سنية صالح ومحمد الماغوط... الشعر المنتصر والحياة المهزومة

في انتظار الإفراج عن مذكرات الشاعرة وسيرتها الخبيئة بالأدراج

الماغوط وسنية صالح
الماغوط وسنية صالح
TT

سنية صالح ومحمد الماغوط... الشعر المنتصر والحياة المهزومة

الماغوط وسنية صالح
الماغوط وسنية صالح

ترددت كثيراً قبل الشروع في الكتابة عن التجربة الحياتية الخاصة التي جمعت بين الشاعرة السورية سنية صالح ومحمد الماغوط، أحد أبرز رواد قصيدة النثر في العالم العربي. ولم يكن ذلك التردد متعلقاً بالشعر نفسه، وهو الذي أكسب العلاقة بين الطرفين مسوغها الأعمق والأهم؛ بل كان مرتبطاً بالمحاذير المترتبة على اقتحام الموضوعات «المحرمة» في عالم عربي لا يزال يلح على الاعتقاد بأن العلاقات الزوجية شأن عائلي وغير قابل للانتهاك. ولكن ما دفعني إلى تجاوز هذه الإشكالية هو أن الماغوط وسنية ليسا شخصين عاديين لكي يسدَل الستار على شؤونهما الشخصية، بل هما شاعران متميزان، ولا ضير بالتالي من الوقوف على تفاصيل سيرتهما الشخصية والأدبية، شأنهما في ذلك شأن معظم شعراء العالم وكتّابه ومبدعيه. والواقع أن معظم المعطيات والتفاصيل المتصلة بالعلاقة المأزومة بين الثنائي الشعري، لا تأتي من جهة الزوج أو الزوجة بشكل أساسي، بل هي مستمدة من مصادر أخرى قريبة من الطرفين، ومن بينها ما أوردته خالدة سعيد من إشارات وتلميحات دالة على متاعب شقيقتها ومعاناتها الحياتية القاسية، خلال تقديمها المسهب والعميق لأعمال صالح الشعرية، إضافة إلى السيرة الجريئة والمترعة بالتفاصيل التي وثّق من خلالها عيسى الماغوط حياة أخيه منذ النشأة حتى الوفاة، والتي ضمنها مواقف وفصولاً من حياة الزوجين. وحيث لا تخلو بعض تصريحات الماغوط من إشارات مختلفة إلى الغيوم السوداء التي تظلل مسرح علاقته بزوجته، فإن سنية، التي اتسمت منذ نشأتها بالخفر والصمت، آثرت الانكفاء داخل نفسها والاكتفاء بالشعر علاجاً وحيداً لشعورها الممض بالوحدة. على أن ما ينبغي عدم إغفاله في هذا السياق هو تأكيد خالدة على أن سنية قد تركت سيرة حياتها في عهدة ابنتيها شام وسلافة، وأنهما تملكان وحدهما حق الاحتفاظ بهذه السيرة في الأدراج، أو الدفع بها إلى النشر.
في كتابه السردي المميز «محمد الماغوط - رسائل الجوع والفقر»، يكشف عيسى الماغوط عن جوانب خفية ومهمة من سيرة أخيه الأكبر، وعن الظروف القاسية التي أحاطت بطفولته وصباه المبكر؛ إذ تُظهر في هذا الكتاب الخلفية الاجتماعية البائسة لحياة الشاعر، الذي اضطر بسبب العوز الشديد للعائلة إلى ترك مقاعد الدراسة للالتحاق بأحد المعاهد الزراعية، دون أن تمكّنه موهبته الشعرية والنثرية من الانتقال إلى ضفة الثراء والرفاهية. وإذ يحرص المؤلف على إظهار الجانب القاسي من سلوك الماغوط، الذي اتسم منذ الطفولة بالميل إلى العنف والعراك مع الآخرين، فإنه يحرص بالقدر نفسه على ربط ذلك السلوك برفض أخيه الأكبر الواقع الصعب والمهين الذي عاشه منذ صغره، وهو ما دفع به إلى الثأر لكرامته المجروحة، لا عبر شعره «البري» المتفرد فحسب، بل عبر قدر غير قليل من المزاج المتقلب حنوّاً وعصفاً، ومن فائض العنف الذي كانت علاقته بزوجته أبرز ضحاياه.
لم يعمد عيسى الماغوط في كتابه المهم إلى التورية والغموض وارتداء الأقنعة، للحديث عن العلاقة الشائكة والصعبة التي كانت تربط محمد الماغوط بزوجته. إلا إن اللافت هنا هو حرص المؤلف على الوقوف في مكان وسط بين الزوجين المحكومين بالقلق والتعاسة وسوء التفاهم المزمن. فهو ينقل عن أخيه امتعاضه الشديد من فشل الزوجة في لعب دورها أماً لطفلتين، ومن الامتناع الكلي عن إرضاع طفلتيها الصغيرتين، رغم إلحاحه وتوسلاته، معترفاً لأخيه بأنه نقل رغبته المقموعة إلى الشعر، حيث أشار في غير قصيدة له إلى أن الرائحة المنبعثة من حليب الأم، هي واحدة من أكثر الروائح التي تملك تأثيراً عليه. كما يطلعنا المؤلف على تذمر الماغوط المستمر من تقاعس سنية عن القيام بأبسط واجباتها الزوجية، وفيما يشبه التسويغ الضمني لمواقف الشاعر ولردود فعله القاسية، يصف عيسى متاعب أخيه المزمنة بالقول: «قضى عمره وهو يشعر بأن الجوع ينبض في أحشائه كالجنين. ورغم أطنان الطعام والطناجر والصحون بقي جائعاً. قال لي مرة إنه لم يشم رائحة طعامٍ يُطبخ في بيته قط، وإنه يبحث عن ثيابه فلا يجدها». ولكنه لا يتردد من جهة ثانية في الكشف الصريح عن أن زيارة المؤلف العائد من الخدمة العسكرية إلى منزل أخيه الأكبر، هي التي تسببت في العراك الجسدي بين الطرفين، معترفاً بأن ذلك العراك العنيف قد انتهى بكارثة مروعة، تمثلت في إجهاض سنية، التي كانت حاملاً في شهرها التاسع «لمولودها المرتقب».
ومع أن عيسى الماغوط قد حاول جاهداً أن يُظهر كثيراً من الجوانب الإيجابية في شخصية أخيه، كالإشارة إلى حرصه المستمر على تقديم المساعدة المادية للعائلة، متى استطاع إلى ذلك سبيلاً، والإشارة المماثلة إلى أن الماغوط قد رفع عالياً سقف أحلامه، إلى حد القول: «سأكتب أشياء لم تحلم بها عذراء، ولا أمة في بلاد أخرى»، فإن عقدة الأخ الأكبر لا تلبث أن تظهر جلية في السيرة، حيث لا يتردد عيسى في الحديث عن نرجسية أخيه الفاقعة، كما عن تعامله معه باستعلاء ظاهر، رغم أن الأخ الأصغر المحال على التقاعد، كان قد اتخذ قراره الحاسم برعاية أخيه الذي أقعده المرض وأصابه بالكآبة والإحباط. وقد نقل المؤلف بكثير من المرارة قول الماغوط له، وقد طلب إليه أن يحضر إحدى المناسبات التي تخصه ولم يساعده اعتلال صحته على حضورها: «إذا ذهبت لحضور العرض، وتقدم بعضهم للسلام عليك، فلا تقل إنني أخوك». وهي الحادثة التي يقول عيسى إنها دفعته إلى الابتعاد عن أخيه المريض حد الإنهاك، بعد أن أصيب بجرح بالغ في كرامته، قبل أن يُقر بالندم على ذلك الابتعاد، لأن رحيل الشاعر اللاحق عن هذا العالم قد حال بينه وبين إصلاح الأمور.
