مآلات اللعبة في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي

حسابات مصالح صينية وباكستانية... وتقارب بين واشنطن ونيودلهي

مآلات اللعبة في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي
TT

مآلات اللعبة في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي

مآلات اللعبة في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي

ثمة لعبة سياسية عنيفة توشك على النهاية في أفغانستان لتفتح الباب أمام «لعبة كبرى» جديدة بين عدد من اللاعبين الأجانب الذين ينقضّون على البلاد لتأمين مصالحهم. وفي خضم منافسة عسكرية عنيفة في أفغانستان التي يمزّقها الصراع المحتدم بين القوات الحكومية الأفغانية ومقاتلي «حركة طالبان»، وقع كثير من الأحداث الجيوسياسية والعسكرية أخيراً، أبرزها زيارة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن للهند، واستضافة الصين بحرارة وفداً من «طالبان» وتنفيذ القوات أميركية هجمات جوية ضد «طالبان».
من جانبه، ألقى الرئيس الأفغاني الدكتور أشرف غني أحمدزي، هذا الأسبوع، باللوم فيما يتعلق بالوضع الأمني المتدهور في أفغانستان على قرار واشنطن سحب قواتها «فجأة». وقال أشرف غني أمام البرلمان: «السبب وراء وضعنا الحالي القرار الذي جرى اتخاذه فجأة»، وأضاف أنه حذّر واشنطن من أن الانسحاب ستكون له «عواقب». لكنه، مع ذلك، استطرد قائلاً إن لدى الحكومة الأفغانية «خطة أمنية لوضع الأمور تحت السيطرة في غضون 6 أشهر». وأردف غني أن «طالبان» لن تتحرك نحو السلام إلا إذا جرى كبح جماح الوضع الأمني المتردّي.
خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، زار وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الهند. وقال إن الولايات المتحدة والهند «تنظران إلى الأوضاع بأفغانستان بالصورة ذاتها»، وحذّر «طالبان» من أن «أفغانستان (في حال سيطرة الحركة) التي لا تحترم حقوق شعبها، وترتكب مذابح بحق شعبها... ستصبح دولة منبوذة».
واضح، أن ثمة تلاقياً في الأهداف بين موقفي واشنطن ونيودلهي إزاء أفغانستان. وبينما ينسجم تحركا الجانبين للتعامل مع الحالة الأفغانية، تنطوي الرسالة التي اختار الجانبان توصيلها أهمية جليّة. فمن جانبه، تحدث إس جايشانكار، وزير الشؤون الخارجية الهندي، عن أفغانستان «حرة من التأثيرات المؤذية»، في إشارة ضمنية إلى باكستان الوثيقة المصالح بـ«طالبان»، حسبما ذكر الكاتب الصحافي سريموي تالوكدار. وفي المقابل، تواجه نيودلهي كثيراً من التحديات على جبهات عدة في إطار جهودها للحفاظ على وجودها داخل بلد لا يتشارك معها في حدود، لكنه يتسم بأهمية محورية لأمنها الوطني.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الدكتور عبد الله عبد الله، رئيس المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية في أفغانستان، زار بدوره الهند والتقى وزير الشؤون الخارجية جايشانكار. ووفق المصادر، أجرى عبد الله مشاوراته، بينما تسعى الحكومة الأفغانية للفوز بدعم نيودلهي لمساعيها لشن حملة ثأر واسعة النطاق ضد «طالبان». كذلك، التقى جايشانكار الرئيس الأفغاني أشرف غني في العاصمة الأوزبكية طشقند، وأكد له دعم الهند لحكومته في مساعيها لإرساء السلام والاستقرار والتنمية في أفغانستان. والتساؤل المحوري هنا، خاصة في أعقاب زيارة بلينكن للهند خلال الأسبوع الماضي، يتصل بما إذا كانت الهند راغبة في التورط بالفوضى الدموية التي تخلّفها أميركا وراء ظهرها في أفغانستان.
