مآلات اللعبة في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي

حسابات مصالح صينية وباكستانية... وتقارب بين واشنطن ونيودلهي

مآلات اللعبة في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي
TT

مآلات اللعبة في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي

مآلات اللعبة في أفغانستان بعد الانسحاب الأميركي

ثمة لعبة سياسية عنيفة توشك على النهاية في أفغانستان لتفتح الباب أمام «لعبة كبرى» جديدة بين عدد من اللاعبين الأجانب الذين ينقضّون على البلاد لتأمين مصالحهم. وفي خضم منافسة عسكرية عنيفة في أفغانستان التي يمزّقها الصراع المحتدم بين القوات الحكومية الأفغانية ومقاتلي «حركة طالبان»، وقع كثير من الأحداث الجيوسياسية والعسكرية أخيراً، أبرزها زيارة وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن للهند، واستضافة الصين بحرارة وفداً من «طالبان» وتنفيذ القوات أميركية هجمات جوية ضد «طالبان».
من جانبه، ألقى الرئيس الأفغاني الدكتور أشرف غني أحمدزي، هذا الأسبوع، باللوم فيما يتعلق بالوضع الأمني المتدهور في أفغانستان على قرار واشنطن سحب قواتها «فجأة». وقال أشرف غني أمام البرلمان: «السبب وراء وضعنا الحالي القرار الذي جرى اتخاذه فجأة»، وأضاف أنه حذّر واشنطن من أن الانسحاب ستكون له «عواقب». لكنه، مع ذلك، استطرد قائلاً إن لدى الحكومة الأفغانية «خطة أمنية لوضع الأمور تحت السيطرة في غضون 6 أشهر». وأردف غني أن «طالبان» لن تتحرك نحو السلام إلا إذا جرى كبح جماح الوضع الأمني المتردّي.
خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، زار وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن الهند. وقال إن الولايات المتحدة والهند «تنظران إلى الأوضاع بأفغانستان بالصورة ذاتها»، وحذّر «طالبان» من أن «أفغانستان (في حال سيطرة الحركة) التي لا تحترم حقوق شعبها، وترتكب مذابح بحق شعبها... ستصبح دولة منبوذة».
واضح، أن ثمة تلاقياً في الأهداف بين موقفي واشنطن ونيودلهي إزاء أفغانستان. وبينما ينسجم تحركا الجانبين للتعامل مع الحالة الأفغانية، تنطوي الرسالة التي اختار الجانبان توصيلها أهمية جليّة. فمن جانبه، تحدث إس جايشانكار، وزير الشؤون الخارجية الهندي، عن أفغانستان «حرة من التأثيرات المؤذية»، في إشارة ضمنية إلى باكستان الوثيقة المصالح بـ«طالبان»، حسبما ذكر الكاتب الصحافي سريموي تالوكدار. وفي المقابل، تواجه نيودلهي كثيراً من التحديات على جبهات عدة في إطار جهودها للحفاظ على وجودها داخل بلد لا يتشارك معها في حدود، لكنه يتسم بأهمية محورية لأمنها الوطني.
تجدر الإشارة هنا إلى أن الدكتور عبد الله عبد الله، رئيس المجلس الأعلى للمصالحة الوطنية في أفغانستان، زار بدوره الهند والتقى وزير الشؤون الخارجية جايشانكار. ووفق المصادر، أجرى عبد الله مشاوراته، بينما تسعى الحكومة الأفغانية للفوز بدعم نيودلهي لمساعيها لشن حملة ثأر واسعة النطاق ضد «طالبان». كذلك، التقى جايشانكار الرئيس الأفغاني أشرف غني في العاصمة الأوزبكية طشقند، وأكد له دعم الهند لحكومته في مساعيها لإرساء السلام والاستقرار والتنمية في أفغانستان. والتساؤل المحوري هنا، خاصة في أعقاب زيارة بلينكن للهند خلال الأسبوع الماضي، يتصل بما إذا كانت الهند راغبة في التورط بالفوضى الدموية التي تخلّفها أميركا وراء ظهرها في أفغانستان.
