لرأي المتخصصين الروس، إلا أن التجربة الأولى لتفاعل موسكو مع حركة «طالبان» تبعث على التفاؤل، وتصريحات المسؤولين الروس دليل واضح على ذلك. يكفي ذكر العملية التي نُفذت ببراعة لإجلاء المواطنين الروس من كابل. بالمناسبة، الصين، تماماً مثل روسيا، تُجري حواراً مع «طالبان» منذ فترة طويلة، الأمر الذي لم يمنعها من التعاون مع حكومة كابل السابقة. ففي نهاية عام 2020 اعتقلت هيئة مكافحة التجسس الأفغانية في كابل مجموعة من ضباط المخابرات الصينية كانت تطارد مسلحي «حركة شرق تركستان»، بزعم التعاون مع أحد الهياكل الإرهابية لشبكة «حقاني».
خامساً، ستكون بكين مستعدة، جنباً إلى جنب مع روسيا، لدعم مسار يهدف لاستخدام منصة منظمة شنغهاي للتعاون لاتّباع سياسة موحدة تجاه الأزمة الأفغانية. فلديها ما يكفي من النفوذ لإشراك الأعضاء الآخرين في هذه المنظمة في إجراءات جماعية، وفي المقام الأول دول آسيا الوسطى المهتمة للغاية باستخدام إمكانات الصين الضخمة للتعاون الاقتصادي، وإمكانات روسيا القوية بصفتها مزوداً للأمن، إذ إن رغبة دول آسيا الوسطى في تطوير العلاقات مع موسكو وبكين تتزايد بوضوح، على خلفية خيبة الأمل من واشنطن خلال الأزمة الأخيرة. وموسكو في الوقت الحاضر تبذل جهوداً كبيرة لتعزيز القدرات الدفاعية لدول آسيا الوسطى وحماية حدودها. وهذا الأمر بات أكثر إلحاحاً بعد الهجمات الإرهابية التي وقعت في مطار كابل، وفي المدينة نفسها، التي نفّذتها الفروع المحلية لـ«داعش» في 26 أغسطس (آب)، ما يشير إلى أن مواقع الهياكل الإرهابية العابرة للحدود في أفغانستان لا تزال قوية. ومن المخطط له في بداية سبتمبر (أيلول) إجراء تدريبات عسكرية جديدة في آسيا الوسطى لقوات الرد السريع الجماعية التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي. وكانت القاعدة العسكرية الروسية 201 في طاجيكستان قد تلقت، في الفترة من يوليو (تموز) إلى أغسطس، أسلحة جديدة. وفي الآونة الأخيرة أيضاً، بدأت معدات عسكرية جديدة تصل إلى قيرغيزستان، إلى جانب المشاركين في المناورات المقبلة.
في هذا السياق، تجدر الإشارة كذلك إلى الاهتمام الواضح لسلطات «طالبان» في كابل بالشراكة مع إيران وتركيا أكثر من ذي قبل. ويُزعم أنهم عرضوا على الأخيرة توفير أمن مطار كابل بعد مغادرة الأميركيين من هناك. والواقع أن السياسيين الصينيين، حتى منذ أوائل العقد الماضي، كانوا متأكدين تماماً من حتمية هزيمة وانسحاب الأميركيين من أفغانستان.
تجدر الإشارة أيضاً إلى أنه رغم أن روسيا انتقدت الرئيس الأميركي بايدن بشدة، بسبب المنعطف العسكري والسياسي السريع الذي أبعد عنه حلفاءه في أفغانستان بعد أن شعروا بالإهانة، فإنه لم تكن هناك شماتة في التعليقات حول هذا الأمر، وإنما الحيرة والذهول فقط. بالمناسبة، روسيا كانت من بين أعضاء مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذين صوّتوا، في 20 ديسمبر (كانون الأول) 2001، لصالح القرار (1386) بشأن إنشاء «قوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان» (إيساف). والآن، يتعاطف الروس بصدق، ليس مع الأفغان فحسب، بل مع الجنود الأميركيين أيضاً الذين سقطوا ضحايا الهجمات الإرهابية المروعة في مطار كابل التي أدانتها موسكو بشدة. والسفير الروسي في واشنطن، أناتولي أنطونوف، عبّر عن خالص تعازيه للجانب الأميركي. وفي الوقت نفسه، كما كتب في هذه الأيام الباحث في مركز «كارنيغي» في موسكو ألكسندر باونوف: «الشماتة التي يستقبل بها كثيرون الأخبار الواردة من كابل هي أكثر المشاعر غير المعقولة، رغم صعوبة الامتناع عن التفكير في أنه لو كانت هذه الصور مرتبطة بطريقة ما بروسيا أو تركيا أو الصين، لانغمس كثير من أولئك الذين يطالبون الآن بضبط النفس في فرحة عارمة».
لقد اندهش شركائي الصينيون، وكذلك الخبراء في روسيا، من الاعتراف غير المتوقع للرئيس بايدن، حين قال: «لم يكن من المفترض أن تتمثل مهمتنا في أفغانستان ببناء الدولة، ولم يكن من المفترض أن نؤسس ديمقراطية موحدة مركزية؛ تبقى مصلحتنا الوطنية الحيوية في أفغانستان اليوم كما كانت دائماً؛ منع هجوم إرهابي على الولايات المتحدة». فقد اتضح أن ملايين الأفغان الذين كانوا يعتمدون على مساعدة الولايات المتحدة في تأسيس دولة ديمقراطية جديدة بنوا آمالهم عليها، قد تم خداعهم بقسوة منذ البداية. ومع ذلك، رأى كثير من السياسيين والمحللين الروس مزايا إيجابية في حقيقة أن القيادة الأميركية باتت ترفض الآن زرع الديمقراطية بالقوة.
سادساً، يمكن أخيراً الافتراض أن الصين ستكون مستعدة، إلى جانب روسيا، لتقديم المساعدة الإنسانية لأفغانستان. لكن بكين لن تتوجه إلى تنفيذ المشاريع الاقتصادية الضخمة قبل أن يحقق النظام الجديد في أفغانستان الاستقرار، وتبني «طالبان» في كل من المركز والأقاليم نظام حكم فعالاً، وتوجه في الوقت نفسه ضربات حقيقية إلى الفساد الذي بات يمزق البلاد.
في الحقيقة، إذا نجحت «طالبان» فعلاً في ضمان الأداء المستقر لحكومة تمثيلية في البلاد، تأخذ في الاعتبار مصالح جميع أطياف المجتمع العرقية والطائفية، وتضمن الأمن على المدى الطويل، فسيترتب على كل من الصين وروسيا، وفقاً للخبراء الروس، المنافسة على مشاريع أفغانية مربحة (مثل هذه المشاريع ستظهر بالتأكيد) مع منافسين أقوياء آخرين، بما في ذلك مع شركات من دول الخليج.

- خاص بـ«الشرق الأوسط»



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.