- سياسة هندية نشطة
يرى البعض أن الحكومة الهندية تسعى لاتباع سياسة أكثر نشاطاً وتفاعلاً. ويرى أنصار هذا التوجه أن الهند ستتعرض لخطر خسارة حضورها داخل أفغانستان الذي عكفت على بنائه على امتداد السنوات الـ20 الماضية ما لم تتحرك اليوم لتأكيده. والأسوأ، بالنسبة لنيودلهي، أن المؤسسة العسكرية الباكستانية ستسارع إلى استغلال غياب الهند، تماماً كما فعلت خلال الفترة ما بين الانسحاب السوفياتي عام 1989 والغزو الأميركي عام 2001. ولن تسمح للهند بمعاودة الدخول إلى أفغانستان من جديد. وفي هذا الصدد، أعرب وزير الخارجية الهندي السابق شيام ساران أنه «من دون المشاركة بقوات برية على الأرض في أفغانستان، على الهند الوقوف بكامل ثقلها خلف حكومة أشرف غني رغم عيوبها الكثيرة». وتابع قائلاً إن حالة «التأزم العسكري في أفغانستان، حتى اندلاع حرب أهلية طويلة الأمد، ربما يكون بالنسبة للهند نتيجة أفضل من سيطرة (طالبان) على البلاد. ومع أننا قد لا نتمكن من الإسهام في إنزال الهزيمة بـ(طالبان)، فقد نستطيع منعها من الانتصار، وأعتقد أن هذا سيكون الخيار الأكثر حصافة».
في المقابل، هناك فريق آخر داخل نيودلهي يدعو إلى التحلي بـ«الصبر الاستراتيجي»، ما يعني الانتظار، وعدم التورط فيما يجري في أفغانستان من مواجهات دموية. ويرى هذا الفريق أنه إذا كانت الحرب الأهلية نتيجة حتمية هناك، فلماذا تورط الهند نفسها فيها؟ ومن ثم، يعتقد هذا الفريق أنه رغم حذر الصينيين التقليدي، فمن المحتمل أن يتورطوا في أفغانستان، ليس فقط من أجل تعزيز نفوذهم عبر البنية التحتية المرتبطة بمبادرة «الحزام والطريق»، بل أيضاً مجاملة لباكستان. ويتجلى ذلك في الدعوة التي وجّهتها الصين إلى قيادات «طالبان» الأسبوع الماضي.
من ناحية أخرى، كان من المقرّر أن يزور قائد الجيش الوطني الأفغاني، الجنرال شير محمد كريمي، الهند في وقت مبكر هذا الأسبوع، لكن الزيارة أرجئت. وأوضحت مصادر أنه بينما تبدي نيو دلهي استعدادها لمعاونة القوات الأفغانية بأي مساعدة فنية للمعدات التي كانت قد أمدّت بها أفغانستان من قبل، فلا خطط لديها لإرسال أي أسلحة جديدة. وللعلم، خلال الزيارة المؤجلة الآن، كان من المقرر أن يلتقي كريمي رئيس أركان الجيش الهندي إم إم نارافاني ومستشار الأمن الوطني أجيت دوفال ومسؤولين آخرين. كذلك كان مقرراً أن يزور مدينة بونه (جنوب شرقي ممباي) لمقابلة الكوادر العسكرية الأفغانية التي تتدرب عسكرياً هناك. لكن، خلال مقابلة معه، حذّر سهيل شاهين، المتحدث الرسمي باسم «طالبان»، من أن على السلطات الهندية الإحجام عن تقديم أي دعم عسكري لحكومة أشرف غني.
- قراءة الوضع الأفغاني
على أي حال، كتب الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي سي راجا موهان في دورية «فورين بوليسي» أن نيودلهي «غير مقتنعة بالكلام الدائر عن السقوط الوشيك لكابُل والعودة الفورية والمحتومة لـ(طالبان) إلى السلطة... مع أن (طالبان) استولت بالفعل على مساحات واسعة من البلاد وسط تسارع وتيرة الانسحاب الأميركي، وتراهن الحكومة الهندية على أن المرحلة الأخيرة من اللعبة الدائرة في أفغانستان لم تحن بعد. وعلى أدنى تقدير، ما زال هناك وقت كافٍ أمام القوى الخارجية للتأثير على النتيجة».
