الصراعات السياسية في العراق تشعل فتيل «حرائق الصيف»

على خلفية الانتخابات المقبلة ومستقبل الكاظمي والعلاقات مع واشنطن

الصراعات السياسية في العراق تشعل فتيل «حرائق الصيف»
TT

الصراعات السياسية في العراق تشعل فتيل «حرائق الصيف»

الصراعات السياسية في العراق تشعل فتيل «حرائق الصيف»

لا يكاد يمر يوم من دون وقوع حريق في مكان ما على أرض العراق، بدءاً من العاصمة بغداد التي لها نصيب الأسد من حرائق الطبيعة، كما تقول مصادر الدفاع المدني. ففي غضون الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي (2021)، سجّلت فرق الدفاع المدني 7000 حريق في العراق لم يعترف بالمسؤولية عنها أحد، مع أن الشبهات دائماً باتجاه «داعش»... والتقييد ضد مجهول.
تبدأ الحرائق سنوياً عند بدء نضج المحاصيل الزراعية في أوائل الصيف (نهايات الشهر الرابع من العام ومطلع الشهر الخامس وما يليه من شهور). لكن حرائق القمح والشعير ليست أكثر من «بروفة» لأنواع أخرى من الحرائق، هي المطلوبة أصلاً... وهي الحرائق في الدوائر والمؤسسات. ولا يهم أن تمتد إلى المشافي حتى يكون التعاطف مع الضحايا متزامناً مع ارتفاع منسوب الصراع و«التسقيط» السياسي بين الطبقة السياسية الحاكمة بكل أحزابها وقواها ومكوّناتها. ولأن العام الحالي هو عام الانتخابات المبكّرة المقّرر إجراؤها في العاشر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، فإن الحرائق لا بد أن تكون من الوزن الثقيل.
في حسابات القوى السياسية العراقية ليس مهماً أن يموت حرقاً في مستشفى ابن الخطيب في العاصمة بغداد أكثر من 80 مريضاً بـ«كوفيد - 19»، ويربو عدد الجرحى على المائة... وهذا ما حصل في شهر أبريل (نيسان) الماضي.
وأيضاً لا يكترث أحد لموت 60 مواطناً يعانون من الفيروس نفسه، مثلما تقول إحصائيات الحكومة، وأكثر من 90 شخصاً، طبقاً لإحصاءات أخرى من وكالات أنباء وأطباء ومنظمات حقوق إنسان.
في العراق، في ظل «النأي بالنفس» عن أي مسؤولية، فإن الخلاف حول أرقام الضحايا لا يفسد عادةً للود قضية بين المتخاصمين حين يجدون أنفسهم، بعد فورة خلاف عنيفة، وقد توصّلوا إلى «حلول» جزئية ترقيعية يعبرون بها مرحلة فقط.
غير أن حرائق هذا العام جاءت مختلفة تماماً عنها في الأعوام السابقة. فالجميع مشغول بكيفية التحضير للانتخابات المقبلة. ولدى الجميع مشكلات مع الجميع، بدءاً من المكوّنات الثلاثة الأكبر، أي الشيعة والسنة والكرد، مروراً بالأحزاب الشيعية - الشيعية والسنية - السنية والكردية - الكردية، والحكومة وخصومها، وانتهاءً بالخصوم أنفسهم... بعضهم مع بعض (شيعة مع شيعة أو سنّة مع سنة أو كرد مع كرد) أو بالضد النوعي (شيعي بضد نوعي سنّي وبالعكس، أو كردي بضد نوعي شيعي أو سني أو بالعكس).
أما المواطن الذي يُفترض به أن يكون هو الآخر جاهزاً للانتخابات، التي طالب بها، عبر المظاهرات الجماهيرية، أو اتباعه تعليمات مفوضية الانتخابات بتحديث بياناته، لكي يدلي يوم الاقتراع بصوته، فإن المشكلة تبقى في صوته... أين يضعه في أي صندوق؟ وضمن أي اتجاه؟
هل باتجاه التغيير الحقيقي عبر انتخاب الأصلح؟ أم بالإبقاء على النهج ذاته الذي تتحكّم به في النهاية ولاءات الطائفة والعِرق والجغرافيا والبيئة والعشيرة؟ وبين هذا وذاك، هناك مسألة السلاح الذي لا يزال منفلتاً، ويبدو أنه سيبقى كذلك حتى يوم الاقتراع وما بعد إعلان النتائج.

