في 7 أيام... كيف استولت «طالبان» على السلطة في أفغانستان؟

سقوط عواصم الولايات دون مقاومة تذكر... وفتيات يهربن لـ«يحمين شرفهن»

مقاتلون من حركة «طالبان» أعلى سيارة عسكرية أميركية من طراز هامفي عقب الاستيلاء على العاصمة الأفغانية كابل (نيويورك تايمز)
مقاتلون من حركة «طالبان» أعلى سيارة عسكرية أميركية من طراز هامفي عقب الاستيلاء على العاصمة الأفغانية كابل (نيويورك تايمز)
TT

في 7 أيام... كيف استولت «طالبان» على السلطة في أفغانستان؟

مقاتلون من حركة «طالبان» أعلى سيارة عسكرية أميركية من طراز هامفي عقب الاستيلاء على العاصمة الأفغانية كابل (نيويورك تايمز)
مقاتلون من حركة «طالبان» أعلى سيارة عسكرية أميركية من طراز هامفي عقب الاستيلاء على العاصمة الأفغانية كابل (نيويورك تايمز)

دون مواجهة مقاومة شديدة، وفي 7 أيام فقط، تحققت أحلام حركة «طالبان» في الاستيلاء على السلطة، وانتزعت مدينة تلو الأخرى حتى نجحت في إطاحة الحكومة وانتزاع العاصمة الأفغانية كابل.
وفي الأسبوع الماضي، سارع المواطنون لسحب مدخراتهم من المصارف الآلية، وغُطيت الإعلانات في الشوارع بالملاءات، واندفع الرجال الذين يرتدون الجينز والقمصان إلى تغيير ملابسهم، وفي السفارة الأميركية، سارع الموظفون إلى إتلاف الوثائق، وسارعت طائرات الهليكوبتر إلى نقل الدبلوماسيين.
«الشيء الوحيد الذي يفكر الناس فيه هنا للنجاة هو الهرب»... تقول عائشة خرام البالغة من العمر 22 عاماً لوكالة «أسوشييتد برس»، وهي تدرس في جامعة كابل، وهي لا تعلم ما إذا كانت ستعود للدراسة مجدداً، إن منعت حركة «طالبان» الإناث من الدراسة.
وإبان حكمها أفغانستان بين عامي 1996 و2001 فرضت «طالبان» رؤيتها المتشددة، ومنعت الموسيقى، وفرضت قيوداً صارمة على النساء والبنات، قبل أن يطيحها تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة.
طالبات في إحدى الفصول بمدينة هرات بعد استيلاء طالبان على البلاد (أ.ف.ب)

الاثنين... استسلام دون قتال
باتت «طالبان» تسيطر الاثنين على 6 من عواصم الولايات الأفغانية البالغ عددها 34 بعدما استولت على مدينتي ساري بول، ومدينة أيبك البالغ عدد سكانها 120 ألف نسمة والتي سقطت من دون مقاومة.
في بعض المناطق، استسلمت القوات الموالية للحكومة دون قتال. وفي مناطق أخرى، حيث اندلعت المعارك، أجبر السكان على مغادرة منازلهم، واضطر العديد منهم إلى السير مئات الكيلومترات على الأقدام في نزوح جماعي.
وتقول بيبي رقية، التي غادرت مقاطعة تخار على الحدود الشمالية الشرقية لأفغانستان مع طاجيكستان متوجهة إلى كابل بعد أن أصابت قنبلة منزلها: «مشينا بالنعال، ولم تتح لنا الفرصة لارتداء أحذيتنا. كان علينا الهروب».
وكشفت مقاطع فيديو عن دخول أفراد حركة «طالبان» إلى مبان حكومية في مدينة ساري بول.
https://www.youtube.com/watch?v=3NJMkCM9kh4
وسيطرت «طالبان» على قندوز الواقعة على مسافة 300 كيلومتر شمال كابل والتي احتلها المتمردون مرتين في 2015 و2016. وتعدّ قندوز؛ مفترق الطرق الاستراتيجي في شمال أفغانستان بين كابل وطاجيكستان، أكبر نجاح عسكري لـ«طالبان» منذ بدء الهجوم الذي شنته في مايو (أيار) مع بدء انسحاب القوات الدولية الذي يُتوقع أن ينتهي بحلول 31 أغسطس (آب) الحالي.
وقد سيطرت «طالبان» على مناطق ريفية شاسعة من دون أن تواجه مقاومة تذكر. وتسارع تقدمها في الأيام الأخيرة مع السيطرة على مدن كبيرة عدة.