من جهته، ذكر الصحافي نايانيما باسو أن التقدير الحالي لنيودلهي للوضع المتبدل سريعاً في أفغانستان يتركز حول فكرة أن «طالبان» في انتظار «الانسحاب الكامل» من جانب قوات الولايات المتحدة وحلف «الناتو» بحلول 31 أغسطس (آب).
وفيما يخص الهند، فإن البقاء على قيد الحياة داخل أفغانستان سيتطلب بذل جهود مضنية لإقناع القيادات الأفغانية المتناحرة (مثل أشرف غني وحامد كرزاي وعبد الله عبد الله ومارشال دوستوم وأمر الله صالح... إلخ) بتكوين جبهة موحدة في مواجهة «طالبان»، وتوضيح فكرة أنهم إذا لم يقف بعضهم بجانب بعض، فسيتساقطون واحداً تلو الآخر.
- أفغانستان... والتقارب الصيني - الباكستاني
هل تحاول باكستان والصين إقرار حكومة لـ«طالبان» على أفغانستان؟ خلال المقابلة التي أجراها رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان مع وسائل إعلام أميركية، الأسبوع الماضي، قال عمران خان إن مقاتلي «طالبان» «مواطنون صالحون» و«مدنيون» لا يرغبون في إراقة الدماء. ومن جهتها، مضت الصين خطوة إلى الأمام ووجّهت الدعوة إلى قيادات «طالبان» لزيارة بكين وأبدت لهم التقدير والاحتفاء الذي عادة ما يجري تقديمه لممثلي الحكومات ذات السيادة.
وفيما رآه مراقبون محاولة أخرى من الصين للاصطياد في الماء العكر، استضاف وزير الخارجية الصيني وانغ يي في وقت قريب وفداً من «طالبان» بقيادة الملا عبد الغني بارادار في مدينة تيانجين (الميناء الفعلي للعاصمة بكين). وكانت الفحوى اقتراح صيغة مباشرة للغاية؛ نحن نعترف بكم وندعم دوركم السياسي في عملية إعادة إعمار أفغانستان، وفي المقابل تقطعون أي صلات محتملة لكم مع الحركة الإسلامية الأويغورية في إقليم سنكيانغ (تركستان الشرقية) التي تتهمها السلطات الصينية بشنّ سلسلة من الهجمات داخل الإقليم. وقال وانغ صراحة: «تشكل (طالبان) داخل أفغانستان قوة عسكرية وسياسية محورية، وستلعب دوراً مهماً في عملية السلام والمصالحة وإعادة الإعمار هناك».
هذه إشارة واضحة على أن الصين قد تعترف بحكومة «طالبان» إذا ما وصلت للسلطة في كابل. وثمة أسباب عدة تقف خلف هذا الأمر. إذ سبق لوزير الخارجية الصيني الإعراب عن أمله في أن تشن «طالبان» حملة صارمة ضد الحركيين الأويغور في تركستان الشرقية «نظراً لأنهم يمثلون تهديداً مباشراً للأمن الوطني الصيني» داخل سنكيانغ. وبالفعل، تخشى بكين من استخدام الحركيين أراضي أفغانستان المجاورة منصة لشن هجمات ضد الجيش الصيني.
يذكر أن السلطات الصينية كانت قد حظرت على الأويغور المسلمين إطالة اللحى والصلاة في أماكن عامة، بجانب تدميرها كثيراً من المساجد، وفق كلام كبير تانيجا، زميل «أوبزرفر ريسيرتش فاونديشن» ومؤلف كتاب «خطر (داعش)... الجماعة الإرهابية الأخطر بالعالم وظلها في جنوب آسيا». ويضيف تانيجا: «تأمل الصين في أن تسارع إلى ملء الفراغ الذي سيخلفه الانسحاب الأميركي. وتتوقع أن تنجح (طالبان) في إسقاط حكومة أشرف غني قريباً، وبعكس الهند والولايات المتحدة فإنها لا تعتبر الاستيلاء العسكري على السلطة أمراً لا أخلاقياً، وإن كانت تفضل نتيجة سلمية. في المقابل، لا تعبأ بكين بتحول أفغانستان إلى دولة دينية إسلامية طالما أنها مستقرة سياسياً، بحيث يمكن للصين تأمين مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية فيها».