المؤمن الذي أدمن اللدغ

في العراق نسبة المؤمنين الذي يستطيبون اللدغ من الجحر نفسه - ليس مرتين فقط بل عشرات المرات - ما زالوا هم الغالبية. وهذه الغالبية التي توصَف بالصامتة نسبتها 70 في المائة من سكان العراق البالغ عددهم 40 مليون نسمة. ثم إن عدد سكان العراق مشكلة أخرى تضاف إلى سلسلة المشكلات التي تعاني منها البلاد؛ إذ إن آخر إحصاء سكاني في العراق أُجري عام 1987، في عهد نظام صدام حسين. ولا تزال الخلافات السياسية تحول دون إجراء تعداد سكاني جديد.
آخر ما أعلنته وزارة التخطيط العراقية أن تعداد نفوس (سكان) بلاد ما بين النهرين 40 مليون نسمة. ولكن ثمة مَن يعارض الوزارة مدعياً - ودائما رجماً بالغيب مرة والتوقعات مرة أخرى - أن الرقم الحقيقي لا يتجاوز 38 مليون نسمة، ثم إن للبطاقة التموينية التي يتناول بموجبها العراقيون الحصص الغذائية المدعومة من الدولة منذ تسعينات القرن الماضي نتيجة الحصار رقمها الخاص، فطبقاً لإحصاءاتها فإن عدد المشمولين بها يبلغ 45 مليون نسمة. وهكذا، طبقاً للتسمية الدارجة في العراق في مثل هذه الحالات، فإن نحو 5 ملايين مواطن عراقي «فضائيون»...أي لا وجود لهم على أرض الواقع، غير أنهم موجودون في سجلّات الفشل والفساد. وبما أن العراق مقبل على الانتخابات - مع أن احتمالات تأجيلها تبقى قائمة بسبب توالي الحرائق السياسية والطبيعية - فإن الكل، مثلما هو معمول به في كل الدنيا، يستعد لهذه الانتخابات، وطبقاً للأهداف التي يروم تحقيقها، سواء أكان حزباً أم فرداً.
ولكن المشكلة في البلاد اليوم أن الفساد فسادان: فساد سياسي، سببه نظام المحاصصة العرقية والطائفية طبقاً لوصفة ما بعد عام 2003. وفساد مالي، قوامه السرقة بشتى الطرق والوسائل للمال العام من دون أن يرف للفاسدين ومن يقف خلفهم جفن. وبناءً عليه، فإن الانتخابات ما عادت وسيلة من أجل بلوغ غاية هي «التغيير نحو الأفضل»... بل باتت هدفاً بحد ذاته هو الإبقاء على الحال كما هو.
سبب هذا الحال استشراء الفساد في منظومة الحكم التي قسمت العراق، حتى على صعيد توزيع المناصب، إلى «مكوّنات» لا أحزاب وكتل سياسية لها برامجها السياسية. وهذه البرامج التي قد تختلف - طبعاً - عن برامج أحزاب أخرى من المكوّن نفسه... وقد تتطابق مع أحزاب أخرى من مكوّنات أخرى. ويحمي هذا الحال اتفاقات وتوافقات مكتوبة مرة و«جنتلمان» مرة أخرى... لكنها تقوم على التواطؤ في كل المرات.
لذا فإنه حتى حين قدّمت رئاسة الجمهورية قبل أكثر من شهر إلى البرلمان «مشروع قانون استرداد أموال العراق المنهوبة»، لم تتوفر حتى الآن مؤشرات على إمكانية تشريع هذا القانون. فطبقاً لمشروع القانون هذا، فإن الأرقام التي يتضمّنها صادمة على صعيد حجم ما جرى سرقته وتحويله إلى خارج العراق. إذ يبلغ المبلغ المنهوب، طبقاً للرئاسة العراقية، نحو 150 مليار دولار أميركي. ويُذكر أن دخل العراق المالي الصافي من مبيعات النفط وأموال من مصادر أخرى - منها منح دولية منذ عام 2004 عند بدء سريان تصدير النفط والحصول على الأموال - يبلغ أكثر من تريليون دولار (أي نحو ألف مليار دولار أميركي).
ولكن نتيجة الفساد السياسي والفساد المالي، واتباع سياسة التوظيف «التنفيعي» لأغراض انتخابية، كل أربع سنوات، فإن أعداد الموظفين تضاعفت إلى نحو 6 ملايين ونصف مليون موظف ومتقاعد ومتعاقد. وهؤلاء يتقاضون شهرياً اليوم نحو 5 مليارات دولار رواتب، وهو ما يشكّل نحو 70 في المائة من الميزانية العامة للدولة.

الكهرباء والصحة

بالنسبة للحرائق، فإنها في كل موسم تأخذ سياقاً مختلفاً. هذا العام كانت الحصة الكبيرة في هذه الحرائق لأهم قطاعين لهما صلة مباشرة بحياة المواطن العراقي اليومية، وهما الكهرباء والصحة. والسبب هو كيفية إلصاق الفشل في الحكومة التي شكّلها مصطفى الكاظمي قبل سنة، مع العلم أن الفشل والإخفاق يمتدان إلى 18 سنة، هي عمر التغيير الذي جاءت به الطبقة السياسية الحالية. وبما أن الكاظمي حاول أن يعمل، بل وأن يفكّك منظومات الفشل والفساد، كان الحل الوحيد أمام الخصوم إفشاله بكل الطرق، حتى لو أدى ذلك إلى تخريب منظومات أساسية تتوقف عليها حياة الناس، مثل الكهرباء والصحة. وما يستحق الإشارة، هنا، أن الكاظمي كان شكّل بالفعل لجنة لمحاربة الفساد تمكنت من إلقاء القبض على عدد كبير من المتهمين بقضايا فساد كبرى، وهو أمر لم يحصل من قبل.
هذا، وإذا كانت حادثتا مستشفى ابن الخطيب في بغداد، خلال أبريل (نيسان) الماضي، ثم حادثة مستشفى الإمام الحسين في مدينة الناصرية خلال يوليو (تموز) الحالي، تجسّدان الفشل والفساد معاً، فإن إسقاط أبراج الطاقة الكهربائية عكست جنية سياسية تهدف إلى تحميل الكاظمي مسؤولية انقطاع التيار الكهربائي بوصفه رئيساً للوزراء، من دون النظر إلى تراكم الفشل والإخفاق الذي جعل العراق ينفق منذ عام 2003 حتى اليوم أكثر من 40 مليار دولار على قطاع الكهرباء فقط.
ظاهر الحادثتين في المشفيين انفجار أسطوانات غاز لم تتمكن دوائر الصحة والدفاع المدني من إحكام الحماية عليهما. ولكن بعد حادثة ابن الخطيب، استقال وزير الصحة، وعُدّ ذلك إنجازاً؛ كون «ثقافة الاستقالة» شبه معدومة في العراق. ثم إن استقالة الوزير ليست مِلكه ولا ملك رئيس الوزراء - وهو الرئيس التنفيذي للدولة - بل هي ملك الحزب أو الجهة التي رشحته. ومع ذلك، استقال الوزير، ولم تتمكن الجهة التي رشحته من الدفاع عنه، كي لا يحمّلها الناس المسؤولية.
وقبل أيام، حيث بدأت حرب من نوع آخر على مستوى قطاع الكهرباء تمثّلت بإسقاط أبراج الطاقة. وهنا أيضاً استقال وزير الكهرباء بعد مطالبة من قبل زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر. وقبل رئيس الوزراء الكاظمي الاستقالة، ولم يعترض أحد، لأن الإطفاء التام للمنظومة الكهربائية الذي لم يحصل منذ 30 سنة أكبر من الاعتراض على استقالة وزير.