الثلاثاء... السيطرة على فرح وبغلان
والثلاثاء، سيطرت حركة «طالبان» على مدينة فرح في غرب أفغانستان، وسيطرت على مكتب حاكم الولاية ومقر الشرطة، كما استولت الحركة على ولايتي بغلان وبدخشان شمال البلاد.
وقال مأمور أحمد زاي؛ النائب عن ولاية بغلان، إن مقاتلي «(طالبان) رفعوا رايتهم في الساحة المركزية وعلى مكتب الحاكم»، موضحاً أن القوات الأفغانية انسحبت.

مقاتلون من حركة «طالبان» في مدينة فراح (أ.ب)

وفي سياق متصل، قالت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، ميشيل باشلييه، الثلاثاء، إن استيلاء «طالبان» على مدن وأقاليم «أشاع الخوف والرهبة لدى السكان»، وقالت: «نحن نعلم بأن حرب المدن تؤدي إلى مقتل عشرات المدنيين. رأينا ذلك مرات عدة من قبل».
وتابعت باشلييه أنه «قتل 183 مدنياً وجرح 1181 بينهم أطفال في أفغانستان منذ 9 يوليو (تموز) الماضي حتى 10 أغسطس الحالي، في 4 مدن فقط: لشكركاه وقندهار وهيرات وقندوز»، مضيفة أن «هذه كانت فقط الخسائر المدنية التي تمكنت الأمم المتحدة من توثيقها». وقالت إن «الأرقام الفعلية قد تكون أعلى بكثير».
ونزح نحو 241 ألف شخص منذ بدء هجوم «طالبان» في مايو الماضي؛ بحسب الأمم المتحدة.

الأربعاء... فايز آباد في قبضة «طالبان»
والأربعاء، استولت الحركة على مدينة فايز آباد في شمال أفغانستان، وهي تاسع عاصمة ولاية يسيطر عليها المتمردون المتطرفون في أقل من أسبوع، في الوقت الذي حل فيه الرئيس الأفغاني أشرف غني بمدينة مزار شريف شمال البلاد، في زيارة لتحفيز قواته على كبح تقدم مسلحي حركة «طالبان».

الرئيس الأفغاني أشرف غني في مدينة مزار شريف (إ.ب.أ)

ولطالما عدّ شمال أفغانستان معقلاً للمعارضة في وجه «طالبان»، فهناك واجه عناصر الحركة أقوى مقاومة عندما وصلوا إلى السلطة في التسعينات.
وقالت رحيمة، وهي امرأة لجأت للعيش في إحدى حدائق كابل مع مئات الأشخاص بعد فرارها من ولاية شبرغان: «إنهم يضربون وينهبون»، في إشارة لحركة «طالبان». وأضافت: «إذا وجدوا فتاة أو أرملة في عائلة، فإنهم يقتادونها بالقوة. هربنا لحماية شرفنا».

الخميس... سقوط غزني وتهديد بعُزلة «طالبان»
والخميس، سيطرت «طالبان» على مدينة غزني الواقعة على بعد 150 كلم فقط عن كابل. وغزني أقرب عاصمة ولاية من كابل يحتلها المتمردون منذ أن شنوا هجومهم، لتصبح الحركة مسيطرة على 10 عواصم من أصل 34 عاصمة ولاية أفغانية.
وغزني - التي سقطت لفترة وجيزة في 2018 في يد «طالبان» - تعد محوراً استراتيجياً في شمال شرقي البلاد، وسمح الاستيلاء عليها للمتمردين بقطع خطوط الإمداد البرية للجيش إلى الجنوب.
مقاتل من حركة «طالبان» يقف عند نقطة تفتيش كانت تديرها القوات الأميركية (أ.ب)

