شركات كبرى تدعم تخضير قطاع البلاستيك

مستقبل صناعة التعبئة والتغليف

عامل في جزيرة باندا يصنع الأثاثات من قناني البلاستيك الفارغة (أ.ف.ب)
عامل في جزيرة باندا يصنع الأثاثات من قناني البلاستيك الفارغة (أ.ف.ب)
TT

شركات كبرى تدعم تخضير قطاع البلاستيك

عامل في جزيرة باندا يصنع الأثاثات من قناني البلاستيك الفارغة (أ.ف.ب)
عامل في جزيرة باندا يصنع الأثاثات من قناني البلاستيك الفارغة (أ.ف.ب)

نجح تحالف شركات كُبرى قبل أيام في إنتاج أولى العبوات المصنّعة بالكامل من مواد بلاستيكية معاد تدويرها إنزيمياً. وكانت شركة كاربيوس الفرنسية المتخصصة في الكيمياء الحيوية أقامت تحالفاً مع شركة لوريال في سنة 2017 لتطوير عملياتها البيولوجية المبتكرة من أجل إحداث ثورة في دورة حياة البلاستيك والمنسوجات، ثم انضمت إليهما في هذا المسعى مجموعة من الشركات العالمية مثل «نستله» و«بيبسيكو».
وتتيح العملية الإنزيمية تدوير بلاستيك البولي إيثيلين تيرفثالات (PET) الذي يُستخدم على نطاق واسع في تصنيع القوارير الشفافة المستعملة في تعبئة مياه الشرب والعصائر والمشروبات الغازية. وتتميز هذه العملية بقدرتها على إنتاج بلاستيك عالي الجودة بسرعة كبيرة، حيث يتم تحطيم 97 في المائة من البلاستيك المستهلك خلال 16 ساعة فقط، مما يجعلها أكثر كفاءة بنحو 10 آلاف مرة مقارنة بأي تجربة إعادة تدوير بيولوجية للبلاستيك حتى الآن.
وسيعمل تحالف الشركات على توسيع نطاق هذا الابتكار، للمساعدة في تلبية الطلب العالمي على حلول التعبئة والتغليف المستدامة، من خلال إنشاء مصنع رائد في سبتمبر (أيلول) 2021. قبل إطلاق منشأة صناعية لتدوير البلاستيك إنزيمياً باستطاعة 40 ألف طن بحلول سنة 2025.
ويشهد العالم سنوياً تصنيع نحو 70 مليون طن من بلاستيك البولي إيثيلين تيرفثالات، أي ما يمثّل 20 في المائة من إنتاج قطاع الصناعات البلاستيكية. ولكن مع تكرار العمليات الميكانيكية الحرارية في عمليات التدوير التقليدية، تتراجع نوعية البلاستيك بمرور الوقت، مما يستلزم استعمال حبيبات بلاستيكية خام للحفاظ على الجودة. وفي المقابل، نجحت شركة كاربيوس في تنشيط أنواع من الإنزيمات المتجمّعة في أكوام الأوراق النباتية المتحلّلة لتفكيك منتجات البولي إيثيلين تيرفثالات إلى بُناها الأساسية المتمثّلة بحمض التريفثاليك والإيثيلين غليكول. ويمكن استخدام هذه البُنى، أو ما تسمى بالمونومرات، لإعادة تكوين منتج بلاستيكي يصلح لتغليف وتعبئة المواد الغذائية، في حلقة لا نهائية من إعادة التدوير بجودة المواد الخام، ومع خفض في الانبعاثات الكربونية مقداره 30 في المائة بالمقارنة مع طرق المعالجة والتخلص التقليدية.
- معدلات تدوير البلاستيك متدنية
مع نهاية هذه السنة، من المتوقع أن تقارب كمية المنتجات البلاستيكية التي صنعها البشر على مر التاريخ 11 مليار طن، من بينها نحو 8 مليارات طن لم تعد مستخدمة، وأصبحت توصف على أنها نفايات بلاستيكية انتهى معظمها في المكبّات، وتسرّب جزء منها إلى الأوساط الطبيعية.
ونظراً لارتفاع تكلفة تدوير النفايات البلاستيكية بالتحديد، نجد أن معدّل التدوير العالمي يقارب نحو 9 في المائة فقط، في حين يتم حرق 12 في المائة من هذه النفايات، ويجري التخلّص من باقي الكمية في مكبّات النفايات أو على نحو عشوائي في الأماكن المفتوحة والأنهار والمحيطات.
ويشهد العالم خطوات متصاعدة لمواجهة الإفراط في استهلاك المواد البلاستيكية، حيث فرضت أكثر من 140 دولة حتى الآن إطاراً تنظيمياً يخصّ الأكياس البلاستيكية. ومن بين هذه الدول، حظرت 27 دولة استهلاك أو إنتاج نوع أو أكثر من المنتجات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد، وانضمت إليها قبل أيام دول الاتحاد الأوروبي التي فرضت حظراً على بيع عدد من المنتجات، مثل أغطية القوارير البلاستيكية وأدوات المائدة والماصات والأطباق، بالإضافة إلى حاويات الطعام والمشروبات المصنوعة من الستايروفوم.
وتدفع هذه الخطوات الشركات لرصد استثمارات في الابتكارات نحو الحلول الدائرية، التي تقوم على إعادة التصنيع والاستخدام، لا سيما إذا ترافقت بتدابير مالية حازمة. وهذا يحصل في الاتحاد الأوروبي، الذي بدأ منذ مطلع هذه السنة بفرض ضريبة مقدارها 800 يورو لكل طن من نفايات البلاستيك غير المعاد تدويرها. وعلى سبيل المثال، تتجه شركة «كوكاكولا» إلى تصنيع 50 في المائة من القوارير والعبوات البلاستيكية المعدّة للسوق الأوروبية من مواد معادة التصنيع.
وكانت «كوكاكولا» أطلقت في 2009 ما سمَّته «بلانت بوتل»، وهي عبارة عن قوارير بلاستيكية قابلة للتدوير، ويدخل قصب السكر ونباتات أخرى في تصنيع ثلثها، إلى جانب البلاستيك التقليدي المشتق من النفط. وتقول الشركة إن هذه العبوات المصنّعة من البلاستيك الحيوي تمثّل الآن نحو ثلث حجم القوارير في أميركا الشمالية وما نسبته 7 في المائة على مستوى العالم. وفيما توصف المواد البلاستيكية الحيوية على أنها حل مهم لمشكلة البلاستيك، فهي لا تزال قاصرة عن الإيفاء بجميع الآمال المعقودة عليها. ويُفترض بعبوات البلاستيك الحيوي أن تحتفظ بالميزات المثالية لعبوات البلاستيك التقليدي، كالقوة والخفّة وتعدد الاستخدام والشفافة وحفظ المحتوى بشكل جيد ومقاومة الحموض والضغط لفترات طويلة. ولكن حتى الآن لا يزال البلاستيك الحيوي قاصراً في تحقيق هذه الميزات، وفوق ذلك فإن تكلفته أعلى بكثير. وفيما تبلغ قيمة سوق البلاستيك العالمية 1.2 تريليون دولار، تصل حصة سوق البلاستيك الحيوي إلى 9 مليارات دولار فقط. يستغرق البلاستيك الحيوي سنوات عديدة ليتحلّل، ولأنه مصنوع من النباتات فإنه يترافق مع المشاكل البيئية التي تسببها الزراعة. وغالباً ما تأتي الهيدروكربونات المستخدمة في صناعة البلاستيك الحيوي من المحاصيل المعدّلة وراثياً، التي تُرشّ بمبيدات الأعشاب والآفات، وهذه المحاصيل تقتطع مساحات واسعة من الأراضي التي يُفترض استغلالها لإطعام الأعداد المتزايدة من السكان.
- حلول لمشكلة تزداد سوءاً
فعلياً، لا يكمن حل مشكلة النفايات البلاستيكية فقط في تطوير مواد تتحلّل بشكل أفضل أو يجري تدويرها على نحو أسهل، ولكن في التقليل من إدمان سكان الكوكب على استخدام البلاستيك وإيجاد بدائل أكثر صداقة مع البيئة. فرغم جهود الصناعة والحكومات والمنظمات غير الحكومية، لا تزال مشكلة البلاستيك تزداد سوءاً سنة بعد سنة.
وتشير دراسة، نشرتها دورية «ساينس» في منتصف سنة 2020. إلى أن نحو 11 مليون طن من البلاستيك تجد طريقها الآن إلى المحيطات كل سنة، بزيادة مقدارها 3 ملايين طن عن التقديرات السابقة. وقالت الدراسة إنه إذا استمر العالم في مساره الحالي غير العقلاني في استهلاك البلاستيك، ستتضاعف كمية النفايات البلاستيكية التي يتم إنتاجها ثلاث مرات بحلول 2040.
وخلُصت الدراسة إلى أن الحل الوحيد لهذه المشكلة الناشئة هو إجراء إصلاح شامل بقيمة 600 مليار دولار لنظام إدارة البلاستيك عالمياً، بهدف التركيز على إعادة الاستخدام وإدخاله ضمن نظام اقتصادي دائري. ومن بين العلاجات المقترحة في الدراسة التخلي عن استخدام العبوات البلاستيكية حيثما أمكن والاستعاضة عنها بالورق أو المواد القابلة للتحويل إلى سماد، وتصميم منتجات قابلة للتدوير بفعالية وسهولة، وزيادة معدلات التدوير الميكانيكي، وتكثيف جهود الجمع وإعادة التدوير في البلدان المتوسطة والمنخفضة الدخل. وتمثّل إعادة تدوير القوارير البلاستيكية التقليدية تحدياً كبيراً لهذه البلدان، لأن أغلبها لا يملك فعلياً أنظمة لإعادة التدوير. ولذلك فإن نحو 95 في المائة من المخلّفات البلاستيكية التي تنقلها الأنهار إلى محيطات العالم تأتي من 10 أنهار تقع في آسيا وأفريقيا.
كما يجب وضع حد لتصدير نفايات البلاستيك بهدف إلزام الدول المنتجة بالبحث عن حلول لهذه المشكلة. ومع إعادة مسؤولية النفايات البلاستيكية إلى البلدان المنتجة، يجب أيضاً تحميل الشركات التي تستخدم العبوات البلاستيكية دوراً فاعلاً في تدويرها وإعادة استخدامها. ويقع هذا الإجراء في إطار مسؤولية المصنِّع، الممتدة من الإنتاج إلى استعادة المنتَج.
وتُعَدُّ مبادرة شركة سابك السعودية، المسماة «تروسيركل»، نموذجاً عالمياً عن الدور الذي يمكن أن تلعبه الشركات المصنِّعة للبوليمرات في تقديم منتجات وخدمات تدعم الاقتصاد الدائري. وتتيح هذه المبادرة للشركات المتعاملة مع الشركة السعودية الوصول إلى مواد أكثر استدامة تمنح المستهلك النهائي مزيداً من الثقة بشأن شراء المنتجات البلاستيكية.
وتشمل حلول «تروسيركل» الرائدة موادَّ وتقنياتٍ تعزز مفهوم الاقتصاد الدائري، بما في ذلك البوليمرات الدائرية المعتمدة الناتجة عن إعادة التدوير الكيميائي للنفايات البلاستيكية المختلطة، والبوليمرات الحيوية المتجددة المعتمدة، ومواد البولي كربونات الجديدة المصنعة من المواد الخام المتجددة المعتمدة، والبوليمرات المعاد تدويرها ميكانيكياً.ينظر كثيرون إلى البلاستيك على أنه «عدو للبيئة»، رغم الدور الإيجابي المؤثر الذي لعبه خلال أزمة «كورونا». لقد ساهم البلاستيك في تحقيق عدد من الإنجازات المثيرة للإعجاب، مثل الثورة الرقمية والسفر عبر الفضاء وتحسين نوعية الحياة للمرضى وحلول الإسكان المستدام وإنتاج الغذاء. لكن صناعة البلاستيك مضطرة الآن إلى البحث عن بدائل أكثر استدامة وصداقة للبيئة، مع الحفاظ على سهولة الاستعمال والتكلفة المتدنية.


مقالات ذات صلة

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

بيئة الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية خلال اجتماعها مع أحد المستثمرين (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية

عقدت وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية اجتماعاً مع أحد المستثمرين لبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

«الشرق الأوسط» (سان فرنسيسكو)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.