- سياسة هندية نشطة
يرى البعض أن الحكومة الهندية تسعى لاتباع سياسة أكثر نشاطاً وتفاعلاً. ويرى أنصار هذا التوجه أن الهند ستتعرض لخطر خسارة حضورها داخل أفغانستان الذي عكفت على بنائه على امتداد السنوات الـ20 الماضية ما لم تتحرك اليوم لتأكيده. والأسوأ، بالنسبة لنيودلهي، أن المؤسسة العسكرية الباكستانية ستسارع إلى استغلال غياب الهند، تماماً كما فعلت خلال الفترة ما بين الانسحاب السوفياتي عام 1989 والغزو الأميركي عام 2001. ولن تسمح للهند بمعاودة الدخول إلى أفغانستان من جديد. وفي هذا الصدد، أعرب وزير الخارجية الهندي السابق شيام ساران أنه «من دون المشاركة بقوات برية على الأرض في أفغانستان، على الهند الوقوف بكامل ثقلها خلف حكومة أشرف غني رغم عيوبها الكثيرة». وتابع قائلاً إن حالة «التأزم العسكري في أفغانستان، حتى اندلاع حرب أهلية طويلة الأمد، ربما يكون بالنسبة للهند نتيجة أفضل من سيطرة (طالبان) على البلاد. ومع أننا قد لا نتمكن من الإسهام في إنزال الهزيمة بـ(طالبان)، فقد نستطيع منعها من الانتصار، وأعتقد أن هذا سيكون الخيار الأكثر حصافة».
في المقابل، هناك فريق آخر داخل نيودلهي يدعو إلى التحلي بـ«الصبر الاستراتيجي»، ما يعني الانتظار، وعدم التورط فيما يجري في أفغانستان من مواجهات دموية. ويرى هذا الفريق أنه إذا كانت الحرب الأهلية نتيجة حتمية هناك، فلماذا تورط الهند نفسها فيها؟ ومن ثم، يعتقد هذا الفريق أنه رغم حذر الصينيين التقليدي، فمن المحتمل أن يتورطوا في أفغانستان، ليس فقط من أجل تعزيز نفوذهم عبر البنية التحتية المرتبطة بمبادرة «الحزام والطريق»، بل أيضاً مجاملة لباكستان. ويتجلى ذلك في الدعوة التي وجّهتها الصين إلى قيادات «طالبان» الأسبوع الماضي.
من ناحية أخرى، كان من المقرّر أن يزور قائد الجيش الوطني الأفغاني، الجنرال شير محمد كريمي، الهند في وقت مبكر هذا الأسبوع، لكن الزيارة أرجئت. وأوضحت مصادر أنه بينما تبدي نيو دلهي استعدادها لمعاونة القوات الأفغانية بأي مساعدة فنية للمعدات التي كانت قد أمدّت بها أفغانستان من قبل، فلا خطط لديها لإرسال أي أسلحة جديدة. وللعلم، خلال الزيارة المؤجلة الآن، كان من المقرر أن يلتقي كريمي رئيس أركان الجيش الهندي إم إم نارافاني ومستشار الأمن الوطني أجيت دوفال ومسؤولين آخرين. كذلك كان مقرراً أن يزور مدينة بونه (جنوب شرقي ممباي) لمقابلة الكوادر العسكرية الأفغانية التي تتدرب عسكرياً هناك. لكن، خلال مقابلة معه، حذّر سهيل شاهين، المتحدث الرسمي باسم «طالبان»، من أن على السلطات الهندية الإحجام عن تقديم أي دعم عسكري لحكومة أشرف غني.
- قراءة الوضع الأفغاني
على أي حال، كتب الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي سي راجا موهان في دورية «فورين بوليسي» أن نيودلهي «غير مقتنعة بالكلام الدائر عن السقوط الوشيك لكابُل والعودة الفورية والمحتومة لـ(طالبان) إلى السلطة... مع أن (طالبان) استولت بالفعل على مساحات واسعة من البلاد وسط تسارع وتيرة الانسحاب الأميركي، وتراهن الحكومة الهندية على أن المرحلة الأخيرة من اللعبة الدائرة في أفغانستان لم تحن بعد. وعلى أدنى تقدير، ما زال هناك وقت كافٍ أمام القوى الخارجية للتأثير على النتيجة».
