«اتفاقات هشة» وعنف متصاعد... أزمات تلاحق شرق الكونغو

تزامناً مع هجمات جديدة أوقعت 50 قتيلاً

دورية لعناصر من جيش «الكونغو الديمقراطية» قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
دورية لعناصر من جيش «الكونغو الديمقراطية» قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
TT

«اتفاقات هشة» وعنف متصاعد... أزمات تلاحق شرق الكونغو

دورية لعناصر من جيش «الكونغو الديمقراطية» قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)
دورية لعناصر من جيش «الكونغو الديمقراطية» قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

يتواصل مسار العنف منذ بداية عام 2026 في شرق الكونغو الديمقراطية، رغم محاولات وسطاء لإحياء اتفاقات وقف إطلاق النار بين الحكومة ومتمردين بينهم حركة «23 مارس» المتهمة بـ«تلقي دعم من رواندا».

ذلك المشهد الحالي في شرق الكونغو، لن يخرج من دوامة العنف والاتفاقات الهشة، قريباً، مع عدم وجود مقاربة يتقبلها الطرفان، وفق خبراء في الشؤون الأفريقية تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

وشن متمردون يشتبه بانتمائهم إلى «قوات التحالف الديمقراطية» عدة هجمات قتلوا خلالها ما لا يقل عن 50 شخصاً في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.

وذكرت إذاعة «أوكابي» المحلية، السبت، نقلاً عن شخصيات من المجتمع المدني في المقاطعة، أن عمليات القتل التي نُسبت إلى متمردي «قوات التحالف الديمقراطي»، وقعت في الفترة من 9 إلى 15 مارس الجاري وقتل 35 مدنياً في منجم موتشاتشا للذهب، و15 في بابيسوا، بخلاف تدمير الممتلكات ونهب وحرق الكثير من المنازل، ما تسبب في نزوح مئات العائلات.

وقبل نحو أسبوع، قال «مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية» (أوتشا) في بيان، إنه «يشعر بقلق بالغ إزاء تأثير استمرار العنف على المدنيين في إحدى مناطق شرق الكونغو». وأضاف أن «مواقع النزوح أصبحت مكتظة بشكل متزايد».

وبخلاف حركة «23 مارس» برز نشاط «قوات التحالف الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في الكونغو الديمقراطية لكنها بايعت منذ 2019 تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية، محمد تورشين، أن «أزمة شرق الكونغو معقدة رغم التحركات محلياً ودولياً، وتجعل الاتفاقات هشة والنزوح والعنف في تصاعد».

فيما يشير المحلل السياسي التشادي، المختص في الشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، إلى أن «دوامة العنف في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، مستمرة بفعل تداخل عوامل بنيوية معقدة، في مقدمتها تعدد الفاعلين المسلحين، وتشابك الأجندات الإقليمية، واستمرار التوتر مع رواندا... وإلى جانب التنافس الحاد على الموارد الطبيعية، وضعف قدرة الدولة على بسط سلطتها، يتفاقم النزوح، ويتحمل المدنيون التكلفة الأكبر ضمن سياق أمني هش ومتقلب».

عناصر من «23 مارس» في غوما مقاطعة شمال كيفو بشرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

ويأتي هذا التصعيد رغم جهود أميركية - قطرية جديدة. وقبل يومين، قال كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، في تغريده على «إكس»، إن «الغريمتين رواندا والكونغو الديمقراطية التزمتا في محادثات واشنطن بالتهدئة وحماية المدنيين، وذلك بعد اجتماعات في واشنطن يومي 17 و18 مارس الجاري، وتشمل التهدئة تعهدات بسحب قوات تدريجياً وتجميد هجمات أخرى».

وفي 5 مارس الجاري، شاركت قطر عبر تقنية الاتصال المرئي، في اجتماع «آلية الإشراف والتحقق من وقف إطلاق النار»، المنبثقة من إعلان المبادئ بين حكومة جمهورية الكونغو الديمقراطية وحركة «23 مارس» الذي تم توقيعه بالدوحة في يوليو (تموز) 2025.

تلك المسارات المتعثرة لإحياء السلام، تأتي بعد عام كامل من اتفاقات 2025 التي لم تصمد، حيث أبرمت الكونغو الديمقراطية ورواندا اتفاق سلام بوساطة أميركية في واشنطن نهاية العام الماضي، ينص على آلية لمراقبة تنفيذ وقف إطلاق النار الدائم، بدعم من بعثة الأمم المتحدة في الكونغو (مونوسكو).