أما خالدة سعيد، وهي الأخت الكبرى لسنية، فلا تعتمد في تقديمها أعمالها الشعرية الأسلوب المباشر نفسه الذي اعتمده عيسى الماغوط في روايته للأحداث، ليس فقط لأن خالدة لا تريد صب مزيد من الزيت على نار العلاقة الصعبة بين الزوجين؛ بل لأنها كانت تتوخى الإيغال في تجربة الشاعرة الموغلة في العزلة، والتي لم تأخذ حقها من الاهتمام النقدي، ولم تكن تهدف إلى تقديم روايتها الخاصة لسيرة العائلة. ومع ذلك؛ فإن القارئ لن يبذل كبير جهد لكي يقف على الوحشة المزمنة التي تلف حياة سنية صالح، وعلى المآل المتوتر للعلاقة العاطفية التي جمعت بين الشاعر المكرس والشاعرة اللائذة بصمتها الخفر، بعد أن أخلى الحب المشتعل نيرانه لرماد الزواج. فخالدة التي تتحدث عن تضحيات سنية البالغة في سبيل الماغوط، أثناء مطاردته وسجنه من قبل السلطات، تشير في الوقت ذاته إلى أن سالبين اثنين لا يصنعان زواجاً ناجحاً؛ إذ إن أختها التي نشأت في ظروف عائلية شديدة القسوة «كانت تطلب من الحب ما تطلبه من الشعر»، وتريد له «أن يكون ثأرها من العالم وحصانها السحري للنجاة»، فيما كانت للماغوط القادم بدوره من بيئة الحرمان والشظف، محنته وثاراته المماثلة. وإذ ترى الناقدة أن الحب الذي ربط بين الطرفين كان فيه من العنف بقدر ما فيه من الحنان، تعتقد في المقابل أن الشعر هو الضوء السري الوحيد الذي كشف لسنية هول الواقع الذي تعيشه، بقدر ما قدم لها معاني الوجود الخلاصية... فهو؛ وفق خالدة، «ينبجس من الجوهر الأنثوي الخالق، والمسحوق عبر التاريخ. وهو صيحة جسد الأنثى ونبع الحياة الذي عَبر فوقه الأباطرة والبطاركة والآباء والأزواج والغزاة والمحاربون والنخاسون».
كما أننا لن نعثر، ونحن نقرأ أعمال سنية صالح الشعرية، على ملامح الشاعر المتفرد الذي عشقته صالح بكل ما تملكه من شغف، حيث لا ينضح من قصائدها سوى الشعور الممض بخواء العالم وغربة الكائن الإنساني، باستثناء جُزر الفرح القليلة التي نجت من الطوفان، والتي تقتصر على أختها خالدة وابنتيها شام وسلافة، دون أن نتبين بينها ملامح الزوج. ومع ذلك، فإن إيمان سنية بمكانة زوجها الإبداعية الاستثنائية لن يتزعزع أبداً، وهو ما يُظهره تقديمها الناضح بالإعجاب لأعماله الشعرية والمسرحية التي صدرت في سبعينات القرن الماضي، والذي جاء فيه: «يعدّ محمد الماغوط من أبرز الثوار الذين حرروا الشعر من عبودية الشكل. دخل ساحة العراك حاملاً في مخيلته ودفاتره الأنيقة بوادر قصيدة النثر كشكل مبتكر وجديد، وحركة رافدة لحركة الشعر الحديث. وحين كانت الصحف غارقة بدموع الباكين على مصير الشعر، نشر قلوعه البيضاء الخفاقة فوق أعلى الصواري».