من جهته، ذكر الصحافي نايانيما باسو أن التقدير الحالي لنيودلهي للوضع المتبدل سريعاً في أفغانستان يتركز حول فكرة أن «طالبان» في انتظار «الانسحاب الكامل» من جانب قوات الولايات المتحدة وحلف «الناتو» بحلول 31 أغسطس (آب).
وفيما يخص الهند، فإن البقاء على قيد الحياة داخل أفغانستان سيتطلب بذل جهود مضنية لإقناع القيادات الأفغانية المتناحرة (مثل أشرف غني وحامد كرزاي وعبد الله عبد الله ومارشال دوستوم وأمر الله صالح... إلخ) بتكوين جبهة موحدة في مواجهة «طالبان»، وتوضيح فكرة أنهم إذا لم يقف بعضهم بجانب بعض، فسيتساقطون واحداً تلو الآخر.
- أفغانستان... والتقارب الصيني - الباكستاني
هل تحاول باكستان والصين إقرار حكومة لـ«طالبان» على أفغانستان؟ خلال المقابلة التي أجراها رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان مع وسائل إعلام أميركية، الأسبوع الماضي، قال عمران خان إن مقاتلي «طالبان» «مواطنون صالحون» و«مدنيون» لا يرغبون في إراقة الدماء. ومن جهتها، مضت الصين خطوة إلى الأمام ووجّهت الدعوة إلى قيادات «طالبان» لزيارة بكين وأبدت لهم التقدير والاحتفاء الذي عادة ما يجري تقديمه لممثلي الحكومات ذات السيادة.
وفيما رآه مراقبون محاولة أخرى من الصين للاصطياد في الماء العكر، استضاف وزير الخارجية الصيني وانغ يي في وقت قريب وفداً من «طالبان» بقيادة الملا عبد الغني بارادار في مدينة تيانجين (الميناء الفعلي للعاصمة بكين). وكانت الفحوى اقتراح صيغة مباشرة للغاية؛ نحن نعترف بكم وندعم دوركم السياسي في عملية إعادة إعمار أفغانستان، وفي المقابل تقطعون أي صلات محتملة لكم مع الحركة الإسلامية الأويغورية في إقليم سنكيانغ (تركستان الشرقية) التي تتهمها السلطات الصينية بشنّ سلسلة من الهجمات داخل الإقليم. وقال وانغ صراحة: «تشكل (طالبان) داخل أفغانستان قوة عسكرية وسياسية محورية، وستلعب دوراً مهماً في عملية السلام والمصالحة وإعادة الإعمار هناك».
هذه إشارة واضحة على أن الصين قد تعترف بحكومة «طالبان» إذا ما وصلت للسلطة في كابل. وثمة أسباب عدة تقف خلف هذا الأمر. إذ سبق لوزير الخارجية الصيني الإعراب عن أمله في أن تشن «طالبان» حملة صارمة ضد الحركيين الأويغور في تركستان الشرقية «نظراً لأنهم يمثلون تهديداً مباشراً للأمن الوطني الصيني» داخل سنكيانغ. وبالفعل، تخشى بكين من استخدام الحركيين أراضي أفغانستان المجاورة منصة لشن هجمات ضد الجيش الصيني.
يذكر أن السلطات الصينية كانت قد حظرت على الأويغور المسلمين إطالة اللحى والصلاة في أماكن عامة، بجانب تدميرها كثيراً من المساجد، وفق كلام كبير تانيجا، زميل «أوبزرفر ريسيرتش فاونديشن» ومؤلف كتاب «خطر (داعش)... الجماعة الإرهابية الأخطر بالعالم وظلها في جنوب آسيا». ويضيف تانيجا: «تأمل الصين في أن تسارع إلى ملء الفراغ الذي سيخلفه الانسحاب الأميركي. وتتوقع أن تنجح (طالبان) في إسقاط حكومة أشرف غني قريباً، وبعكس الهند والولايات المتحدة فإنها لا تعتبر الاستيلاء العسكري على السلطة أمراً لا أخلاقياً، وإن كانت تفضل نتيجة سلمية. في المقابل، لا تعبأ بكين بتحول أفغانستان إلى دولة دينية إسلامية طالما أنها مستقرة سياسياً، بحيث يمكن للصين تأمين مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية فيها».
وفي سياق متصل، كتب ديريك غروسمان، المحلل البارز المعني بشؤون الدفاع لدى مؤسسة «راند كوربوريشن» مقالاً نشره بدورية «فورين بوليسي» عن هذا التوجه. إذ قال: «تعاونت بكين بنشاط مع كابل بخصوص بناء طريق بيشاور - كابل، الرابط بين باكستان وأفغانستان، وكذلك بناء طريق رئيسي عبر ممر واخان (الشريط الجبلي الضيق الرابط بين أقصى غرب سنكيانغ وأفغانستان) ونحو الداخل يربط بين باكستان وآسيا الوسطى، ما يكمل شبكة الطرق القائمة عبر المنطقة. وبمجرد إنجازه هذه الطرق، من المفترض أنها ستمكن بكين من السعي وراء أهدافها بتعزيز التجارة مع دول المنطقة واستخراج موارد طبيعية من أفغانستان».
وأضاف غروسمان: «ربما تشكل أفغانستان واحدة من أوثق حلفاء الصين، وستعتمد عليها الصين بشدة في تأمين المشروعات الصينية في أفغانستان والمنطقة. ويبدو من المحتمل جداً أن تطلب الصين من القوات الباكستانية التدخل في أفغانستان قبل مشاركة أي قوات من جانب الصين. أما السؤال الأبرز هنا فيدور حول ما إذا كانت باكستان تملك بالفعل القدرة التي تمكّنها من السيطرة على مسار الأحداث في أفغانستان، وما إذا كان الجهاز الأمني الباكستاني سيلتزم بالأوامر الصادرة له من الدولة».
- الأوضاع غير مريحة بين حكومتي إسلام آباد وكابل
> تبدو العلاقات الأفغانية - الباكستانية اليوم في أسوأ عهودها، إذ سحبت الحكومة الأفغانية سفيرها ودبلوماسييها من العاصمة الباكستانية إسلام آباد في أعقاب اختطاف ابنة السفير. إذ كانت سلسلة علي خليل، ابنة السفير نجيب علي خليل، قد اختطفت منذ أسبوعين، واحتجزت لعدة ساعات على أيدي مهاجمين مجهولين تركوها لاحقاً، وبها إصابات. وقالت السلطات الباكستانية إنها تجري تحقيقاً في الحادث.
جدير بالذكر أن البلدين المجاورين لطالما اتسمت علاقتهما بالفتور. وتتهم كابل باكستان بتوفير «ملاذات آمنة» لـ«طالبان»، بينما تتهم إسلام آباد الحكومة الأفغانية بالسماح لجماعات مسلحة باستخدام أراضيها في شن هجمات داخل باكستان. ثم إن باكستان لعبت دوراً بارزاً في المساعدة في إشراك «طالبان» في مباحثات السلام التي بدأت في قطر العام الماضي، لكن المباحثات أخفقت في تحقيق تقدم ملموس، وصعّدت «طالبان» من هجماتها.
طبعاً، ثمة مَن يسأل: «من أين تحصل (طالبان) على السلاح والذخيرة»؟
يبدو هذا التساؤل لكثيرين بمثابة سرّ مكشوف. وخلال كلمة ألقاها الرئيس الأفغاني أشرف غني أحمدزي، خلال الشهر الماضي أمام مؤتمر إقليمي لدول وسط وجنوب آسيا، فإنه وجّه اللوم إلى باكستان، معتبراً إياها مسؤولة عن تدفق مقاتلي «طالبان» إلى داخل أفغانستان، وتقاعس إسلام آباد عن بذل جهود كافية للضغط على «طالبان» للانضمام إلى حوار سلمي.
