بشرى خلفان: أشتغل على الماضي كي أعيد للمكان تاريخه المُغْفل

الكاتبة العمانية المهمومة بتاريخ المهمشين والبسطاء في مسقط

بشرى خلفان
بشرى خلفان
TT

بشرى خلفان: أشتغل على الماضي كي أعيد للمكان تاريخه المُغْفل

بشرى خلفان
بشرى خلفان

تنشغل الكاتبة العمانية بشرى خلفان بمغامرة الكتابة عن تاريخ المهمشين والبسطاء في مدينة مسقط، وسرد سيرهم المسكوت عنها في السرديات التاريخية الرسمية، وهو ما برزت ملامحه بشكل لافت في روايتيها «الباغ» و«دلشاد»، وفي فضاء مجموعاتها القصصية.
هنا حوار معها... حول هذا المسعى لإعادة كتابة تاريخ البسطاء، وماذا يمثل لها على المستوى الإنساني وفكرة الكتاب نفسها.
> في روايتك «دلشاد»، توقف كثيرون عند العنوان الذي يشير إلى اسم الشخصية الرئيسية في العمل. هل ثمة دلالة خاصة له؟
- في اللغات المشتقة من الأصل الإيراني، ومنها البلوشية والكردية والفارسية، تستخدم كلمة أو اسم «دلشاد»، والتي تنقسم إلى قسمين، «دِل» بكسر الدال وتعني القلب، و«تشاد» وتعني الفرح. في السياق الروائي كاملاً، بني النص على رجل ذي قلب فرح، يستبدل أحاسيسه عندما تلتبس عليه بالضحك، وهذا ما أورثه لبناته. من هنا فإن اختيار اسم دلشاد سواء للشخصية الرئيسية، أو كعنوان للرواية، هو اختيار طبيعي، جاء من فكرة النص وحمولة المفارقات التي يحملها في ثناياه.
> لماذا يبدو التاريخ غير الرسمي لسلطنة عمان وأبطاله من المهمشين كأنه يشكل هاجساً لديك؟
- هو هاجس بالطبع، أنا بنت المكان وأهله أهلي، وتاريخ البسطاء هذا تاريخي، الذي أنا معنية بسرده، وأعرف من التفاصيل المحكية والمكتوبة، رغم شح المصادر وندرتها، أكثر بكثير مما يعرضه التاريخ الرسمي. والحقيقة أن كتابة التاريخ انشغلت لقرون عديدة بهذه الإشكالية، رواية التاريخ الرسمي، في مقابل تجاهل سرد تاريخ البسطاء.
عموماً فإن الرواية التاريخية كما أراها هي أقرب لما رآه الناقد والمنظر جورج لوكاش «1885 - 1971» عندما قال في كتابه «الرواية التاريخية»: «إن ما يهم في الرواية التاريخية ليس إعادة سرد الأحداث الكبيرة، بل الإيقاظ الشعري للناس الذين برزوا في تلك الأحداث، وأن نعيش مرة أخرى الدوافع الاجتماعية والإنسانية التي أدت بهم إلى أن يفكروا ويشعروا ويتصرفوا كما فعلوا في الواقع التاريخي»، والناس عندي هنا هم البسطاء، الذين حركوا عجلة التاريخ ثم تغافل عنهم.
> هل تشكل مسقط القديمة، المتوارية خلف التاريخ، بجبالها المهيبة وبيوتها البيضاء الصغيرة منبعاً لحنين لا ينضب لديك، كما يبدو، فجاءت الكثير من مقاطع الرواية لتعبر عنه؟
- لا أعرف إن كان حنيناً لمسقط التي أعرفها، أو أنه تمرد على مسقط التي أراها الآن، مسقط التي انمحت معالمها الأصيلة، ولم يبق منها كلها إلا قلعتان وقصر وذاكرة مدرسة، مسقط التي هجرها أهلها، وصارت حاراتها تأوي جاليات شتى، مسقط التي أمضي فيها محاولة تتبع خطواتي، ثم أجدني تائهة بين ما أعرفه وما لا أعرفه ولا أستطيع الاستدلال عليه.
نعم أنا أستعيد الماضي، ولكني أشتغل عليه كي أعيد للمكان تاريخه المُغْفل، الذي لا يعرفه الكثيرون، فمسقط اليوم الكبرى الممتدة، ليست هي مسقط التي أعنيها في كتابتي والتي تخصني، هي مكان صغير للغاية، مساحة جغرافية محدودة، مدينة يصح أن نقول إنها كانت مدينة «كوزموبوليتانية» في وقت ما، ضمت أعراقاً مختلفة، تعايش أهلها بسلام على اختلاف ثقافاتهم، وإن هذه الثقافات المتعددة لم تجد نصيبها في السرديات الرسمية. أنا معنية بهذا الذي لم يقل، معنية في حنيني باسترجاع المكان الذي أعرفه، من تحت أنقاض الروايات الرسمية، التي ربما لم تمح ولم تُقص، لكنها فقط لم تقل.
> رغم الانطباع السائد عن سلطنة عمان بأنها بلاد رفاهية فإن معظم الأعمال الصادرة عنها ترصد تاريخاً مسكوتاً عنه من المعاناة بل الجوع والفقر أحياناً، كيف ترين تلك المفارقة؟
- هذه هي المفارقة نفسها التي يحملها العنوان «دلشاد»، فهذا القلب الفرح، الذي من اسمه، وربما من الصفحات الأولى، يتوهم القارئ أنه سيحمل سمات قلب فرح، سعيد، مترف، وبلا مشكلات تؤرقه، هو مجرد انعكاس لهذه المفارقة، بين ظلال الصورة وإشكالية الأصل.
فالخليج الذي يُعرف برفاهيته، هو خليج حديث جداً في سياق التاريخ، هو خليج حقبة ما بعد النفط، أما الخليج، وعلى وجه أخص عمان، فلم تَعرف الرفاهية يوماً، فكل تاريخها، هو صراع مع التضاريس القاسية والظروف المناخية الصعبة، والعزلة الجغرافية، والحروب الأهلية بين القبائل.
هذه المفارقة مفهومة أيضاً، فغالب ما يصدره الإعلام الرسمي هو الصورة الحاضرة، صورة الإنجازات والتنمية التي حدثت بعد السبعين، ربما نجد صوراً بالأبيض والأسود لمسقط في بدايات القرن المنصرم، وربما تعكس بعض هذه الصور حال البلاد، لكن الجوع لن يوجد إلا في الحكايات؛ ومن خلال الحكايات فقط نستطيع أن «نؤنسن» التاريخ، خصوصاً أن أكثر التواصل الإنساني بين شعوب الدول العربية عرف في العصر الحديث، عصر صورة الرفاه النسبي، لذا أنا لا أستغرب هذه النظرة لدول الخليج عموماً، ولعمان على وجه خاص، فكل الذاكرة المتكونة والمنقولة عبر مختلف الوسائط، هي ذاكرة لصور الرفاه.
> البعض يأخذ على رواية «دلشاد» تكرار الحدث نفسه على لسان أكثر من شخصية فطال النص دون مبرر، كيف تردين على تلك الملحوظة. وكيف تتعاملين مع النقد عموماً؟
- وجهة نظري الخاصة في تعدد الأصوات في روايتي، هي أنه لا يمكن أن يسرد أي حدث من رؤية شخص واحد، فهناك الراوي الذي كان في داخل الحدث، وهناك الراوي المراقب، ذاك الذي رأى الأشياء بصورة مختلفة، وكانت له تفاسيره المختلفة لمجريات الأحداث، هكذا وجدت أن البناء الروائي يصير أكثر إحكاماً.
بالنسبة للنقد فأنا أحترم جداً الرأي الذي يعتمد على أسس منهجية واضحة، وحتى الرأي الذي يكون انطباعياً ومبنياً على الذائقة، إذا صرح بذلك. وبالنسبة لغير النقاد المتخصصين، على المرء أن يكون حذراً، فالفنون عموماً تعتمد على الذائقة الخاصة بكل شخص، وأنا أحترم هذه الذائقة التي تخالفني بالضبط مثلما أحترم الذائقة التي تتفق معي، وأراجع كل الملاحظات التي تأتيني وأقيسها على النص، وعندما أجد فيها صواباً لا أستنكف، بل أعمد إلى استثمار الملاحظات في نصوصي القادمة، لذا أنا أحب النقد وأحب آراء القراء.
> كيف ترين حالة الاحتفاء الشديد التي قوبلت بها تجربتك الروائية حتى الآن؟
- مدهشة، وغامرة جداً، فأنا شخصياً أعتبر نفسي مجرد قارئة تعشق الأدب، وتحاول أن تقول شيئاً ما للعالم، شيئاً تعرفه وتريد إيصاله، لذا عندما وجدت الاحتفاء الشديد بتجربتي في «الباغ»، جفلت، وبقيت لسنوات عاجزة عن الكتابة، ولن أبالغ إن قلت إنني وفي لحظة ما شعرت بالهزيمة، إذ ظننت أن هذا كل ما هناك، وأن القراء لن يقبلوا مني أي تجربة جديدة، وأن «الباغ» ستكون عقبة أمام كل نص أصبو لكتابته.
لذا فتجربة «دلشاد»، جاءت بعد مخاض طويل، واحتجت إلى «قوة قلب» كي أتجاوز الباغ بشكل شخصي، وقلت في نفسي، لا يليق بامرأة عاشقة، أن تكتب نصاً روائياً يتيماً ثم تنسحب. كتبت «دلشاد» بكل قلبي، وعندما نجحت فتحت عيني، كنت على الضفة الأخرى، فابتسمت وسالت دموعي، فأنا ممتنة لها، ولكل القراء الذين قرأوني بكل هذا الحب، وللأصدقاء الذين احتضنوا تجربتي وقدروها.
> بدايتك كانت مع القصة القصيرة التي صدر لك فيها أكثر من مجموعة، فهل كان التحول نحو الرواية استجابة لغواية هاجس البريق والانتشار الذي ينطوي عليه هذا الفن أم ثمة ضرورة فنية ما؟
- كلامك دقيق جداً، فأنا كاتبة قصة في الأصل، وأحب القصة القصيرة، أحبها جداً، ولطالما رددت أنها تشبهني، قصيرة ومكثفة ومثل رصاصة، تصيبك إذا ما أجدت كتابتها، في وسط القلب، أو في منتصف الجبين وهناك تترك أثرها.
لكنني وجدت أن مساحتها تضيق بالكتابة عن مسقط مثلما أريد، أي أن أتتبعها تاريخياً، أن أحيي حكاياتها وأفكك حالات شخوصها، آلامها ومسراتها، ثوراتها وعلاقاتها بالبحر وببلدان الدنيا. لذا كانت «الضرورة الفنية» هي ما دفعني للخروج من القصة إلى الرواية، هذا إضافة إلى الرغبة في تجريب هذا الجنس الأدبي الشاسع، الذي يملك على حد تعبير «ميلان كونديرا» القدرة على رؤية الغابة والشجرة في نفس الوقت.
نعم كتبت الرواية أيضاً لأختبر نفسي، لأتعرف على حدود قدراتي وتحديها، فالموضوع من هذه الناحية شخصي جداً، أما البريق والشهرة، فهذا يرتبط إن كان موضوعياً وفي محله بالإجادة، سواء في القصة أو في الرواية، وغير ذلك فهو لحظة مارقة، شيء أقرب للزبد، لا يمكث في الأرض ولا ينفع الناس.
أقول هذا غير منكرة أن الرواية عرفت بي عند جمهور أوسع من القراء، وهذا حسن ومقدر جداً، ولكن تخيلي معي، لو كنت كاتبة قصة ضعيفة المستوى، أكتب أيضاً رواية ضعيفة المستوى، أظن أنه في تلك الحالة سيتحول البريق إلى إعتام تام.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.