تونس: أي دور للمؤسسة العسكرية في «الجمهورية الثالثة»؟

وسط ترحيب واسع بخطوة سعيّد... والتشديد على الفصل بين السلطات ومدنية الدولة

تونس: أي دور للمؤسسة العسكرية في «الجمهورية الثالثة»؟
TT

تونس: أي دور للمؤسسة العسكرية في «الجمهورية الثالثة»؟

تونس: أي دور للمؤسسة العسكرية في «الجمهورية الثالثة»؟

بعد عقود من إبعاد القيادات العسكرية عن مؤسسات صنع القرار السياسي في تونس، ضاعف الرئيس قيس سعيّد دور المؤسسة العسكرية الأمني والسياسي والاجتماعي. وانحازت قيادة الجيش إلى الرئيس سعيّد في معركته مع معارضيه وخصومه داخل الحكومة والبرلمان و«اللوبيات» السياسية والمالية، فدعمت قراره بإسقاط حكومة هشام المشّيشي وتجميد البرلمان.
وعلى الرغم من الانتقادات الحادة التي كان سياسيون وحقوقيون من عدة تيارات يوجهونها للرئيس سعيّد بسبب ما سموه «إقحام المؤسستين العسكرية والأمنية في خلافات السياسيين»، نجح الرئيس في الحصول على دعم قيادة الجيش للقرارات السياسية غير المسبوقة التي اتخذها يوم 25 يوليو (تموز) والتي وصفها خصومه ومعارضوه بأنها «انقلاب». ومن ثم، يتساءل المتابعون الآن الدور المتوقع للمؤسسة العسكرية في المرحلة المقبلة من تاريخ تونس، بعدما أطلق بعض الخبراء عليها تسمية «الجمهورية الثالثة» إيذاناً بطي صفحة «الجمهورية الثانية» ومرحلة حكام ما بعد «ثورة 2011».
خلافاً للتوقعات وللتصريحات القديمة المعارضة لإشراك قيادات الجيش في الحياة السياسية بتونس، تعاقبت خلال الأيام تصريحات التنويه بدعم المؤسسة العسكرية للرئيس قيس سعيّد وقراراته التي تهدف إلى «تصحيح مسار الثورة».
بل إن غالبية الأحزاب والمنظمات الحقوقية والنقابية، التي وصفت تلك القرارات أول الأمر بـ«الانقلاب على الدستور» و«الانقلاب على نتائج انتخابات 2019»، عدلت خطابها بسرعة، فنوّهت بالمؤسسة العسكرية وحيادية الجيش التونسي منذ تأسيسه عام 1956 عقب استقلال تونس عن فرنسا، وتشكيل الحكومة الوطنية الأولى بقيادة الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة.
- مساندة علنية
ولقد تصدّر المرحبون بدعم الجيش لقرارات الرئيس قيس سعيّد، وفي مقدّمها إسقاط الحكومة وتجميد البرلمان «مؤقتاً» عددا من كبار القادة المتقاعدين للمؤسستين العسكرية والأمنية، بينهم الجنرال كمال العكروت المستشار العسكري والأمني للرئيس الراحل الباجي قائد السبسي، وأمير اللواء محمد المؤدب المدير العام السابق للأمن العسكري وللقمارق (الجمرك)، والعميد مختار بن نصر رئيس المؤسسة الوطنية لمكافحة الإرهاب السابق، والعميد هشام المؤدب الناطق الرسمي السابق باسم وزارة الداخلية... الذي عُرف بعد تقاعده بكثرة انتقاداته للرئيس سعيّد وبدفاعه عن مواقف خصومه.
كذلك رحّب عدد من وزراء حكومات الرئيسين السابقين بورقيبة وزين العابدين بن علي، وأيضاً حكومات ما بعد «ثورة 2011»، بينهم أحمد نجيب الشابي ومحسن مرزوق وسلمى اللومي، بقرارات رئيس الجمهورية وبتعاونه مع قيادات المؤسسة العسكرية، وذكّر هؤلاء بحيادها خلال انتفاضة نهاية 2010 ومطلع 2011، وإحجامها عن التورط في قمع المتظاهرين ضد حكم بن علي. وعادت وسائل الإعلام إلى نشر صور تبادل الورود والقبلات في «ثورة 2011» بين الشباب المتظاهر وعدد من الضباط العسكريين التونسيين، والتقاطهم صوراً تذكارية معهم ومع رئيس أركان الجيوش الثلاثة وقتها الجنرال رشيد عمار. وللعلم، كان عدد من كبار السياسيين والقادة العسكريين، بينهم الجنرال عمار، قد صرحوا مرارا بأن قيادة الجيش تلّقت دعوات لتسلم السلطة بعد إسقاط حكم بن علي لكنها رفضت. وما يستحق الإشارة أنه سبق للرئيسين السابقين الباجي قائد السبسي والمنصف المرزوقي ورؤساء الحكومات المتعاقبون حمادي الجبالي وعلي العريض والمهدي جمعة والحبيب الصيد ويوسف الشاهد أن أثنوا على «حيادية الجيش» خلال الانتخابات التي نظمت في 2011 و2014 ثم في 2019.
- «الإنقاذ» و«تصحيح المسار»
ومن جهة ثانية، كان لافتاً للانتباه أن أبرز المحللين السياسيين والعسكريين في معظم وسائل الإعلام التونسية قد اصطفوا بسرعة وراء الرئيس سعيّد وقراراته ومشروعه لـ«الإنقاذ» و«تصحيح مسار الثورة» ومحاربة «الفساد المالي» وفتح تحقيق حول مصادر تمويل الأحزاب السياسية وحملاتها الانتخابية، وخاصة حزبي «حركة النهضة» (إسلامي) و«قلب تونس» (ليبرالي).
وفي السياق ذاته، نوّه العميد المتقاعد مختار بن نصر الرئيس السابق للجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب بكل الإجراءات التي اتخذها رئيس الجمهورية يوم 25 يوليو وما بعدها، بما في ذلك عزل رئيس الحكومة وعدد كبير من كبار المسؤولين في الحكومة والقيادات الأمنية والعسكرية. واعتبر بن نصر أن تلك الإجراءات يمكن تفسيرها بـ«شرعيته الانتخابية والسياسية» وصلاحياتها باعتباره رئيساً للدولة وقائداً عاماً للقوات المسلحة والمسؤول الأول عن إنقاذ البلاد. وتوقع الجنرال بن نصر «تفعيل» كل القرارات التي أصدرها الرئيس سعيّد وسط ترحيب شعبي «لأنه حافظ منذ انتخابه على اجتماعات التشاور والتنسيق مع القيادات العليا للجيش وللمؤسستين الأمنية والعسكرية». بينما اعتبر الجنرال المتقاعد كمال العكروت أن «غالبية الشعب والنخب والقيادات العسكرية والأمنية فرحت بقرارات 25 يوليو، لأنها لم تكن راضية عن التجاذبات السياسية داخل البرلمان والحكومة».
- «خريطة طريق»
في الأثناء تعاقبت الاقتراحات الصادرة عن بعض رموز المؤسستين العسكرية والأمنية، بينهم جنرالات وكوادر في «نقابات الأمنيين». ودعا بعضهم رئيس الجمهورية إلى إعلان «خريطة طريق» تضمن تطبيق قراراته التي تهدف إلى «إنقاذ البلاد من خطر المتطرفين دينياً وسياسياً»، وأن يكون من بين أولوياتها تحقيق الفصل بين السلطات وإرسال رسائل طمأنة الى الداخل والخارج، خاصة فيما يتعلّق بضمان الحريات والحقوق والمسار الديمقراطي. وكذلك إلى أن يكون رئيس الحكومة الجديد قادراً على تشكيل حكومة أزمة تدير شؤون البلاد وفق برنامج وأهداف واضحة ومدروسة لتجاوز الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والوبائية، وسط التفشي الكبير لفيروس «كوفيد - 19» في تونس.
هذه التصريحات والمواقف تلتقي كلها مع اقتراحات مماثلة قدمها عدد من كبار الخبراء المدنيين بينهم محمد المنصف شيخ روحه، الخبير الاقتصادي والمالي الدولي ورئيس لجنة المالية في البرلمان سابقاً. إذ شدد شيخ روحه على ضرورة أن «تستفيد الحكومة المقبلة من توصيات الأكاديميين والخبراء وأوساط المال والأعمال بهدف تحقيق تنمية اقتصادية اجتماعية شاملة... تؤدي إلى تحسين موارد البلاد وفرص الادخار والاستثمار والشراكة بين المؤسسات المدنية والعسكرية في حفظ الأمن الوطني وتحسين مناخ الأعمال». وفي المقابل، حذر أمير اللواء محمد المؤدب المدير العام للأمن العسكري ولمصالح القمارق من «التسويف» ومن التلكؤ في تفعيل قرارات 25 يوليو. وحث، من ثم، الرئيس على خطوات عملية تشاركية بين العسكريين والمدنيين «للإنقاذ والإصلاح والتصحيح ووضح حد للفوضى وللصراعات بين كبار المسؤولين في الدولة».
- من «التهميش» إلى تصدّر المشهد
في سياق موازٍ، لوحظ أن جلّ بيانات المنظمات الحقوقية والنقابية والأحزاب اليسارية والليبرالية الصادرة بعد قرارات 25 يوليو طالبت بـ«احترام الصبغة المدنية للدولة والفصل بين السلطات» وفاءً للمبادئ التي نص عليها دستور الجمهورية الأولى في 1959 ثم دستور الجمهورية الثانية في 2014. إذ صدرت عن منظمات القضاء المدني والمحامين والصحافيين والعمال والفلاحين بلاغات نوّهت بخطوات قيس سعيّد الجديدة، بالتوازي مع تأكيدها على ضرورة «استئناف المؤسسات الديمقراطية» دورها في أقرب وقت، بما يعني رفع التجميد عن البرلمان والمجالس البلدية المنتخبة. وحقاً، تفاعل سعيّد مع هذه المطالب، عندما أعلن في كلمة ألقاها خلال اجتماعه بممثلي «المجتمع المدني»، وبثها الموقع الرسمي لرئاسة الجمهورية والتلفزيون التونسي، أنه سيحترم الصبغة المدنية للدولة، والحريات العامة والفردية، ومسار الحوار السياسي مع المعارضين من «دون إقصاء». ونفى أن يكون ما جرى يوم 25 يوليو انقلاباً.
لكن هذه المتغيرات والأحاديث عن «دور أكبر للمؤسسة العسكرية» جاءت بعد سنتين عقد خلالهما قيس سعيّد، بصفته رئيساً للدولة وقائداً عاماً للقوات المسلحة، اجتماعات بالجملة مع قيادات الجيش والأمن داخل قصر الرئاسة، وفي الثكنات وداخل مقرات وزارتي الداخلية والدفاع.
والجدير بالذكر، أن شعبية سعيّد تزايدت منذ استفحال جائحة «كوفيد - 19» نتيجة إشراكه المؤسسة العسكرية في تطعيم المواطنين في الأرياف والمناطق الفقيرة، وكذلك في إنشاء «مستشفيات عسكرية ميدانية» جديدة في معظم المحافظات بعد تلقي تونس مساعدات كبيرة وصلت إلى البلاد عبر جسور جوية وبرية وبحرية من عدة دول عربية وغربية. وهكذا نجح الرئيس في وضع حد لـ«التهميش» الذي كانت قيادات من الجيش تشكو منه إبان السنوات الـ60 الماضية، تكريسا لمقولة الحبيب بورقيبة «الجيش في ثكناته».
- نعم... ولكن
جدير بالذكر، أن الجيش التونسي نزل إلى الشوارع بكثافة منذ سقوط بن علي يوم 14 يناير (كانون الثاني) 2011. ثم تزايد دوره خلال العشرية الماضية بعد تعاقب العمليات الإرهابية في المحافظات الحدودية مع الجزائر وليبيا، ثم داخل العاصمة تونس. ولقد تسببت تلك العمليات في مضاعفة قيمة موازنة وزارتي الدفاع والداخلية 3 مرات مقارنة بموازنات ما قبل ثورة يناير 2011.
