فتحي بن معمر: المثقف العربي انفعالي ولم يشكل رؤية أو موقفاً واضحاً

الكاتب التونسي يقول إن روايته «أَزَزْلَفْ» استشرفت ما يحدث في بلاده حالياً

فتحي بن معمر
فتحي بن معمر
TT

فتحي بن معمر: المثقف العربي انفعالي ولم يشكل رؤية أو موقفاً واضحاً

فتحي بن معمر
فتحي بن معمر

الكاتب والأكاديمي التونسي فتحي بن معمر، مختص أساساً باللغة والآداب والحضارة العربية. وهو حاصل على الماجستير من جامعة الزيتونة والدكتوراه من الجامعة نفسها برسالة عنوانها «أصل فكرة الشر من خلال كتاب أخنوخ وتجلياتها في اليهودية والمسيحية والإسلام». وفي اللغة الأمازيغية، له «تَنْفُسْتْ نَلْمِيرَاز»، وهو كما يذكر لنا، أول كتاب حول اللغة الأمازيغية يكتبه أمازيغي تونسي. وتكمن أهمية العمل في أنه «قدم قواعد النحو والصرف الأمازيغيين كما تستعمل اللغة اليوم، بالإضافة إلى بعض الاستعمالات الخاصة والبيان والمجازات والاستعارات وغيرها». وقد أصدر أخيراً رواية «أززلف» التي يقول إنه استشرف فيها ما يحدث في تونس حالياً. هنا حوار معه حول تجربته الأدبية والأكاديمية:

> في روايتك الأخيرة «أززلف»، اخترت أن يكون العنوان مفردة من اللغة الأمازيغية، ما هي دلالة ذلك الاختيار، خصوصاً أن الكلمة تعني بالعربية «حَرقان»؟
- «أزَزْلَفْ» بحسب منطوق قرية «قلالة» الأمازيغية بجزيرة جربة تعني ذلك الحُرَاق أو الالتهاب الذي يشعر به الإنسان في المريء يعتلج ويلتهب كالنار في الصدر. وهو المعروف طبياً بـ«الارتداد المريئي». وهو ذو دلالة كبيرة على اعتبار أن الرواية ومن خلال مسيرة أبطالها وشخصياتها ومصائرهم يعيشون ظروفاً صعبة نتيجة الاستبداد السياسي قبل 2011، وينبعث فيهم الأمل في الخلاص مع ثورة الشعب، لكن هذه الثورة يحولها الساسة إلى مغنم، فلا يكسب منها بطل الرواية «البشير» وغيره غير الآلام والحسرة التي وجدنا لفظة «أَزَزْلَفْ» هي الأصدق تعبيراً عن تلك الحالة من الالتهاب والحسرة التي تجيش في الصدور. إن مآل ما صورته الرواية والأحداث الأخيرة تثبت ذلك. فلا شيء يناله التونسي سوى حراق والتهاب وحشرجة عبر عنها طيلة عشر سنوات بغضب بما أتيح له من حرية التعبير التي صارت مهددة. وقد لا يبقى للشعب التونسي إلا جيشان الصدر وحراق المريء والحسرة، ولا أجد أصدق تعبيراً عندي من لفظة «أزَزْلَفْ» عن ذلك. ونحن في هذا نقتفي أثر شيخ الروائيين التونسيين البشير خريف، الذي يعتبر الدارجة التونسية أصدق تعبيراً في بعض المواقف، عندما سئل عن سبب استعمالها. فالكاتب قد ينتقي من محيطه ما يكون أصدق تعبيراً في اللغة والمواقف والسلوكيات والأبطال.
> يغرق «البشير» بطل الرواية في مبارزات فكرية لا تنتهي حول هوية تونس، وخياراتها السياسية، لكن الأمر ينتهي به مهزوماً على المستوى الجسماني والنفسي، فهل هي رؤية متشائمة نحو المستقبل؟
- لم ينهزم «البشير» في تقديري، بل كان يفكر بصوت عالٍ كاشفاً هواجسه التي يشترك معه فيها الكثير من التونسيين حين يفكرون في مآلات الثورة التونسية. هو بمعنى ما بطل إشكالي يسأل ولا يجيب، وإنما يدفعك بذكاء للإجابة، أو على الأقل لعدم الاطمئنان والبقاء على حذر وتأهب. وعلى هذا ليست في الرواية رؤية تشاؤمية بل فيها رؤية استشرافية تحاول أن تنبه لما يمكن أن يحصل وقد حصل بعضه للأسف الشديد بسبب ما شهدته تونس من مناكفات سياسية قد يدفع التونسيون بسببها الثمن باهظاً.
> ما دور المثقف هنا؟
- المثقف في أوطاننا لم يستطع للأسف وإلى حد الآن أن يشكل وعياً جمعياً يحمل هموم الوطن بصدق، كما لم يستطع أن يكون مثقفاً عضوياً فاعلاً ضمن طبقة من «الإنتلجنسيا» التي تحمل مشروع تغيير وطني واضح المعالم ينبجس من رحم الوطن، ولا ينقل نقلاً مباشراً بطريقة الإلصاق لما ينتجه الآخرون، وما يبنونه من مشاريع فكرية وحضارية، أو رؤى اقتصادية تصلح حلولاً ناجعة لأوطان غير أوطاننا، ويختلف واقعها عن واقعنا. لذلك فقد ظل المثقف انفعالياً متحمساً لم يستطع ولن يستطيع أن يشكل موقفاً واضحاً أو رؤية من كل القوى المتربصة لقطف ثمرات الحراك الشعبي وإغراق الأوطان في فاشية جديدة باسم الدين أو بقوة المال والاقتصاد، أو بدعوى التفويض الشعبي أو الانتخاب على قاعدة الإمضاء على صك على بياض.
> في نهاية الرواية، تقول «ابتسام» للبطل بكل مرارة وشجن: قتلتك محن هذا الوطن، فهل كنت ترثي الحالمين بالتغيير على الطريقة الرومانسية؟
- لم يكن الأمر رثاء للحالمين بالتغيير السلمي، بل تأكيد على أن الأمر يحتاج إلى وعي كبير في واقع تشابكت فيه المصالح وتقاطعت فيه أطماع القوى الإقليمية والدولية. وهي أيضاً تأكيد على أن الوطني الحق هو ذاك، يحمل هم الوطن دائماً، ولذلك صدح الشابي يوماً مخاطباً تونس الجميلة التي نريدها جميعاً: «شرعتي حبك العميق وقد تذوقت مرّه وقراحه».
> تبدو تونس الآن في مفترق طرق فكرياً وسياسياً، كيف ترى المشهد العام بعين المثقف؟
- أعتقد جازماً أن لا حل اليوم لتونس ولغيرها من الأوطان التي تتخبط مثلها إلا القبول بالتنوع والاختلاف والسعي لتنزيل قيم المواطنة الفاعلة على الأرض، وليس بالاكتفاء والاحتفاء بها في المنابر والحوارات والخطابات السياسية. فالمشكل في تقديري ليس في التنوع، بل في كيفية إدارة هذا التنوع والاستفادة منه حضارياً وفكرياً واقتصادياً وسلوكياً. فعندما يصبح الولاء الأول للوطن ستختفي كل الاحتقانات رغم الاختلاف والتنوع، والدليل على ذلك أن مواطنينا المختلفين في هوياتهم ورؤاهم ومشاربهم الفكرية والآيديولوجية عندما يندمجون في مجتمعات تسودها قيم المواطنة الفاعلة والحقة لا يشكلون مشكلاً، ولا يحدثون فوضى ولا يعرقلون، بل يساهمون بشكل فاعل في بناء أوطان غير أوطانهم وازدهارها.
