سنية صالح ومحمد الماغوط... الشعر المنتصر والحياة المهزومة

في انتظار الإفراج عن مذكرات الشاعرة وسيرتها الخبيئة بالأدراج

الماغوط وسنية صالح
الماغوط وسنية صالح
TT

سنية صالح ومحمد الماغوط... الشعر المنتصر والحياة المهزومة

الماغوط وسنية صالح
الماغوط وسنية صالح

ترددت كثيراً قبل الشروع في الكتابة عن التجربة الحياتية الخاصة التي جمعت بين الشاعرة السورية سنية صالح ومحمد الماغوط، أحد أبرز رواد قصيدة النثر في العالم العربي. ولم يكن ذلك التردد متعلقاً بالشعر نفسه، وهو الذي أكسب العلاقة بين الطرفين مسوغها الأعمق والأهم؛ بل كان مرتبطاً بالمحاذير المترتبة على اقتحام الموضوعات «المحرمة» في عالم عربي لا يزال يلح على الاعتقاد بأن العلاقات الزوجية شأن عائلي وغير قابل للانتهاك. ولكن ما دفعني إلى تجاوز هذه الإشكالية هو أن الماغوط وسنية ليسا شخصين عاديين لكي يسدَل الستار على شؤونهما الشخصية، بل هما شاعران متميزان، ولا ضير بالتالي من الوقوف على تفاصيل سيرتهما الشخصية والأدبية، شأنهما في ذلك شأن معظم شعراء العالم وكتّابه ومبدعيه. والواقع أن معظم المعطيات والتفاصيل المتصلة بالعلاقة المأزومة بين الثنائي الشعري، لا تأتي من جهة الزوج أو الزوجة بشكل أساسي، بل هي مستمدة من مصادر أخرى قريبة من الطرفين، ومن بينها ما أوردته خالدة سعيد من إشارات وتلميحات دالة على متاعب شقيقتها ومعاناتها الحياتية القاسية، خلال تقديمها المسهب والعميق لأعمال صالح الشعرية، إضافة إلى السيرة الجريئة والمترعة بالتفاصيل التي وثّق من خلالها عيسى الماغوط حياة أخيه منذ النشأة حتى الوفاة، والتي ضمنها مواقف وفصولاً من حياة الزوجين. وحيث لا تخلو بعض تصريحات الماغوط من إشارات مختلفة إلى الغيوم السوداء التي تظلل مسرح علاقته بزوجته، فإن سنية، التي اتسمت منذ نشأتها بالخفر والصمت، آثرت الانكفاء داخل نفسها والاكتفاء بالشعر علاجاً وحيداً لشعورها الممض بالوحدة. على أن ما ينبغي عدم إغفاله في هذا السياق هو تأكيد خالدة على أن سنية قد تركت سيرة حياتها في عهدة ابنتيها شام وسلافة، وأنهما تملكان وحدهما حق الاحتفاظ بهذه السيرة في الأدراج، أو الدفع بها إلى النشر.
في كتابه السردي المميز «محمد الماغوط - رسائل الجوع والفقر»، يكشف عيسى الماغوط عن جوانب خفية ومهمة من سيرة أخيه الأكبر، وعن الظروف القاسية التي أحاطت بطفولته وصباه المبكر؛ إذ تُظهر في هذا الكتاب الخلفية الاجتماعية البائسة لحياة الشاعر، الذي اضطر بسبب العوز الشديد للعائلة إلى ترك مقاعد الدراسة للالتحاق بأحد المعاهد الزراعية، دون أن تمكّنه موهبته الشعرية والنثرية من الانتقال إلى ضفة الثراء والرفاهية. وإذ يحرص المؤلف على إظهار الجانب القاسي من سلوك الماغوط، الذي اتسم منذ الطفولة بالميل إلى العنف والعراك مع الآخرين، فإنه يحرص بالقدر نفسه على ربط ذلك السلوك برفض أخيه الأكبر الواقع الصعب والمهين الذي عاشه منذ صغره، وهو ما دفع به إلى الثأر لكرامته المجروحة، لا عبر شعره «البري» المتفرد فحسب، بل عبر قدر غير قليل من المزاج المتقلب حنوّاً وعصفاً، ومن فائض العنف الذي كانت علاقته بزوجته أبرز ضحاياه.
لم يعمد عيسى الماغوط في كتابه المهم إلى التورية والغموض وارتداء الأقنعة، للحديث عن العلاقة الشائكة والصعبة التي كانت تربط محمد الماغوط بزوجته. إلا إن اللافت هنا هو حرص المؤلف على الوقوف في مكان وسط بين الزوجين المحكومين بالقلق والتعاسة وسوء التفاهم المزمن. فهو ينقل عن أخيه امتعاضه الشديد من فشل الزوجة في لعب دورها أماً لطفلتين، ومن الامتناع الكلي عن إرضاع طفلتيها الصغيرتين، رغم إلحاحه وتوسلاته، معترفاً لأخيه بأنه نقل رغبته المقموعة إلى الشعر، حيث أشار في غير قصيدة له إلى أن الرائحة المنبعثة من حليب الأم، هي واحدة من أكثر الروائح التي تملك تأثيراً عليه. كما يطلعنا المؤلف على تذمر الماغوط المستمر من تقاعس سنية عن القيام بأبسط واجباتها الزوجية، وفيما يشبه التسويغ الضمني لمواقف الشاعر ولردود فعله القاسية، يصف عيسى متاعب أخيه المزمنة بالقول: «قضى عمره وهو يشعر بأن الجوع ينبض في أحشائه كالجنين. ورغم أطنان الطعام والطناجر والصحون بقي جائعاً. قال لي مرة إنه لم يشم رائحة طعامٍ يُطبخ في بيته قط، وإنه يبحث عن ثيابه فلا يجدها». ولكنه لا يتردد من جهة ثانية في الكشف الصريح عن أن زيارة المؤلف العائد من الخدمة العسكرية إلى منزل أخيه الأكبر، هي التي تسببت في العراك الجسدي بين الطرفين، معترفاً بأن ذلك العراك العنيف قد انتهى بكارثة مروعة، تمثلت في إجهاض سنية، التي كانت حاملاً في شهرها التاسع «لمولودها المرتقب».
ومع أن عيسى الماغوط قد حاول جاهداً أن يُظهر كثيراً من الجوانب الإيجابية في شخصية أخيه، كالإشارة إلى حرصه المستمر على تقديم المساعدة المادية للعائلة، متى استطاع إلى ذلك سبيلاً، والإشارة المماثلة إلى أن الماغوط قد رفع عالياً سقف أحلامه، إلى حد القول: «سأكتب أشياء لم تحلم بها عذراء، ولا أمة في بلاد أخرى»، فإن عقدة الأخ الأكبر لا تلبث أن تظهر جلية في السيرة، حيث لا يتردد عيسى في الحديث عن نرجسية أخيه الفاقعة، كما عن تعامله معه باستعلاء ظاهر، رغم أن الأخ الأصغر المحال على التقاعد، كان قد اتخذ قراره الحاسم برعاية أخيه الذي أقعده المرض وأصابه بالكآبة والإحباط. وقد نقل المؤلف بكثير من المرارة قول الماغوط له، وقد طلب إليه أن يحضر إحدى المناسبات التي تخصه ولم يساعده اعتلال صحته على حضورها: «إذا ذهبت لحضور العرض، وتقدم بعضهم للسلام عليك، فلا تقل إنني أخوك». وهي الحادثة التي يقول عيسى إنها دفعته إلى الابتعاد عن أخيه المريض حد الإنهاك، بعد أن أصيب بجرح بالغ في كرامته، قبل أن يُقر بالندم على ذلك الابتعاد، لأن رحيل الشاعر اللاحق عن هذا العالم قد حال بينه وبين إصلاح الأمور.
