من تشارلز لوتون إلى جوني ديب .. ممثلون خاضوا غمار الإخراج مرة وتوقفوا

بعض أهم أدوارهم وردت في تلك الأفلام التي أخرجوها

جوني ديب في «الشجاع»  -  مارلون براندو كما ظهر في «جاك ذو العين الواحدة»  -  جيمس كان
جوني ديب في «الشجاع» - مارلون براندو كما ظهر في «جاك ذو العين الواحدة» - جيمس كان
TT

من تشارلز لوتون إلى جوني ديب .. ممثلون خاضوا غمار الإخراج مرة وتوقفوا

جوني ديب في «الشجاع»  -  مارلون براندو كما ظهر في «جاك ذو العين الواحدة»  -  جيمس كان
جوني ديب في «الشجاع» - مارلون براندو كما ظهر في «جاك ذو العين الواحدة» - جيمس كان

عندما سألت جوني ديب، قبل بضع سنوات عن السبب الذي لم يعاود فيه تجربة الإخراج، أطرق رأسه ناظرًا إلى حافة الطاولة التي فصلت بيننا ثم رفع رأسه، وقال: «لم تكن تجربة ذلك الفيلم مفيدة بالنسبة لي كما رغبت بها أن تكون. هي بالتأكيد تجربة أكثر من أي شيء آخر وبعدها قررت أن علي أن أكتفي بدوري كممثل».
الفيلم هو «الشجاع» الذي وقف فيه جوني ديب وراء الكاميرا كما أمامها. كان أنجز فيلمًا تشويقيًا لجانب آل باتشينو عنوانه «دوني براسكو» ويستعد لفيلم ساخر بعنوان «خوف وازدراء في لاس فيغاس» عن رواية شخصية لهانتر س. تومسون، عندما توخّى تحقيق هذا الفيلم الذي لعب فيه دور هندي لأول مرّة. على عكس فيلمه الأحدث «ذا لون رانجر» (2013) كان ذلك فيلما جادا حول أزمة مواطن أميركي (هندي الأصول) يوافق على تمثيل دور القتيل في فيلم صغير لكي يساعد عائلته الفقيرة. مثل «ذا لون رانجر» سقط الفيلم في عروضه نقديًا وتجاريًا بعد أن شهد عرضه العالمي الأول في مهرجان «كان» ذلك العام. ديب لم يخرج أي فيلم بعد ذلك إلى اليوم.

* حضور قوي
تجربة جوني ديب ليست وحيدة من نوعها. هناك ممثلون كثر قاموا، لدوافع وطموحات فنية غالبًا، بالانتقال للوقوف وراء الكاميرا، ثم - على عكس ما حصل مع البعض الآخر مثل كلينت إيستوود ومل غيبسون وجودي فوستر - لم يستمروا في هذا النهج وتوقفوا تمامًا عنه بعد تجربة واحدة.
هذا لا يعني أن الأفلام كانت رديئة. في الحقيقة بعض أهم علامات بعض الممثلين وردت في تلك الأفلام التي أخرجوها. هذا واضح في تجربة الممثل الراحل تشارلز لوتون عندما انبرى لتحقيق فيلم شارك في كتابته الروائية جيمس آجي عنوانه «ليلة الصيّاد» سنة 1955. خلفية هذا الممثل الإنجليزي (1962‪ - ‬1899) امتدت من عام 1929 عندما اشترك في تمثيل فيلم بريطاني عنوانه «بيكاديللي». موهبته في أداء أدوار تعكس قوة الشخصية، كحاله عندما ظهر في دور الكابتن القاسي في «تمرد على باونتي» لفرانك لويد عام 1935 وفي دور الأحديب في «أحديب نوتردام» لويليام ديتريل سنة 1939، ممتزجة بموهبته الأدائية ذات الحضور الدرامي المسرحي النشأة ساعده في تبوأ مكانة عالية بين ممثلي الأدوار المساندة والرئيسية مما نتج عنه أوسكار أفضل ممثل سنة 1957 عن فيلم بيلي وايلدر «شاهد الادعاء».
«ليلة الصيّاد» كان تتويجًا لرغبته الانتقال إلى الإخراج، حكاية متطرّف ديني يخرج من السجن ويضرب طوقًا حول عائلة يضمر لها الشر. الممثل روبرت ميتشوم خطف من الفيلم دلالاته.
على رغم من التوقعات التي أحاطت به (وتحول ممثل إلى مخرج لم يكن أمرًا يمر سريعًا من قِبل الإعلام حينها) فإن الفيلم سقط تجاريًا وعاد لوتون للتمثيل وحده.
بعد سنوات قليلة، 1961 تحديدًا، قام مارلون براندو بالتجربة ذاتها. اقتبس رواية لتشارلز نيدر (الوحيدة التي تحوّلت إلى فيلم) حول شريكين في سرقة المصارف هما ريو (براندو) وداد (كارل مالدن) يفترقان بعد آخر سرقة. الثاني يسرق الأول ويتركه في الصحراء ليموت. لكن ريو يعيش ويصل إلى بلدة على الحدود المكسيكية حيث تبوأ داد وظيفة شريف خافيًا خلفيّته.

