تشيماماندا نغوزي أديشي: جنوني سيسفر عن نفسه الآن

تروي قصة «كورونا» الكونية من خلال حزنها الشخصي

تشيماماندا نغوزي أديشي
تشيماماندا نغوزي أديشي
TT

تشيماماندا نغوزي أديشي: جنوني سيسفر عن نفسه الآن

تشيماماندا نغوزي أديشي
تشيماماندا نغوزي أديشي

في يونيو (حزيران) 2020، مرت الذكرى الأربعون لوفاة والدي. في الأشهر التي سبقت ذلك كنت قد خططت لأساليب طقوسية تبرز فقداً كهذا. ولكن حين جاءت ذكرى الوفاة كان 380 ألفاً قد ماتوا بسبب كوفيد. حزني الذي كان فردياً انضوى تحت النحيب الجماعي. كان ذلك حتى جاء استكشاف تشيماماندا نغوزي أديشي المثقل بالألم لوفاة والدها ذلك الشهر. في 30 قسماً يرسم كتاب «ملاحظات حول الحزن» درباً يمكننا عبره أن نرثي صدماتنا الفردية وسط الألم المتراكم في هذا الزمن المروع. أديشي، دليلنا، مكشوفة، مملوءة بـ«جئير الغضب المعذب»، تعلمنا ضمن فضاء هذا العمل كيف نلملم ذواتنا المتناثرة ونبحر عبر الجائحة التي لا تزال تزأر. بعملها هذا تروي قصة كونية عن هذه اللحظة، بينما تستكشف الكيفية التي ولد بها صوتها الكتابي بصفة خاصة.
تكتب أديشي: «حذارِ أيها الأعداء. لقد حدث الأسوأ. رحل والدي. جنوني سيسفر عن نفسه».
مثلما تبدأ أيامنا الآن، تبدأ حكايتها باتصال عبر «زوم» - في حالة أديشي الاتصال بإخوتها الخمسة ووالديهم المنتشرين في أميركا وإنجلترا ونيجيريا. في فترة يمكن للأيام والأشهر أن تبدو وكأنها تومض وتتوارى، تكشف أديشي عن الطرق التي يفجر فيها الألم المزيد من إحساسنا بالزمن. تفعل ذلك بمحاولتها إعادة سرد تحركه. تتحرك أديشي في نطاق أربعة أيام على وجه الخصوص: من السابع من يونيو حين رأت أباها حياً بذاته المنتشية وإن كانت متعبة، على «زوم»، حتى يوم موته، وقد بلغ الثامنة والثمانين في العاشر من يونيو. بطريقة تعكس الموت المفاجئ، تضع الحكاية بلا مقدمة. تكتب في نهاية القسم الافتتاحي: «اتصل بي أخي تشكز ليخبرني فانهرت».
«يمسك (أوكي) بالهاتف فوق وجه أبي، ويبدو وجه أبي نائماً، وجهه مسترخٍ وجميل في الاسترخاء. اتصالنا عبر (زوم) يتجاوز السريالي، كلنا نبكي ونبكي ونبكي، في مناطق مختلفة من العالم».
تعرف أديشي الحدود التي تقف عندها محاولة وصف ما يعرفه الجسد أفضل من غيره
تقول: «تتعلم مقدار الحزن في اللغة، فشل اللغة واللهاث وراءها». لقد دخل الفنانون هذا الجدل إلى ما لا نهاية، بوسائط مختلفة وحالات من التماسك. لكن من الأفضل لنا أن نكون تحت ضغط أديشي.
هذا العمل الحميم، الذي نشر لأول مرة على شكل مقالة في النيويوركر بعد ثلاثة أشهر من وفاة السيد أديشي، ثم وُسِع، يدفعنا بعيداً عن اللامبالاة، يقرب الحزن، ليصير قاب قوسين: لا يزال الموت في كل مكان. وأديشي مثل كثير منا، مقطوعة وبعيدة عن والدها الذي تحب، «لا ترى في الظل المائل للرؤية».