أما خالدة سعيد، وهي الأخت الكبرى لسنية، فلا تعتمد في تقديمها أعمالها الشعرية الأسلوب المباشر نفسه الذي اعتمده عيسى الماغوط في روايته للأحداث، ليس فقط لأن خالدة لا تريد صب مزيد من الزيت على نار العلاقة الصعبة بين الزوجين؛ بل لأنها كانت تتوخى الإيغال في تجربة الشاعرة الموغلة في العزلة، والتي لم تأخذ حقها من الاهتمام النقدي، ولم تكن تهدف إلى تقديم روايتها الخاصة لسيرة العائلة. ومع ذلك؛ فإن القارئ لن يبذل كبير جهد لكي يقف على الوحشة المزمنة التي تلف حياة سنية صالح، وعلى المآل المتوتر للعلاقة العاطفية التي جمعت بين الشاعر المكرس والشاعرة اللائذة بصمتها الخفر، بعد أن أخلى الحب المشتعل نيرانه لرماد الزواج. فخالدة التي تتحدث عن تضحيات سنية البالغة في سبيل الماغوط، أثناء مطاردته وسجنه من قبل السلطات، تشير في الوقت ذاته إلى أن سالبين اثنين لا يصنعان زواجاً ناجحاً؛ إذ إن أختها التي نشأت في ظروف عائلية شديدة القسوة «كانت تطلب من الحب ما تطلبه من الشعر»، وتريد له «أن يكون ثأرها من العالم وحصانها السحري للنجاة»، فيما كانت للماغوط القادم بدوره من بيئة الحرمان والشظف، محنته وثاراته المماثلة. وإذ ترى الناقدة أن الحب الذي ربط بين الطرفين كان فيه من العنف بقدر ما فيه من الحنان، تعتقد في المقابل أن الشعر هو الضوء السري الوحيد الذي كشف لسنية هول الواقع الذي تعيشه، بقدر ما قدم لها معاني الوجود الخلاصية... فهو؛ وفق خالدة، «ينبجس من الجوهر الأنثوي الخالق، والمسحوق عبر التاريخ. وهو صيحة جسد الأنثى ونبع الحياة الذي عَبر فوقه الأباطرة والبطاركة والآباء والأزواج والغزاة والمحاربون والنخاسون».
كما أننا لن نعثر، ونحن نقرأ أعمال سنية صالح الشعرية، على ملامح الشاعر المتفرد الذي عشقته صالح بكل ما تملكه من شغف، حيث لا ينضح من قصائدها سوى الشعور الممض بخواء العالم وغربة الكائن الإنساني، باستثناء جُزر الفرح القليلة التي نجت من الطوفان، والتي تقتصر على أختها خالدة وابنتيها شام وسلافة، دون أن نتبين بينها ملامح الزوج. ومع ذلك، فإن إيمان سنية بمكانة زوجها الإبداعية الاستثنائية لن يتزعزع أبداً، وهو ما يُظهره تقديمها الناضح بالإعجاب لأعماله الشعرية والمسرحية التي صدرت في سبعينات القرن الماضي، والذي جاء فيه: «يعدّ محمد الماغوط من أبرز الثوار الذين حرروا الشعر من عبودية الشكل. دخل ساحة العراك حاملاً في مخيلته ودفاتره الأنيقة بوادر قصيدة النثر كشكل مبتكر وجديد، وحركة رافدة لحركة الشعر الحديث. وحين كانت الصحف غارقة بدموع الباكين على مصير الشعر، نشر قلوعه البيضاء الخفاقة فوق أعلى الصواري».
أما مسألة المنافسة الشعرية بين الزوجين فلم تكن واضحة تماماً، خصوصاً أن سنية بما تحمله منذ نشأتها المبكرة من سمات الخفر والتواضع، لم تكن تطمح إلى احتلال الحيز الذي يتجاوز رغبتها في البوح والكشف عن مكنونات نفسها المعطوبة، ولم تتعامل مع الزوج «النجم»، رغم موهبتها الواضحة، بأي نوع من التنافس أو الندية. إلا إن الحوار القصير واللافت الذي أجراه الماغوط مع زوجته، إثر صدور مجموعتها الثانية «حبر الإعدام» يتسم بشكل واضح بالبرودة وغياب الحماس، بل يكاد يكون أقرب إلى التوتر، وإلى مضبطة اتهام واضحة بحق صالح. وهو ما يؤكده سؤال الماغوط لسنية: «ألا تشعرين بتأنيب الضمير وأنت تكتبين بمعزل عن قضايا أكثر أهمية وإلحاحاً من عذاب امرأة غير متآلفة مع بيئتها؟»، أو سؤاله «العدائي» الآخر: «هل أمعنت النظر ذات يوم في وجوه العمال المقطبة؟ هل رأيت مشرداً يأكل فضلات على الرصيف؟». غير أن سنية التي لم تكن طفولتها أقل شظفاً وشقاء من طفولة الماغوط، لم تستطع سوى رد كرة الاتهام إلى المرمى الذي انطلقت منه، فأجابت بالقول إن عذابات المرأة التي يشير إليها، هي أيضاً من صلب الواقع الذي يتهمها بالانعزال عنه، ثم تضيف بنبرة اتهام مضادة: «ولماذا أنت تمد ذلك الليل البشري بيني وبين الأشياء المضيئة؟».
لم تكن غاية هذه المقالة، أخيراً، أن ترفع مضبطة اتهام دامغة ضد أحد المؤسسين الكبار لقصيدة النثر العربية، بل هي تهدف إلى إظهار الفارق الشاسع بين ما تقترحه مخيلات الشعراء على البشر من تجليات الجمال المدهش، وما يتسمون به على أرض الواقع من نزق الأمزجة وغرابة الطباع والسلوكيات. إنهم في الأعم الأغلب عشاق رائعون وأزواج فاشلون. وهو ما تؤكده تجارب كثير من الثنائيات العاشقة التي أفضت بعد الزواج إلى مآل كارثي. وإذا كانت سيلفيا بلاث قد وجدت خلاصها النهائي عن طريق الانتحار، فإن السرطان الخبيث هو الذي تكفل بالمهمة نفسها لدى صاحبة «الزمان الضيق». أما محمد الماغوط فكان عليه بمساعدة الكتابة أن يتعايش مع غياب زوجته المأساوي والمبكر. ومع شعوره المؤلم بأنه لم يعبّر عن حبه لها بما يليق من الكلمات، راح يستعيد في روايته «الأرجوحة» صورة «غيمة» التي هطلت كالمطر على صحراء الشاعر المثقلة بالوحشة وبالخوف، مثلما راح في كتابه «سياف الزهور» يهتف بالزوجة الراحلة:
«كل من أحببت
كنّ نجوماً تضيء للحظة
وتنطفئ إلى الأبد
وأنتِ وحدك السماء.
ثلاثين سنة
وأنت تحملينني على ظهرك
كجندي جريح
وأنا لم أستطع
أن أحملكِ بضع خطواتٍ إلى قبرك».



وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين

مارك توين
مارك توين
TT

وثائق غير منشورة تُعيد كتابة سيرة مارك توين

مارك توين
مارك توين

صدر مؤخراً عن دار «بنغوين» للنشر كتاب لافت من توقيع المؤرخ الأميركي رون تشيرنو، الحائز جائزة «بوليتزر»، يُعيد النظر في سيرة الروائي الأميركي الكبير مارك توين. ويكتسب العمل أهميةً استثنائية لكونه يستند في معظمه إلى وثائق لم تُنشر من قبل منها دفاتر يومية، ومراسلات خاصة، ومخطوطات ظلّت حبيسة الأدراج أكثر من قرن، وقد أمضى تشيرنو سنوات في مركز أبحاث مارك توين بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، يتصفح ما يزيد على خمسين دفتراً يومياً سجّل فيها الكاتب الأميركي أفكاراً وانطباعات لم تجد طريقها إلى أعماله المنشورة، إضافةً إلى آلاف الرسائل التي تبادلها مع زوجته وأصدقائه وخصومه، ومئات الصفحات من مسّودات لم تكتمل. وقد أفضى هذا الكم الهائل من المواد الأولية إلى كتابٍ يقع في نحو ألف ومائتي صفحة، يقدّم صورةً مغايرة لكاتب «مغامرات توم سوير» تعكس بجلاءٍ صراعه الداخلي العنيف مع قضايا العرق والدين والسياسة الأميركية، بعيداً عن الأسطورة المصقولة التي رسّختها عقود من الدراسات الأكاديمية.