ويرى عيسى أن «الاتفاقات المبرمة تظل محدودة الجدوى، لكونها جزئية في نطاقها، وقاصرة عن معالجة الجذور العميقة للأزمة، ما يجعلها عرضة للتآكل السريع مع أول اختبار ميداني»، لافتاً، إلى «أن أفق إنهاء هذه الدوامة يظل بعيداً، ما دامت محدداتها قائمة دون تغيير جوهري، وما دام ميزان القوى يعيد إنتاج العنف بدل احتوائه».

وأشار إلى أن المخرج من دوامة العنف في شرق الكونغو، «يظل ممكناً من حيث المبدأ، غير أنه مرهون بتحولات عميقة تتجاوز حدود المعالجات الظرفية والتسويات الجزئية، ويقتضي ذلك إرساء تفاهم إقليمي متماسك يخفف حدة التوتر مع رواندا، وينصّ على التزامات وآليات رقابة فعالة، بما يحد من تغذية الصراع عبر دعم الفاعلين المسلحين».

ويعتقد تورشين، أن تلك الأزمة «بحاجة إلى نقاشات جادة وتفاهمات حتى يمكن الوصول لاتفاق سلام جاد وحقيقي، يرجع حقوق الضحايا وذويهم، ويحقق مساراً حقيقياً، وإلا ستستمر موجة النزوح والعنف والهجمات كما هي حالياً».


مقالات ذات صلة

«إكسون موبيل» تعلن اكتشافاً نفطياً في أنغولا

الاقتصاد حقل نفط وغاز في أنغولا (إكس)

«إكسون موبيل» تعلن اكتشافاً نفطياً في أنغولا

أعلنت الوكالة الوطنية للنفط والغاز والوقود الحيوي في أنغولا (ANPG) وشركة «إكسون موبيل» في «المربع 15»، الواقع في المياه البحرية، عن تحقيق اكتشاف جديد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أفريقيا تدريبات على تطهير جثة مصاب بفيروس «إيبولا» قبل مراسم الدفن في كينيا 10 يوليو (أ.ف.ب)

مئات الأجانب يخشون على حياتهم بسبب تصريحات الرئيس الكيني

توجه المئاتُ من التجار لبورونديين إلى سفارة بلادهم، الاثنين، بعد نهاية مهلة حدَّدها الرئيس الكيني، وكان أغلبهم يبحث عن وثائق سفر تمكنهم من العودة إلى بلادهم.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أفريقيا سكان ومسلحون يقفون بجوار منازل دمَّرتها غارة جوية خلال القتال بين القوات الإثيوبية وقوات «جبهة تحرير شعب تيغراي» بعفار في إثيوبيا عام 2022 (رويترز)

تيغراي تتهم الحكومة الإثيوبية بشن هجوم جديد بطائرة مسيّرة على الإقليم

اتهمت سلطات تيغراي الحكومة الإثيوبية بشنّ هجوم جديد بطائرة مسيّرة في شمال البلاد، اليوم (الثلاثاء).

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
الاقتصاد سفينة حاويات راسية بجوار رافعات في ميناء مومباسا بكينيا (رويترز)

كينيا تعتزم وضع سياسة لوقف تصدير المعادن غير المعالجة

قال الرئيس الكيني ويليام روتو، إن بلاده ستُعد تشريعاً يقضي بإجراء معالجة لجميع المعادن والموارد الطبيعية وإكسابها قيمة مضافة محلياً.

«الشرق الأوسط» (نيروبي)
العالم أفريقيا وأميركا اللاتينية والهند تظهر أصغر بكثير مما هي عليه في الواقع بالخرائط المعتمدة حالياً (رويترز)

الأمم المتحدة تتحرك لتغيير خريطة العالم

تستعد الجمعية العامة للأمم المتحدة للتصويت على مشروع قرار يدعو إلى اعتماد خرائط تُظهِر المساحات الحقيقية للقارات والدول بصورة أكثر دقة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«شهادتان» لوطن واحد... الحرب ترسم حدوداً جديدة لتعليم السودان

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)
من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)
TT

«شهادتان» لوطن واحد... الحرب ترسم حدوداً جديدة لتعليم السودان

من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)
من داخل أحد الصفوف بمدرسة «الوحدة» في بورتسودان (أ.ف.ب)

في غضون 48 ساعة، أعلن السودان نتيجتين لامتحانين يحملان الاسم نفسه، «الشهادة السودانية»، نظمتهما سلطتان متحاربتان، في واحد من أوضح مظاهر الانقسام الذي نقلته الحرب من الأرض ومؤسسات الحكم إلى التعليم ومستقبل الطلاب.

ففي نيالا، عاصمة جنوب دارفور، أعلنت السلطة التابعة لتحالف «تأسيس» الموالي لـ«قوات الدعم السريع»، الثلاثاء، نتيجة امتحانات الشهادة الثانوية التي نظمتها في مناطق خاضعة لسيطرتها في دارفور وكردفان. والخميس، تعلن وزارة التربية والتعليم التابعة للحكومة في الخرطوم نتيجة امتحانات الشهادة السودانية للعام الدراسي 2025 - 2026، بعدما اعتمدها رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، الثلاثاء.

والفارق بين الامتحانين كبير؛ إذ جلس لامتحانات الحكومة 559 ألف طالب وطالبة داخل السودان وخارجه، مقابل 510 آلاف قبل الحرب، بينما سجل 10 آلاف و664 طالباً لامتحانات «تأسيس»، جلس منهم 9314، لكن هذه الأرقام لا تشمل الطلاب الذين لم يتمكنوا من أداء أي من الامتحانين، في بلد لا يزال فيه 8 ملايين طفل على الأقل في سن الدراسة خارج المدرسة، وفق «منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)».

أطفال سودانيون نازحون في مخيم ببورتسودان حيث تشير «يونيسف» إلى أن 8 ملايين طفل خارج المدرسة (رويترز)

لا يعني تنظيم «تأسيس» للامتحانات أنها وصلت إلى جميع الطلاب المؤهلين في مناطق سيطرتها؛ فعدد الجالسين (9314 طالباً) محدود قياساً باتساع مناطق الحرب وحجم الأزمة التعليمية في دارفور وكردفان. وتقدر «يونيسف» أن نحو 4 ملايين طفل في سن الدراسة يعيشون في دارفور وحدها، أكثر من 3 ملايين منهم خارج المدرسة، فيما تعد دارفور وكردفان من أكثر المناطق تضرراً من تعطل التعليم.

كما لا تتطابق خطوط السيطرة العسكرية مع خريطة الامتحانين؛ إذ تمكن عشرات الآلاف من طلاب دارفور وكردفان من الوصول إلى امتحانات الحكومة خارج مناطقهم، بينما منعت الحرب والنزوح وصعوبة الحركة آخرين من الوصول إلى أي امتحان.

وفي يونيو (حزيران)، دعت «يونيسف» إلى إتاحة فرصة متساوية لجميع الطلاب السودانيين للجلوس لامتحان قومي موحَّد ومعترف به، محذرة من أن تعدد الامتحانات قد يخلق انقسامات تحد من فرصهم مستقبلاً. وإلى جانب امتحاني الخرطوم ونيالا، هناك آلاف لا تظهرهم نتائج أي منهما، بعدما حرمتهم الحرب والنزوح وتعطل المدارس من الجلوس للامتحان.

انقسام وجداني

يرى خبير تربوي سوداني (طلب حجب اسمه لأسباب تتعلق بسلامته) أن الخطر يتجاوز وجود امتحانين إلى ما وصفه بـ«الانقسام الوجداني» بين طلاب البلد الواحد.

ويقول إن الشهادة السودانية يُفترض أن تكون متاحة لطلاب الولايات الـ18، وإن حرمان طلاب مناطق الحرب من فرصة متساوية قد يولد شعوراً بالغبن والتهميش، داعياً إلى «اتفاق أخلاقي» بين طرفَي الحرب يعزل الطلاب والتعليم عن القتال، ويتيح إجراء الامتحانات في مناطق آمنة.

ويشير إلى تجربة حرب دارفور، حين كان الطلاب ينتقلون من مناطق سيطرة الحركات المسلحة إلى المدن للجلوس للامتحانات ثم يعودون، مؤكداً أن حق الطالب في التعليم يجب ألا تحدده الجهة العسكرية المسيطرة على منطقته. ويحذر من أن التسرب في مناطق الحرب لم يعد مجرد غياب عن المدرسة؛ إذ اتجه طلاب إلى العمل والتعدين والأعمال الهامشية، وانخرط آخرون في القتال؛ ما يصعب إعادتهم إلى الفصول ويعرض بعضهم لـ«الأمية الارتدادية» نتيجة الانقطاع الطويل. ويرى أن امتحان «تأسيس» جاء محاولة لحفظ حق الطلاب الذين تعذر وصولهم إلى امتحانات الحكومة، لكن تكريس نظامين للشهادة قد يحوّل الانقسام السياسي والجغرافي إلى انقسام تعليمي طويل الأمد.

طالبات في الطريق إلى المدرسة لإجراء الامتحانات في بورتسودان في ديسمبر (أ.ف.ب)

تقدّم الحكومة ارتفاع عدد الجالسين لامتحاناتها بوصفه مؤشراً على تعافي التعليم. وقال وزير التربية والتعليم، التهامي الزين حجر، إن 559 ألف طالب وطالبة أدوا الامتحانات، بزيادة 49 ألفاً عما قبل الحرب، معتبراً ذلك دليلاً على الاستقرار وانتظام العملية التعليمية. ووفق الوزارة، عقدت الامتحانات في 3333 مركزاً داخل السودان وخارجه، بينها 84 مركزاً في 14 دولة.

وأشاد البرهان، لدى اعتماده النتيجة، بصمود المعلمين وجهودهم في استمرار العملية التعليمية، مؤكداً التزام الدولة بدعم التعليم.

لكن الخبير التربوي يرى أن زيادة عدد الممتحنين لا تكفي لإثبات التعافي، الذي يجب أن يقاس أيضاً بجودة التعليم والبيئة المدرسية واستقرار العام الدراسي وتراجع التسرب وأوضاع المعلمين والتحصيل الأكاديمي والمناهج. لكن تقديرات «يونيسف» تشير إلى أن 8 ملايين طفل على الأقل لا يزالون خارج المدرسة، مع تركز الأزمة في دارفور وكردفان.

أرقام متباينة للمدارس

يمتد الخلاف إلى عدد المدارس العاملة؛ فالوزير يقول إن 26 ألف مدرسة من أصل 29 ألفاً تعمل بصورة منتظمة، وإن 3 آلاف فقط متوقفة.

لكن لجنة المعلمين السودانيين تشكك في الأرقام، وتقول إن عدد المدارس قبل الحرب كان بين 21 و22 ألفاً، متسائلة كيف ارتفع خلال سنوات الحرب إلى 29 ألفاً، وما إذا كان احتساب المرحلة المتوسطة بصورة منفصلة وراء جانب من الفارق.

طالبات الشهادة الثانوية في مدينة نيالا (إعلام «تأسيس»)

وبحسب اللجنة، كانت ولايات دارفور الخمس تضم 4901 مدرسة، إضافة إلى 740 في جنوب كردفان و1218 في غرب كردفان؛ ما يجعل القول إن ثلاثة آلاف مدرسة فقط متوقفة، في ظل الحرب والسيطرة العسكرية على مناطق واسعة، بحاجة إلى تفسير.

كما تختلف الأرقام الحكومية عن تقديرات منظمات دولية تشير إلى استمرار إغلاق أعداد كبيرة من المدارس وتعطل أخرى بسبب النزوح والحرب.

وحاولت «الشرق الأوسط» الحصول على توضيح من وزارة التربية والتعليم بشأن اختلاف الإحصاءات ومعايير احتساب المدرسة «العاملة»، وموقفها من شهادة «تأسيس» وأجور المعلمين ومتأخراتهم، لكن المتحدث الرسمي لم يرد حتى إعداد التقرير.

راتب يغطي 3 في المائة

ووفق دراسة أصدرها المكتب الاجتماعي للجنة المعلمين في سبتمبر (أيلول)، تبلغ تكلفة الاحتياجات الأساسية الشهرية لأسرة من 5 أفراد نحو 4.18 مليون جنيه سوداني، أي نحو 597 دولاراً، وفق سعر صرف يبلغ نحو 7 آلاف جنيه للدولار، ومتوسط راتب المعلم 128 ألفاً و125 جنيهاً سودانياً، يعادل 18 دولاراً بهذا السعر، أي نحو ثلاثة في المائة فقط من تلك التكلفة.

وقال المتحدث باسم لجنة المعلمين سامي الباقر لـ«الشرق الأوسط» إن الدراسة اعتمدت أسعار السوق في ولاية الخرطوم، واحتسبت الغذاء والمواصلات وغاز الطهي والمياه والكهرباء وغيرها من النفقات الأساسية.