والخميس سيطرت «طالبان» على المقر الرئيسي للشرطة في هيرات؛ ثالثة كبرى مدن أفغانستان، بعد أسبوعين من الهجمات، في الوقت الذي قررت فيه الولايات المتحدة أن تنشر قوات لها في مطار كابل لتأمين إجلاء قسم من موظفي سفارتها في أفغانستان.
وتقول زهرة (26 عاماً)، من سكان هيرات، لوكالة «أسوشييتد برس» إنها سمعت أناساً يصرخون «(طالبان) هنا» عندما كانت تتناول العشاء مع والدتها وشقيقاتها الثلاث، وتتابع: «كيف يكون من الممكن بالنسبة لي بصفتي امرأة عملت بجد وتعلمت وتقدمت خطوات أن أضطر الآن إلى إخفاء نفسي والبقاء في المنزل؟».
والخميس، وفي مواجهة تدهور الوضع العسكري، اقترحت كابل على «طالبان» «تقاسم السلطة مقابل وقف العنف في البلاد».

علم حركة «طالبان» على مبنى حكومي في ولاية هيرات (أ.ب)

وحذر الاتحاد الأوروبي حركة «طالبان» الخميس بأنها ستواجه عزلة دولية إذا استولت على السلطة من خلال العنف، وذلك في الوقت الذي يوسع فيه المتمردون سيطرتهم في أفغانستان.

الجمعة... سقوط قندهار
والجمعة أعلنت «طالبان» أنها استولت على قندهار؛ ثانية كبرى مدن أفغانستان، كما استولت على لشكركاه عاصمة ولاية هلمند في جنوب أفغانستان بعدما سمحت للجيش والمسؤولين السياسيين والإداريين بمغادرة المدينة.
كما فرضت الحركة سيطرتها الجمعة على مدينة بولي علم الرئيسية في محافظة لوغار والواقعة على مسافة 50 كيلومتراً فحسب عن جنوب كابل، وبذلك باتت الحركة تسيطر على نحو نصف عواصم الولايات الأفغانية، وأصبحت الحركة على مشارف كابل.
مقاتل من حركة «طالبان» في مدينة قندهار (إ.ب.أ)

السبت... سقوط مزار شريف
والسبت سيطر مقاتلو «طالبان» على مزار شريف؛ آخر كبرى مدن شمال أفغانستان التي كانت تسيطر عليها القوات الحكومية، وذلك «من دون أن يصادفوا مقاومة تذكر».
جاء ذلك بعد ساعات من خطاب تلفزيوني للرئيس الأفغاني أشرف غني تعهد فيه بـ«إعادة تعبئة» القوات الحكومية لصد تقدم «طالبان» السريع.
وفي كابل، تشكلت طوابير طويلة خارج المطار الدولي سعياً من الأفغان إلى الفرار، وانتشر الذعر بين الناس. وترك فريد أحمد يونوسي شركة المقاولات الخاصة به في قندهار للحصول على فرصة للهروب. ويقول لوكالة «أسوشييتد برس» إن كل شيء بناه «يبدو الآن ضائعاً. (طالبان) تسيطر الآن على كل شيء عملت من أجله في العشرين عاماً الماضية».
أفغان يتجمعون خارج مطار حاميد كرزاي للفرار من البلاد (إ.ب.أ)

الأحد... «طالبان» في كابل والرئيس فر إلى الخارج
والأحد، سيطرت «طالبان» على مدينة جلال آباد في شرق أفغانستان، وسقطت العاصمة كابل البالغ عدد سكانها نحو 5 ملايين نسمة في أيدي الحركة.
وقال أحمد والي، وهو من سكان جلال آباد: «استيقظنا هذا الصباح (الأحد)... (ووجدنا) أعلام (طالبان) البيضاء في كلّ أنحاء المدينة. إنّهم في المدينة. دخلوا من دون قتال».
وبسقوط العاصمة، فر الرئيس الأفغاني خارج البلاد، وشغل قصره أفراد من حركة «طالبان» المدججين بالسلاح. أما الهزيمة؛ فكاملة لقوات الأمن الأفغانية رغم أن الولايات المتحدة أنفقت عليها مئات مليارات الدولارات طوال 20 عاماً.
مقاتلو «طالبان» يسيطرون على القصر الرئاسي الأفغاني بعد فرار الرئيس أشرف غني من البلاد (أ.ب)
 



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.