ومنذ الصفحات الأولى، يُدرك القارئ أن تشيرنو لم يكتب عن مارك توين بقدر ما أقام معه حواراً عابراً للقرون، حيث تبدأ السيرة من مولد صامويل لانغهورن كليمنس عام 1835 في قرية «فلوريدا» بولاية ميسوري المُطلة على ضفاف نهر المسيسيبي. في تلك الجغرافيا المائية اللانهائية تكوّنت الروح الأدبية الأولى لتوين. فالنهر لم يكن مجرد ماءٍ يجري، بل كان معلماً ووطناً ومرجعاً فلسفياً، وقد انعكس ذلك كله في طريقة كتابته التي جعلت من النهر شخصيةً روائية بامتياز وهو ما تجلّى في «مغامرات هكلبري فين» و«توم سوير». ثم يتتبع الكتاب رحلة الشاب الفقير الذي جرّب مهناً عدة قبل أن يستقر على الكتابة؛ من الطباعة، إلى ربانة السفن النهرية، إلى التنقيب عن الذهب في مدينة نيفادا. كما يقف طويلاً أمام سؤال الهوية الذي شغل توين طوال حياته، وكيف تحوّل الصبيُّ الفقير صامويل كليمنس إلى أيقونة عالمية باسم مستعار؟ وهنا يكشف الكتاب عن أن اختيار اسم «مارك توين» لم يكن مجرد نزوة أدبية، بل كان فعلاً تأسيسياً، إذ استعار المصطلح من لغة الملاحة النهرية. وفي ذلك الاختيار رمزيةٌ عميقة، كأن توين أراد أن يقول إنه يسبر دائماً الأعماق الكافية كي لا يجنح قارب القارئ على الصخور. وقد استعان تشيرنو بعشرات الرسائل والمقابلات النادرة ليُثبت أن توين كان أول «مشهور» بالمفهوم الحديث للكلمة، حيث نجح في إدارة صورته العامة بالدقة نفسها التي يدير بها قلمه، فكان يعتني ببدلاته البيضاء الصارخة، وتسريحة شعره المميزة، كما كان يحرص على نوع سيجاره ونبرة صوته وطريقة دخوله إلى القاعة، وكان يُراجع ما تكتبه الصحف عنه ويتدخل في صياغة صورته أمام الجمهور بأسلوب لا يختلف كثيراً عما يفعله نجوم القرن الحادي والعشرين على منصات التواصل الاجتماعي.

من أبرز ما تكشف عنه هذه الوثائق الجديدة حجمُ مشاغل توين المالية وهوسه الدائم بالثروة، وهو ما يخصص له تشيرنو مساحةً واسعة. فقد أنفق توين مبالغ ضخمة على استثمارات فاشلة، كان أسوأها المبالغ الطائلة التي ضخّها في آلة «بايج» للطباعة التي أفلست شركته وأجبرته عام 1894 على مغادرة بيته في هارتفورد والشروع في تنظيم جولات ومحاضرات مضنية حول العالم لجمع المال وسداد ديونه. وقد كشفت رسائله في تلك المرحلة عن قلقٍ عميق وإحساس بالإخفاق لم يَبُح به في العلن، قبل أن ينجح في النهاية في تسوية جميع ديونه دون أن يُعلن إفلاسه الرسمي، وهو ما أضفى عليه احترام معاصريه.

يُفرد تشيرنو مساحةً واسعة لتطور موقف توين من قضية العرق والعبودية، وهي الخيط الأعمق الذي ينسج الكتاب حوله. والمعروف أن توين كان قد وُلد في منطقة تُجيز العبودية، ونشأ في بيئة رأى فيها الرقيق حقيقةً يومية مألوفة لا تُثير استنكاراً. بل إن أقاربه امتلكوا العبيد، غير أن توين شهد تحولاً عميقاً وتدريجياً في نظرته إلى هذه المسألة حتى أصبح من أشدّ الأصوات المدافعة عن المساواة والكرامة الإنسانية في زمنه. وقد ترجم ذلك في كتاباته الأدبية، أبرزها «مغامرات هكلبري فين» الشهيرة، حيث وضع توين على فم طفلٍ أبيض هارب من مجتمعه الفاسد قصيدةً إنسانية عن الصداقة مع «جيم»، الرجل الأسود الفار من العبودية. يحلل تشيرنو بدقةٍ نادرة كيف استطاع توين أن يستخدم السخرية اللاذعة سلاحاً أدبياً للكشف عن تناقضات المجتمع الأميركي، وكيف كان الضحك في كتاباته في أحيان كثيرة وسيلةً للإدانة لا للتسلية. وكان تشيرنو قد كشف عن أن عائدات هذا الكتاب قد أسهمت في التكفل بالمصاريف الدراسية لأحد الطلاب السود في كلية الحقوق، وهو ما عده الكاتب شاهداً ملموساً على عمق هذا التحول.