تمر أيام تكتسي فيها هذه الأزمنة المظللة بالموت سمة التباعد في فيلم حول حياة إنسان آخر. لم تكن طقوسنا المريحة لتتيسر. في نيو أورليانز نحزن دون المسيرة الموسيقية التي ترافق معظم مراسم الدفن. ثمة قسوة غريبة للجلوس على المقعد المريح في غرفة المعيشة ببيتي ومشاهدة مراسم دفن على شاشة. لا أدري أين أدرب عيني - على شاشة الكمبيوتر؟ خارج النافذة؟ يمكن لهذه المسافة أن تهدد إدراكنا لما هو حقيقي. لكن أديشي تعرف كيف تدرب عينها على ما يبقى.
على مدى هذا الكتاب النحيل تتشكل صورة لجيمس ناويي أديشي. توفي بسبب الفشل الكلوي (لكنها ليست متأكدة أن السبب لم يكن كوفيد) في بلدة (أبا) النيجيرية حيث أسلاف الأسرة. نعرف الأب من كاتبة روايات رائعة مثل «نصف شمس صفراء» و«الكركديه البنفسجي» و«أميريكاناه» من زاويتين، دقيقة وجليلة: نراه يلعب سودوكو و«يغفو، يقرأ ثم يغفو مرة أخرى». نعرف عن أكاليل الغار التي حصل عليها: كيف صار في ثمانينات القرن الماضي نائباً لرئيس جامعة نيجيريا، أول أستاذ للإحصاء في البلاد، ولكن أيضاً بوصفه رجلاً وقع شهادات ميلاد أولاده بـ(أبوكم) ثم توقيعه».
في نسيج الكثير من هذه الجمل يمكنك أن تشعر تقريباً بالمواضع التي قاومت فيها الكاتبة استعمال أدواتها المحسنة - اللغة والذاكرة - لكي تسمح لواقعها العاطفي أن يبقى متشققاً وحاداً. الفقد الإنساني يعني فقد الحكايات التي كان الموتى يروونها بأصواتهم الخاصة. ترثي أديشي التواريخ الشفاهية للأسرة التي لم يسبق لها أن دونتها، فقد قصاصة ورق كان والدها قد رسم عليها شجرة العائلة. تكتب: «ثمة إحساس مرعب لتراجع، لسلالة تنسحب في البعيد، لكنني احتفظ على الأقل بما يكفي للأسطورة، إن لم يكن للذاكرة».
إنها حيرة الكاتبة: ماذا يمكن للكلمة المكتوبة أن تحتفظ به، وما الذي لا يمكنها؟ «كم هي مذهلة قدرة اللغة على قول ما تعنيه تقريباً، وكم هو مرعب أنها لا تستطيع ذلك تماماً»، يقول لنا الشاعر جاك غلبرت.
تجمع أديشي ذكريات حسية متنوعة ونحن نراقب: تقرص رقبة والدها، يضربها على يدها بلطف، تمسح صلعته. ما ترويه ليس فقدان أب فحسب، وإنما الطرق التي يحفر فيها السيد أديشي حضوره بجعلها كاتبة. تروي كيف أحرق الجنود كتبه أثناء حرب بيافرا: «تلال من الصفحات المحترقة في باحة منزل والدي الأمامية، حيث كانوا يزرعون الورد يوماً». من المنطقي أنها صارت صانعة للكتب، لتعويض ما فقد.
تعرف أديشي أن التسمية ميراث قوي واستدعاء. إحدى أكثر اللحظات تأثيراً هي تلك التي تستعمل فيها الكاتبة لغتها الأم لمناداة أبيها بألقابه المتعددة (مثل «أوديلو أورا» و«الذي يكتب لمجتمعنا»)، أو حين تدعو نفسها، مثل رداء مطرز بالجواهر، بالأسماء التي كان يدعوها بها (مثل «نووكي نيلي» أو «التي تساوي العديد من الرجال»). الأسماء - لا سيما تلك التي نختارها - لا تضيع أبداً. يبدو أن السيد أديشي آمن بذلك بقوة إلى حد أنه أثناء اختطافه للحصول على فدية كان يُعلّم مهاجميه كيف يلفظون اسم ابنته بالشكل الصحيح.
لأن هذه أديشي فإن قصة حياة أبيها وموته تنكشف إلى جانب قصة حول صراعه الأخير - الذي يعود إلى نهاية الحرب - ضد بليونير من بلدة أخرى كان يحاول أن يسيطر على أرض الأسلاف في (أبا). بقدرتها على بناء العوالم، تقترح أديشي أن موت والدها لم ينتج عن فشل كلوي فحسب وإنما على الأرجح عن الضغوط التي شعر بها لاستعادة ما كان له. في نهاية الأمر، تقول أديشي: «الأرض هي جوهرة الرؤية الكونية لدى (الإغبو)».
ثمة صدع شديد الوضوح هنا. تعود الصعوبة التي واجهتها أديشي في العودة التي أرادت من أميركا إلى نيجيريا، حيث بيتها أيضاً، لتحزن على والدها، تعود جزئياً إلى الجائحة الشديدة وأيضاً إلى الإهمال. تذكرنا محاولات أديشي للعودة بمذكرات لوسيل كليفتون الرائعة «أجيال»، التي تعود بها إلى (بوفالو في ولاية نيويورك) لحضور جنازة والدها. هذا البيت، العرق التاريخي، يُفهم على أنه المكان الذي يعود إليه المرء، ليكون مرة أخرى ضمن سياق. ربما يكون نقيض الشتات.
شيء ما يتعلق بمستوى هذا العمل بصفة خاصة، طريقته في الاندفاع إلى الأمام ثم الالتفاف على نفسه، مثل ذات سابقة تتعرف على ذات جديدة، قادني بعيداً عن الكلمة المكتوبة باتجاه «أغنية المهد» لجيسون موران، معزوفة بيانو لتهدئة الأطفال تشتمل على صوت قلم رصاص يحك ورقة. أهدى موران هذه الأغنية إلى أمه التي ماتت بالسرطان عام ٢٠٠٥. كانت أثناء طفولته تحضر دروس البيانو التي كان يلقي، تسجل ملاحظات مختلفة كان موران يكرهها حينئذٍ. لكن لم يكن للأغنية أن توجد الآن دون القوة التي منحتها إياها. أستمعُ أحياناً لـ«أغنية المهد» لساعات، يعلو فيها مزاجي ويهبط على امتداد الحك الجنوني لقلم الرصاص بينما أحتفل بألمعية موران حين أدخل ملاحظات أمه بتلك الطريقة المبدعة.
في هذا الكتاب تفعل أديشي ما يشبه ذلك، فهي تفكك لقرائها ملاحظات والدها حول أعمالها: «قرأ كل ما كتبت». لكن في النهاية تسقط حكات القلم الرصاص ولا نسمع سوى الفنانة في الأغنية - مرهقة ومرتبكة، تسير وحدها، بعد أن نقلتها أصوات الأب بعيداً - في فعل يتضمن في الوقت نفسه دمجه في النص واستعادة جسده مثل أرض مقدسة.
للناشرين عادة تتمثل في تحويل المقالات وحتى المحاضرات إلى كتب. فعلوا ذلك بنجاح في محاضرة أديشي ضمن سلسلة «حديث تيد ٢٠١٢»: «علينا جميعاً أن نكون نسويين»، الحديث الذي تحول إلى أغنية لبيونسي في العام التالي. من الصعب ألا نتوقع المزيد من أديشي، أن نعرف كيفية تعاملها مع هذه الخسارة مع مرور الزمن. لكن ما لدينا هنا يكفي حالياً. إنها في هذا الكتاب «قليلة خبرة ولم تنضج»، وفي ذلك دلالة كافية.
تقول: «ليس مهماً أن أرغب في التغيير، لأنني تغيرت. صوت جديد يندفع عبر كتابتي، مليء بالاقتراب من الموت، الوعي بفنائي، منسوج بإتقان، وحاد. إلحاح جديد. زوال في الهواء».على مدى هذه الثلاثين من الشظايا، نلاحظ نقلة في زاوية الرؤية، ما يؤكد أنه مهما يكن القادم فلن يكون ما أُبدع مسبقاً. قد يصدق ذلك على عمل أديشي مثلما يصدق على المكان الذي نجد أنفسنا فيه في الأيام المقبلة.

- مراجعة لكتاب تشيماماند نغوزي أديشي
«ملاحظات حول الحزن»



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».