وحتى إذا طبقت الزيادات المرتقبة وارتفع متوسط راتب المعلم إلى نحو 395 ألف جنيه، تقول اللجنة إنه لن يغطي سوى 9.4 في المائة من تكلفة المعيشة. وطالبت برفع الحد الأدنى للأجور إلى 370.5 ألف جنيه، وإقرار علاوة طبيعة عمل بنسبة 70 في المائة من الراتب الأساسي، وسداد الرواتب والمتأخرات عن عامي 2023 و2024، ومراجعة البدلات وفق التضخم ومعالجة أوضاع المعلمين في دارفور وكردفان.

من الفصل إلى معادن الذهب

وتكشف قصة المعلم محمد المجذوب الحاج حمد جانباً من تداعيات أزمة الأجور؛ إذ لقي مصرعه إثر انهيار بئر للتعدين عليه، بعدما اتجه إلى التنقيب الأهلي عن الذهب بحثاً عن مصدر رزق بديل.

ويقول الباقر إن ضعف الأجور وتأخر الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة دفعت معلمين إلى أعمال أخرى، فيما ترك بعضهم المهنة أو قلَّص ارتباطه بها.

ويضيف أن المعلمين يقدرون إشادة البرهان بصمودهم، لكنهم ينتظرون قرارات تنعكس على حياتهم، لأن فتح المدارس وعقد الامتحانات لا يعنيان تعافياً مستداماً إذا كان المعلم عاجزاً عن إعالة أسرته أو مضطراً إلى مغادرة الفصل بحثاً عن الرزق.

طلاب يؤدون امتحانات الثانوية العامة في إحدى مدارس السودان (وكالة السودان للأنباء/ سونا)

ويطرح إعلان نتيجة «تأسيس»، مشكلة أخرى تتعلق بمستقبل الشهادة والاعتراف بها؛ فآلاف الطلاب اجتازوا امتحاناً نظمته سلطة لا تعترف الحكومة المركزية بشرعيتها، فيما لم توضح وزارة التربية والتعليم ما إذا كانت ستعترف بالشهادة أو كيف ستتعامل مع حامليها.

وترى لجنة المعلمين أن الطلاب لا ينبغي أن يدفعوا ثمن الحرب أو الجهة التي تسيطر على مناطقهم، لكنها تحذر من أن استمرار امتحانين قد يقود إلى ما هو أبعد من شهادتين: مناهج مختلفة، واعتراف أكاديمي مختلف، ونظامان تعليميان في بلد واحد.

وتدعو اللجنة إلى حل وطني عاجل عبر لجنة موحدة تضم المؤسسات التعليمية والقوى المهنية، بالتنسيق مع المنظمات الدولية، للوصول إلى امتحان موحَّد وصيغة تحفظ حقوق الطلاب في جميع المناطق.

ويتفق ذلك مع دعوة «يونيسف» إلى امتحان قومي موحَّد ومعترَف به، يضمن عدالة الفرص ويحمي قيمة مؤهلات الطلاب وخياراتهم المستقبلية.

خلال 48 ساعة، حصل السودان على نتيجتين لشهادة واحدة، تحت سلطتين مختلفتين، بينما بقي ملايين الأطفال خارج المدارس، ويواجه المعلمون أزمة تدفع بعضهم إلى مغادرة الفصول بحثاً عن الرزق.

وبين آلاف الطلاب الذين لم يصلوا إلى الامتحانات، وآخرين يحملون شهادة لا يعرفون مصيرها، ومعلمين تدفعهم أوضاعهم المعيشية إلى مغادرة فصول الدراسة، تطرح الأزمة أسئلة كثيرة أكثر تعقيداً، وأبرزها: أي تعليم سيبقى للسودانيين بعد الحرب؟


مساعدة أوروبية لإسبانيا لتعزيز أمن الحدود بعد أزمة سبتة

عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)
عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)
TT

مساعدة أوروبية لإسبانيا لتعزيز أمن الحدود بعد أزمة سبتة

عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)
عدد من المهاجرين الذين دخلوا سبتة بطريقة غير قانونية (إ.ب.أ)

أعلن الاتحاد الأوروبي، الأربعاء، أنه سيقدم لإسبانيا 115 مليون يورو على شكل مساعدات طارئة للمساهمة في تعزيز أمن الحدود ودعم عمليات الإعادة، بعد موجة الهجرة الجماعية إلى جيب سبتة الدي تحتله إسبانيا شمال المغرب.

