مقتنيات الحياة البدوية والكهوف تُلهم فناناً مصرياً

مقتنيات الحياة البدوية والكهوف تُلهم فناناً مصرياً

عادل شهاب الدين يسعى لإعادة إحياء التراث الليبي بأعمال إبداعية متنوعة
الأربعاء - 19 ذو الحجة 1442 هـ - 28 يوليو 2021 مـ رقم العدد [ 15583]
إحياء المعلقات القديمة (الشرق الأوسط)

رحلة طويلة خاضها الفنان المصري عادل محمد شهاب الدين، لمحاولة إعادة إحياء أصالة جدران المنازل العربية عبر إبداع قطع فنية يدوية مستلهمة من التراث الليبي والفنون الشعبية المصرية باستخدام خامات طبيعية، وقطع تقليدية خشبية ومعلقات نسيجية ومشغولات جلدية، إضافة إلى الجداريات التي تتميز بشكلها البدائي العفوي المستلهم معظمها من رسوم الكهوف وتراث الأجداد.
يقول شهاب الدين لـ«الشرق الأوسط»، «تخرجت في كلية التربية الفنية عام 1985 جامعة حلوان بالقاهرة، وفيها درست الفنون بمختلف العصور، وكان أكثر ما تأثرت به واستهواني إلى جانب الفنون الإسلامية والقبطية، هو الفن البدائي، لذلك حين سافرت إلى ليبيا بعد تخرجي وجدتها بلداً زاخراً بالكنوز الفنية، ووجدت نفسي مشدوهاً إلى تراثها العريق ومنتجاتها اليدوية التقليدية، لما تحتويه من منقوشات وتشكيلات ورسومات وزخارف تزين كل مكان بالبيوت الليبية القديمة وبعض بيوتها الحديثة، واكتشفت حجم التأثر بالرسوم القديمة في الكهوف والواحات والجبال ومن أشهرها كما هو معروف نقوش أكاكوس وتاسيلي وجبل نفوسة».
في البداية ربط شهاب الدين وقارن بين المنحوتات الصخرية والأعمال الفنية لعصور ما قبل التاريخ، وبين أعمال الفنانين الليبيين المعاصرِين والكتابات والرسوم على الجدران العتيقة، لا سيما في المدينة القديمة في طرابلس، حتى تشرب هذه الأشكال والصناعات، وقرر أن يُصنعها.
المزج بين الأصالة والجمال هو أكثر ما يميز فن شهاب الدين منذ أن اختار إخراج فكره للعلن: «كيف نسمح بزوال تراث متفرد مثل تراثنا العربي، لقد كان يمثل جزءاً مهماً من حياتنا وملمحاً أساسياً في بيوتنا، فلماذا نجعلها الآن تضج بالأثاث الحديث وقطع الإكسسوارات المستوردة من ثقافات أخرى؟ وإذا كان بعضها رائعاً وثميناً، فإنه لا يسد الفراغ الذي تتركه القطع الفنية التي فتحنا أعيننا عليها في منازلنا منذ القدم، ولا تعوض ما نشعر به من حنين تجاهها».
إلى جانب أعماله من الكليم والخوص التي تزدان بموتيفات من الفلكلور المصري والإرث الفني الإسلامي والقبطي، فإن المعلقات والجداريات ذات النقوش والزخارف البدوية والبدائية المسكونة بأجواء الصحراء تحتل جانباً رئيسياً من أعماله، وتبقى الصدارة للمشغولات الجلدية التي يشتهر بها المجتمع الليبي.
يقول الفنان: «حين سافرت إلى ليبيا استوقفتني براعة الحرفيين في صناعة الجلود وتطويعها ووجدتها من أبرز الصناعات اليدوية هناك، ووجدت أن للجلد استخداماً يومياً في حياتهم، فشعرت بالشغف الشديد تجاهها، وحرصت على تعلم بعض التقنيات القديمة التي لم أكن أعرف عنها شيئاً، فقد شاهدت كيف تُستغل الجلود، لا سيما العدامس والفيلالي في إنتاج مشغولات غاية في الإبداع والجمال، وبسبب شغفي بتعلم طرق التصنيع التقليدية أتقنتها رغم تعدد مراحلها الشاقة التي تبدأ بسلخ جلد الحيوان، ووضعه على الرمال الحارقة ليجف وتُمتص الرطوبة منه كاملة، من دون الحاجة إلى استخدام الملح بسبب الشمس الساطعة؛ إضافة إلى حرق الطلح ووضع الرماد في الماء وخلطه بمواد أخرى ومسح الجلد بها من الجهة الخالية من الوبر والشعر، وترك الجلود لمدة نحو 24 ساعة، ومن ثم نزيل كل ما يكسو الجلد حتى يصبح أملس ويكاد يكون شفافاً».
ويشير إلى أنه «يعتمد على زريعة بعض الأشجار حين تُجفف، لتتحول إلى ما يشبه البودرة، ونضيفها إلى الماء، ونقلبها حتى تتكون رغاوي نغمس فيها الجلد لعدة أيام، وعندما يزداد سمكه يُغسل ويُنشر، وقبل تمام جفافه نبدأ في فركه لإكسابه المرونة اللازمة لتشكيله».
إلى هذا يواصل شهاب الدين شغفه بالتراث الليبي حتى بعد عودته إلى مصر، حيث يقضي ساعات طويلة في ورشته أحياناً برفقة صغيره الذي يزداد تعلقه بالفن يوماً بعد يوم، ليقوم بإحياء المجسمات الخشبية في صورة إكسسوارات منزلية تتميز بشكلها البدائي العفوي المستلهم من رسوم الكهوف وموتيفاته، كما يقدم قطعاً نسيجية متنوعة وجداريات يمزج فيها الرسم بالنحت أحياناً، ويطوع خلال ذلك خامات الطبيعة المتوافرة في البيئة المحلية، ليبهر المشاهد بوحدات فنية تتميز بعناصر زخرفية، بعضها موغل في القدم مثل السمكة والجرة والهلال والبراعم النباتية والحيوانات، أو ما يعرف باللهجة المحكية بالبرادة ويد الإنسان أَو ما يعرف محلياً بـ«الخميسة»، إضافة إلى بعض الكلمات المكتوبة وفتحة المفتاح أَو القفل وقبة المسجد والضريح والترس، يقول: «تأثرت بالمشغولات التي أقدمها في تاريخ ليبيا العريق وما ارتبط به من أحداث ومعتقدات وثقافات ومن ذلك الأيقونات النباتية والحيوانية المرتبطة بعادات الأمازيغ.
وعن تكرار النجوم والاحتفاء بالنجمة السداسية في المشغولات، يوضح شهاب الدين قائلاً: «ظهرت النجوم في الكهوف، وهي تندمج مع شعائر الإخصاب والحصاد، حيث اعتاد السكان في الإقليم الطرابلسي بعد الانتهاء من الحصاد على تصفية الحبوب قبل تشكيل كوم هرمية يرسم عليها النجمة السداسية لتجلب البركة وفق المعتقدات القديمة».


مصر أخبار مصر

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة