«فشل كامل»: هل خسر الغرب الحرب ضد المتطرفين؟

الحركة الجهادية باتت الآن برأسين منذ إنشاء تنظيم «داعش»

استنفار أمني خارج «كاتدرائية نوتردام» بعد هجوم طعن إرهابي في يونيو 2017 (أ.ب)
استنفار أمني خارج «كاتدرائية نوتردام» بعد هجوم طعن إرهابي في يونيو 2017 (أ.ب)
TT

«فشل كامل»: هل خسر الغرب الحرب ضد المتطرفين؟

استنفار أمني خارج «كاتدرائية نوتردام» بعد هجوم طعن إرهابي في يونيو 2017 (أ.ب)
استنفار أمني خارج «كاتدرائية نوتردام» بعد هجوم طعن إرهابي في يونيو 2017 (أ.ب)

في عام 2001 كان العدو المطلق للغرب تنظيم «القاعدة» خلف زعيمه أسامة بن لادن... وبعد 20 عاماً من الحرب بات الفشل واضحاً؛ إذ امتدت الحركة الجهادية وباتت جماعاتها أكثر عدداً وموزعة جغرافياً بشكل أوسع.
كان الدخان لا يزال يتصاعد من برجي «مركز التجارة العالمي» حين أطلق الرئيس الأميركي آنذاك جورج بوش الابن «الحرب ضد الإرهاب». الهدف كان نظام «طالبان» في أفغانستان بسبب سماحه لـ«القاعدة» بالتحضير على أرضه للاعتداء الأكثر دموية ضد دولة غربية. وبعد سنتين وانتصار عسكري لاحقاً، أعلن بوش في يناير (كانون الثاني) 2003 في خطابه التقليدي حول «حالة الاتحاد» أنه «في أفغانستان؛ ساهمنا في تحرير شعب مضطهد، وسنواصل مساعدته على جعل بلاده آمنة وإعادة بناء مجتمعه وتعليم كل أولاده؛ صبية وفتيات».
لكن التاريخ لم يصغ إليه. استعادت حركة «طالبان» كابل، وأعادت فرض «الشريعة»، وسواء عُدّ خطابها المهادن ذا مصداقية أم لا؛ فإن إسلاميين متطرفين مقربين جداً من «القاعدة» باتوا يديرون البلاد.
بالتالي؛ هل فشلت الحرب ضد الإرهاب؟ يرد «عبد السيد»؛ خبير الشؤون السياسية في جامعة لوند بالسويد: «لقد نجحوا في قتل بن لادن. لكن الهدف كان إنهاء الحركة الجهادية العابرة للحدود، وهو فشل كامل».
من المؤكد أن الولايات المتحدة لم تكن ضحية لمثل هذا الهجوم منذ عام 2001، لكن الأهداف المحددة «كانت غير قابلة للتحقيق» كما يقول عساف مقدم، الباحث في «المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب» في إسرائيل، مضيفاً: «لا يمكن هزم الإرهاب. التهديد يتطور باستمرار».
وعدّ «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» في واشنطن عام 2018 أن عدد المجموعات النشطة (67) في أعلى مستوى له منذ 1980. أما بالنسبة لعدد المقاتلين؛ فإنه يختلف، بحسب مصادر جمعها «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»، بين مائة ألف و230 ألفاً؛ أي بزيادة قدرها 270 في المائة مقارنة مع تقديرات عام 2001. حتى مع الاعتراف بأن الأرقام قد تتفاوت، فإن الاتجاه غير قابل للنقاش.
نظراً إلى الإنفاق الذي حدث (أكثر من تريليون دولار للأميركيين وحدهم في أفغانستان) فإن الحصيلة كارثية وتشير إلى أخطاء واضحة كما يقول المحللون. كما يشار بانتظام إلى إطاحة نظام صدام حسين في العراق عام 2003 على أنه خطأ فادح. ويرى سيث جونز؛ الخبير بشؤون الإرهاب في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية»: «لقد أتاح لـ(القاعدة) أن تنهض مجدداً؛ مما أرسى أسس قيام تنظيم (داعش)».
إلى جانب ذلك، يتحدث المراقبون عن استراتيجية تفضل المواجهة من دون الأخذ في الحسبان بشكل كاف ما يشكل أرضية خصبة للجهاديين: «الحرب، والفوضى، وسوء الحكم، والفساد». يقول توري هامينغ؛ الباحث في «قسم دراسات الحرب» في «كينغز كوليدج - لندن» إن «نزاعات، مثل ذلك الذي وقع في سوريا، يمكن أن تحشد آلاف المقاتلين وتجعلهم متطرفين في فترة قصيرة». ويضيف: «المشكلة الأساسية ليست عسكرية». وتابع: «إحدى الآليات الأقوى لمنع تجنيد متشددين هي تزويد الناس ببدائل أفضل. الأسلحة لا تقوم بذلك».