وعلى صعيد حياته الشخصية، تكشف هذه المذكرات الجديدة عن رجلٍ عاش سلسلة من الأحداث المأساوية، حيث فقد توين زوجته أوليفيا التي كانت حب حياته ومحرّرته الأولى وشريكته على مدى أربعة عقود. كانت «ليفي» تقرأ مخطوطاته قبل النشر وتُشير إلى ما قد يُثير إشكالاً، وكان توين في الغالب يأبه لرأيها حتى وإن تذمّر ظاهرياً. وقد تسببت وفاتها عام 1904، في إشعال نيران حزنٍ لم تنطفئ حتى رحيله. كما فقد ابنه لانغدون في طفولته المبكرة، ثم رحلت ابنته سوزي بداء التهاب السحايا عام 1896، ثم ودّع ابنته جين قبل أشهرٍ قليلة من وفاته في 1910، لتمثّل تلك الوفاة الأخيرة ضربةً قاضيةً أسدلت على أيامه الأخيرة ظلاماً من اليأس والتشاؤم. وقد وصف توين ذاته في تلك المرحلة بأنه «يعيش في مخزن المصانع» حيث كل شيءٍ عتيق وبارد ومحاط بأشباح من يحبهم. وقد انعكس هذا الحزن المتراكم على انتمائه الغريب إلى ما عُرف بـ«نادي السمكة الملاك»، وهو ذلك النادي الذي أسّسه في سنواته الأخيرة من فريق من الفتيات الصغيرات اللواتي كان يتبادل معهن الرسائل ويُسمّيهن حفيداته الروحيات، وهو ما يُحلّله تشيرنو برؤيةٍ نفسية حصيفة في محاولةٍ يائسة من توين لاستعادة طفولةٍ ضائعة وبراءة انقضى عهدها.

ويخصص تشيرنو فصلاً دقيقاً مؤلماً لعلاقة توين بالدين، ذلك الجانب الذي يظل مثار جدل حتى بين معجبيه. فبينما احتفظ توين بظاهرٍ ديني مقبول اجتماعياً، كانت دفاتره السّرية تُخفي نقداً جذرياً ومرّاً للكنيسة بوصفها مؤسسةً للسلطة والنفاق أكثر مما هي بيتٌ للروح. بل إن بعض كتاباته التي أوصى بعدم نشرها إلا بعد وفاته، كـ«ما الإنسان؟» و«الغريب الغامض»، التي تحمل انتقاداً صريحاً للمؤسسة الدينية والطبيعة البشرية، كشفت عن شخصيةٍ تحوّلت من الشك إلى اليأس الوجودي الصريح، مُتسائلةً بحدّة عن قيمة الحياة ومعنى الإنسانية في كونٍ يبدو لامبالياً. وهو ما يُشير إلى أن توين الذي عرفه الناس كاتباً ساخراً مرحاً يملأ القاعات ضحكاً لم يكن سوى قناع لشخصية أشمل وأكثر تعقيداً.

ولا يُفوّت الكتاب مواقف توين السياسية التي تحتل حيّزاً من الوثائق غير المنشورة، وفي مقدمتها معارضته الصريحة للسياسة الأميركية في الفلبين وكوبا في مطلع القرن العشرين، إذ كان من أبرز وجوه الرابطة المناهضة للإمبريالية، يكتب المقالات ويُلقي المحاضرات محتجّاً على ما عدّه تناقضاً صارخاً بين قيم الحرية التي تتشدق بها الولايات المتحدة وسياساتها الخارجية. وقد عرّضته هذه المواقف لانتقاداتٍ حادة في حياته، لكنه لم يتراجع عنها.

استُقبل هذا الكتاب في الأوساط الأكاديمية والصحافية الأميركية استقبالاً إيجابياً واسعاً، وعدّه كثيرٌ من النقاد إضافةً نوعية إلى أدبيات السيرة في الأدب الأميركي، نظراً إلى ما يقدمه من معطيات جديدة تستند إلى مصادر أولية لم تُستثمر من قبل. وقد علّق بعض النقاد على أن تشيرنو، المعروف بسيره الذاتية الكبرى لأمثال ألكسندر هاميلتون وجورج واشنطن وأوليسيس غرانت، قد وجد في توين شخصيةً تُنافس هؤلاء العظماء في التعقيد والإثارة، وإن كانت تختلف عنهم في كونها أكثر شجناً وأغنى دلالةً إنسانية، ويأتي هذا الكتاب ليؤكد مرة أخرى أن مارك توين، بعد مئة وخمسة عشر عاماً على رحيله، لا يزال يحمل ما يكفي من المفاجآت.


«أغالب مجرى النهر»... فضح مستنقع الواقع روائياً

«أغالب مجرى النهر»... فضح مستنقع الواقع روائياً
TT

«أغالب مجرى النهر»... فضح مستنقع الواقع روائياً

«أغالب مجرى النهر»... فضح مستنقع الواقع روائياً

تأخذ رواية «أغالب مجرى النهر»، للروائي الجزائري «سعيد خطيبي»، شكلاً بوليسياً عبر البدء بواقعة قتل، وتحقيقات مع امرأة متهمة بقتل زوجها، الذي مات مسموماً وانقلبت به سيارته، ويستمر هذا الطابع البوليسي التحقيقي، والرغبة في الكشف عن الجاني الحقيقي مستمراً، منذ بدء الرواية حتى منتهاها، ليربط القارئ معه في معرفة سير التحقيقات، وما ستسفر عنه، ومعرفة دوافعه في القتل. لكن هذا كله مجرد إطار خارجي للأحداث، وطبقة أولى من طبقات السرد، فثمة قدر كبير من الكشف والتعرية الاجتماعية والسياسية والثقافية، تكمن تحت هذا النمط البوليسي، بما يجعل الرواية ليست رواية تحقيق في حادثة قتل فرد، لكنها تحقيق في تاريخ المجتمع الجزائري، في تحولاته السياسية والاجتماعية، تحقيق روائي عن النظرة الدونية للمجتمع تجاه المرأة، وضحايا حرب التحرير، الذين جرى وصمهم بأنهم «حركية»، أي عملاء للاستعمار، وتحقيق في المد الإسلامي المتشدد، الذي غزا المجتمع في فترة من الفترات.

هذه رواية تحقق وتبحث وتفكك، لتكشف المطمور تحت طبقات كثيفة من الصمت، وتقدم المسكوت عنه، والمتواري عن عين السائح الزائر.

الرواية صدرت عن دار نوفل في بيروت، وتنافس ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر للرواية العربية، متخذة من عام 1990 نقطة انطلاق زمنية للأحداث، فالفضاء الزمني للحدث المركزي لا يتجاوز عدة أشهر من ذلك العام، هي الفترة التي شهدت حادثة القتل، وما تبعها من تحقيقات للكشف عن قاتل «مخلوف»، الطبيب الشرعي، واتهام زوجته «عقيلة»، طبيبة العيون، بارتكاب الجريمة، ثم انتقال الشبهات إلى والدها «عزوز»، المناضل السابق في حرب التحرير، وإلى شقيقها «ميلود» الذي كان يعمل ممرضاً ومساعداً لها في عيادتها. أما الفضاء المكاني، فمعظم الأحداث تقريباً تدور في مدينة «بو سعادة»، مدينة صغيرة تقبع بعيداً عن العاصمة، وعلى التخوم بين المجتمع الريفي والمديني، فلا هي مجتمع ريفي بشكل كامل، ولا أصبحت مجتمعاً مدينياً أيضاً، بل ربما دمجت بين سلبيات هذين النمطين.

رغم هذا الحيز الزمني المحدود للحدث الرئيس، فإن الرواية تتوسع زمنياً عبر الاسترجاع، فنرجع تاريخياً إلى بدايات القرن العشرين تحديداً، مع مولد الأب عزوز في قرية فقيرة ونائية أصابها الجدب، فاضطر للارتحال منها، وترك بيئته الطبيعية الأولى، والانتقال إلى المدينة، حيث بداية المأساة، أو المآسي المتتالية، له ولأبنائه وأحفاده، كأن هذا الانتقال كان عتبة تحول رئيسة، من هدوء القرية وطمأنينة الطفل بين أبوية، ونمط الإنتاج البسيط، حين كان يتعيش على حلب العنزات في الحقل، ثم جاء الانتقال إلى مجتمع معقد، مفعم بالسياسة والحروب، مجتمع خرب ومخوخ من الداخل، استدرجه إلى كثير من السقطات، وصولاً إلى مشاركته في حرب التحرير، ثم تنصل رفقاء الكفاح له، ووصمه بالخيانة، لمجرد أنه اختلف معهم في الرأي، ورفض تفجير مقهى يديره شقيقه!

«أغالب مجرى النهر»، جملة جاءت على لسان الأب «عزوز»، في لحظة رثاء لحاله ومآلاته هو وأسرته، لكنها صالحة لوصف خطاب الرواية كلها، خطابها التقني مع الزمن، إذ تسير الأحداث عكس مجرى التاريخ، فلا تأتي من البداية للنهاية، بل من لحظة متقدمة في الزمن، ثم تعود بالأحداث للخلف، وصولاً إلى الوقوف طويلاً عند حرب التحرير، وكذا مشاركة الأب عنوة في الحرب العالمية الثانية على الجبهة الإيطالية، بغية تقصي الجذور الكامنة وراء الأحداث والشخصيات، والحفر في المسكوت عنه اجتماعياً وثقافياً، وهذا معنى آخر من معاني مغالبة مجرى النهر، أو السير عكس التيار الجارف، فثمة دائماً خطاب متسيِّد ومهيمن، وخطابات مهمشة ومهملة. هنا، المؤلف الضمني يبرز هذه الخطابات الأخيرة، ومنها خطاب «الحركية»، الخونة عملاء الاستعمار، الذين جرى وصمهم معنوياً وحتى جسدياً، عبر كي ظهورهم بالنار، لتظل الوصمة ملتصقة بهم، وعالقة في ظهورهم حتى لحظة دخول كل منهم قبره، فإن استطاعوا إخفاءها في حياتهم، فإن لحظة تغسيلهم بعد الموت ستفضحهم، ويتم التشهير بهم أمواتاً، ودفنهم في قبور منفصلة، وفضح أسرهم من بعدهم بوصفهم عائلات «الحركية» الخونة، بما يكشف عن نزوع فاشي باسم التحرير، الذي يتحوَّل إلى خطاب إقصائي لزملائهم في الكفاح، لمجرد اختلاف في الرأي هنا أو هناك، فمعظم هؤلاء «الحركية» لم يكونوا خونة، بل مناضلين اختلفوا مع قادتهم أحياناً، فجرى وصمهم للأبد، أحياءً وأمواتاً.