* المرأة التي اختفت
الحلم بتحقيق فيلم وتوسيع دائرة تعامل الفنان مع السينما دفع بممثلة غير معروفة اسمها باربرا لودن لتقديم فيلم ما زال يُثير إعجاب الجيل الجديد من النقاد منجذبين إلى براعته وأسلوبه.
لودن لعبت تحت إدارة (زوجها) إيليا كازان في «نهر متوحش» (1960). كان ذلك أول أفلامها وترتيبها بين أسماء الممثلين كان سابعًا (قبلها لي ريميك ومونتغمري كليفت بين آخرين). بعد عام عاد إليها كازان وقدّمها في دور مساند (الاسم الرابع بعد وورن بيتي ونتالي وود وبات هينغل) في «رائع فوق الحشائش». ربما أسرعت لودن في نقلتها الفنية، لكنها وجدت نفسها بلا عمل سينمائي يُذكر، ولو أنها ظهرت على مسارح برودواي في تلك الفينة، قبل أن تقوم سنة 1969 بتحقيق فيلم بعنوان «واندا» تم عرضه في العام التالي، في ذلك الفيلم لعبت شخصية امرأة تمارس الجريمة (سرقة، قتل، ..إلخ) على خطى بوني باركر (فاي داناواي) في «بوني وكلايد» (آرثر بن 1967). واندا (كما قامت هي بدورها) امرأة فقدت أي حب للحياة، وذلك بصم سلوكها حيال الجريمة وخلوّها من مراجعة ذاتية أو ضميرية. الفيلم عرض في العام التالي في مهرجان فينسيا ونال جائزة أفضل فيلم أجنبي (كانت هناك آنذاك جائزة بهذا الاسم) لكنه كان بداية أمل ونهاية مشوار بالنسبة إليها. بعده لم تظهر مطلقًا لا وراء الكاميرا ولا أمامها.
وفي النماذج الأقرب إلينا، نجد الممثل جيمس كان ومغامرته لتحقيق فيلم نجيب عنوانه «اختباء في موقع مكشوف».
«كان» من وجوه السبعينات الذين شقوا طريقهم بأدوار ناجحة في أواخر الستينات، أمثال آل باتشينو وروبرت دينيرو ودستين هوفمان وجين هاكمان ووورن بيتي. ظهر «كان» في دور الشقيق الأكبر لآل باتشينو في «العراب» وهو الشقيق الذي ينتهي مقتولاً بعدما غدر به وسهّل للعصابة المناوئة قتله زوج شقيقته. لا يوجد، على الأرجح، من لا يتذكر كيف سقط الممثل تحت وابل الرصاص عند ذلك الحاجز. حين أخرج «كان» فيلمه الوحيد «اختباء في موقع مكشوف» Hide in Plain Sight سنة 1980 أحسن الاختيار. الحكاية مأخوذة عن قصّة واقعية جرت أحداثها قبل سنوات قليلة عندما اكتشف رجل أن زوجته السابقة اختفت من دون أثر مع ولديهما فانطلق يبحث عنها ليجد أنها متوارية عن الأنظار لأن زوجها الثاني تعاون مع البوليس مما شكّل خطرًا عليه وعلى عائلته.
المادة مثيرة للاهتمام وتصلح لموضوع فيلم أفضل. تجربة كان في التمثيل لم تمكّنه من استيعاب الشروط التي على الفيلم استحواذها قبل إطلاق كلمة «أكشن». لذا يبدو السيناريو مكتوبًا كما لو كانت هناك مسافات زمنية بين كل كتابة وأخرى. الإخراج يدفع في سبيل ذروة معيّنة ثم ينكفئ عنها قبل لحظات من وقوعها. هذا كان كافيًا لكي يقلع كان عن محاولاته بعد ذلك.
لكن أحد التجارب الناجحة فنيًا كانت للبريطاني غاري أولدمان الذي عرض له مهرجان «كان» في دورته سنة 1997 فيلمه الوحيد حتى الآن، كمخرج، وهو «لا شيء بالفيلم» Nil by Mouth عن سيناريو كتبه وأنتجه وأخرجه ولم يمثّل فيه. دراما اجتماعية ذات منحى إنساني من بطولة راي وينستون الذي يعاني من شغف العيش في الجزء غير المتوهج من مدينة لندن.
أحد أفضل الأفلام التي صنعها ممثل كان «أب» أو «Da»: دراما إنسانية حول أميركي يعود إلى منزل والده في آيرلندا ليكون بصحبته قبل وفاته. المخرج كان مات كلارك الذي كان اقتطع لنفسه نصيبًا كبيرًا من الأدوار المساندة قبل أن يقوم، سنة 1988، بتحقيق فيلمه الوحيد كمخرج. مات كلارك لا يزال يظهر في السينما والتلفزيون، لكن فيلمه الوحيد اندثر.