وبعد 20 عاما على اعتداءات 11 سبتمبر (أيلول)؛ تغيرت الخريطة. كانت الحركة الجهادية برأس تجسده «القاعدة»، وباتت الآن برأسين منذ إنشاء تنظيم «داعش» وإعلان ما تمسى «الخلافة» في مناطق سيطرته في سوريا والعراق (2014 - 2019) مع ارتكابه فظاعات تم بثها بشكل مباشر على شبكات التواصل الاجتماعي.
كما تغير المدى الجغرافي للتهديد الجهادي. كانت المجموعات مقتصرة على الشرق الأوسط، وهي الآن منتشرة أيضاً في مختلف أنحاء أفريقيا، ومعظم أنحاء العالم العربي، وكذلك في جنوب وجنوب شرقي آسيا.
الروابط بين هذه الجماعات الجهادية محدودة وعلاقاتها مع القيادة المركزية ضعيفة في معظم الأحيان. مطالبها المحلية تعلو على الطموحات الدولية. ويشير عساف مقدم إلى أن بعضها أصبح «لاعباً سياسياً خطيراً». ويضيف: «لم نعد نتحدث عن عدد قليل من الأشخاص الذين يجب وضعهم على لائحة المراقبة، لقد انتشر التهديد. هناك عدد أكبر من الأنظمة في مناطق مشتتة يواجه تطرفاً عنيفاً». هكذا أصبحت أفريقيا الحدود الجديدة للحركة الجهادية بين منطقة الساحل والمغرب العربي، والصومال وليبيا، وموزمبيق وجمهورية الكونغو الديمقراطية. ويشير التوسع هنا أيضاً إلى «فشل».
جبهة «الجهاد» «انتقلت من الشرق الأوسط إلى أفريقيا، ولا أعتقد أن ذلك كان متوقعاً» كما تقول بريندا غيثينغو المحللة في شؤون مكافحة الإرهاب ومقرها جوهانسبورغ، مشيرة إلى عدم قدرة الغرب على «توقع ظهور ساحة معركة جديدة أو الأخذ في الحسبان قدرة أفريقيا من حيث (الجهاد الجديد)».
لكن في المعسكر الغربي أيضاً، تغيرت الأمور. لقد تغير النظام العالمي. أدت «اعتداءات 11 سبتمبر» بين ليلة وضحايا إلى إعلان الإرهاب «العدو الأول» للولايات المتحدة وحلفائها. ومنذ ذلك الحين، ازداد التوتر؛ خصوصاً مع إيران وروسيا، وبشكل خاص مع الصين. يقول سيث جونز إن «الولايات المتحدة غيرت أولوياتها» وتشعر بالقلق، على غرار عواصم غربية أخرى، من التهديد الصيني. يضيف: «هناك نقاش كبير داخل مجموعة الاستخبارات الأميركية حول مسألة معرفة ما إذا كانت تجب مواصلة الابتعاد عن مكافحة الإرهاب أم لا». لكن هناك تهديدات أخرى بدأت تلوح.
بالتأكيد؛ لا يبدو أن «القاعدة» ولا تنظيم «داعش» يمتلكان الوسائل اللازمة لضرب الغرب على الفور باعتداءات جماعية كما حدث بباريس في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، لكن الشرطة وأجهزة الاستخبارات تتابع أشخاصاً يتحركون بمفردهم أو ناشطين معزولين وفي بعض الأحيان يكونون قد ولدوا في دول يضربونها، وغالباً ما ينتقلون إلى التطرف على الإنترنت أو يقتلون من دون تمييز تحت أسماء مختلفة بسكين أو سلاح ناري أو شاحنة.
بالتالي؛ فإنه بعد 20 عاماً، لم يتم هزم التهديد الجهادي بعد، بل إنه تغير. كما قام بتقليده أشخاص متعصبون للعرق الأبيض أو متطرفون يمينيون. وقال عساف مقدم إن هذا بالتأكيد هو تحدي السنوات المقبلة. وأضاف: «هناك درجة معينة من التسامح والتعاطف في الغرب مع أفكار اليمين المتطرف». وتابع: «هم يستمدون أفكارهم بشكل كبير من القومية التي كانت عقيدة قوية منذ قرن ونصف».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended