تونس: أي دور للمؤسسة العسكرية في «الجمهورية الثالثة»؟

وسط ترحيب واسع بخطوة سعيّد... والتشديد على الفصل بين السلطات ومدنية الدولة

تونس: أي دور للمؤسسة العسكرية في «الجمهورية الثالثة»؟
TT

تونس: أي دور للمؤسسة العسكرية في «الجمهورية الثالثة»؟

تونس: أي دور للمؤسسة العسكرية في «الجمهورية الثالثة»؟

بعد عقود من إبعاد القيادات العسكرية عن مؤسسات صنع القرار السياسي في تونس، ضاعف الرئيس قيس سعيّد دور المؤسسة العسكرية الأمني والسياسي والاجتماعي. وانحازت قيادة الجيش إلى الرئيس سعيّد في معركته مع معارضيه وخصومه داخل الحكومة والبرلمان و«اللوبيات» السياسية والمالية، فدعمت قراره بإسقاط حكومة هشام المشّيشي وتجميد البرلمان.
وعلى الرغم من الانتقادات الحادة التي كان سياسيون وحقوقيون من عدة تيارات يوجهونها للرئيس سعيّد بسبب ما سموه «إقحام المؤسستين العسكرية والأمنية في خلافات السياسيين»، نجح الرئيس في الحصول على دعم قيادة الجيش للقرارات السياسية غير المسبوقة التي اتخذها يوم 25 يوليو (تموز) والتي وصفها خصومه ومعارضوه بأنها «انقلاب». ومن ثم، يتساءل المتابعون الآن الدور المتوقع للمؤسسة العسكرية في المرحلة المقبلة من تاريخ تونس، بعدما أطلق بعض الخبراء عليها تسمية «الجمهورية الثالثة» إيذاناً بطي صفحة «الجمهورية الثانية» ومرحلة حكام ما بعد «ثورة 2011».
خلافاً للتوقعات وللتصريحات القديمة المعارضة لإشراك قيادات الجيش في الحياة السياسية بتونس، تعاقبت خلال الأيام تصريحات التنويه بدعم المؤسسة العسكرية للرئيس قيس سعيّد وقراراته التي تهدف إلى «تصحيح مسار الثورة».
بل إن غالبية الأحزاب والمنظمات الحقوقية والنقابية، التي وصفت تلك القرارات أول الأمر بـ«الانقلاب على الدستور» و«الانقلاب على نتائج انتخابات 2019»، عدلت خطابها بسرعة، فنوّهت بالمؤسسة العسكرية وحيادية الجيش التونسي منذ تأسيسه عام 1956 عقب استقلال تونس عن فرنسا، وتشكيل الحكومة الوطنية الأولى بقيادة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة.
- مساندة علنية
ولقد تصدّر المرحبون بدعم الجيش لقرارات الرئيس قيس سعيّد، وفي مقدّمها إسقاط الحكومة وتجميد البرلمان «مؤقتاً» عددا من كبار القادة المتقاعدين للمؤسستين العسكرية والأمنية، بينهم الجنرال كمال العكروت المستشار العسكري والأمني للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، وأمير اللواء محمد المؤدب المدير العام السابق للأمن العسكري وللقمارق (الجمرك)، والعميد مختار بن نصر رئيس المؤسسة الوطنية لمكافحة الإرهاب السابق، والعميد هشام المؤدب الناطق الرسمي السابق باسم وزارة الداخلية... الذي عُرف بعد تقاعده بكثرة انتقاداته للرئيس سعيّد وبدفاعه عن مواقف خصومه.