* ومن غير الممثلين أيضًا
* الاكتفاء بعمل واحد كان سمة بعض السينمائيين من غير الممثلين الذين صنعوا أفلاما جيّدة ثم غابوا من دون أثر يذكر: ليونارد كاسل حقق دراما صادمة في Honeymoon Killers سنة 1962. جيمس ويليام غويريكو أنجز فيلمًا رائعًا بعنوان Electra Glide in Blue في عام 1973 وفي عالمنا العربي قام الناقد سيد سعيد بتحقيق فيلم جيّد ومهم عنوانه «القبطان» قبل 19 سنة ولا يزال فيلمه الوحيد.



مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
TT

مهرجان «لوكارنو» يستحضر الفترة الحالكة لهوليوود

«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)
«أزمنة حديثة» لتشارلي تشابلن (يونايتد آرتستس)

أعلن مهرجان «لوكارنو»، الذي ستنطلق دورته المقبلة ما بين 5 و15 أغسطس (آب) المقبل، عن تخصيص تظاهرة سينمائية للفترة «المكارثية الأميركية» التي شهدت الحملة المعادية للشيوعية في الولايات المتحدة، والتي بدأت تحقيقاتها في هوليوود عام 1947، وتضمنت محاكمة فنانين وكتّاب سينمائيين بتهمة الانتماء إلى الحزب الشيوعي أو تبنّي ميول يسارية.

وتبنّت هذه المحاكمات لجنة قادها السيناتور جوزيف مكارثي، واشتهرت باسمه.

كان للمحاكمات «المكارثية» تأثيرٌ كبير على صناعة السينما وروافدها، وعلى الحياة الفنية والثقافية عموماً، وكذلك على قطاعات أخرى مختلفة. وحسب كتاب لإيلين شريكر صدر عام 2002 بعنوان «عصر المكارثية» (وهو واحد من عشرات الكتب التي تناولت هذه الحقبة)، جُرِّد نحو 12 ألف موظف في قطاعات متعددة، من بينها القطاع الحكومي، من وظائفهم بسبب شكوك المحققين في مدى ولائهم للولايات المتحدة. وتراوح عدد عناصر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) المشاركين في التحقيق بين 3500 و7000 فرد.كانت تلك فترة عصيبة لهوليوود، نتج عنها منع كثير من العاملين في مختلف المهن من العمل، إما بسبب الريبة في انتماءاتهم السياسية أو بسبب التأكد منها. وضمن هذه الأجواء، وُضع 10 سينمائيين على «القائمة السوداء» بسبب رفضهم الإجابة عن أسئلة المحققين خلال جلسات الاستماع، وتمسكهم بالبند الخامس من الدستور الذي يتيح للمتهم عدم الإدلاء بشهادة قد تضر به. ومن أبرز هؤلاء المخرج إدوارد دميتريك، والمنتج أدريان سكوت، والسيناريست دالتون ترمبو.

ولم يكن جميع الذين خضعوا للاستجواب قد امتنعوا عن الإدلاء بشهاداتهم أو تسمية زملاء لهم يُشتبه في ميولهم اليسارية؛ إذ تراجع بعضهم سريعاً وقرروا الإدلاء بشهادات ضد رفاقهم، ومن بينهم، وربما أشهرهم، إيليا كازان.

لقطة من «مرمى النيران» لإدوارد ديمتريك» (آر كي أ راديو)

مع كازان

في مقابلة أُجريت معه خلال زيارته لمهرجان «القاهرة السينمائي» في تسعينات القرن الماضي، سألته عن هذا الموضوع. بدا عليه الانزعاج؛ أشاح بوجهه لبعض الوقت، ثم قال بعد صمت: «كنت أتمنى لو لم تسألني هذا السؤال. الجميع يريد أن يعرف لماذا فعلت ذلك. يطاردونني دوماً بهذا السؤال... والآن أنت».

كنت على وشك التعقيب، لكنه أكمل فجأة: «فعلت ذلك لأن أميركا أفضل من أن تنتشر فيها أفكار مناوئة لها، وكان دافعي وطنياً». ثم أضاف مبتسماً ابتسامة خفيفة: «هل لديك أسئلة أخرى لا تتعلق بهذا الموضوع؟».

غيّرت مجرى الحديث، وسألته عن بعض أفلامه الشهيرة مثل «عند الميناء» (On the Waterfront)، الذي هاجم فيه النقابات العمالية، و«عربة اسمها الرغبة» (A Streetcar Named Desire)، و«اتفاق جنتلماني» (A Gentleman’s Agreement)، الذي نال عنه جائزة «أوسكار» أفضل إخراج عام 1948.

وفي عام 1999، نال كازان جائزة «أوسكار» شرفية، ما دفع بعضهم إلى انتقاد الأكاديمية، ومن بينهم المخرج إدوارد دميتريك (الذي توفي لاحقاً في العام نفسه)، والذي كان قد هاجم كازان سابقاً بسبب وشايته، علماً بأن دميتريك نفسه اضطر لاحقاً إلى الكشف عن أسماء زملاء آخرين عندما قرر، في مثل هذا الشهر من عام 1951، التعاون مع اللجنة. ومن بين الذين تضرروا من شهادته المخرج فرانك تاتل، وهربرت بييبرمان، وزميلهما جول داسن.

«عند الميناء»لإيليا كازان (كولمبيا)

اختيارات لوكارنو

أدَّت تلك الحملة وما تبعها من تداعيات إلى لجوء عدد من مخرجي تلك الفترة إلى أوروبا لتجنُّب المنع من العمل أو السجن. ومن بينهم تشارلي تشابلن، وجول داسن، وجوزيف لوزي، الذين واصلوا نشاطهم السينمائي بعيداً عن هوليوود.

ويأتي تخصيص مهرجان «لوكارنو» برنامجاً لاستعادة تلك المرحلة، تحت عنوان: «أحمر وأسود: اليسار الهوليوودي والقائمة السوداء»، ليشمل عرض 50 فيلماً من أعمال (إخراجاً أو كتابة) سينمائيين اتُّهموا خلال تلك الحقبة، مثل دوروثي باركر، وريتشارد راي، وتشارلي تشابلن، ودالتون ترمبو، وجوزيف لوزي.

وسيتضمن البرنامج أفلاماً مثل «متطفل في الغبار» (Intruder in the Dust) لكليرنس براون (1949)، الذي كان من أوائل الأفلام التي نددت بالعنصرية، و«مرمى النيران» (Crossfire) للمخرج إدوارد دميترك (1947)، وهو عمل درامي بارز عن الكراهية، و«النجمة الشمالية» (The North Star) للويس مايلستون (1943)، الذي يتناول الغزو النازي لأوكرانيا عام 1941، إضافة إلى «أزمنة حديثة» (Modern Times) لتشارلي تشابلن.

هذا هو العام الثاني على التوالي الذي يختار فيه المهرجان السويسري برنامجاً يُسلط الضوء على مرحلة تاريخية ذات أبعاد سياسية في السينما؛ ففي العام الماضي، نظَّم «لوكارنو» تظاهرة بعنوان «توقعات عظيمة» خُصصت لأفلام فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

ومع انطلاق المهرجان بهذا الزخم، إلى جانب ما سيُعلن عنه من أفلام جديدة ضمن برنامجه الرسمي في يوليو (تموز)، تجدر الإشارة إلى أنه واحدٌ من أقدم 6 مهرجانات سينمائية في العالم، إلى جانب مهرجانات «ڤينيسيا» (82 سنة، إيطاليا)، و«كان» (78 سنة، فرنسا)، و«سان فرانسيسكو» (69 سنة، الولايات المتحدة)، و«سان سابستيان» (74 سنة، إسبانيا)، و«برلين» (63 سنة، ألمانيا).


شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثية عن الوحدة وعنف المجتمع والاستيطان

«ذباب» (مهرجان برلين)
«ذباب» (مهرجان برلين)

FLIES

★★★1‪/‬2

إخراج: فرناندو أيمبك | المكسيك (2026)

دراما عن امرأة جميلة الصورة ومحدودة التأثير

«أولغا» (تريسيتا سانشيز)، بطلة «ذباب»، امرأة وحيدة تجاوزت سنوات الشباب، تعاني زيادة في الوزن وافتقاراً إلى الجمال. تستيقظ، في مطلع هذا الفيلم الذي عُرض عالمياً للمرة الأولى في مهرجان «برلين» الأخير، على طنين ذبابة. تفتح النافذة لتخرجها ثم تغلقها، لكن ذبابة أخرى تظهر في الغرفة. ترشها بالمبيد، فيتسبب لها بالسعال، فتعود إلى فتح النافذة طلباً للهواء.

يمكن قراءة هذه البداية بوصفها استعارة مجازية لحياة امرأة اعتادت أن تعزل نفسها عن العالم، تغلق عينيها وأذنيها عمَّا حولها. ومع اختيار المخرج التصوير بالأبيض والأسود، يغدو هذا العالم أقل بهجة.

لاحقاً، تضطر أولغا إلى تأجير غرفة إضافية في منزلها لتغطية نفقات المعيشة. المستأجر رجل يُدعى توليو (أوغو راميريز)، ترقد زوجته في المستشفى، فتوافق على استضافته بشروط صارمة (ألا يستخدم المطبخ، وألا يطيل البقاء في الحمّام). غير أنه يُخفي وجود ابنه الصغير كريستيان (بستيان إسكوبار)، إلى أن تكتشفه أولغا. تمنحهما أسبوعاً للمغادرة، لكن هذا الأسبوع يكفي لبدء تحوّل داخلي في نظرتها إلى الحياة، بفعل حضور ذلك الصبي.

التحولات العاطفية لا تأتي مقنعة تماماً، لكنها تخدم غاية الفيلم في استكشاف المشاعر المكبوتة التي تبدأ أولغا في استعادتها تدريجياً. الحوار مبتسر، والإخراج يعتمد على قوة الصورة ودلالاتها، ضمن معالجة هادئة وفعالة لموضوع بسيط.