أما مسألة المنافسة الشعرية بين الزوجين فلم تكن واضحة تماماً، خصوصاً أن سنية بما تحمله منذ نشأتها المبكرة من سمات الخفر والتواضع، لم تكن تطمح إلى احتلال الحيز الذي يتجاوز رغبتها في البوح والكشف عن مكنونات نفسها المعطوبة، ولم تتعامل مع الزوج «النجم»، رغم موهبتها الواضحة، بأي نوع من التنافس أو الندية. إلا إن الحوار القصير واللافت الذي أجراه الماغوط مع زوجته، إثر صدور مجموعتها الثانية «حبر الإعدام» يتسم بشكل واضح بالبرودة وغياب الحماس، بل يكاد يكون أقرب إلى التوتر، وإلى مضبطة اتهام واضحة بحق صالح. وهو ما يؤكده سؤال الماغوط لسنية: «ألا تشعرين بتأنيب الضمير وأنت تكتبين بمعزل عن قضايا أكثر أهمية وإلحاحاً من عذاب امرأة غير متآلفة مع بيئتها؟»، أو سؤاله «العدائي» الآخر: «هل أمعنت النظر ذات يوم في وجوه العمال المقطبة؟ هل رأيت مشرداً يأكل فضلات على الرصيف؟». غير أن سنية التي لم تكن طفولتها أقل شظفاً وشقاء من طفولة الماغوط، لم تستطع سوى رد كرة الاتهام إلى المرمى الذي انطلقت منه، فأجابت بالقول إن عذابات المرأة التي يشير إليها، هي أيضاً من صلب الواقع الذي يتهمها بالانعزال عنه، ثم تضيف بنبرة اتهام مضادة: «ولماذا أنت تمد ذلك الليل البشري بيني وبين الأشياء المضيئة؟».
لم تكن غاية هذه المقالة، أخيراً، أن ترفع مضبطة اتهام دامغة ضد أحد المؤسسين الكبار لقصيدة النثر العربية، بل هي تهدف إلى إظهار الفارق الشاسع بين ما تقترحه مخيلات الشعراء على البشر من تجليات الجمال المدهش، وما يتسمون به على أرض الواقع من نزق الأمزجة وغرابة الطباع والسلوكيات. إنهم في الأعم الأغلب عشاق رائعون وأزواج فاشلون. وهو ما تؤكده تجارب كثير من الثنائيات العاشقة التي أفضت بعد الزواج إلى مآل كارثي. وإذا كانت سيلفيا بلاث قد وجدت خلاصها النهائي عن طريق الانتحار، فإن السرطان الخبيث هو الذي تكفل بالمهمة نفسها لدى صاحبة «الزمان الضيق». أما محمد الماغوط فكان عليه بمساعدة الكتابة أن يتعايش مع غياب زوجته المأساوي والمبكر. ومع شعوره المؤلم بأنه لم يعبّر عن حبه لها بما يليق من الكلمات، راح يستعيد في روايته «الأرجوحة» صورة «غيمة» التي هطلت كالمطر على صحراء الشاعر المثقلة بالوحشة وبالخوف، مثلما راح في كتابه «سياف الزهور» يهتف بالزوجة الراحلة:
«كل من أحببت
كنّ نجوماً تضيء للحظة
وتنطفئ إلى الأبد
وأنتِ وحدك السماء.
ثلاثين سنة
وأنت تحملينني على ظهرك
كجندي جريح
وأنا لم أستطع
أن أحملكِ بضع خطواتٍ إلى قبرك».



ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
TT

ضياع «المركز الثقافي للكتاب» بعد قصفه في بيروت

بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير
بسام كردي في دار «المركز الثقافي للكتاب» قبل التدمير

لا يزال بسّام كردي، صاحب دار نشر «المركز الثقافي للكتاب» تحت هول الصدمة. فقد أتى القصف الإسرائيلي على مستودع كتبه، ومقره اللبناني، في حارة حريك، في الضاحية الجنوبية لبيروت. تم تدمير المبنى المكون من 14 طابقاً، في أثناء إحدى الغارات الإسرائيلية، احترق برمته، ودفن تحت ركامه ورماده مئات العناوين، بنسخها، وفكرها، وتعب كتّابها، وكدّ ناشرها.

الناشر لا يشعر بأمل في إنقاذ أي بقايا من تعب العمر. «كنت قد زودت المستودع الموجود تحت الأرض، بخزانات ماء ونظام إنذار مضاد للحرائق. فكيف أصبحت حال الكتب وقد هوت العمارة عن بكرة أبيها، لا بد أن المياه أغرقت محتويات المستودع»، يقول كردي لـ«الشرق الأوسط».

«المركز الثقافي للكتاب» دار نشر مغربية، ارتأى صاحبها أن يكون له مستودع في بيروت لتبقى العناوين التي يطبعها، قريبة من معارض الكتب، والنقل أخفّ تكلفة. ويشرح: «كان هدفي من إنشاء الدار، تعريف المثقف العربي في المشرق بالكتاب المغربي. غالباً ما كانت كتب المشرق هي التي تصلنا، ولا يحدث العكس، فأحببت أن أقوم بهذه المهمة».

ما آل اليه مبنى من 12 طابقاً وتحته مستودعا «المركز الثقافي للكتاب» و«مؤمنون بلا حدود»

تطبع الدار في المغرب لكبار الأسماء، وتأتي بكتبهم إلى بيروت، حيث توضع في هذا المستودع الذي فقدت محتوياته. «أما الكتب ذات البعد العربي أو اللبناني فتطبع في بيروت، وتنقل منها نسخ إلى المغرب». هكذا يعمل الناشر كردي، بين بلدين محاولاً تغطية المنطقة العربية. لكن «غالبية الكتب هي التي كانت موجودة في بيروت، لأنها من هنا تشارك في المعارض المختلفة. فأنا أعتبر بيروت نقطة تلاقٍ للعالم العربي. في بيروت وضعت كل ما أملك، شقاء العمر، وخمسين سنة من الكدّ في عالم النشر. هذه المهنة التي مارستها كل حياتي ولا أجيد غيرها، وها أنا أفقد كل شيء».

كان بسّام كردي، مديراً عاماً في المغرب ولبنان لـ«المركز الثقافي العربي» طوال 38 عاماً، قبل أن يؤسس داره «المركز الثقافي للكتاب» عام 2016، التي يصفها بأنها دار مغربية، لكنها في بيروت تجد امتدادها الجغرافي.

يصعب على الناشر تصديق ما وقع له، أو أن يقدّر عدد النسخ أو العناوين التي فقدها. «لا أزال غير قادر على إجراء جردة، أو حصر الأضرار. يلزمني عدة أيام، كي أستفيق من الصدمة، وأقدّر الموجودات التي تبخرت. لكن الخسارة هي حتماً تفوق المليوني دولار». يصف ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية، وضربة لوجودي في المعارض العربية، وضربة لي شخصياً، وللبنان طبعاً».

قضى بسّام كردي عمره كله ناشراً يقوم بالمهمات كلها، «أتسلم المخطوطة، أقرأها، أتناقش مع الكاتب، نجري التعديلات، أدفع بها إلى الطبع، وأصححها، حتى تخرج بحلتها النهائية».

بسّام كردي يقيم في المغرب، وعرف بالخبر الأليم عن بعد «ولم أتمكن حتى الآن من إرسال أحدٍ لتفقد الوضع. كل ما أعرفه هو ما يخبرني به الأصدقاء هناك والصور التي أتسلمها. ولم يتمكن أحد من من المخاطرة والوصول إلى المبنى المنهار».

في الضاحية الجنوبية التي تتعرض لقصف كثيف بشكل شبه يومي، العديد من المكتبات احترقت واختفت بسبب الحرب، وتضررت دور نشر منها «مؤمنون بلا حدود» الموجودة في المبنى نفسه، ملاصقة لـ«المركز الثقافي للكتاب» ودفنت كتبها أيضاً تحت الركام.

كان بسّام كردي على علم منذ مدة أن ثمة خطر حرب يلوح في الأفق. «ذهبت وحاولت نقل محتويات المستودع. جاء جيراني في المنطقة، ولاموني. أقنعوني أن أبقى وأن لا شيء يستحق عناء الانتقال. ملت إلى هذا الحلّ، لأن الإيجارات في الضاحية لا تقارن بخارجها. فإذا كنت أدفع ألف دولار فسأضطر لأن أضرب المبلغ بثلاثة أضعاف في حال قررت الذهاب إلى مكان آخر. لهذا أبقيت المستودع حيث هو وعدت أدراجي إلى المغرب، وكانت النتيجة ما وصلنا إليه».

