واشنطن ضد تغيير المعادلة في جنوب لبنان لإنقاذ مفاوضات فيينا

TT

واشنطن ضد تغيير المعادلة في جنوب لبنان لإنقاذ مفاوضات فيينا

تجاوز لبنان "اختبار النيات" بين إسرائيل و "حزب الله" من دون إحداث تعديل في قواعد الاشتباك السارية بين الطرفين منذ حرب تموز (يوليو) 2006، خصوصاً أن تبادل القصف، الذي تخلله قيام إسرائيل بشن غارات رداً على صواريخ الكاتيوشا المجهولة والمعلومة التي أُطلقت من المنطقة الواقعة على تخوم منطقة العمليات المشتركة للجيش اللبناني وقوات "يونيفيل" في جنوب الليطاني لتطبيق القرار 1701 والممتدة ما بين بلدتي الجرمق والعيشية، بقي محصوراً في المناطق الحرجية المفتوحة من دون أن يلحق أية أضرار واقتصر على اندلاع الحرائق.
فاختبار النيات- كما يقول مصدر دبلوماسي غربي لـ "الشرق الأوسط"- بقي تحت السيطرة ولم يؤدّ إلى اندلاع حرب مفتوحة، وأُريد منه من وجهة نظر "حزب الله" جس نبض الحكومة الإسرائيلية الجديدة بزعامة نفتالي بينيت في ضوء الحرب النفسية التي يقودها ضد الحزب سواء من خلال إعلانه الاستنفار العام في صفوف الجيش الإسرائيلي وقيامه من حين لآخر بمناورات عسكرية مصحوبة بغطاء من الطائرات المسيّرة والقنابل المضيئة.
لذلك أراد "حزب الله" أن يختبر بالنيران رئيس وزراء إسرائيل للتأكد مما إذا كانت لديه نيات لتعديل قواعد الاشتباك والعودة إلى القواعد التي حددتها إسرائيل قبل اندلاع حرب تموز للتأكد ما إذا كانت تهديداته جدية أم أنه يقوم بالتهويل على الحزب باستعراضه لحالات الاستنفار التي ينفذها الجيش الإسرائيلي على طول الحدود الدولية مع لبنان والتي تتخللها خروقات للأجواء اللبنانية براً وبحراً وجواً لقطع الطريق على مزايدات سلفه بنيامين نتنياهو الذي يتهم خلفه بوضع كل أوراقه السياسية والعسكرية في سلة الرئيس الأميركي جو بايدن.
وانتهى اختبار النيات بمبادرة تل أبيب و "حزب الله" -بحسب المصدر الدبلوماسي نفسه- إلى إيداع قيادة "يونيفيل" في مقرها في الناقورة رسالة سياسية من موقع الصراع العسكري الدائر بينهما تحت عنوان أن لا رغبة لديهما في إدخال تعديلات على قواعد الاشتباك، وهذا ما أراده الحزب وصولاً للإطاحة بها.
فالرسالة المزدوجة أُودعت في صندوق البريد الخاص بالقوات الدولية بعد أن نجحت الدبلوماسية الأميركية بالتعاون مع نظيرتها الفرنسية في تطويق رقعة تبادل القصف- كما يقول المصدر الدبلوماسي الغربي- وحصرها في مناطق مفتوحة لم تبدّل من واقع الحال العسكري على الأرض مع أن تل أبيب خرجت عن إطار ردها التقليدي على مصادر القصف وعمدت إلى توسيع رقعته.
وفي هذا السياق علمت "الشرق الأوسط" أن واشنطن وباريس سارعتا إلى التحرك باتجاه السلطة اللبنانية التي كانت على تواصل مع "حزب الله" من جهة وتل أبيب من جهة ثانية حرصاً منهما على عدم تحميل الوضع الداخلي حمولة زائدة تضاف الى اثقاله السياسية والأمنية والاقتصادية التي لا زالت تعيق تشكيل الحكومة، لأن أي فلتان في الجنوب سيؤدي إلى ارتفاع منسوب الانهيار فيما يعملان على وقفه.
ولفت المصدر نفسه إلى أن واشنطن وباريس تمكنتا من خلال الضغوط التي مورست في كل الاتجاهات من توفير شبكة أمان لاستمرار مشاورات التأليف بين رئيس الجمهورية ميشال عون والرئيس المكلف نجيب ميقاتي وإن كانت لا تزال تتراوح بين هبّة باردة وأخرى ساخنة استدعت ترحيلها إلى أن يحسم عون أمره ويعطي الأجوبة المطلوبة منه للانتقال من مرحلة توزيع الحقائب الوزارية على الطوائف إلى مرحلة تسمية الوزراء.
وكشف بأن عون أوفد مندوباً عنه للقاء قيادة "حزب الله" بالتلازم مع الدور الذي لعبته قيادة الجيش في استيعاب ردود الفعل على مصادرة راجمة الصواريخ التي استخدمها الحزب في قصفه لمناطق في مزارع شبعا المحتلة من قبل شبان من بلدة شويا في قضاء حاصبيا وما ترتّب عليها من ذيول وإن كان بعضها أعاد التذكير بموقفه من الحزب الذي يتصرف على أن قرار السلم والحرب يعود له من دون الرجوع إلى السلطة اللبنانية.