كذلك رحّب عدد من وزراء حكومات الرئيسين السابقين بورقيبة وزين العابدين بن علي، وأيضاً حكومات ما بعد «ثورة 2011»، بينهم أحمد نجيب الشابي ومحسن مرزوق وسلمى اللومي، بقرارات رئيس الجمهورية وبتعاونه مع قيادات المؤسسة العسكرية، وذكّر هؤلاء بحيادها خلال انتفاضة نهاية 2010 ومطلع 2011، وإحجامها عن التورط في قمع المتظاهرين ضد حكم بن علي. وعادت وسائل الإعلام إلى نشر صور تبادل الورود والقبلات في «ثورة 2011» بين الشباب المتظاهر وعدد من الضباط العسكريين التونسيين، والتقاطهم صوراً تذكارية معهم ومع رئيس أركان الجيوش الثلاثة وقتها الجنرال رشيد عمار. وللعلم، كان عدد من كبار السياسيين والقادة العسكريين، بينهم الجنرال عمار، قد صرحوا مرارا بأن قيادة الجيش تلّقت دعوات لتسلم السلطة بعد إسقاط حكم بن علي لكنها رفضت. وما يستحق الإشارة أنه سبق للرئيسين السابقين الباجي قائد السبسي والمنصف المرزوقي ورؤساء الحكومات المتعاقبون حمادي الجبالي وعلي العريض والمهدي جمعة والحبيب الصيد ويوسف الشاهد أن أثنوا على «حيادية الجيش» خلال الانتخابات التي نظمت في 2011 و2014 ثم في 2019.
- «الإنقاذ» و«تصحيح المسار»
ومن جهة ثانية، كان لافتاً للانتباه أن أبرز المحللين السياسيين والعسكريين في معظم وسائل الإعلام التونسية قد اصطفوا بسرعة وراء الرئيس سعيّد وقراراته ومشروعه لـ«الإنقاذ» و«تصحيح مسار الثورة» ومحاربة «الفساد المالي» وفتح تحقيق حول مصادر تمويل الأحزاب السياسية وحملاتها الانتخابية، وخاصة حزبي «حركة النهضة» (إسلامي) و«قلب تونس» (ليبرالي).
وفي السياق ذاته، نوّه العميد المتقاعد مختار بن نصر الرئيس السابق للجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب بكل الإجراءات التي اتخذها رئيس الجمهورية يوم 25 يوليو وما بعدها، بما في ذلك عزل رئيس الحكومة وعدد كبير من كبار المسؤولين في الحكومة والقيادات الأمنية والعسكرية. واعتبر بن نصر أن تلك الإجراءات يمكن تفسيرها بـ«شرعيته الانتخابية والسياسية» وصلاحياتها باعتباره رئيساً للدولة وقائداً عاماً للقوات المسلحة والمسؤول الأول عن إنقاذ البلاد. وتوقع الجنرال بن نصر «تفعيل» كل القرارات التي أصدرها الرئيس سعيّد وسط ترحيب شعبي «لأنه حافظ منذ انتخابه على اجتماعات التشاور والتنسيق مع القيادات العليا للجيش وللمؤسستين الأمنية والعسكرية». بينما اعتبر الجنرال المتقاعد كمال العكروت أن «غالبية الشعب والنخب والقيادات العسكرية والأمنية فرحت بقرارات 25 يوليو، لأنها لم تكن راضية عن التجاذبات السياسية داخل البرلمان والحكومة».
- «خريطة طريق»
في الأثناء تعاقبت الاقتراحات الصادرة عن بعض رموز المؤسستين العسكرية والأمنية، بينهم جنرالات وكوادر في «نقابات الأمنيين». ودعا بعضهم رئيس الجمهورية إلى إعلان «خريطة طريق» تضمن تطبيق قراراته التي تهدف إلى «إنقاذ البلاد من خطر المتطرفين دينياً وسياسياً»، وأن يكون من بين أولوياتها تحقيق الفصل بين السلطات وإرسال رسائل طمأنة الى الداخل والخارج، خاصة فيما يتعلّق بضمان الحريات والحقوق والمسار الديمقراطي. وكذلك إلى أن يكون رئيس الحكومة الجديد قادراً على تشكيل حكومة أزمة تدير شؤون البلاد وفق برنامج وأهداف واضحة ومدروسة لتجاوز الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والوبائية، وسط التفشي الكبير لفيروس «كوفيد - 19» في تونس.