الكاظمي والقافلة

على صعيد آخر، يقترب العراق بخوف من الانتخابات التي تُعدّ مفصلية في حال جرت بنزاهة.
الحكومة تبحث عن أكثر السبل نجاعة لإنجاحها، لكن الباحثين عن فشلها، وربما تأجيلها، كثر. مع ذلك، ووسط مخاوف ومخاطر غير محسوبة، يتأهب العراقيون لتلك الانتخابات المقررة في 10 أكتوبر المقبل. ومع أن الزمن المتبقي هو ثلاثة شهور فقط، ثم مع أن الطريق ليس طويلاً، فهو محفوف بالمخاطر.
هذه المخاطر كثيرة ومقدماتها كانت واضحة، سواءً على مستوى الحرائق بسبب الإهمال أو بفعل فاعل - إن كانت لأبراج الطاقة أو لوزارة الصحة أو مستشفياتها في بغداد والناصرية - أو الخلافات التي بدأت تكبر بين الكاظمي وخصومه. والواقع أن إحدى بوابات تلك الخلافات موضوع الحوار الاستراتيجي مع واشنطن؛ إذ يروم الكاظمي التوجُّه إلى الولايات المتحدة في نهاية هذا الشهر من أجل الاجتماع بالرئيس الأميركي جو بايدن، لبحث «جدولة» الانسحاب الأميركي من العراق. ومع أن الكاظمي ليس مرشحاً للانتخابات، لا ينطبق عليه المثل القائل: «المفلس بالقافلة أمين». رغم كونه أعلن عزوفه عن الترشح، والجميع يعرف ذلك، فإن خصومه يعرفون جيداً أن الانتخابات - في حال عُقِدت وحقَّقت نسبة نجاح جيدة - فهذا سيعني أن الكاظمي نجح في إجرائها وهو ما يجعله منافساً قوياً على ولاية ثانية. وفي مقابل ذلك، يمكن أن يربك المشهد السياسي بحيث تتغير الخريطة السياسية باتجاه تغيير الأحجام باتجاه لا يرضي كثيراً من الأطراف السياسية.
أضف إلى ذلك، أنه رغم الأيام الصعبة التي عاشها العراق حين اندلعت ما بدت أنها «حرب مفتوحة» بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة القريبة من إيران، إثر الضربة التي تلقتها تلك الفصائل على الحدود العراقية - السورية، فإن الكاظمي بدأ يحزم حقائبه للسفر إلى واشنطن، ولكن طبقاً لجدول أولويات مختلف بين بغداد وواشنطن. فرئيس الوزراء العراقي يريد إكمال موضوع جدولة الانسحاب الأميركي على أساس الحوار الاستراتيجي الذي أطلقه إبان حكم إدارة دونالد ترمب. بينما الرئيس الأميركي جو بايدن لديه أولوياته في أسلوب الردع قبل بحث الانسحاب. وفي حين يرتكز موقف بايدن على شبه إجماع داخلي أميركي بين الديمقراطيين والجمهوريين، على صعيد كيفية التعامل مع الفصائل الموالية لإيران في العراق، فإن موقف الكاظمي - الذي كان قبل توجيه الضربة أكثر مرونة - يبدو الآن في وضع مختلف لا يخلو من صعوبات حقيقية. ذلك أن القوى السياسية الشيعية، وفق مصادر مطلعة على فحوى الاجتماع الذي عقده الكاظمي مع زعيم تحالف «الفتح» هادي العامري، أوصلت إلى الكاظمي رسالة تتضمن تغيير مطالب تلك القوى، وفي مقدمتها التحوّل من جدولة الانسحاب إلى الانسحاب الفوري. هذا الموقف بقدر ما هو جديد فإنه محرج للكاظمي. لأن مسألة تغيير الأولويات طبقا لردات الفعل يمكن أن يحمل نتائج خطيرة على مسار الحوار الاستراتيجي بين الطرفين.
الكاظمي، حسب المصادر المذكورة، وعد العامري ببحث هذا الأمر مع الجانب الأميركي. لكن في مقابل ذلك، طبقاً لتصريح مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، الذي حضر مراسم تشييع قتلى الضربة الأميركية، فإنه أعلن أن بلاده «ستتوصل قريباً لاتفاق مع الولايات المتحدة على جدولة سحب قواته». الأعرجي الذي استخدم مفردات أكثر دبلوماسية مما قيل في رسالة العامري للكاظمي، كشف أن «الكاظمي سيزور واشنطن قريباً وسيتم الاتفاق خلال الزيارة على جدولة الانسحاب الأميركي من العراق»، علماً بأن العراق كان قد اتفق مع الولايات المتحدة خلال جولة الحوار الاستراتيجي في أبريل الماضي على «جدولة كاملة» لهذا الانسحاب. وأيضا شكّلت لجان عسكرية عالية المستوى بين الطرفين لغرض الاتفاق على الجدولة.
مع ذلك، فإن الضربة الأميركية بدت جزءاً من استراتيجية أميركية جديدة في التعامل مع تلك الفصائل. وفي هذا السياق، يقول اللواء الركن المتقاعد عماد علو، مستشار «المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب» في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن «الضربة الأميركية ضد الفصائل المسلحة لم تكن في الواقع مفاجئة... بل كان متوقعة منذ أسابيع لجهة الانتقادات التي تعرّض لها الرئيس الأميركي جو بايدن بسبب عدم رد واشنطن على التعرّضات التي استهدفت الوجود الأميركي في عدد من القواعد العسكرية الأميركية بالعراق، لا سيما (فيكتوري) و(عين الأسد)، ومن قبل ذلك قاعدة مطار أربيل». وأردف: «هذه المسألة دفعت إدارة بايدن إلى المطالبة بتغيير تشريع الكونغرس وتفويضه الإدارة الأميركية باستخدام السلاح الفعال للحماية الفعالة، وأعاد الرئيس الأميركي هذه العبارة عدة مرات».
وتابع اللواء علو أنه «بالإضافة إلى ذلك، فإن ظهور الطيران المسيّر واستخدامه ضد القوات الأميركية أثارا قلق الجانب الأميركي بشكل كبير». وبيّن أن «الإدارة الأميركية كانت تخطط لعملية الرد العسكري منذ عدة أسابيع... نتيجة التصريحات التي صدرت عن قادة ومسؤولين في الفصائل المسلحة... عن أن المواجهة ستكون مفتوحة بين الطرفين، بعد الضربة التي وُجّهت إلى هذه التشكيلات في منطقة القائم العراقية والبوكمال السورية».

في الناصرية... «أم الخرسان» تختزل المأساة
> من بين ضحايا مستشفى الإمام الحسين في مدينة الناصرية، عاصمة محافظة ذي قار بجنوب العراق، امرأة هي أم لأولاد «كلهم خرسان» (لكم) هي معيلتهم الوحيدة. وهذه الأم لم تجد عملاً يساعدها على إطعام أولادها سوى العمل ماسحة للأرض في المستشفى بأجر يومي. والمأساة، أنها عند اندلاع الحريق كانت بين الضحايا الذين قضوا حرقاً داخل ردهات المستشفى المتهالكة أصلاً، لأنها مبنية وفق ما يعرف في العراق بـ«السندويج بنل»... حيث مواد هذا النوع من البناء قابلة للاشتعال. ولقد قضت المرأة حرقاً وبقي أولادها المساكين لا يعرفون الحكاية لا من حيث البداية ولا من حيث النهاية.
من ناحية أخرى، قد يخفف نسبياً من وقع الكارثة على هذه العائلة المنكوبة، أنه تبعاً لإجراءات الدولة العراقية، فإن مَن يموت في مثل هذه الحوادث يُصنّف رسمياً على أنه «شهيد»، وبالتالي، يُمنح راتباً خاصاً مدى حياة مَن يعيلهم. لقد تُوفيت «أم الخرسان» دفاعاً عن لقمة عيش أطفالها القاصرين، لكن موتها فقط كفل لهم حياة نصف كريمة في بلد يطفو على بحيرات نفط وغاز ويمتد فيه نهران من أكبر أنهار الأرض.



«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

«حزب الله» يرمي أعباء حربه على الدولة اللبنانية

دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دمار في جنوب لبنان (أ.ف.ب)

فتح ملف إعادة إعمار المناطق المتضرّرة في لبنان سجالاً سياسياً حول الجهة التي يفترض أن تتحمّل التكلفة، بعدما حمّل «حزب الله» الحكومة مسؤولية أساسية عن الإيواء وإعادة الإعمار ودعم النازحين. وفي حين أكد الحزب أنه «يعمل على برنامج خاص بهذا الملف متى توافرت الإمكانات المالية»، برزت في المقابل مواقف نيابية معارضة رأت في هذا الطرح إقراراً بعجز الحزب عن تحمّل الأعباء، وربطت أي معالجة مستدامة بإعادة الملف كاملاً إلى الدولة وحصر السلاح بيدها. يأتي هذا السجال في ظل استمرار معاناة متضررين ونازحين من الحرب، وفي وقت لم تتبلور فيه بعد آلية شاملة لتمويل إعادة الإعمار، وسط نقاش سياسي يتجاوز مسألة تأمين الأموال إلى تحديد المسؤوليات وشروط مساهمة الدولة والجهات المانحة.

النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله يغادر البرلمان اللبناني وسط بيروت 14 يونيو 2023 (رويترز)

تكشف أرقام جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» عن أن ملف إعادة الإعمار والإيواء في لبنان لا يرتبط بأضرار حرب 2026 وحدها، بل يأتي فوق خسائر حرب 2024 التي لم يكن لبنان قد انتهى من معالجتها. ففي عام 2024، بلغت الأضرار المادية المباشرة نحو 6.8 مليار دولار أميركي، بينها 4.6 مليار دولار في قطاع السكن، في حين قُدِّرت احتياجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار، قبل أن تضيف الحرب الجديدة أضراراً واسعة إلى المباني والمساكن والبنى التحتية.

في الواقع، لا تتوافر حتى الآن حصيلة وطنية نهائية لتكلفة أضرار حرب 2026 أو احتياجات إعادة الإعمار، في ظل استمرار العمليات وتأخر اكتمال التقييمات. غير أن الأرقام المرحلية التي جمعتها «ستاتيستكس ليبانون» تُظهِر أن الأضرار المباشرة في المباني تجاوزت، حتى شهر أبريل (نيسان) 2026، نحو 1.745 مليار دولار في جنوب لبنان وبيروت وجبل لبنان، بينها أكثر من 1.38 مليار دولار في الجنوب وحده، وأكثر من 365 مليون دولار في بيروت وجبل لبنان. وهذه أرقام جزئية لا تمثل التكلفة النهائية للحرب، ومن ثم، لا يمكن مقارنتها مباشرة بالتقييم الوطني الشامل لأضرار 2024.

أكثر من 21 ألف وحدة سكنية مُدمَّرة

تتبيّن خطورة الأزمة بصورة أوضح في القطاع السكني. إذ بلغ عدد المباني المدمّرة بالكامل 11 ألفاً و95 مبنى في المنطقة جنوبي نهر الليطاني، إضافة إلى 146 مبنى في بيروت وجبل لبنان. كذلك أظهرت التقييمات تدمير 17 ألفاً و891 وحدة سكنية بالكامل في جنوب لبنان، و3168 وحدة في بيروت وجبل لبنان، بما يزيد على 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن المناطق التي شملتها التقييمات حتى تلك المرحلة.

وتترافق هذه الخسائر مع كمّيات ضخمة من الرّكام، بلغت نحو 3.1 مليون متر مكعب في جنوب لبنان ونحو 649 ألف متر مكعب في بيروت وجبل لبنان. ويعني ذلك أن العودة لا ترتبط بإعادة بناء المنازل فحسب؛ إذ ستحتاج مناطق واسعة أولاً إلى إزالة الركام وتأهيل الطرق وشبكات المياه والكهرباء والخدمات الأساسية، قبل أن يصبح من الممكن إعادة السكان إليها بصورة مستقرة.

النزوح يوسّع أزمة الإيواء

ويتقاطع الدمار السكني هذا مع أزمة إيواء ونزوح واسعة. إذ وفق البيانات الدولية، نزح نحو مليون شخص داخلياً في بداية التصعيد، في حين عبر نحو 100 ألف شخص إلى سوريا. وحتى الأول من شهر سبتمبر (أيلول) 2026، بقي 329 ألفاً و240 شخصاً في حالة نزوح داخلي؛ الأمر الذي يعكس استمرار الحاجة إلى حلول إيواء مؤقتة ومتوسطة الأجل، ولا سيما للعائلات التي دمّرت منازلها أو باتت بلداتها تفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات العودة.

بلغ عدد المباني المُدمّرة بالكامل

11 ألفاً و95 مبنى

في المنطقة جنوبي نهر الليطاني

عودة إلى الأصل أي... الدولة

في هذا السياق، طرح الأمين العام لـ«حزب الله» نعيم قاسم التزام الحزب بالمساهمة في تأمين الإيواء والإعمار للمتضرّرين في الجنوب، إلى جانب حثّ الدولة على القيام بدورها، وقال إن الحزب «سيعلن قريباً عن مساهمته في مشروع للإيواء».

إلا أن النائب إبراهيم منيمنة قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» معلّقاً إن «(حزب الله)، على مدى سنوات، كان يأخذ رصيد الحكومة ويجيّره لنفسه». وأشار إلى أنه «في عام 2006 كانت الدول العربية تؤمّن القسم الأكبر من التمويل، لكن (حزب الله) استغل بعض الثغرات في أداء الدولة وحاول أن يحوّل هذا الرصيد لنفسه». وأردف منيمنة: «أما الآن، فيعود إلى الأصل، وهو الدولة. الدولة هي التي ستقوم بإعادة الإعمار... وهذا اعتراف من الحزب بأنه لن يقدر على الاستغلال».

منيمنة، وهو من نواب بيروت، توقّف أيضاً عند كلام النائب حسن فضل الله - أحد نواب «حزب الله» ومنطقة الجنوب - عن أن الدولة لديها الأموال، فقال: «المفارقة عندما يقول (فضل الله) إن الدولة لديها المال، وكأنه يحاول أن يتّهم هذه الدولة بأنها لا تقوم بواجباتها في هذا الموضوع، فيما هو يعلم أن هذا الكلام ليس صحيحاً، وهم أي الحزب ممثلون في الحكومة، وبالتالي فإن كلام الحزب غير دقيق وشعبوي».

وتابع منيمنة: «مَن يريد اليوم أن يضع ملف إعادة الإعمار، فعليه أن يدخل أولاً إلى الحكومة ويناقشه فيها، وأن ينفّذ قرارات الحكومة، أو الدولة، المتعلّقة بحصر السلاح. هذه أول خطوة حتى تكون مدخلاً إلى إعادة الإعمار».

جدير بالذكر، أن النائب فضل الله، كان في وقت سابق قد شدّد على أنه «عندما يكون هناك حكومة في لبنان، فهي المسؤولة عن شعبها وعن كل مواطن على أرضها مهما كانت أسباب الحرب، سواء كنّا معها أو معارضة لها، علماً أن لديها الإمكانات والقدرات المالية والاقتصادية».

وأضاف: «وبدل أن تصرف هذه الإمكانات في مواضع في غير أماكنها، يمكنها أن تُسخّر جزءاً من الإمكانات لموضوع إعادة الإعمار والإيواء ولدعم النازحين. وهذه مسؤولية أساسية على الحكومة، ومهما كان الخلاف معها، سنحمّلها المسؤولية، ونحن نعمل من خلالها والمجلس النيابي، لتوفير ما أمكن من موارد مالية لأجل هذا الملف».

في المقابل، أوضح منيمنة أن «التردّد في إعادة الإعمار ليس لأن الدولة لا تقوم بواجباتها»، واستطرد: «أولاً، الدول المانحة التي ستساعد على الإعمار ليست مستعدة لأن تضع أموالاً ثم تحصل حرب جديدة. ومن ناحية ثانية، النقاش حول حصر السلاح لم ينتهِ ولم يُحسم هذا الموضوع... بالتالي، هذا الكلام، ولو أن فيه اعترافاً ضمنياً بدور الدولة، فهو في الدرجة الأساسية كلام منقوص»، موضحاً أن «هناك مسؤولية على (حزب الله) بأن يدخل فعلاً إلى الدولة من خلال ملف حصر السلاح».

وعن مسؤولية «حزب الله» تجاه تعويض المتضررين، قال منيمنة: «برأيي، هو أساساً في هذا المجال لم يفِ بوعوده، والناس في حالة تذمّر لأنه لا يوجد تمويل، حتى لأعمال الإيواء، خصوصاً للناس الذين ما زالوا مهجرين... وواضح أن (حزب الله) غير قادر اليوم على القيام بهذا الملف، وبما أنه لم يعد قادراً، فقد تخلّى عنه».

الحكومة مسؤولة عن شعبها

وفي موازاة ذلك، يتردد في أوساط داخل بيئة «حزب الله» أن الحزب يعد خلال الفترة القريبة المقبلة لتقديم مساعدة نقدية للمتضرّرين، تُطرح على أنها «هدية تعويض»، من دون أن يصدر حتى الآن إعلان رسمي يحدد قيمتها أو الفئات التي ستشملها أو موعد بدء توزيعها.

وكان واضحاً في تصريح نعيم قاسم الأخير أن الحزب «سيسهِم»؛ ما يعني أنه لن يكون المموّل، بل ينتظر الدولة التي قاله إنه لن يتوقّف عن حثّها على إعادة الإعمار.

في سياق متصل، يتقاطع موقف النائب مارك ضو، النائب عن جبل لبنان، مع قراءة منيمنة لانتقال الحزب إلى التعويل على الدولة؛ إذ قال لـ«الشرق الأوسط» إن تحميل «حزب الله» الحكومة مسؤولية ملف إعادة الإعمار «يشكّل تأكيداً على عجزه»، معتبراً أن انتقاله إلى التعويل الكامل على الدولة يعكس عجزه عن تحمّل تبعات ما حصل.

وأضاف ضو: «عندما يصبح كل الاتكال على الحكومة، ويقال إن الاعتماد الآن عليها، فهذا تأكيد واضح على العجز». وتابع: «هو (أي حزب الله) يطالب الدولة والحكومة بتحمّل مسؤولية إعادة الإعمار، في حين أنه لا يتعامل معهما على هذا الأساس في ممارسته السياسية... والنتيجة، أنه يريد من الدولة أن تتولّى إعادة إعمار ما نتج عن أخطائه وأفعاله».

مسارات أخرى قبل تحميل الخزينة التكلفة

بدوره، قال النائب أديب عبد المسيح لـ«الشرق الأوسط» إن «(حزب الله) يتنصّل من مسؤوليته في ملف إعادة الإعمار، ويحاول تحميل الدولة واللبنانيين تبعات حرب كان هو سببا أساسياً في اندلاعها»، معتبراً أن أمام الحزب أكثر من مسار لمعالجة هذا الملف بدلاً من مطالبة الدولة بتحمل التكلفة كاملة.

وقال عبد المسيح، وهو من نواب شمال لبنان: «(حزب الله) ممثل في الحكومة بوزيرين، فليتفضّل وزيراه ويطالبا بقرار حكومي لإعادة الإعمار، وليحاولا تأمين إجماع حكومي على هذا الموضوع. إذا كانا قادرين على ذلك، فليفعلا».

ثم أضاف: «إذا لم يتمكّن الحزب من تأمين إجماع الحكومة على إعادة الإعمار، فهناك مسارات أخرى. أولاً، عليه أن يتحمّل مسؤوليته؛ لأنه هو من ورّط لبنان وفتح النار على إسرائيل وتسبب بهذه الحرب. وثانياً، لديه الإيرانيون، ويمكن لوزير الخارجية أن يتحرّك للمطالبة بتعويضات من الدولة الإيرانية عن الأضرار، باعتبار أن (الحرس الثوري) الإيراني حاضر على الأراضي اللبنانية عبر دعمه للحزب».

وتابع عبد المسيح: «هناك أيضاً إسرائيل، وهي المسبّب المباشر للدمار. يمكن اللجوء إلى المسارات والمحاكم الدولية للمطالبة بالحقوق والتعويضات، وعند تحصيلها تُستخدم في إعادة إعمار الجنوب. هذه حلول عملية يمكن العمل عليها».

وشدّد النائب عبد المسيح على رفضه أن تتحمّل الخزينة اللبنانية وحدها تكلفة إعادة الإعمار، قائلاً: «أما أن تتحمّل الدولة اللبنانية المسؤولية في النهاية، وأن تأخذ الضرائب من الناس، فأنا أدفع وأنت لإعادة إعمار الجنوب، فهذا لن يحدث أبداً».

ورأى أن الحزب «يتنصّل» من مسؤوليته؛ إذ «يبدأ اليوم بالمطالبات والتحركات، وقد تتحول غداً تحركات في الشارع ضد الحكومة أو ضد الجيش، بحيث يحاول، بدلاً من أن يتحمل المسؤولية، أن يحملها لغيره... هذا أمر واضح مائة في المائة. يبدأ الأمر بهذه المطالبات، ثم يجري تنظيم التحرّكات على الموجة نفسها، في محاولة للظهور كجزء من المعارضة والمطالبة بحقوق شبيهة بحقوق موظفي الدولة أو سائر اللبنانيين، في حين كان الحزب أساسياً في هذه الحرب، وليس مجرد طرف عادي فيها».

الحرب تقوّض الاقتصاد اللبناني

ختاماً، يأتي اتساع حاجات الإيواء والإعمار في وقت تراجعت قدرة الاقتصاد اللبناني والدولة على تحمل أعباء إضافية. إذ تشير الأرقام إلى توقع انكماش الناتج المحلي الحقيقي بنسبة 6.4 في المائة خلال 2026، في حين تضاف احتياجات الحرب الحالية إلى فاتورة إعادة إعمار 2024 المقدرة أصلاً بنحو 11 مليار دولار.بناءً عليه؛ لم يعد الملف مقتصراً على تعويض أصحاب المنازل المتضررة، بل صار يشمل تأمين الإيواء للنازحين، وإزالة ملايين الأمتار المكعبة من الركام، وإعادة تأهيل الخدمات والبنى التحتية، ثم إعادة بناء آلاف المباني وأكثر من 21 ألف وحدة سكنية مدمّرة بالكامل ضمن نطاق التقييمات المُنجزة حتى الآن.


سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
TT

سوزان كولينز... هل ينجو الاعتدال أمام محاولات تقييد ترمب؟

في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.
في ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها عن إدارته.

بعد أقل من ثلاثة أسابيع، تواجه السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز معركة الفوز بولاية سادسة في مجلس الشيوخ عن ولاين ماين، بأقصى شمال شرقي الولايات المتحدة، أمام منافسها الديمقراطي تروي جاكسون. بعد نحو ثلاثة عقود في المجلس، تدافع كولينز (73 سنة) عن سجل طويل من الخدمات والتسويات، في حين يتساءل ناخبون اعتادوا تأييدها إن كان إخراج الجمهوريين من قيادة المجلس الطريق الأجدى لتقييد الرئيس دونالد ترمب؟ وبين الحسابين، تتجاوز المعركة مستقبلها الشخصي لتطرح سؤالاً أوسع: هل تكفي الثقة بالسياسي حين يفقد الناخب ثقته بالحزب الذي ينتمي إليه؟

كولينز المولودة في السابع من ديسمبر (كانون الأول) 1952 في كاريبو، أقصى شمال ماين، واحدة من ستة أبناء لعائلة ارتبط اسمها بتجارة الأخشاب والخدمة العامة. تولّى والدها ووالدتها رئاسة بلدية المدينة، وخدم الأب في المجلس التشريعي للولاية. هناك، قرب الحدود الكندية، تشكلت صلتها بمجتمع صغير يعرف ممثليه بأسمائهم ويحاسبهم على ما يقدمونه لحياته اليومية. لكن هذه الصلة تواجه اليوم اختباراً صعباً، مع تحول مقعدها ساحة صراع على الأغلبية، وعلى مكان الوسطيين في سياسة أميركية قد تصبح فيها هوية الحزب أهم من شخصية ممثله.

من بلدة كاريبو ...إلى واشنطن

تخرجت كولينز في جامعة سانت لورانس الصغيرة الراقية بريف ولاية نيويورك عام 1975، وبدأت العمل مع النائب الجمهوري وليام كوهين (وزير الدفاع فيما بعد)، ثم انتقلت معه إلى مجلس الشيوخ.

ولاحقاً، تولت كولينز مسؤولية التنظيم المهني والمالي في حكومة ماين، ثم إدارة المكتب الإقليمي لوكالة المشاريع الصغيرة بتعيين من الرئيس جورج بوش الأب. ثم عام 1996، انتُخبت لخلافة كوهين في مجلس الشيوخ، لتبدأ مسيرة جُددت أربع مرات. وهي متزوجة من توماس دافرون، وتقيم في مدينة بانغور بولاية ماين.