وإذ توقف أمام بعض ردود الفعل التي أدت إلى تظهير موقفها الرافض لسيطرة الحزب على قرار السلطة اللبنانية فيما لم يفِ عون بتعهّده في خطاب القسم بأن الاستراتيجية الدفاعية ستكون أول بند على جدول أعمال أول حكومة تشكّل في "عهده القوي"، لاحظ في المقابل أن رد فعله على ما يشهده الجنوب بقي تحت سقف إصدار التوجيهات بالاهتمام بأمور الذين اضطروا للنزوح في الجنوب ولم يطوّره كعادته إلى توفير غطاء للحزب.
ورأى أن عون أراد أن يبعث برسالة إلى المجتمع الدولي يبيّن فيها تمايزه عن الحزب لعله يتمكن من صرفه في تشكيل الحكومة وصولاً إلى تحسين شروطه في التركيبة الوزارية، إضافة إلى أن عون رغب في مراعاة المزاج الشعبي في الشارع المسيحي، وإلا لماذا لم يبادر إلى دعوة المجلس الأعلى للدفاع للانعقاد فوراً؟ وأكد المصدر الدبلوماسي بأن الحزب أراد من خلال رده المكشوف على الغارات التي شنتها الطائرات الإسرائيلية أن يُعلم تل أبيب بأن لبنان لن يكون ساحة مكشوفة لها تُغير على بلداته وقراه متى تشاء.
وبكلام آخر فإن الحزب- كما يقول المصدر- أراد أن يُعلم تل أبيب بأنه لن يسمح لها بتحويل لبنان إلى ساحة حرب مفتوحة وأن تستهدف بلداته وقراه أسوة بتعاملها مع النظام السوري وغزة وإن كانت القوى الموجودة فيها قد نجحت في التصدي لاعتداءاتها بعد أن حققت حداً أدنى من توازن الرعب.
لكن العامل الآخر الذي أعاد الوضع إلى ما كان عليه في الجنوب يعود- بحسب المصدر نفسه- إلى أن واشنطن مارست رزمة من الضغوط على حليفها رئيس وزراء إسرائيل كانت وراء تسليمه بعدم اللعب على الأقل في المدى المنظور بقواعد الاشتباك، وعزا السبب إلى أن الإدارة الأميركية ليست مع إحداث انقلاب في الوضع السائد حالياً في الجنوب قبل أن تعاود مفاوضات فيينا اجتماعاتها في أيلول (سبتمبر) المقبل إلا اذا تقرر تقديم موعد استئنافها كمدخل لاختبار مدى استعداد طهران مع تولي الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي صلاحياته الدستورية للتعاون لإنجاح المفاوضات النووية.
لذلك تقف واشنطن إلى جانب تجميد الوضع في الجنوب إلى ما بعد جلاء النتائج المرجوّة من المفاوضات النووية لأنها لا تريد توفير الذرائع لطهران للهروب من الاستحقاق المرجو من المفاوضات، إضافة إلى أنها لا تحبّذ انفلات الوضع في الجنوب بتغيير قواعد الاشتباك التي ستأخذ لبنان إلى الانفجار الشامل، فيما تدعم الجهود الفرنسية لمنع انهياره رغم أن المشهد العسكري الذي غطى الساحة الجنوبية لساعات لن يمر مرور الكرام وكأن شيئاً لم يحدث.
ويبقى السؤال كيف سيتصرف "حزب الله" في تطويق تداعيات ما ترتب على مصادرة شبان من بلدة شويا لراجمة الصواريخ التي استخدمها لقصف المناطق غير المأهولة؟ وإن كان كل ما حصل من قِبله أو من إسرائيل اقتصر على تبادل الرسائل بلا نتائج عسكرية ملموسة على الأرض، وبالتالي يخطئ الحزب إذا ارتأى أن يدير ظهره لهذه التداعيات التي امتدت إلى مناطق أخرى ويتصرف وكأن شيئاً لم يحدث ويتعامل مع المعترضين وصولاً إلى تصنيفهم على خانة الخصومة أو "العمالة" مكتفياً بحملات التأييد له التي اقتصرت على "أهل البيت" المنتمين إلى "محور الممانعة" بدلاً من أن يعطي الأولوية لإعادة لملمة الوضع لتبديد الاحتقان رغم الجهود التي بذلها الحزب "التقدمي الاشتراكي" سواء بتعاونه مع الحزب أو بتواصله مع قيادة الجيش التي نجحت في السيطرة على الممرات المتداخلة بين المعترضين وأنصار الحزب ممن قاموا بردود فعل استدعت ردوداً مضادة تمت السيطرة عليهاً.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.