هناك وجه آخر لدلالات مغالبة النهر، ومنها فضح الصمت والتواطؤ الاجتماعي على النظرة الدونية للمرأة، حتى لو كانت طبيبة، فهذا لا يمنع زوجها من ضربها ولطمها، على مرأى ومسمع من أبيها وشقيقها، فهو الحاكم والآمر الناهي لها، فقد أصبحت تحت ولايته تماماً، ومن حقه أن يفعل بها ما يشاء، تحت غطاء من أفكار بالية في العادات والتقاليد والموروثات الاجتماعية، أو تحت غطاء التشدُّد الديني، الذي تمدَّد في الثقافة المحلية للمدينة، ورفع راية الفاشية الجديدة، فاشية باسم الدين، تروع وتقتل وتخرّب، ولا رادع لها. في حين أن المجتمع المحلي - رغم المحافظة الظاهرة على السطح - غارق في مستنقع من الفساد، المالي والسياسي والأخلاقي، فكبار المدينة منشغلون بانتخابات صورية للبلدية، للحصول على مكاسب من وراء المناصب، وحتى التصويت فاسد لأن الرجل يصوت مرتين، مرة باسمه وأخرى باسم زوجته، حتى الجمعيات المعنية بالأيتام يشوبها فساد مالي وأخلاقي.

تنبني الرواية على تقنية تعدد الرواة، ومن ثم تعدد الأصوات. فقد انقسمت إلى قسمين رئيسين، يتمحوران حول البنت (عقيلة) وأبيها (عزوز). الفصل الأول بعنوان «البنت»، يتكون من 16 فصلاً سردياً، كل فصل منها يبدأ بسرد الطبيبة لحكايتها، ومخاوفها، وانطباعاتها وشكوكها، بصوتها ورؤيتها هي، وفي نهاية الفصل يتسلم الراوي العليم زمام الحكي، ليسرد لنا ما دار بين الطبيبة والمحقق (جمال درقين) من أسئلة وإجابات. هذه الآلية نفسها اتبعها الكاتب في القسم الثاني، والذي حمل عنوان «الأب»، ويتكون من عدد مماثل تقريباً من الفصول السردية، لكنها مرقمة بالحروف الأبجدية بدلاً من الأرقام، وكل فصل منها يبدأ أيضاً بحكاية الأب الذي يستدعي ذكرياته منذ الطفولة، وأثناء حرب التحرير، وكذبه على أولاده وكيف أخفى عنهم أنه «حركي»، وكذا ذكرياته عن الحرب العالمية، وعلاقاته بزملائه «الحركية»، وخطاياه الاجتماعية بإنجابه ابناً غير شرعي، وعدم اعترافه به. وينتهي كل فصل بسرد الراوي العليم لسير التحقيقات واستجواب المحقق للأب. وفي أثناء القسم الثاني، تأتي أحياناً حكايات (ميلود) شقيق (عقيلة) وابن (عزوز)، يرويها بصوتها، متخللة حكايات الأب، ومطبوعة بفونت طباعي مختلف، لندخل داخل هذه الشخصية التي لم تسلم من الخطايا، فقد أنجب هو الآخر ابنة غير شرعية.

الرواية في مجملها إبحار ضد التيار الاجتماعي والثقافي والسياسي، ولا يهم في النهاية معرفة من الذي قتل (مخلوف)، فعندما تنتهي الرواية يكون آخر هموم القارئ معرفة القاتل، بعد أن غرق في هذه الدوامة من الفضح التاريخي والاجتماعي والسياسي، فالجميع قتلة، بشكل رمزي، حتى القتيل نفسه كان قاتلاً لكثير من المبادئ، ولشرف مهنته، الجميع موصوم ومدان، ليست وصمة في الظهر كوصمة «الحركية»، لكنها وصمة أخلاقية للجميع، فالإبحار عكس مجرى النهر كشف أنه ليس نهراً، وليس عذباً، بل مستنقع بالغ العفونة، وقد كشف عنه الروائي الغطاء بكثير من الحنكة والمهارة السردية، عبر لعبة «من القاتل؟»، لكنه استدرج القارئ إلى ديستوبيا تاريخية لمدينة نائمة على قدر هائل من التوحش، الملتحف مرة بالنضال الوطني، ومرة باسم الدين.


كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين
TT

كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين

في الأدب تحدث لحظات فريدة تغيّر الكتاب والمثقفين من حال إلى حال آخر. ومن الممكن وصف تلك اللحظة بأنها انفجار داخلي عظيم يغيّر الذات كلياً حتى الانفعالات تتغير هي الأخرى لتنسجم مع التغير الحاصل. حدث هذا الأمر عند طه حسين حين تحول إلى مثقف ديكارتي في فترة مبكرة جداً من حياته. ولن أبالغ لو قلت إن هذا التحول الدرامي في حياة عميد الأدب وفكره كان مهماً جداً ويشبه ثورة ذوقية وفكرية كبرى لو قُدر لها النجاح.

بكل تأكيد لم يتوقع أحد أن الشاب الأزهري الحاصل على إجازة الدكتوراه في الأدب من الأزهر الذي غادر للدراسة في فرنسا عام 1914سيعود شخصاً آخر بكل معنى الكلمة. بعبارة أدق، سافر طه حسين أزهرياً وعاد لمصر ديكارتياً. الشاب الأزهري عاد شخصاً آخر، وعياً وموقفاً. ويمكن القول إن تأثير ديكارت في طه حسين لا يقل عن تأثير أبي العلاء المعري فيه. فهذان العملاقان صنعا من طه حسين مثقفاً ثائراً شاكاً يفكر دوماً في البحث عن إثارة الأسئلة والشك الذي لا يكاد يطفئه يقين.