THE GARDEN WE DREAMT

★★★

إخراج: خواكين دل باسو

المكسيك (2026)

عائلة مهاجرة تبحث عن ذلك الحلم الجميل

لفيلمه الثالث «الحديقة التي حلمنا بها»، اختار المخرج دل باسو مدير التصوير التركي غوخان تيرياكي لمنح فيلمه الجمال المستوحى من طبيعة المكان. ترياكي هو مدير التصوير الذي عمل أكثر من مرة مع مواطنه المخرج نوري بيلج جيلان، وإذا كان لا بد من المقارنة بين رسم الكاميرا لأماكن التصوير التركية وبين تلك التي تتبدى في هذا الفيلم، فإنه لزاماً الإشارة إلى أن البون شاسع، رغم أن القيمة الفنية لشغل مدير التصوير بديعة كالعادة. لكن المختلف بتميُّز مثير هو أن تصوير الغابات الداكنة والرغبة في متابعة الشخصيات من كثب (عوض تلك المشاهد البعيدة والمتوسطة في أفلام بيلج) مثيران للاهتمام والتقدير.

«الحديقة التي حلمنا بها» (مهرجان برلين)

يبدأ الفيلم بمشهد عند الفجر: غابة شاسعة ما زالت في الظلام، وأصوات الطيور تنتشر فوقها، قبل أن يعلو صوت شاحنتين تتقدمان صوب الكاميرا، مهاجمتين وداعة الغابة وجمالها وحتى وحشتها.

تتمحور الحكاية حول عائلة من 3 أفراد كانت قد نزحت من تاهيتي إلى المكسيك بحثاً عن حياة أفضل. المكان الذي وجد فيه رب العائلة عملاً، والكوخ الذي يأويهم، يؤكدان للعائلة صعوبة العيش في المحيط الاجتماعي الجديد لها، ليس فقط في ذلك الكوخ، بل أيضاً من حيث العيش مع عمال مكسيكيين يعانون من مشاق الحياة بدورهم. كون العائلة غريبة يفرض عليها عزلة أكبر.

إنه فيلم جيد آخر عن الهجرة، جديدةٌ تلك الغابة التي تعكس عالماً ضخماً وغامضاً، عصيّاً على الاستيطان.

FOREST UP IN THE MOUNTAIN

★★★

إخراج: صوفيا بوردناييڤ

الأرجنتين (2026)

تسجيلي عن العنف في الزمن الغابر واليوم

صوفيا بوردناييڤ ربما هي أول محامية تمارس مهنة الإخراج. أرجنتينية حققت فيلمها الأول سنة 2021، وذلك بعد نحو 30 عاماً من الاهتمام بحقوق الإنسان في مجال عملها الأول. ليست هناك طريقة متاحة لمشاهدة ذلك الفيلم، لكن فيلمها الجديد يبدو نابعاً من تلك الاهتمامات الإنسانية، وعرضه في مهرجان «برلين» هو خطوتها الأولى صوب حضور دولي كبير.

«غابة في أعلى الجبل» (ماليزا برودكشن).‬

يجمع الفيلم بين زمانين: حاضر قريب، وأمس بعيد، لكن ما يوحِّد بينهما هو العنف الممارس على البيئة الطبيعية المحيطة بقرية ڤيللا ماسكاردي، التي تنتمي إلى مقاطعة «ريو نيغرو» («النهر الأسود»)، والتي عاشت في جبالها وربوعها قبيلة مابوتشي. ينطلق الفيلم من حادثة ذهب ضحيتها شاب من القبيلة عندما فتح البوليس النار عليه. تهتم المخرجة بالقضية، لكنها تحفر في الزمن لتعرض أن هذه القبيلة كانت دوماً عرضة لأطماع الوافدين البيض. تمضي بعيداً صوب القرن الـ19 لتسرد أحداثاً أخرى مماثلة وتاريخاً مليئاً بالعنف والأطماع.

