بشرى خلفان: أشتغل على الماضي كي أعيد للمكان تاريخه المُغْفل

الكاتبة العمانية المهمومة بتاريخ المهمشين والبسطاء في مسقط

بشرى خلفان
بشرى خلفان
TT

بشرى خلفان: أشتغل على الماضي كي أعيد للمكان تاريخه المُغْفل

بشرى خلفان
بشرى خلفان

تنشغل الكاتبة العمانية بشرى خلفان بمغامرة الكتابة عن تاريخ المهمشين والبسطاء في مدينة مسقط، وسرد سيرهم المسكوت عنها في السرديات التاريخية الرسمية، وهو ما برزت ملامحه بشكل لافت في روايتيها «الباغ» و«دلشاد»، وفي فضاء مجموعاتها القصصية.
هنا حوار معها... حول هذا المسعى لإعادة كتابة تاريخ البسطاء، وماذا يمثل لها على المستوى الإنساني وفكرة الكتاب نفسها.
> في روايتك «دلشاد»، توقف كثيرون عند العنوان الذي يشير إلى اسم الشخصية الرئيسية في العمل. هل ثمة دلالة خاصة له؟
- في اللغات المشتقة من الأصل الإيراني، ومنها البلوشية والكردية والفارسية، تستخدم كلمة أو اسم «دلشاد»، والتي تنقسم إلى قسمين، «دِل» بكسر الدال وتعني القلب، و«تشاد» وتعني الفرح. في السياق الروائي كاملاً، بني النص على رجل ذي قلب فرح، يستبدل أحاسيسه عندما تلتبس عليه بالضحك، وهذا ما أورثه لبناته. من هنا فإن اختيار اسم دلشاد سواء للشخصية الرئيسية، أو كعنوان للرواية، هو اختيار طبيعي، جاء من فكرة النص وحمولة المفارقات التي يحملها في ثناياه.
> لماذا يبدو التاريخ غير الرسمي لسلطنة عمان وأبطاله من المهمشين كأنه يشكل هاجساً لديك؟
- هو هاجس بالطبع، أنا بنت المكان وأهله أهلي، وتاريخ البسطاء هذا تاريخي، الذي أنا معنية بسرده، وأعرف من التفاصيل المحكية والمكتوبة، رغم شح المصادر وندرتها، أكثر بكثير مما يعرضه التاريخ الرسمي. والحقيقة أن كتابة التاريخ انشغلت لقرون عديدة بهذه الإشكالية، رواية التاريخ الرسمي، في مقابل تجاهل سرد تاريخ البسطاء.
عموماً فإن الرواية التاريخية كما أراها هي أقرب لما رآه الناقد والمنظر جورج لوكاش «1885 - 1971» عندما قال في كتابه «الرواية التاريخية»: «إن ما يهم في الرواية التاريخية ليس إعادة سرد الأحداث الكبيرة، بل الإيقاظ الشعري للناس الذين برزوا في تلك الأحداث، وأن نعيش مرة أخرى الدوافع الاجتماعية والإنسانية التي أدت بهم إلى أن يفكروا ويشعروا ويتصرفوا كما فعلوا في الواقع التاريخي»، والناس عندي هنا هم البسطاء، الذين حركوا عجلة التاريخ ثم تغافل عنهم.
> هل تشكل مسقط القديمة، المتوارية خلف التاريخ، بجبالها المهيبة وبيوتها البيضاء الصغيرة منبعاً لحنين لا ينضب لديك، كما يبدو، فجاءت الكثير من مقاطع الرواية لتعبر عنه؟
- لا أعرف إن كان حنيناً لمسقط التي أعرفها، أو أنه تمرد على مسقط التي أراها الآن، مسقط التي انمحت معالمها الأصيلة، ولم يبق منها كلها إلا قلعتان وقصر وذاكرة مدرسة، مسقط التي هجرها أهلها، وصارت حاراتها تأوي جاليات شتى، مسقط التي أمضي فيها محاولة تتبع خطواتي، ثم أجدني تائهة بين ما أعرفه وما لا أعرفه ولا أستطيع الاستدلال عليه.