كلام الرئيس الأفغاني كان في حضور رئيس وزراء باكستان عمران خان ووزراء خارجية الهند والصين وروسيا. ومما قاله أشرف غني إن ما يزيد عن 1000 مقاتل متشدد دخلوا أفغانستان عن طريق باكستان خلال الشهر السابق فقط. وأردف: «بعكس التأكيدات المتكررة من رئيس الوزراء الباكستاني وجنرالاته، فإن العناصر الداعمة لـ(طالبان) تحتفل علانية بتدمير أصول وقدرات الشعب الأفغاني وحكومته».
وتفاقمت الأمور بعدما اتهم نائب الرئيس الأفغاني أمر الله صالح، هذا الأسبوع، حلف شمال الأطلسي «ناتو» صراحة بالتغاضي عن توجيه الاتهام إلى باكستان بالضلوع في حركة التمرد المشتعلة في أفغانستان. وقال صالح: «لا يمكن للمرء إصلاح سقف به مشكلة تسريب بطلائه فحسب... إننا نتعرض لغزو من الجانب الآخر... باكستان». ولم يتوقف صالح عند هذا الحد، بل نشر الصورة الشهيرة لاستسلام الجيش الباكستاني أمام الجيش الهندي إبان حرب تحرير بنغلاديش عام 1971. وتشارك صالح مع متابعيه في هذه الصورة عبر «تويتر»، قائلاً إن ليس لدى أفغانستان في تاريخها صورة مشابهة «ولن يكون لها صورة مشابهة في المستقبل». وفي إشارة إلى الصورة، كتب قائلاً: «أعزائي أعضاء (تويتر) من الباكستانيين الذين يهاجمونني، (طالبان) والإرهاب لن يفلحا في محو صدمة هذه الصورة. ربما عليكم تجريب سبل أخرى». ولم يتأخر رد وزير الإعلام والإذاعة الباكستاني، فؤاد حسين، على نائب الرئيس الأفغاني، إذ وصفه بـ«الضبع»، وكتب عبر «تويتر» مغرداً: «أفغانستان ملك للشعب الأفغاني، وليست للضباع أمثالك».
وفي خضم التوتر المتصاعد، أرجأت باكستان خططاً لاستضافة مؤتمر سلام أفغاني تشارك فيه القيادة السياسية الأفغانية. وكان 21 من القادة الأفغان البارزين قد دعوا لحضور المؤتمر في إسلام آباد. وذكرت وسائل إعلام باكستانية أن الرئيس الأفغاني طلب من نظيره الباكستاني عمران خان خلال لقاء بينهما في أوزبكستان إلغاء المؤتمر.
كذلك، تردّت العلاقات بين إسلام آباد وكابل على نحو واضح في أعقاب تصاعد أعمال العنف في أفغانستان. وادّعى مستشار الأمن الوطني الباكستاني معيد يوسف، الشهر الماضي، أن كابل شعرت بالحرج من «التصريحات البلهاء» الصادرة عن كبار مسؤوليها، والتي أضرت العلاقات بين البلدين. لكن الصحافية الباكستانية مليحة لودي، من جهتها، كتبت: «إذا سقطت أفغانستان في حالة من الفوضى، فستتأثر باكستان أمنياً. ومن شأن استمرار الاضطرابات لفترة طويلة في بلد مجاور تعريض باكستان لتهديدات أمنية، على غرار ما تعاملت معه في الماضي وترتّب عليه تكاليف فادحة من حيث الأرواح، ناهيك عن التكاليف الاجتماعية والاقتصادية».
هذا، وأثارت مقابلة مع زعيم «طالبان الباكستانية»، نور ولي محسود، من جانب شبكة «سي إن إن»، ضجة كبيرة داخل باكستان، حين ذكر أن باكستان هي الهدف الرئيس للحركة. ولقد وصف محللون باكستانيون المقابلة بأنها محاولة لإضفاء الشرعية على جماعة إرهابية ووضعها على قدم المساواة مع «طالبان» الأفغانية، مع أن «طالبان الباكستانية» موضوعة على القائمة الأميركية للتنظيمات الإرهابية، وتمكّنت باكستان من تحييدها بالفعل، في حين تعقد الولايات المتحدة وغيرها من الدول مفاوضات مع «طالبان» الأفغانية.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.