وفي سياق متصل، كتب ديريك غروسمان، المحلل البارز المعني بشؤون الدفاع لدى مؤسسة «راند كوربوريشن» مقالاً نشره بدورية «فورين بوليسي» عن هذا التوجه. إذ قال: «تعاونت بكين بنشاط مع كابل بخصوص بناء طريق بيشاور - كابل، الرابط بين باكستان وأفغانستان، وكذلك بناء طريق رئيسي عبر ممر واخان (الشريط الجبلي الضيق الرابط بين أقصى غرب سنكيانغ وأفغانستان) ونحو الداخل يربط بين باكستان وآسيا الوسطى، ما يكمل شبكة الطرق القائمة عبر المنطقة. وبمجرد إنجازه هذه الطرق، من المفترض أنها ستمكن بكين من السعي وراء أهدافها بتعزيز التجارة مع دول المنطقة واستخراج موارد طبيعية من أفغانستان».
وأضاف غروسمان: «ربما تشكل أفغانستان واحدة من أوثق حلفاء الصين، وستعتمد عليها الصين بشدة في تأمين المشروعات الصينية في أفغانستان والمنطقة. ويبدو من المحتمل جداً أن تطلب الصين من القوات الباكستانية التدخل في أفغانستان قبل مشاركة أي قوات من جانب الصين. أما السؤال الأبرز هنا فيدور حول ما إذا كانت باكستان تملك بالفعل القدرة التي تمكّنها من السيطرة على مسار الأحداث في أفغانستان، وما إذا كان الجهاز الأمني الباكستاني سيلتزم بالأوامر الصادرة له من الدولة».
- الأوضاع غير مريحة بين حكومتي إسلام آباد وكابل
> تبدو العلاقات الأفغانية - الباكستانية اليوم في أسوأ عهودها، إذ سحبت الحكومة الأفغانية سفيرها ودبلوماسييها من العاصمة الباكستانية إسلام آباد في أعقاب اختطاف ابنة السفير. إذ كانت سلسلة علي خليل، ابنة السفير نجيب علي خليل، قد اختطفت منذ أسبوعين، واحتجزت لعدة ساعات على أيدي مهاجمين مجهولين تركوها لاحقاً، وبها إصابات. وقالت السلطات الباكستانية إنها تجري تحقيقاً في الحادث.
جدير بالذكر أن البلدين المجاورين لطالما اتسمت علاقتهما بالفتور. وتتهم كابل باكستان بتوفير «ملاذات آمنة» لـ«طالبان»، بينما تتهم إسلام آباد الحكومة الأفغانية بالسماح لجماعات مسلحة باستخدام أراضيها في شن هجمات داخل باكستان. ثم إن باكستان لعبت دوراً بارزاً في المساعدة في إشراك «طالبان» في مباحثات السلام التي بدأت في قطر العام الماضي، لكن المباحثات أخفقت في تحقيق تقدم ملموس، وصعّدت «طالبان» من هجماتها.
طبعاً، ثمة مَن يسأل: «من أين تحصل (طالبان) على السلاح والذخيرة»؟
يبدو هذا التساؤل لكثيرين بمثابة سرّ مكشوف. وخلال كلمة ألقاها الرئيس الأفغاني أشرف غني أحمدزي، خلال الشهر الماضي أمام مؤتمر إقليمي لدول وسط وجنوب آسيا، فإنه وجّه اللوم إلى باكستان، معتبراً إياها مسؤولة عن تدفق مقاتلي «طالبان» إلى داخل أفغانستان، وتقاعس إسلام آباد عن بذل جهود كافية للضغط على «طالبان» للانضمام إلى حوار سلمي.