بوصلة اهتمام المخرجة موجهة صوب نبش الحقائق التي دائماً ما تمحورت حول ارتكاب البيض جرائم قتل للمواطنين. ليس لديها فيلم تستعين به لتناول مقتل الشاب رفائيل في العام 2017، لكنها تنتج فيلماً ناقداً للموضوع، استنتجت حيثياته من المحكمة التي نظرت في تلك القضية.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي
TT

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

تقرير الأفلام السنوي... السينما كما يراها الجمهور السعودي

بعد سنوات عدة من عودة السينما في السعودية، باتت تتضح ملامح السوق بشكل أكبر؛ حيث تتقدم أنماط معينة من الأفلام، وتترسخ اختيارات الجمهور، ويتحول بعضها إلى حضور متكرر داخل شباك التذاكر، وهو ما يبدو واضحاً في التقرير السنوي الذي أصدرته هيئة الأفلام مساء أمس (الاثنين) وحمل عنوان «تقرير شباك التذاكر السعودي- عام 2025» الذي سلَّط الضوء على إيقاع صالات السينما على مدار العام الماضي.

وحسب التقرير؛ بلغ إجمالي الإيرادات 920.8 مليون ريال، جراء بيع 18.8 مليون تذكرة، في حين وصل عدد الأفلام المعروضة إلى 538 فيلماً، بمتوسط سعر تذكرة يصل إلى 49 ريالاً، وهي أرقام تعكس سوقاً مستقرة عند مستوى مرتفع من النشاط، مع اتجاهات أكثر وضوحاً في سلوك المشاهدة.

سوق كبيرة... تقودها المدن الكبرى

وكما كان متوقعاً، تركزت القوة الشرائية في المدن الكبرى؛ حيث تصدَّرت الرياض المشهد بإيرادات بلغت 434.4 مليون ريال، مع بيع 8 ملايين تذكرة، تلتها مكة المكرمة بـ241.9 مليون ريال و5.1 مليون تذكرة، ثم المنطقة الشرقية بإيرادات 143.4 مليون ريال و3.2 مليون تذكرة.

ولا يعكس هذا التوزيع الكثافة السكانية فقط؛ بل يشير إلى أن تجربة السينما ما زالت مرتبطة بالمدن الرئيسية؛ سواء من حيث توفر الصالات أو طبيعة الجمهور. ففي هذه المدن، تتحوَّل السينما إلى نشاط متكرر، وتصبح جزءاً من نمط الحياة الأسبوعي، بينما تتحرك بقية المناطق ضمن وتيرة أبطأ؛ حيث سجلت المدينة المنورة 24 مليون ريال، وعسير 23.4 مليون ريال، والقصيم 22.5 مليون ريال، بينما تظهر جازان وتبوك وحائل بأرقام أقل، ولكنها مستقرة، ما يعزز فكرة أن السوق تتوسع جغرافياً، مع بقاء مركز الثقل واضحاً في المدن الكبرى.

في حين بلغ عدد دور العرض في السعودية 62 داراً، تضم 603 شاشات موزعة على 10 مناطق، ويعمل في السوق 8 مشغلين. ويُظهر هذا الاتساع في البنية التشغيلية قدرة السوق على استيعاب 538 فيلماً خلال عام واحد، ويمنح الجمهور خيارات متعددة على مدار العام.

المواسم... عامل حاسم في الحركة

وتُظهر البيانات الشهرية للتقرير السنوي، أن السوق لا تتحرك بوتيرة ثابتة طوال العام، فقد سجل شهر يوليو (تموز) أعلى الإيرادات بـ122.5 مليون ريال، تلاه يونيو (حزيران) بـ118.5 مليون ريال، ثم أغسطس (آب) بـ102.4 مليون ريال، وهي فترة ترتبط بالإجازات وارتفاع النشاط الترفيهي.