وعبر أكثر من 70 ألف مهاجر من المغرب إلى سبتة أواخر يوليو (تموز) الماضي، في تدفق غير مسبوق شهد مقتل العشرات، معظمهم غرقاً، في أثناء محاولتهم السباحة من طرف إلى الآخر، وأثارت هذه الأزمة انتقاد دول أوروبية عدة.

وقالت نائبة رئيسة المفوضية الأوروبية، هينا فيركونن، في تصريحات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية: «إن الوضع في سبتة تسبب في ضغط على حدودنا الخارجية». وأضافت: «رسالتنا لا تزال واضحة: نحن ملتزمون بمكافحة الهجرة غير النظامية، وضمان الإعادة السريعة لأولئك الذين يمكثون بشكل غير قانوني في سبتة».

وطلبت إسبانيا المساعدة من بروكسل في أواخر أغسطس (آب) الماضي. وقال الاتحاد الأوروبي إن الأموال ستُخصص لـ«إجراءات لتعزيز مراقبة الحدود وحمايتها والبنية التحتية المرتبطة بالأمن»، مثل الكاميرات الحرارية والأنظمة العائمة، والمسيّرات العاملة تحت الماء.

وأوضح التكتل أن المساعدة «ستُستخدم أيضاً لإقامة منشآت لفرز المهاجرين، فضلاً عن دعم عمليات إعادة أولئك الذين يمكثون بشكل غير قانوني في سبتة».

وعاد معظم المهاجرين الذين دخلوا سبتة إلى المغرب، لكنَّ آلافاً منهم بقوا في ظروف معيشية غالباً ما تكون صعبة، وهو ما زاد من حدة التوتر في المدينة الصغيرة وتسبب في أزمة سياسية.

وتسببت الأزمة في توتر بين دول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً بين مدريد وروما بعد قرار الحكومة الإيطالية تشديد إجراءات ضبط حدودها مع إسبانيا.

وفتح القضاء الإسباني، الاثنين، تحقيقاً في دخول المهاجرين إلى سبتة، مستنداً إلى أدلة في شأن «عملية توجيه وتسهيل لا يمكن إنكارها» من الجانب المغربي.

إلا أن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، كان قد شدّد على عدم وجود أي «أدلة قاطعة» على أن المغرب خطط، أو دبّر تدفق المهاجرين، عقب تقرير للشرطة الإسبانية أشار إلى إخفاقات عدة من جانب قوات الأمن المغربية.


جدل ليبي حول تقنين الاستيراد لمواجهة «السوق السوداء» للعملة

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
TT

جدل ليبي حول تقنين الاستيراد لمواجهة «السوق السوداء» للعملة

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)
محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى خلال لقاء مع وزير الاقتصاد والتجارة سهيل أبو شيحة في طرابلس الأحد الماضي (المصرف المركزي)

وسط جدل بين خبراء اقتصاديين حول جدوى الخطوة، اتفقت الحكومتان في غرب ليبيا وشرقها على تنظيم استيراد السلع والبضائع المخصصة لأغراض التجارة، وحظر توريدها خارج القنوات المصرفية، في مسعى للحد من الطلب على الدولار في السوق الموازية.

ويُعد القرار توافقاً نادراً بين الحكومتين المتنافستين، في ظل الانقسام السياسي والمؤسسي المستمر منذ سنوات؛ إذ صدر منتصف الأسبوع، بالتزامن، عن حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة في غرب البلاد، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد.

ويرى مؤيدو القرار أن تنظيم الاستيراد عبر القنوات المصرفية يمكن أن يسهم في تقليص الطلب على الدولار خارج القطاع الرسمي، شريطة أن تكون العملة الأجنبية متاحة فعلياً للمستوردين، وأن ترافق الإجراءات المصرفية رقابة صارمة على الاعتمادات وحركة البضائع.

في المقابل، يحذر منتقدوه من أن تقييد الاستيراد من دون معالجة نقص السيولة الأجنبية قد يدفع بعض التجار إلى السوق الموازية، بما يرفع تكلفة السلع ويزيد الضغوط على الأسعار، خصوصاً إذا تعذر على صغار المستوردين الوصول إلى التمويل المصرفي.