> أنت بالأساس ابن البحث العلمي والتأصيل الأكاديمي في اللغة والتاريخ، فما الذي دفعك لعالم الإبداع الأدبي وبشكل متأخراً نسبياً؟
- أنا ابن كلية الآداب بمنوبة. ومتحصل على الأستاذية منها في اختصاص اللغة والآداب والحضارة العربية. ثم حاصل على الماجستير من جامعة الزيتونة في اختصاص الحضارة أيضاً بعنوان «الوصايا العشر وتجلياتها في التوراة والإنجيل والقرآن»، والدكتوراه من الجامعة نفسها برسالة عنوانها «أصل فكرة الشر من خلال كتاب أخنوخ وتجلياتها في اليهودية والمسيحية والإسلام». غير أني لم ألج عالم الإبداع متأخراً، بل كنت أكتب من زمان، لكنى لم أنشر نصوصي، ثم إني قارئ نهم وأكتب كثيراً حول ما أقرأ من نصوص في الرواية والقصة والشعر. إنه الغرام كتابة وقراءة ببساطة.
> «تنفاس سق جربة» واحد من أشهر مؤلفاتك، وهو عبارة عن حكايات أمازيغية من «جربة»، ما الخصوصية التي تمثلها تلك المدينة التونسية سواء بالنسبة لك أو للمثقف التونسي عموماً؟
- الكتاب عبارة عن عشر حكايات بلغتين صفحة بصفحة، حيث نجد على اليمين النص الأمازيغي وفي الصفحة المقابلة النص المترجم إلى اللغة العربية مرفوقاً بملف صوتي بصوت المؤلف. وهو محاولة لحفظ تراث المنطقة لغة وحكايات وثقافة وحضارة. أما جربة فهي تلك الجزيرة الحالمة «جزيرة الأحلام والنسيان» منذ أن وطئها «أوليس» وذاق جنوده إحدى ثمارها فرفضوا المغادرة كما تقول الأسطورة. وهي بالنسبة إليّ الهوية والانتماء أولاً، وهي عمق حضاري وتنوع ثقافي وتعايش سلمي يجسد ما أحلم به من تعايش وتقدم وازدهار لتونس الحبيبة. وهي بالنسبة لكثير من التونسيين جزيرة جميلة رائعة يتميز أهلها بالجدية والأخلاق الرفيعة واحترام الآخر.
> «تَنْفُسْتْ نَلْمِيرَاز»، كتاب آخر أصدرته يتضمن مقدمة لدراسة اللغة الأمازيغية التونسية المعاصرة، هل تكفي اللغة كي تكون وعاء للهوية؟
- الكتاب أكبر مما ذكرت، لأنه أول كتاب حول اللغة الأمازيغية يكتبه أمازيغي تونسي ناطق وممارس إلى اليوم للغته الأمازيغية. وتكمن أهمية العمل في أنه قدم قواعد النحو والصرف الأمازيغيين كما تستعمل اللغة اليوم، بالإضافة إلى بعض الاستعمالات الخاصة والبيان والمجازات والاستعارات وغيره. ولأن اللغة لا تمثل بمفردها وعاء للهوية ولا للثقافة فقد كانت في الكتاب نماذج من الأشعار والأمثال الشعبية والحكايات. وقد والينا العمل عليها في محاضراتنا ومقالتنا لأننا نعتقد أن اللغة ليست مجرد محمل من المحامل، بل هي رؤية للكون والوجود والمحيط والحياة.
> كيف توفق كباحث ومثقف بين انتمائك الأمازيغي وفضاءاتك العربية، وهل ثمة صراع أو تناقض في الهوية؟
- لا أعتقد أنه ثمة تعارض بين الاثنين. أنا وقسم من أبناء جيلي نشأنا في قرية تتكلم الأمازيغية وتعيش بها ولها وتسعى للحفاظ عليها، ودرسنا في بيئة تحفل بالثقافة العربية الإسلامية فكنا منها وصارت منا. فحينما أدافع عن هويتي الأمازيغية لا أعتقد أني أناكف ثقافتي العربية أو أعتدي على إسلامي أو ديني، أو أني أحدث بلبلة وانشقاقاً كما يدعي البعض، بل أعتقد جازماً أني أثري المجال التونسي باستعادة لغة وثقافة وحضارة أصيلة كادت تندثر، أو أُريد لها ذلك بترويج حكاية «تونس صاحبة ثلاثة آلاف سنة حضارة»، فتونس أعمق من ذلك، واللوبيون وأبناء الحضارة القبصية موجودون في تونس منذ أكثر من عشرة آلاف سنة.
> أخيراً كيف ترى العلاقة بين مثقفي المغرب العربي ونظرائهم في المشرق العربي، وهل ثمة إحساس ما بالتهميش لديكم لصالح المشرقيين؟
- المثقفون في المغرب الكبير يتميزون بهذه الهويات التي تجعلهم مختلفين عن نظرائهم في المشرق، وإن لم يشعروا بذلك. ومنذ القديم كان هناك تمايز بين مدارس الغرب الإسلامي ومدارس مشرقه في الفقه واللغة والأدب والفلسفة وسائر العلوم. ولا أعتقد أن هناك تهميشاً، بل هناك تسابق للمعرفة منذ القديم وبعض الأسماء التي تبرز هنا أو هناك تجد حظوتها في العدوتين المشرقية والمغربية.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».