تستعد إدارة إبراهيم رئيسي للعودة إلى طاولة المفاوضات النووية، دون التفكير في تقديم تنازلات تسمح للإدارة الأميركية بإطالة أمد الاتفاق أو تعزيزه باتفاق أوسع يعالج ملفي الباليستي والتدخلات الإقليمية.
وقال النائب عن مدينة طهران، إسماعيل كوثري، أمس، إن الحكومة الجديدة «ستواصل المفاوضات»، لكنه أكد أن «القضية هي أننا لن نقدم أي فدية (تنازل)»، مشيراً إلى أنه «إذا كانت الأسلحة النووية سيئة، فيجب أن تكون سيئة لجميع البلدان، بما فيها الولايات المتحدة».
وتابع كوثري، وهو من أبرز وجوه «الحرس الثوري» بين المشرعين: «يقولون: لا تحصلوا على هذه التكنولوجيا؛ يقولون: أوقفوا النفوذ في المنطقة، ولا تملكوا صواريخ (...) إذا كان من المقرر ألا نملك الصواريخ، فيجب عدم امتلاكهم لها أيضاً»، موضحاً في تصريح لموقع «عصر إيران» الحكومي أن «عدم مواصلة المفاوضات ليس مطروحاً»، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن «المفاوضات ستجري، لكن إن أرادوا التعامل بعدم إنصاف فلن نقبل».
ويعكف البرلمان الإيراني على مناقشة التشكيلة المقترحة من الرئيس الجديد إبراهيم رئيسي، ومن ضمنهم الدبلوماسي المحسوب على «فيلق القدس»، أمير حسين عبد اللهيان، المرشح لوزارة الخارجية.
وقبل أن يعلن رئيسي تشكيلة الحكومة بخمسة أيام، أجرى عبد اللهيان مشـاورات نووية امتدت لساعتين مع منسق الاتحاد الأوروبي إنريكي مورا، على هامش حضوره في مراسم تنصيب الرئيس الإيراني. وفي يوم اللقاء، كتب عبد اللهيان، في تغريدة، أن «التفاوض مع أميركا لم يكن محرماً قط، لكن المشكلة في سلوك المتغطرس، وعدم وفاء الأميركان». وأشار إلى أن «التوقيت والقوة ركيزتان في أي مفاوضات دبلوماسية». وأرفق صورة في التغريدة من 3 جولات تفاوضية جرت بين 2006 و2007 في بغداد بين السفير الأميركي رايان كروكر والسفير الإيراني الأسبق حسن كاظمي قمي، وتمحورت حول الدعم الإيراني للميليشيات، وحضرها عبد اللهيان حينذاك بصفته مسؤولاً عن الملف العراقي في الخارجية.
وفي اليوم نفسه، تلقى الرئيس الجديد اتصالاً هاتفياً من وزير الخارجية البريطاني دومنيك راب، حذر فيه رئيسي من العزلة الدولية، إذا ما أخفقت طهران في بناء جسور الثقة مع الشركاء الدوليين.
وتواجه مفاوضات فيينا التي بدأت مطلع أبريل (نيسان) الماضي، واستمرت لست جولات، قبل أن تتوقف في 20 يونيو (حزيران) الماضي، احتمال الانهيار بسبب الخلاف بين طهران وواشنطن على إطالة أمد الاتفاق، والدخول في مفاوضات أوسع تعالج مخاوف المجتمع الدولي من البرنامج الباليستي وتوسع إيران في الأنشطة الإقليمية.
وأعرب رئيسي في مراسم التنصيب عن انفتاحه على أي «خطة دبلوماسية» لحل رفع العقوبات الأميركية عن إيران، وتعهد بأن يكون نهج إدارته في السياسة الخارجية قائماً على «التعامل الذكي مع العالم». وفور انتهاء رئيسي، حضت الخارجية الأميركية إيران على العودة إلى المفاوضات قريباً، وقالت إنه «إذا كان الرئيس رئيسي صادقاً في عزمه على التوصل إلى رفع العقوبات، فإن هذا هو تماماً المطروح على الطاولة في فيينا»، وحذرت من أن عرض رفع العقوبات مقابل التزام طهران مجدداً بنصوص الاتفاق لن يدوم «إلى ما لا نهاية».
والأربعاء الماضي، حث وزير الخارجية الألماني هايكو ماس إيران على العودة إلى مفاوضات فيينا الرامية لإحياء الاتفاق النووي في أسرع وقت ممكن، وقال للصحافيين في برلين: «إذا كنا لا نرغب في المجازفة بما حققناه حتى الآن في فيينا، فلا يمكننا تمديد المفاوضات إلى الأبد»، وأضاف: «نتوقع أن تعود إيران إلى طاولة التفاوض في فيينا في أقرب وقت ممكن، وأن تفعل ذلك بالمرونة والاستعداد اللازمين للتوافق من أجل إبرام اتفاق»، حسب «رويترز».
وحذر كوثري من أن المطالب التي تواجه بلاده «غير منطقية»، وقال: «لن نركع لأي كلام غير منطقي؛ يريدون الغطرسة، والإصرار على قضايا لا جدوى منها»، وأضاف: «يقولون: يجب ألا تملكوا هذه التكنولوجيا، ونقول: إنكم تحددون هذه القضايا لأنفسكم؛ من حقنا أن نستخدم هذه التكنولوجيا والقضايا الأخرى».
تشكيك في قدرة عبد اللهيان
ويتوقع أن يمنح البرلمان الإيراني الثقة بالأغلبية لعبد اللهيان الذي استعرض، مساء السبت، أمام لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية واللجنة الاقتصادية برنامجه لإدارة الجهاز الدبلوماسي والعلاقات الخارجية في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية.