ديكارت

لنضف إلى الصورة حدثاً آخر هو: اختيار طه حسين أن يعلن أنه ديكارتي في أروقة الجامعة المصرية التي كان يدرس بها. هل يتخيل أحد هذا الأمر. داخل الجامعة، حيث يتعلم الطلبة منهج البحث العلمي، ويدرسون نماذج من الشعر العربي والموروث المبجل، يقوم طه حسين بإلقاء محاضرات يكشف فيها أنه ديكارتي المنهج، ثم يحاول من خلال محاضراته أن يشك في الغالبية العظمى من الشعر الجاهلي لأنه «شعر موضوع ومنتحل في العصرين الأموي والعباسي». ويذكر بعض ناقدي طه حسين أنه شك في بعض القضايا الدينية في محاضراته تلك والتي نشرها في عام 1926 بعنوان «في الشعر الجاهلي». وكما هو معروف، أثار الكتاب ضجة كبيرة في مصر عرضت مؤلفه إلى المساءلة والتهديد بالقتل. سُحب الكتاب من الأسواق، وأُعيد طبعه بعنوان آخر هو «في الأدب الجاهلي» بعد رفع أربعة فصول منه. هذا يعني أن الكتاب نظف من أثر الشك - عدا لمسة تتعلق بالشعر الجاهلي - كي تتقبله أذواق المؤسسة الرسمية وبعض المحافظين الحالمين بعالم ساكن مألوف يبتعد عن منغصات تؤرق الذوق العام الراكد.

كيف إذن يمكننا تأويل شك طه حسين أو كيف نفهم محاولته الفكرية التي صرح بها أمام طلبته وحراس التقليد جميعاً يوم قرر أن يبدي وجهة نظر مختلفة ومغايرة لما هو سائد؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه. أدرك طه حسين بحدسه العميق سر قوة الشك في أن تتحول إلى عمل منهجي يقلب الأسس التي شيدها يقين طويل من التكرار. بهذا المعنى سيكون الشك أداة لا تقل أهمية عن يقين نسلم به. الشك هو وقفة مهمة لفهم ما يجري. وإذا كان اليقين يمنح العقل هدوءاً مريحاً ثم ترتبط الانفعالات بهدوء العقل فإن الشك يقلب كل شيء ويغيره. وهذا ما حدث عند نشر كتاب «الشعر الجاهلي». ولعل هياج الغاضبين وانزعاجهم يدل على أن العقل قد تعرض لصدمة ورجّة كبيرة حين أحس بأنه سيفقد منظومته المتكونة من تكرار معرفي لمعلومات جعلت العقل يهدأ ومنحت الانفعال طاقة محدودة يحس بها من يقرأ قصيدة لشاعر جاهلي.

تمثال المعري للنحات عاصم باشا

فكّك الشك المنهجي عملية عقلية كاملة لو قدر لها النجاح لغيرت تعاملنا مع الموروث بأكمله. على هذا الأساس لم تكن قضية كتاب الشعر الجاهلي مجرد جرأة نقدية لنسف الشعر الجاهلي بأكمله تقريباً وإنما كانت لحظة فارقة هددت هدوء العقل وهويته التي تكونت عبر سنوات وسنوات. فجأة أحس المتزمتون وممن يعشقون الموروث دون فحص أنهم تعرضوا لحالة اعتداء عقلي قام بها أستاذ من لحمهم ودمهم. الاعتداء العقلي هو تعريض بعض الثوابت للشك. لا يعني الشك هنا سخرية من الآخر بل يعني طرح أسئلة من الصعب تقبلها أو مناقشتها. هذا ما صنعه كتاب «في الشعر الجاهلي». لكن أهم ما يمكن أن نؤكد عليه بعد كل هذه العقود هو لحظة التحول المعرفي التي غيرت وجهة نظر عميد الأدب العربي. كيف حدثت؟ وفي أي لحظة؟ وما الإحساس الذي اعتراه حينها؟ هل أحس بنشوة عميقة حررته من ثقل معرفته التقليدية؟ هل أشعرته لحظة التغيير بأنه أدرك بوضوح معنى أن يكون خارج هويته التي يشترك بها مع الآخرين؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه

من المؤسف إذ لم ينتبه أحد إلى حقيقة وجوهر تجربة عميد الأدب العربي مع ديكارت. كما أن هذا الرجل الضرير عاش واتُّهم وهوجم وهُدد. وهناك في سيرته التي كتبتها زوجته إشارات كثيرة لقلقه ويأسه وانفعاله. وما فات الجميع ولم ينتبهوا له هو كيف جمع طه حسين رؤيتين متناقضتين كل التناقض أثرتا فيه تأثيراً كبيراً، أعني حبه وتأثره بالمعري وتمسكه بمنهج الفيلسوف الفرنسي ديكارت في الوقت نفسه. المعري متشائم ويائس وغاضب من كل شيء وديكارت عقلاني يبحث عن يقين ثابت لا يمكن إنكاره. كيف عاش عميد الأدب مع هاتين الرؤيتين حتى موته. هذا الجانب الإنساني الخاص به لم يخضع للدراسة ولم يفسر جيداً. أتساءل هل كان لطه حسين حساباته الذكية لأنه لم يكتفِ بحل المعري حين اعتزل الناس أو أن يتحول إلى مجرد أستاذ أكاديمي يتقاعد وينسى؟

الأهم من هذا السؤال هو: كيف استطاع عميد الأدب أن يخفي تأثره الكبير بالمعري حتى إن القارئ لا يشعر إلا بمثقف عقلاني يبحث عن الحقيقة قبل كل شيء؟