ومن المقرر أن يبدأ تطبيق قرار الحكومتين اعتباراً من 30 سبتمبر (أيلول) الحالي، في وقت تواجه فيه سوق الصرف ضغوطاً متزايدة، مع اتساع الفارق بين السعر الرسمي للدولار وسعره في السوق الموازية، وما يترتب على ذلك من تأثيرات على التجارة والأسعار.

ومن بين الأصوات الداعمة للقرار، أستاذ الاقتصاد في جامعة بنغازي، الدكتور علي الشريف، الذي يرى أن القرار يمثل إجراءً ضمن خطة تهدف إلى تنظيم السوق وضبط حركة التجارة والاستيراد، معتبراً أن نجاحه سيعتمد على مدى تطبيقه بصورة فعالة وموحدة من الجهات المعنية.

وقال الشريف، في منشور عبر حسابه الشخصي على «فيسبوك»، إن التطبيق الفعال للقرار يمكن أن يسهم في الحد من الطلب على العملات الأجنبية خارج القطاع المصرفي، وتقليص التعاملات على الدولار في السوق الموازية، بما يدعم استقرار سوق الصرف.

وتزامن القرار مع ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية بنحو 13 قرشاً؛ إذ سجل 9.28 دينار مقابل 9.15 دينار في اليوم السابق، بحسب متداولين وتجار، بينما بلغ السعر الرسمي، وفق أسعار مصرف ليبيا المركزي، نحو 6.32 دينار.

رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبي عبد الله قادربوه في اجتماع مع علي منصور رئيس لجنة متابعة الاعتمادات المستندية في طرابلس الأسبوع الماضي (الرقابة الإدارية)

وبذلك، تبلغ الفجوة بين السعرين نحو 2.96 دينار للدولار، بما يعني أن سعر العملة الأميركية في السوق الموازية يزيد بنحو 47 في المائة عن السعر الرسمي، وهو فارق يعكس حجم الضغوط على سوق الصرف وحجم الطلب على النقد الأجنبي.

لكن الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الحميد الفضيل ينظر إلى القرار من زاوية مختلفة، حيث يرى أنه قد يخدم كبار التجار القادرين على الحصول على الاعتمادات المستندية، بينما يضع صغار التجار الحقيقيين أمام أعباء أكبر، من دون معالجة أصل أزمة العملة الأجنبية.

وقال الفضيل، في منشور عبر «فيسبوك»، إن ما سماهم «حيتان الاعتمادات» يحصلون على عشرات الملايين من النقد الأجنبي لإعادة بيعها في السوق الموازية، بينما يتضرر صغار التجار، متسائلاً عن جدوى شراء الدولار بـ9.28 دينار، إذا كان متاحاً عبر القنوات الرسمية بسعر أقل.

والاعتمادات المستندية هي تسهيلات مصرفية تتيح للتجار الحصول على العملة الأجنبية بالسعر الرسمي لتمويل عمليات الاستيراد، لكنها أثارت خلال السنوات الماضية انتقادات وشبهات تتعلق بمدى وصول النقد الأجنبي إلى المستوردين الحقيقيين، واستخدامه في الأغراض المخصصة له.

وتزايدت هذه المخاوف مع إجراءات رقابية حديثة؛ إذ أعلنت هيئة الرقابة الإدارية الاشتباه في وجود مخالفات مرتبطة بإجراءات الاعتمادات المستندية لدى نحو 500 شركة، ما أعاد إلى الواجهة قضية توزيع النقد الأجنبي ومدى سلامة عمليات الاستيراد.

وكانت وزارة الاقتصاد والتجارة قد أصدرت في 18 أغسطس (آب) الماضي قراراً بوقف نشاط 27 شركة مرتبطة بثلاثة مستفيدين من عائلة واحدة، بعدما تجاوزت قيمة الاعتمادات الممنوحة لها 146 مليون دولار، في واقعة سلطت الضوء على مخاطر تركز الاستفادة من النقد الأجنبي.

ولا يخلو القرار من دلالة سياسية؛ إذ يرى الشريف أن توحيد الإجراءات بين وزارتي الاقتصاد في الشرق والغرب يمكن أن يمثل خطوة أولى نحو تقارب المؤسسات الاقتصادية، وصولاً إلى سياسات موحدة وقرار اقتصادي يصدر مستقبلاً عن حكومة ليبية واحدة.