هذه التصريحات والمواقف تلتقي كلها مع اقتراحات مماثلة قدمها عدد من كبار الخبراء المدنيين بينهم محمد المنصف شيخ روحه، الخبير الاقتصادي والمالي الدولي ورئيس لجنة المالية في البرلمان سابقاً. إذ شدد شيخ روحه على ضرورة أن «تستفيد الحكومة المقبلة من توصيات الأكاديميين والخبراء وأوساط المال والأعمال بهدف تحقيق تنمية اقتصادية اجتماعية شاملة... تؤدي إلى تحسين موارد البلاد وفرص الادخار والاستثمار والشراكة بين المؤسسات المدنية والعسكرية في حفظ الأمن الوطني وتحسين مناخ الأعمال». وفي المقابل، حذر أمير اللواء محمد المؤدب المدير العام للأمن العسكري ولمصالح القمارق من «التسويف» ومن التلكؤ في تفعيل قرارات 25 يوليو. وحث، من ثم، الرئيس على خطوات عملية تشاركية بين العسكريين والمدنيين «للإنقاذ والإصلاح والتصحيح ووضح حد للفوضى وللصراعات بين كبار المسؤولين في الدولة».
- من «التهميش» إلى تصدّر المشهد
في سياق موازٍ، لوحظ أن جلّ بيانات المنظمات الحقوقية والنقابية والأحزاب اليسارية والليبرالية الصادرة بعد قرارات 25 يوليو طالبت بـ«احترام الصبغة المدنية للدولة والفصل بين السلطات» وفاءً للمبادئ التي نص عليها دستور الجمهورية الأولى في 1959 ثم دستور الجمهورية الثانية في 2014. إذ صدرت عن منظمات القضاء المدني والمحامين والصحافيين والعمال والفلاحين بلاغات نوّهت بخطوات قيس سعيّد الجديدة، بالتوازي مع تأكيدها على ضرورة «استئناف المؤسسات الديمقراطية» دورها في أقرب وقت، بما يعني رفع التجميد عن البرلمان والمجالس البلدية المنتخبة. وحقاً، تفاعل سعيّد مع هذه المطالب، عندما أعلن في كلمة ألقاها خلال اجتماعه بممثلي «المجتمع المدني»، وبثها الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية والتلفزيون التونسي، أنه سيحترم الصبغة المدنية للدولة، والحريات العامة والفردية، ومسار الحوار السياسي مع المعارضين من «دون إقصاء». ونفى أن يكون ما جرى يوم 25 يوليو انقلاباً.
لكن هذه المتغيرات والأحاديث عن «دور أكبر للمؤسسة العسكرية» جاءت بعد سنتين عقد خلالهما قيس سعيّد، بصفته رئيساً للدولة وقائداً عاماً للقوات المسلحة، اجتماعات بالجملة مع قيادات الجيش والأمن داخل قصر الرئاسة، وفي الثكنات وداخل مقرات وزارتي الداخلية والدفاع.
والجدير بالذكر، أن شعبية سعيّد تزايدت منذ استفحال جائحة «كوفيد - 19» نتيجة إشراكه المؤسسة العسكرية في تطعيم المواطنين في الأرياف والمناطق الفقيرة، وكذلك في إنشاء «مستشفيات عسكرية ميدانية» جديدة في معظم المحافظات بعد تلقي تونس مساعدات كبيرة وصلت إلى البلاد عبر جسور جوية وبرية وبحرية من عدة دول عربية وغربية. وهكذا نجح الرئيس في وضع حد لـ«التهميش» الذي كانت قيادات من الجيش تشكو منه إبان السنوات الـ60 الماضية، تكريسا لمقولة الحبيب بورقيبة «الجيش في ثكناته».
- نعم... ولكن
جدير بالذكر، أن الجيش التونسي نزل إلى الشوارع بكثافة منذ سقوط بن علي يوم 14 يناير (كانون الثاني) 2011. ثم تزايد دوره خلال العشرية الماضية بعد تعاقب العمليات الإرهابية في المحافظات الحدودية مع الجزائر وليبيا، ثم داخل العاصمة تونس. ولقد تسببت تلك العمليات في مضاعفة قيمة موازنة وزارتي الدفاع والداخلية 3 مرات مقارنة بموازنات ما قبل ثورة يناير 2011.