في المقابل، ينخفض النشاط خلال شهر رمضان، ويظهر مارس (آذار) أضعف الأشهر بإيرادات بلغت 14.9 مليون ريال، قبل أن تستعيد السوق جزءاً من نشاطها في نهاية العام، كما يعكس هذا التذبذب ارتباط السينما بالمواسم؛ حيث يلعب عامل الوقت دوراً لا يقل أهمية عن نوعية الفيلم. وكذلك تشير بيانات التذاكر إلى النمط نفسه؛ إذ ترتفع الأرقام في أشهر الصيف، وتتراجع في الفترات الأقل نشاطاً، ما يعزز فكرة أن الإقبال يرتبط بإيقاع الحياة اليومية أكثر من ارتباطه بعرض فيلم بعينه.

جمهور واضح الذائقة

وبالنظر إلى نوعية الأفلام الأكثر تحقيقاً للإيرادات، يبدو أن الجمهور يميل إلى الأفلام السريعة والمباشرة. وتصدَّرت أفلام «الأكشن» القائمة بإيرادات بلغت 297.8 مليون ريال، تلتها «الكوميديا» بـ237.7 مليون ريال، ثم «الرعب» بـ111.4 مليون ريال، بينما جاءت «الدراما» في مرتبة لاحقة بإيرادات 96.3 مليون ريال. وتبدو هذه النتيجة امتداداً طبيعياً لطبيعة السوق؛ حيث تتكرر أنماط النجاح، وتتحول إلى معادلة شبه ثابتة بين نوع الفيلم وحجم الإقبال.

وتعزز التصنيفات العمرية هذه الصورة؛ حيث استحوذت أفلام «R18» على الحصة الأكبر من السوق بإيرادات بلغت 418.3 مليون ريال، أي ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات، مع بيع 8.3 مليون تذكرة. وتأتي بعد ذلك أفلام: «R15»، و«PG15»، و«PG» بنسب أقل، ما يعكس حضوراً قوياً للفئات العمرية الأكبر داخل صالات السينما.

الأفلام السعودية... الثالثة جماهيرياً

وعلى مستوى الإنتاج المحلي؛ بلغ عدد الأفلام السعودية المعروضة خلال 2025 أحد عشر فيلماً، حققت مجتمعة 122.6 مليون ريال، مع بيع 2.8 مليون تذكرة. ورغم أن هذه الأرقام تعكس حضوراً واضحاً، فإنها تضع السينما السعودية في موقع ثالث من حيث الحصة السوقية بنسبة 13.3 في المائة، خلف الأفلام الأميركية التي استحوذت على 55.2 في المائة من السوق، والمصرية بنسبة 22.2 في المائة.

وضمن قائمة الأفلام السعودية، برزت مجموعة أعمال حققت نتائج قوية، في مقدمتها «الزرفة» بإيرادات بلغت 30.7 مليون ريال، يليه «شباب البومب 2» بـ27.2 مليون ريال، ثم «هوبال» بـ24.6 مليون ريال، إلى جانب أفلام مثل: «إسعاف»، و«سوار»، و«فخر السويدي».

في المقابل، تظهر فجوة واضحة مع بقية الأفلام التي تحقق أرقاماً أقل، ما يعكس تركز النجاح في عدد محدود من العناوين.

أفلام عالمية في الصدارة

على مستوى السوق كلها، تصدَّر فيلم «F1: The Movie» قائمة أعلى الأفلام إيراداً بـ39.1 مليون ريال، تلاه «Lilo & Stitch»، ثم «الزرفة» في المرتبة الثالثة، ما يعكس تنوعاً في الجنسيات والأنواع، ولكنه في الوقت نفسه يؤكد استمرار الثقل الأميركي في قيادة السوق، سواء من حيث عدد الأفلام أو حجم الإيرادات.

وبالمقارنة مع السنوات السابقة، تبدو أرقام 2025 قريبة جداً من 2023، وأعلى من 2024، وهو ما يعزز صورة سوق استقرت عند مستوى مرتفع من النشاط، كما يعكس هذا الاستقرار مرحلة أكثر وضوحاً في ملامح السينما في السعودية؛ حيث تتحدد الاتجاهات، وتترسخ أنماط المشاهدة، وتصبح قراءة الأداء مرتبطة بطبيعة الاختيارات، بقدر ارتباطها بحجم الإيرادات.

اقرأ أيضاً