كلام الرئيس الأفغاني كان في حضور رئيس وزراء باكستان عمران خان ووزراء خارجية الهند والصين وروسيا. ومما قاله أشرف غني إن ما يزيد عن 1000 مقاتل متشدد دخلوا أفغانستان عن طريق باكستان خلال الشهر السابق فقط. وأردف: «بعكس التأكيدات المتكررة من رئيس الوزراء الباكستاني وجنرالاته، فإن العناصر الداعمة لـ(طالبان) تحتفل علانية بتدمير أصول وقدرات الشعب الأفغاني وحكومته».
وتفاقمت الأمور بعدما اتهم نائب الرئيس الأفغاني أمر الله صالح، هذا الأسبوع، حلف شمال الأطلسي «ناتو» صراحة بالتغاضي عن توجيه الاتهام إلى باكستان بالضلوع في حركة التمرد المشتعلة في أفغانستان. وقال صالح: «لا يمكن للمرء إصلاح سقف به مشكلة تسريب بطلائه فحسب... إننا نتعرض لغزو من الجانب الآخر... باكستان». ولم يتوقف صالح عند هذا الحد، بل نشر الصورة الشهيرة لاستسلام الجيش الباكستاني أمام الجيش الهندي إبان حرب تحرير بنغلاديش عام 1971. وتشارك صالح مع متابعيه في هذه الصورة عبر «تويتر»، قائلاً إن ليس لدى أفغانستان في تاريخها صورة مشابهة «ولن يكون لها صورة مشابهة في المستقبل». وفي إشارة إلى الصورة، كتب قائلاً: «أعزائي أعضاء (تويتر) من الباكستانيين الذين يهاجمونني، (طالبان) والإرهاب لن يفلحا في محو صدمة هذه الصورة. ربما عليكم تجريب سبل أخرى». ولم يتأخر رد وزير الإعلام والإذاعة الباكستاني، فؤاد حسين، على نائب الرئيس الأفغاني، إذ وصفه بـ«الضبع»، وكتب عبر «تويتر» مغرداً: «أفغانستان ملك للشعب الأفغاني، وليست للضباع أمثالك».
وفي خضم التوتر المتصاعد، أرجأت باكستان خططاً لاستضافة مؤتمر سلام أفغاني تشارك فيه القيادة السياسية الأفغانية. وكان 21 من القادة الأفغان البارزين قد دعوا لحضور المؤتمر في إسلام آباد. وذكرت وسائل إعلام باكستانية أن الرئيس الأفغاني طلب من نظيره الباكستاني عمران خان خلال لقاء بينهما في أوزبكستان إلغاء المؤتمر.
كذلك، تردّت العلاقات بين إسلام آباد وكابل على نحو واضح في أعقاب تصاعد أعمال العنف في أفغانستان. وادّعى مستشار الأمن الوطني الباكستاني معيد يوسف، الشهر الماضي، أن كابل شعرت بالحرج من «التصريحات البلهاء» الصادرة عن كبار مسؤوليها، والتي أضرت العلاقات بين البلدين. لكن الصحافية الباكستانية مليحة لودي، من جهتها، كتبت: «إذا سقطت أفغانستان في حالة من الفوضى، فستتأثر باكستان أمنياً. ومن شأن استمرار الاضطرابات لفترة طويلة في بلد مجاور تعريض باكستان لتهديدات أمنية، على غرار ما تعاملت معه في الماضي وترتّب عليه تكاليف فادحة من حيث الأرواح، ناهيك عن التكاليف الاجتماعية والاقتصادية».
هذا، وأثارت مقابلة مع زعيم «طالبان الباكستانية»، نور ولي محسود، من جانب شبكة «سي إن إن»، ضجة كبيرة داخل باكستان، حين ذكر أن باكستان هي الهدف الرئيس للحركة. ولقد وصف محللون باكستانيون المقابلة بأنها محاولة لإضفاء الشرعية على جماعة إرهابية ووضعها على قدم المساواة مع «طالبان» الأفغانية، مع أن «طالبان الباكستانية» موضوعة على القائمة الأميركية للتنظيمات الإرهابية، وتمكّنت باكستان من تحييدها بالفعل، في حين تعقد الولايات المتحدة وغيرها من الدول مفاوضات مع «طالبان» الأفغانية.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.