وعلى الرغم من تغيير القيادة العليا للجيش مراراً إبان العشرية الماضية، فقد نجح قادتها في لعب دور سياسي مركزي عبر مؤسستي «مجلس الأمن القومي» و«المجلس الأعلى للجيوش» اللتين تضاعف دورهما منذ وصول قيس سعيّد إلى قصر قرطاج الرئاسي بعد انتخابات 2019. ويذكر أن الجيش الوطني التونسي، الذي همش دوره السياسي في عهد الرئيسين بورقيبة (1956 - 1987) وبن علي (نهايات 1987 – يناير 2011) عاد فانخرط بقوة في السياسة الخارجية لتونس خلال السنوات القليلة الماضية عبر إحداث آليات مشتركة مع الجيش الأميركي وقوات عسكرية أوروبية دولية للتنسيق العسكري والأمني حول ملفات لبيبا والجزائر ودول الساحل والصحراء «سين صاد».
- عسكريون في عالم السياسة
وعطفاً على ما تقدم، فإن إشراك القوات المسلحة التونسية في الشأن العام برز منذ أواخر سبعينات وثمانينات القرن الماضي، عندما شهدت تونس أحداثا دامية بمناسبة إضراب عام عن العمل في يناير 1978، ثم بعد مهاجمة مجموعة «كوماندوس» مدعومة من دول مجاورة جنوب تونس خلال يناير 1980 في محاولة للإطاحة بالنظام التونسي.
وفي حينه، لجأ بورقيبة إلى الجيش، وخاصة، إلى الجنرال زين العابدين بن علي، فعينه مديراً عاماً للأمن الوطني، ثم وزيراً للداخلية في أعقاب مظاهرات دامية ضمن ما سُمّي «ثورة الخبز» في أواخر 1983 ومطلع 1984.
منذ تلك الأحداث تضاعفت قيمة الإنفاق العسكري أربع مرات. وعندما قرر الجنرال بن علي والمقربون منه الإطاحة بحكم الحبيب بورقيبة في أواخر 1987، فكّروا في تعطيل العمل بالدستور وتشكيل «لجنة إنقاذ» تضم عسكريين ومدنيين، إلا أنهم سرعان ما عدلوا عن ذلك، وحافظوا على «الصبغة المدنية للدولة» و«النظام الجمهوري».
بعدها، عيّن بن علي في أول عهده بالرئاسة جنرالات في مواقع سياسية عليا، بينهم الحبيب عمار الذي عيّنه وزيراً للداخلية ثم الاتصالات. كذلك عيّن الجنرال عبد الحميد بالشيخ وزيراً للخارجية ثم سفيراً في باريس، والجنرال مصطفى بوعزيز وزيراً للعدل ثم وزيراً لأملاك الدولة.
ثم عين بن علي جنرالات من رئاسة الأركان سفراءً، وأسند لبعضهم رئاسة مؤسسات عليا في الدولة بينها شركات النقل الجوي والحديدي الحكومية. لكنه في المقابل، أبعد غالبية قيادات الجيش عن المسؤوليات السياسية منذ الإعلان عن «محاولة انقلابية» نظمتها ضده مجموعة من العسكريين والأمنيين محسوبة على «حركة النهضة» عام 1992. ولكن، على أي حال، اعتمد بن علي طوال حكمه على عسكريين كبار في بعض المهمات الاستراتيجية مثل الإدارة العامة للأمن الوطني والإدارة العامة للأمن الرئاسي اللتين تداول عليهما طوال 23 سنة الجنرال علي السرياطي.
مع هذا، شاءت الأقدار أن يتهم السرياطي، مطلع 2011، بأنه لعب دوراً مهماً في الإطاحة بحكم بن علي لأسباب عديدة من بينها الصراعات التي انفجرت داخل مؤسسات الحكم عموماً، ومنها الصراع بينه وبين قيادات الجيش في وزارة الدفاع الوطني بزعامة الجنرال رشيد عمار رئيس أركان جيش البر، والجنرال أحمد شبير رئيس المخابرات العسكرية.
- الورقة الدولية
إلا أن المتغيرات في المشهد السياسي ودور المؤسسة العسكرية في تونس من الأمور التي ستبقى رهينة عوامل كثيرة، من بينها تطورات مواقف الدول المؤثرة في القرار السياسي والعسكري في تونس، وعلى رأسها الجزائر وفرنسا والولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا.