نعم أنا أستعيد الماضي، ولكني أشتغل عليه كي أعيد للمكان تاريخه المُغْفل، الذي لا يعرفه الكثيرون، فمسقط اليوم الكبرى الممتدة، ليست هي مسقط التي أعنيها في كتابتي والتي تخصني، هي مكان صغير للغاية، مساحة جغرافية محدودة، مدينة يصح أن نقول إنها كانت مدينة «كوزموبوليتانية» في وقت ما، ضمت أعراقاً مختلفة، تعايش أهلها بسلام على اختلاف ثقافاتهم، وإن هذه الثقافات المتعددة لم تجد نصيبها في السرديات الرسمية. أنا معنية بهذا الذي لم يقل، معنية في حنيني باسترجاع المكان الذي أعرفه، من تحت أنقاض الروايات الرسمية، التي ربما لم تمح ولم تُقص، لكنها فقط لم تقل.
> رغم الانطباع السائد عن سلطنة عمان بأنها بلاد رفاهية فإن معظم الأعمال الصادرة عنها ترصد تاريخاً مسكوتاً عنه من المعاناة بل الجوع والفقر أحياناً، كيف ترين تلك المفارقة؟
- هذه هي المفارقة نفسها التي يحملها العنوان «دلشاد»، فهذا القلب الفرح، الذي من اسمه، وربما من الصفحات الأولى، يتوهم القارئ أنه سيحمل سمات قلب فرح، سعيد، مترف، وبلا مشكلات تؤرقه، هو مجرد انعكاس لهذه المفارقة، بين ظلال الصورة وإشكالية الأصل.
فالخليج الذي يُعرف برفاهيته، هو خليج حديث جداً في سياق التاريخ، هو خليج حقبة ما بعد النفط، أما الخليج، وعلى وجه أخص عمان، فلم تَعرف الرفاهية يوماً، فكل تاريخها، هو صراع مع التضاريس القاسية والظروف المناخية الصعبة، والعزلة الجغرافية، والحروب الأهلية بين القبائل.
هذه المفارقة مفهومة أيضاً، فغالب ما يصدره الإعلام الرسمي هو الصورة الحاضرة، صورة الإنجازات والتنمية التي حدثت بعد السبعين، ربما نجد صوراً بالأبيض والأسود لمسقط في بدايات القرن المنصرم، وربما تعكس بعض هذه الصور حال البلاد، لكن الجوع لن يوجد إلا في الحكايات؛ ومن خلال الحكايات فقط نستطيع أن «نؤنسن» التاريخ، خصوصاً أن أكثر التواصل الإنساني بين شعوب الدول العربية عرف في العصر الحديث، عصر صورة الرفاه النسبي، لذا أنا لا أستغرب هذه النظرة لدول الخليج عموماً، ولعمان على وجه خاص، فكل الذاكرة المتكونة والمنقولة عبر مختلف الوسائط، هي ذاكرة لصور الرفاه.
> البعض يأخذ على رواية «دلشاد» تكرار الحدث نفسه على لسان أكثر من شخصية فطال النص دون مبرر، كيف تردين على تلك الملحوظة. وكيف تتعاملين مع النقد عموماً؟
- وجهة نظري الخاصة في تعدد الأصوات في روايتي، هي أنه لا يمكن أن يسرد أي حدث من رؤية شخص واحد، فهناك الراوي الذي كان في داخل الحدث، وهناك الراوي المراقب، ذاك الذي رأى الأشياء بصورة مختلفة، وكانت له تفاسيره المختلفة لمجريات الأحداث، هكذا وجدت أن البناء الروائي يصير أكثر إحكاماً.
بالنسبة للنقد فأنا أحترم جداً الرأي الذي يعتمد على أسس منهجية واضحة، وحتى الرأي الذي يكون انطباعياً ومبنياً على الذائقة، إذا صرح بذلك. وبالنسبة لغير النقاد المتخصصين، على المرء أن يكون حذراً، فالفنون عموماً تعتمد على الذائقة الخاصة بكل شخص، وأنا أحترم هذه الذائقة التي تخالفني بالضبط مثلما أحترم الذائقة التي تتفق معي، وأراجع كل الملاحظات التي تأتيني وأقيسها على النص، وعندما أجد فيها صواباً لا أستنكف، بل أعمد إلى استثمار الملاحظات في نصوصي القادمة، لذا أنا أحب النقد وأحب آراء القراء.
> كيف ترين حالة الاحتفاء الشديد التي قوبلت بها تجربتك الروائية حتى الآن؟
- مدهشة، وغامرة جداً، فأنا شخصياً أعتبر نفسي مجرد قارئة تعشق الأدب، وتحاول أن تقول شيئاً ما للعالم، شيئاً تعرفه وتريد إيصاله، لذا عندما وجدت الاحتفاء الشديد بتجربتي في «الباغ»، جفلت، وبقيت لسنوات عاجزة عن الكتابة، ولن أبالغ إن قلت إنني وفي لحظة ما شعرت بالهزيمة، إذ ظننت أن هذا كل ما هناك، وأن القراء لن يقبلوا مني أي تجربة جديدة، وأن «الباغ» ستكون عقبة أمام كل نص أصبو لكتابته.
لذا فتجربة «دلشاد»، جاءت بعد مخاض طويل، واحتجت إلى «قوة قلب» كي أتجاوز الباغ بشكل شخصي، وقلت في نفسي، لا يليق بامرأة عاشقة، أن تكتب نصاً روائياً يتيماً ثم تنسحب. كتبت «دلشاد» بكل قلبي، وعندما نجحت فتحت عيني، كنت على الضفة الأخرى، فابتسمت وسالت دموعي، فأنا ممتنة لها، ولكل القراء الذين قرأوني بكل هذا الحب، وللأصدقاء الذين احتضنوا تجربتي وقدروها.
> بدايتك كانت مع القصة القصيرة التي صدر لك فيها أكثر من مجموعة، فهل كان التحول نحو الرواية استجابة لغواية هاجس البريق والانتشار الذي ينطوي عليه هذا الفن أم ثمة ضرورة فنية ما؟
- كلامك دقيق جداً، فأنا كاتبة قصة في الأصل، وأحب القصة القصيرة، أحبها جداً، ولطالما رددت أنها تشبهني، قصيرة ومكثفة ومثل رصاصة، تصيبك إذا ما أجدت كتابتها، في وسط القلب، أو في منتصف الجبين وهناك تترك أثرها.
لكنني وجدت أن مساحتها تضيق بالكتابة عن مسقط مثلما أريد، أي أن أتتبعها تاريخياً، أن أحيي حكاياتها وأفكك حالات شخوصها، آلامها ومسراتها، ثوراتها وعلاقاتها بالبحر وببلدان الدنيا. لذا كانت «الضرورة الفنية» هي ما دفعني للخروج من القصة إلى الرواية، هذا إضافة إلى الرغبة في تجريب هذا الجنس الأدبي الشاسع، الذي يملك على حد تعبير «ميلان كونديرا» القدرة على رؤية الغابة والشجرة في نفس الوقت.
نعم كتبت الرواية أيضاً لأختبر نفسي، لأتعرف على حدود قدراتي وتحديها، فالموضوع من هذه الناحية شخصي جداً، أما البريق والشهرة، فهذا يرتبط إن كان موضوعياً وفي محله بالإجادة، سواء في القصة أو في الرواية، وغير ذلك فهو لحظة مارقة، شيء أقرب للزبد، لا يمكث في الأرض ولا ينفع الناس.
أقول هذا غير منكرة أن الرواية عرفت بي عند جمهور أوسع من القراء، وهذا حسن ومقدر جداً، ولكن تخيلي معي، لو كنت كاتبة قصة ضعيفة المستوى، أكتب أيضاً رواية ضعيفة المستوى، أظن أنه في تلك الحالة سيتحول البريق إلى إعتام تام.



لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».