وعلى الرغم من تغيير القيادة العليا للجيش مراراً إبان العشرية الماضية، فقد نجح قادتها في لعب دور سياسي مركزي عبر مؤسستي «مجلس الأمن القومي» و«المجلس الأعلى للجيوش» اللتين تضاعف دورهما منذ وصول قيس سعيّد إلى قصر قرطاج الرئاسي بعد انتخابات 2019. ويذكر أن الجيش الوطني التونسي، الذي همش دوره السياسي في عهد الرئيسين بورقيبة (1956 - 1987) وبن علي (نهايات 1987 – يناير 2011) عاد فانخرط بقوة في السياسة الخارجية لتونس خلال السنوات القليلة الماضية عبر إحداث آليات مشتركة مع الجيش الأميركي وقوات عسكرية أوروبية دولية للتنسيق العسكري والأمني حول ملفات لبيبا والجزائر ودول الساحل والصحراء «سين صاد».
- عسكريون في عالم السياسة
وعطفاً على ما تقدم، فإن إشراك القوات المسلحة التونسية في الشأن العام برز منذ أواخر سبعينات وثمانينات القرن الماضي، عندما شهدت تونس أحداثا دامية بمناسبة إضراب عام عن العمل في يناير 1978، ثم بعد مهاجمة مجموعة «كوماندوس» مدعومة من دول مجاورة جنوب تونس خلال يناير 1980 في محاولة للإطاحة بالنظام التونسي.
وفي حينه، لجأ بورقيبة إلى الجيش، وخاصة، إلى الجنرال زين العابدين بن علي، فعينه مديراً عاماً للأمن الوطني، ثم وزيراً للداخلية في أعقاب مظاهرات دامية ضمن ما سُمّي «ثورة الخبز» في أواخر 1983 ومطلع 1984.
منذ تلك الأحداث تضاعفت قيمة الإنفاق العسكري أربع مرات. وعندما قرر الجنرال بن علي والمقربون منه الإطاحة بحكم الحبيب بورقيبة في أواخر 1987، فكّروا في تعطيل العمل بالدستور وتشكيل «لجنة إنقاذ» تضم عسكريين ومدنيين، إلا أنهم سرعان ما عدلوا عن ذلك، وحافظوا على «الصبغة المدنية للدولة» و«النظام الجمهوري».
بعدها، عيّن بن علي في أول عهده بالرئاسة جنرالات في مواقع سياسية عليا، بينهم الحبيب عمار الذي عيّنه وزيراً للداخلية ثم الاتصالات. كذلك عيّن الجنرال عبد الحميد بالشيخ وزيراً للخارجية ثم سفيراً في باريس، والجنرال مصطفى بوعزيز وزيراً للعدل ثم وزيراً لأملاك الدولة.
ثم عين بن علي جنرالات من رئاسة الأركان سفراءً، وأسند لبعضهم رئاسة مؤسسات عليا في الدولة بينها شركات النقل الجوي والحديدي الحكومية. لكنه في المقابل، أبعد غالبية قيادات الجيش عن المسؤوليات السياسية منذ الإعلان عن «محاولة انقلابية» نظمتها ضده مجموعة من العسكريين والأمنيين محسوبة على «حركة النهضة» عام 1992. ولكن، على أي حال، اعتمد بن علي طوال حكمه على عسكريين كبار في بعض المهمات الاستراتيجية مثل الإدارة العامة للأمن الوطني والإدارة العامة للأمن الرئاسي اللتين تداول عليهما طوال 23 سنة الجنرال علي السرياطي.
مع هذا، شاءت الأقدار أن يتهم السرياطي، مطلع 2011، بأنه لعب دوراً مهماً في الإطاحة بحكم بن علي لأسباب عديدة من بينها الصراعات التي انفجرت داخل مؤسسات الحكم عموماً، ومنها الصراع بينه وبين قيادات الجيش في وزارة الدفاع الوطني بزعامة الجنرال رشيد عمار رئيس أركان جيش البر، والجنرال أحمد شبير رئيس المخابرات العسكرية.
- الورقة الدولية
إلا أن المتغيرات في المشهد السياسي ودور المؤسسة العسكرية في تونس من الأمور التي ستبقى رهينة عوامل كثيرة، من بينها تطورات مواقف الدول المؤثرة في القرار السياسي والعسكري في تونس، وعلى رأسها الجزائر وفرنسا والولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وإيطاليا.
كذلك ستتأثر، حتماً، بطبيعة الحكومة الجديدة وشخصية رئيسها والمشرفين على وزارات الدفاع والداخلية والعدل والخارجية. ولا سيما، إذ ما كانوا سيُختارون من المدنيين والحقوقيين - مثل معظم وزراء الحكومتين السابقتين -، أم سيكون بينهم عدد من الضباط العسكريين والأمنيين.
وفي هذه الحالة، وتلك، ستتأثر مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة والمواقف من دور المؤسسة العسكرية بنتيجة مشاورات «الكواليس» بحثاً عن اتفاق سياسي يضمن استئناف البرلمان والمجالس البلدية وكل المؤسسات المنتخبة لمهامها، في ظرف شهر أو اثنين. وهذا أمر حيوي كي لا تتدهور الأوضاع الأمنية فيها خلال مرحلة زمنية تتعثر فيها مسارات التسوية السلمية لأزمة ليبيا لأسباب عديدة من بينها «لعبة المحاور الإقليمية والدولية».
- الجيش التونسي اقتحم تجربة التصنيع الحربي
> طوّر الجيش التونسي بعد ثورة 2011 قدراته العلمية واللوجيستية وخبرته في التصنيع والحرب بالشراكة مع جيوش عدد من دول الحلف الأطلسي «ناتو»، وخاصة الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وتركيا. ولقد زار الرئيس قيس سعيّد يرافقه وزير الدفاع وكوادر عسكرية مؤسسة نجحت في إنتاج آليات عسكرية متوسطة بقدرات وطنية. وكشفت مصادر من وزارة الدفاع الوطني التونسي، خلال جلسة استماع سابقة أمام لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح في البرلمان، أن «القوات العسكرية التونسية، نجحت في صناعة عربة عسكرية، تخطت مختلف التجارب».
أيضاً، كشف وزير الدفاع المعزول مؤخرا عن أن «القوات التونسية، دخلت أيضاً مجال التصنيع البحري وصنعت ثلاث قطع بحرية، وأصبح بالإمكان تجهيزها بالأسلحة ووسائل الاستطلاع والاستعلام، وذلك في إطار شراكة بين وزارة الدفاع والقطاع الخاص». وأضاف قائلاً إن «وزارة الدفاع تنوي المضي قدماً في هذا المجال بتصنيع وحدات بحرية أخرى».
هذا، وجاء خوض المؤسسة العسكرية مغامرة التصنيع العسكري بهدف «الضغط على الكلفة»، حيث تشير الإحصاءات إلى توفير مبالغ مالية كبيرة، وخلق فرص عمل للشباب ومن بينهم أصحاب الشهادات العليا في اختصاصات عدة، وتثمين التكوين العسكري، الذي يتلقاه الضباط في الداخل والخارج، واكتساب الخبرة في مجال التصنيع العسكري في مختلف وحدات الجيش. حسب وزير الدفاع السابق.
وخلال مايو (أيار) 2015 كانت قد نُظمت تظاهرة وطنية عُرضت فيها معدات صنعتها كفاءات تونسية، من بينها طائرة من دون طيار جُربت لأول مرة في عام 2013. ويبلغ طول هذه الطائرة ثلاثة أمتار، ووزنها 45 كيلوغراماً، وهي قادرة على بلوغ ارتفاع يصل إلى 2500 متر، وكما تصل مدة تحليقها إلى ثلاث ساعات.
أيضاً، عُرضت عينات أخرى من أجهزة تشغيل وتحطيم الألغام، وكُشف الستار عن رجل آلي مسلح مختص في القتال والتمشيط والاستطلاع وكشف الألغام، بالإضافة إلى منظومة لمتابعة التشكيلات العسكرية على الميدان في المهمات العملياتية، ورادار لكشف التحركات وأجهزة لاسلكية. وكل هذه مشاريع رائدة من شأنها أن تعزز قدرات الجيش التونسي على مجابهة مختلف التحديات الداخلية والإقليمية.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.