كذلك ستتأثر، حتماً، بطبيعة الحكومة الجديدة وشخصية رئيسها والمشرفين على وزارات الدفاع والداخلية والعدل والخارجية. ولا سيما، إذ ما كانوا سيُختارون من المدنيين والحقوقيين - مثل معظم وزراء الحكومتين السابقتين -، أم سيكون بينهم عدد من الضباط العسكريين والأمنيين.
وفي هذه الحالة، وتلك، ستتأثر مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة والمواقف من دور المؤسسة العسكرية بنتيجة مشاورات «الكواليس» بحثاً عن اتفاق سياسي يضمن استئناف البرلمان والمجالس البلدية وكل المؤسسات المنتخبة لمهامها، في ظرف شهر أو اثنين. وهذا أمر حيوي كي لا تتدهور الأوضاع الأمنية فيها خلال مرحلة زمنية تتعثر فيها مسارات التسوية السلمية لأزمة ليبيا لأسباب عديدة من بينها «لعبة المحاور الإقليمية والدولية».
- الجيش التونسي اقتحم تجربة التصنيع الحربي
> طوّر الجيش التونسي بعد ثورة 2011 قدراته العلمية واللوجيستية وخبرته في التصنيع والحرب بالشراكة مع جيوش عدد من دول الحلف الأطلسي «ناتو»، وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وتركيا. ولقد زار الرئيس قيس سعيّد يرافقه وزير الدفاع وكوادر عسكرية مؤسسة نجحت في إنتاج آليات عسكرية متوسطة بقدرات وطنية. وكشفت مصادر من وزارة الدفاع الوطني التونسي، خلال جلسة استماع سابقة أمام لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح في البرلمان، أن «القوات العسكرية التونسية، نجحت في صناعة عربة عسكرية، تخطت مختلف التجارب».
أيضاً، كشف وزير الدفاع المعزول مؤخرا عن أن «القوات التونسية، دخلت أيضاً مجال التصنيع البحري وصنعت ثلاث قطع بحرية، وأصبح بالإمكان تجهيزها بالأسلحة ووسائل الاستطلاع والاستعلام، وذلك في إطار شراكة بين وزارة الدفاع والقطاع الخاص». وأضاف قائلاً إن «وزارة الدفاع تنوي المضي قدماً في هذا المجال بتصنيع وحدات بحرية أخرى».
هذا، وجاء خوض المؤسسة العسكرية مغامرة التصنيع العسكري بهدف «الضغط على الكلفة»، حيث تشير الإحصاءات إلى توفير مبالغ مالية كبيرة، وخلق فرص عمل للشباب ومن بينهم أصحاب الشهادات العليا في اختصاصات عدة، وتثمين التكوين العسكري، الذي يتلقاه الضباط في الداخل والخارج، واكتساب الخبرة في مجال التصنيع العسكري في مختلف وحدات الجيش. حسب وزير الدفاع السابق.
وخلال مايو (أيار) 2015 كانت قد نُظمت تظاهرة وطنية عُرضت فيها معدات صنعتها كفاءات تونسية، من بينها طائرة من دون طيار جُربت لأول مرة في عام 2013. ويبلغ طول هذه الطائرة ثلاثة أمتار، ووزنها 45 كيلوغراماً، وهي قادرة على بلوغ ارتفاع يصل إلى 2500 متر، وكما تصل مدة تحليقها إلى ثلاث ساعات.
أيضاً، عُرضت عينات أخرى من أجهزة تشغيل وتحطيم الألغام، وكُشف الستار عن رجل آلي مسلح مختص في القتال والتمشيط والاستطلاع وكشف الألغام، بالإضافة إلى منظومة لمتابعة التشكيلات العسكرية على الميدان في المهمات العملياتية، ورادار لكشف التحركات وأجهزة لاسلكية. وكل هذه مشاريع رائدة من شأنها أن تعزز قدرات الجيش التونسي على مجابهة مختلف التحديات الداخلية والإقليمية.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.