وقال عضو لجنة الأمن القومي النائب جليل رحيمي جهان آبادي لوكالة «إيسنا» الحكومية إن الاجتماع «شدد على تحسين العلاقات مع الجيران». وأكد المتحدث باسم اللجنة الاقتصادية، غلام رضا محب، أن تسمية السفراء، ومفاوضات الاتفاق النووي، والعلاقات مع الدول الأوروبية، والمشاورات الاقتصادية، والتغيير الجذري في وزارة الخارجية، كانت ضمن محاور النقاش بين النواب وعبد اللهيان.
ويشكك خبير الشؤون الدولية فريدون مجلسي في قدرة عبد اللهيان على إدارة المفاوضات النووية على طريقة وزير الخارجية المنتهية ولايته محمد جواد ظريف. وقال في تعليق نشره موقع «خبر أونلاين»، المقرب من مكتب رئيس البرلمان السابق علي لاريجاني، الجمعة، إن عبد اللهيان «دبلوماسي ميداني؛ أي أنه جنرال، وفي الوقت نفسه دبلوماسي». وقلل من تأثيره على تحسين الوضع الإيراني مع الجيران، قائلاً إن «دول المنطقة ليس لها ميزة خاصة لنا في الوضع الحالي لأنه لا تربطنا علاقات مع أي منها لكي تفضلنا على الدول الكبرى».
وبدوره، يرى علي بيغدلي، خبير الشؤون الدولية، أنه على الرغم من معرفة عبد اللهيان بالعالم العربي، ودراسته للعلاقات الدولية، فإنه «لا يمكنه أن يكون عنصراً مقتدراً في المفاوضات النووية»، محذراً من أن تسمية رئيسي لفريق السياسة الخارجية على هذا المنوال «سيؤدي إلى الهزيمة في المفاوضات النووي لأن عبد اللهيان يفتقر للتجربة مع العالم الغربي، ولا يجيد اللغة الإنجليزية».
ومع ذلك، يلاحظ المحلل أن «قضية السياسة الخارجية، خاصة في مجال التعامل مع أميركا والغرب، ليس بيد الخارجية وحدها، وهناك أجهزة أخرى ترسم الخطوط وسياستها الأساسية» ونقل عن موقع خبر أونلاين قوله: «لقد كان لافتاً أن رئيسي يرغب في إحياء الاتفاق النووي، لكن اتفاق عام 2015 فقد فاعليته».
ويشير المحلل إلى 4 شروط غربية تواجه إيران لإحياء الاتفاق النووي، وهي: احترام حقوق الإنسان، وضبط برنامج الصواريخ الباليستية، وعدم التدخل في دول المنطقة، والكف عن دعم الجماعات الموالية لها في المنطقة. وقال: «بسببها، لم يتحقق الاتفاق، ومن المؤكد أنه لن يتم التوصل إلى أي نتيجة مع حضور عبد اللهيان، في ظل الموقف الحالي في طهران وواشنطن».
أما الناشط الإصلاحي، محمد علي أبطحي، المقرب من الرئيس الإصلاحي السابق، فقد ذكر خلال ندوة عبر «كلوب هاوس» أن «ربان السفينة الجديد يريد عملاً في السياسة الخارجية يعرف عبد اللهيان دائماً به»، مستنداً إلى قول ظريف إن «الحكومة لم تأت من أجل الدبلوماسية»، ومشيراً إلى أن عبد اللهيان يعرف السياسية من دون الآخرين في مجموعة «الميدان». وأضاف: «كان من المقرر أن يأتي من أجل الميدان، وإذا من المقرر أن تسفر المفاوضات عن شيء، فإن عبد اللهيان يجيد الدبلوماسية في خضم عمل الميدان».
وكان أبطحي يستند في تحليله إلى ثنائية «الميدان والدبلوماسية» التي أثارها تسجيل مسرب من وزير الخارجية الإيراني في أبريل (نيسان) الماضي، وسلط الضوء فيه على تقويض الدبلوماسية الإيرانية في المنطقة تحت تأثير الأولوية التي تقدمها المؤسسة الحاكمة للأنشطة الإقليمية.
ومن المتوقع أن يعطي عبد اللهيان دفعة لسياسة «التوجه إلى الشرق» التي ينادي بها كبار المستشارين المقربين من المرشد الإيراني في الشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي وكمال خرازي، إلى جانب «سياسة الاقتصاد المقاوم» التي تهدف إلى التعايش والالتفاف على العقوبات الدولية.
وكان أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي، علي شمخاني، قد أجرى مباحثات، الخميس الماضي، مع سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف، حول حصول بلاده على العضوية الكاملة لمنظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها الصين، مشدداً على «تذليل العقبات السياسية»، وأن تكتمل العضوية بعد الانتهاء من الإجراءات الفنية. ولم يصدر أي تعليق على ما قاله المسؤول الإيراني، من منظمة شنغهاي أو روسيا على حد سواء.
وأشارت صحيفة «جنوب الصين» الصباحية، في تقرير لها الجمعة، إلى أن الطلب الإيراني يصطدم بمعارضة من طاجيكستان وأوزبكستان. وقال محللون للصحيفة إن الصين قد لا ترغب في «زعزعة الوضع»، وإنها «لا تريد تعريض نفسها للعقوبات الأميركية». ومع ذلك، لم يستبعد المحللون أن توافق الصين على عضوية إيران نظراً لتوقيع اتفاقية تعاون شامل تمتد لـ25 عاماً في مارس (آذار) الماضي.