نعم، دور كثيرة تأثرت بهذه الكوارث التدميرية، يقول كردي، «لكن أغلبهم عندهم أكثر من مستودع، يفقدون أحدها فيبقى لهم مستودع أو اثنان. أما أنا فقد وضعت كل ما عندي في مكان واحد، ومن هنا حجم الكارثة التي تعرضت لها».

وإذا ما أضفنا إلى الخسارة التي وقعت على الدار، أن حال النشر متراجعة جداً، والسوق ليست على ما كانت عليها، كما يؤكد لنا كردي الذي يشارك في غالبية المعارض العربية، نفهم الصعوبات الجمّة التي على ناشر أن يذللها.

يطبع «المركز الثقافي للكتاب» لكبار كتّاب المغرب، لديه الأعمال الكاملة لمحمد عابد الجابري، وكتب سعيد بنكراد، حسن أوريد، الغالي أحرشاو، وأحمد المديني وغيرهم. وكان المديني من أوائل من نشروا خبر ضياع مركز الدار في بيروت تحت عنوان «شخصيات روايتي شهيدة القصف الإسرائيلي» وطالب بالتنديد بهذا العمل الهمجي وبالتضامن مع ناشره. وعدّ المديني على صفحته «فيسبوك» أن ما خسرناه هو «رصيد كبير وفخم» لخيرة الكتاب العرب مغاربة ومشارقة، مبدعين وباحثين. وقال عن الكتب وشخصياتها التي عدّها «شهيدة الأدب»: «أسمعها تصرخ قتيلة الكلمات، تبعثرت أشلاءً، والصور رفاتاً ووجوهها دماءً. إنما يقيناً سوف يبعثون بإرادة كاتبها وعزم وتصميم ناشرها، وبتضامن القراء والكتاب والناشرين العرب أجمعين والجهات الثقافية العربية الرسمية والمدنية». وختم: «لا يجوز السكوت على هذه الجريمة الشنعاء وأدعوهم لشجبها ودعم المركز الثقافي للكتاب بكل الوسائل الممكنة».

يصف صاحب «المركز الثقافي للكتاب» ما حدث بأنه «ضربة للمغرب والثقافة المغربية... وللبنان»

الناشر كان قد اتخذ كل الاحتياطات اللازمة، فعدا نظام مكافحة الحريق، لديه عقد تأمين «لكن الشركات لا تعوض عن دمار الحروب. هذا موجود كأول بند. هم يعوضون عن الغريق والحريق والكوارث الطبيعية، لكن الحروب ليست مشمولة. لماذا إذن نتكلف عناء التأمين، لست أدري؟». هكذا يتساءل كردي، الذي لا يتوقف هاتفه عن الرنين منذ انتشر الخبر. كتّاب، ناشرون، قرّاء، أصدقاء، الجميع يحاول أن يخفف عنه وقع الخسارة. فعلاقته مع كتّابه وثيقة، ويعتقد أنه لا بد لما تلف أن يتم تعويضه «فمن ألّف الكتاب الأول والثاني، بمقدوره أن يكتب الثالث. لكن في النهاية، التضامن معي والذي أقدره كثيراً هو عاطفي. أنا لا أتوقع، كما أنني لا أطلب، ولن أقبل بمساعدة مادية من أحد، إلا إذا كانت مؤسسة كبيرة، تعرض الدخول في مشروع معي».

ليس واضحاً بعد عند ناشر «المركز الثقافي للكتاب» ما يمكن أن يفعله للخروج من هذه المحنة. فبعض الكتب ضاع، وبعضها الآخر، بقي بنسخ محدودة. «سأعيد طباعة الكتب الموجودة، بكميات قليلة، أسميها (طبعة حرب) أو (طبعة استثنائية)، وربما (طبعة قصف)، لست أدري؟ كتبي لها طبيعة استثنائية، هي كتب حداثية، لا تتوجه للجمهور العريض، جامعية، تخصصية أو فلسفية، وكتّابي هم أصدقاء يتفهمون ما وقع ويتضامنون ويشجعون».

إعادة بناء مؤسسة من الصفر أو ما أشبه لرجل ضيّع خميرة خمسين سنة، أمر يصفه بأنه «صعب ومكلف جداً»، ولا بد أنه يحتاج إلى شجاعة استثنائية. بسّام كردي رغم بحّة الحزن في صوته، يحتفظ بالأمل والعزيمة، ويقول إنه يبحث عن موقع جديد في لبنان، بعيد عن المناطق الأكثر خطراً، شرط أن يكون السعر مقبولاً.

وعندما نسأله إن كان قد قرر تغيير البلد كلياً يقول: «أنا باقٍ في لبنان، ليس هذا ما أناقشه. الأمر محسوم بالنسبة لي، ولا بديل. إنما أبحث عن مستودع جديد يكون في مكانٍ أكثر أمناً، وأعيد التأسيس رويداً رويداً، كي أسترجع ما خسرته». يضيف: «أسست عبر سنوات طويلة، علاقات، أصدقاء، مؤلفين. هذا لا يلغي أنني في صدمة، وقد أصبح مخزوني صفراً بعد نصف سنة من العمل. سأبدأ من جديد، لأنه ليس أمامي من خيار آخر».

يصف ما حدث بأنه «عملية محو لذاكرة مغربية» في هذا الجزء من العالم العربي، ولا بد من استعادتها. «أعتقد رغم كبر مصيبتي، أنها أسهل من حال من فقد بيته، أو ابنه أو عائلته بأكملها. أنا عائلتي بخير، ورصيدي محبة الناس لي، وتقديرهم، وهذا هو رأس مالي الأكبر».


لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة
TT

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

لغز الإسكندر الأكبر في واحة سيوة

ضمن سلسلة «الدراسات الشعبية» الصادرة عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة صدر كتاب «سيوة... واحة الأحلام والأساطير- دراسة إثنوغرافية» للباحث محمد أمين عبد الصمد. والكتاب، كما هو واضح من العنوان، يشير إلى تلك الواحة الشهيرة التي تقع في شمالي غرب مصر على بعد نحو 340 كم من ساحل البحر المتوسط وعلى بعد 450 كم من وادي النيل وتقترب بشدة من الحدود السياسية لليبيا، ويتحدث سكانها اللغة الأمازيغية «باللهجة الشاوية» بجانب اللغة العربية المتداولة رسمياً.

يعتمد أهل سيوة في حياتهم الاقتصادية على الزراعة ويشتهرون بإنتاج أنواع متعددة من البلح، وذلك لانتشار النخيل وزراعته في الواحة بأنواعه المتعددة، حيث كان تعداد النخيل في سيوة عام 1960 نحو 100 ألف نخلة، فضلاً عن 30 ألف شجرة زيتون تعطي بعد عصرها 200 طن من زيت الزيتون.

ويبدي المؤلف اهتماماً خاصاً، بواحدة من أشهر الأحداث التاريخية التي ارتبطت بسيوة، وهي زيارة الإسكندر الأكبر للواحة، في واقعة نادرة اكتنفها الكثير من الغموض، بهدف أن يستقي الكثير من معارفه منها ومن كهنتها ومعبودها «آمون»، كما قوي حضوره وذاع صيته بعد إعلانه من جانب الكهنة ابناً لهذا الإله الشهير بين آلهة مصر القديمة.

اتجه الإسكندر الأكبر إلى واحة سيوة في شتاء عام 331، قبل الميلاد، وذلك بعد أن وضع تخطيطاً لمدينة تحمل اسمه وهي الإسكندرية، فوصل أولاً إلى مدينة «باراتونيوم» وهي مكان مدينة «مرسى مطروح» حالياً وتلقى هدايا رسل ملوك المدن الليبية وإعلان طاعتهم له، ثم انطلق بعدها جنوباً قاصداً الواحة.

ويذكر مؤرخ بلاط الإسكندر الذي رافقه في هذه الرحلة أنهم تعرضوا للهلاك عطشاً أثناء الرحلة بعد نفاد الماء منهم، ولم ينقذهم سوى سقوط أمطار بشكل مفاجئ فارتووا منها وخزنوا بعضها لبقية الطريق، كما تعرضوا للهلاك مرة ثانية بعد أن ضلوا الطريق ولم ينقذهم سوى ظهور غراب في السماء فأمرهم الإسكندر بتتبعه والاتجاه معه فوصلوا الواحة بعد سبعة أيام واعتبرت حاشية الإسكندر أن نجاة الإسكندر ونجاة من معه من معجزات الإله آمون.

وصل الإسكندر بركبه إلى «معبد النبوءات» فاستقبله كهنة آمون واحتفوا به وبمن معه وتلقى الكهنة تساؤلات مرافقي الإسكندر الأكبر وأجابوهم عنها في بهو المعبد الشهير، أما الإسكندر الأكبر فقد طلب من الكهنة أن يسأل الإله آمون في خلوة فاصطحبه رئيس الكهنة إلى الهيكل ولم يرافقه أحد من حاشيته وسأل ما شاء من أسئلة وعندما خرج من الهيكل إلى رفاقه لم يخبرهم بأي شيء مما دار معه في الداخل واكتفى فقط بقوله: «سمعت من الإله آمون ما طابت له نفسي».

ولم يذكر التاريخ أو يسجِّل لنا أي شيء عما دار داخل الهيكل أو غرفة النبوءات تصريحاً أو تلميحاً وكل ما سجله التاريخ هو ما كتبه الإسكندر الأكبر في رسالته إلى والدته «أوليمبياس» عن تلك الزيارة فقال: «إنه سمع من الإله أشياء مهمة جداً لا يستطيع أن يذكرها في خطابه وسيرويها لها عندما يراها» ولكن هذا اللقاء لم يتم، فقد مات الإسكندر الأكبر وأخذ معه سره وسر ما قيل له في غرفة النبوءات.

يذكر المؤرخون حرص الإسكندر الأكبر فيما بعد على زيارة سيوة وإرسال رسله ليسأل كهنة آمون كلما كان مقدماً على أمر مهم، وهو ما يدل على الأثر الكبير الذي تركه آمون وكهنته في نفسه، حتى إنه عندما كان يعاني من سكرات الموت في مرضه الأخير في مدينة بابل تقدم إليه صديقه المقرب أريدوس وسأله: هل يوصي بشيء بخصوص ابنه وزوجته؟ فأعرض عنه الإسكندر الأكبر، فجاءه أريدوس مرة أخرى وسأله عمن يخلفه في القيادة بعد موته فأجابه بأن القيادة للأقوى منهم.

سأله «أريدوس» إن كان له طلب خاص ففتح الإسكندر الأكبر عينيه وقال إنه «يوصي بأن يدفنوه إلى جوار أبيه آمون في واحة سيوة». تم وضع الجثمان في تابوت ذهبي وسار وراءه الجيش كله منكس الرأس والسلاح والأعلام من مدينة بالمي في العراق حتى وصل إلى مدينة منف في مصر وكانت كل مدينة يمر عليها موكب الجنازة تخرج لتحييه وتبجل رحيله.

وعندما أراد اليونانيون استكمال مسيرتهم إلى واحة سيوة، أقنعهم بطليموس الذي كان يحكم مصر باسم الإسكندر الأكبر بأن يدفنوه في مدينة الإسكندرية التي دشن بناءها الإسكندر نفسه فاقتنع قادة الجيش اليوناني ووافقوا على دفن الإسكندر الأكبر في الإسكندرية.


«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»