بيد أن هذه التفاصيل ليست مجرد محطات في سيرة ذاتية؛ إذ تكونت سياسياً داخل «التيار التقليدي» في الحزب الجمهوري، الذي يعوّل على الخبرة التشريعية واحترام المؤسسات والتفاوض مع الديمقراطيين لإنجاز التسويات. ولم تبنِ حضورها على الخطب الصاخبة أو «التعبئة» ضد واشنطن، بل على معرفة طرقها: كيف تُكتب التشريعات، وتُجمع الأصوات، وتُنتزع المخصّصات لولاية صغيرة.

وحقاً، تلخص كولينز خلال لقاء مع الـ«واشنطن بوست»، هذه النظرة بقولها: «هناك من يعملون، وهناك من يستعرضون»، واضعة نفسها في الفئة الأولى. ثم تقول إن خطاباً نارياً يرفع شعبية صاحبه على وسائل التواصل الاجتماعي لا يغير بالضرورة النتيجة. وهذه حجة شخصية عامة مخضرمة في زمن يكافئ المواجهة العلنية، وأحياناً يعتبر التفاوض والمساومة بعيداً عن الكاميرات ضعفاً.

غير أن تداخل الأسرة والمهنة والمؤسسة، الذي منحها جذوراً وثباتاً، يسمح لخصومها أيضاً بتصويرها ممثلة لطبقة سياسية استقرت طويلاً في السلطة. فالأقدمية في حملتها رصيد يحمي مصالح ولايتها، لكنها في حملة منافسها جاكسون تطرح سؤالاً عمّا إذا كانت الخبرة ما زالت تنتج تغييراً يشعر به الناس.

استقلالية قيد المحاكمة

والواقع، أنه يصعب اعتبار كولينز «تابعاً» لترمب؛ إذ تقول حملتها إنها لم تصوّت له قط، بل كانت ضمن الجمهوريين الذين أيّدوا محاولة عزله الثانية عام 2021. كذلك خالفت إدارته في تصويتات مهمة، بينها رفض تعيين بيت هيغسيث وزيراً للحرب، ورفض النسخة النهائية من تشريع الضرائب والإنفاق الكبير عام 2025. ولها أيضاً سجلٌ يتجاوز الاعتراض؛ فقد قادت مع السيناتور جو مانشين - الذي كان آنذاك من أبرز الديمقراطيين اليمينيين قبل مغادرته الحزب -، مساراً مشتركاً لتعديل قانون فرز الأصوات الانتخابية. وأقرّ التعديل عام 2022 لمعالجة ثغرات كشفت عنها أزمة انتقال السلطة، إثر رفض ترمب الإقرار بهزيمته أمام جو بايدن وترويجه ادعاءات بتزوير انتخابات 2020. وهذه وظيفة مؤسساتية للوسط: تحويل الخلاف إلى قواعد يمكن أن يقبلها الطرفان.

لكن منتقديها يميّزون بين مخالفة الرئيس ومنعه. ووفق تحليل في الـ«نيويورك تايمز»، فإنها تعارض سياساته في التصويت أكثر من سائر الجمهوريين، لكن معارضتها نادراً ما تبدّل النتيجة. وهنا تنتقل المحاكمة من النيات إلى الفعل... فما معنى الاستقلالية إذا بقيت الإدارة قادرة على تنفيذ ما تعترض عليه؟

وتظل قضية الإجهاض الجرح الأعمق في تقييمها. فكولينز تؤيد حقوق الإجهاض، لكنها دعمت تثبيت القاضي المحافظ بريت كافانو عام 2018، قبل أن يشارك في قرار المحكمة العليا الذي ألغى الحماية الدستورية الفيدرالية لهذا الحق عام 2022. ودفاعها المستمر عن ذلك التصويت يعيد فتح مسألة الثقة لدى ناخبين يرون أن تطميناتها لم تصمد أمام النتائج.

مع ذلك، ليس كل تصويت خاسر مسرحية سياسية، كما أن ليس كل اعتراض دليلاً كافياً على المقاومة. فالشيخ لا يملك منفرداً غالبية المجلس. أما السؤال المشروع، فهو ما إذا كانت كولينز تستخدم كامل نفوذها لفرض حدود على الإدارة، أم تكتفي بمسافة محسوبة تسمح لها بالبقاء داخل ائتلافها؟ حسب المنتقدين.

ترمب على مائدة الناخب

وبالفعل، تبدو هذه المناقشة أقل تجريداً في ماين، حيث تتقاطع السياسات الرئاسية مع فواتير التدفئة والتجارة والسياحة عبر الحدود. فالحرب مع إيران رفعت تكلفة الوقود، في حين وضعت الرسوم على كندا مصالح محلية أمام ضغوط إضافية. وباتت كولينز مطالبة بمعالجة أزمات تخلقها الإدارة التي ينتمي حزبها إليها.

وفي حين ضغطت لتسريع مساعدات التدفئة للأسر محدودة الدخل، وسعت إلى استثناء الملح الذي يُرش على الطرق في فصل الشتاء من الرسوم الجمركية، حوّل منافسها جاكسون، الحطّاب والرئيس السابق لمجلس شيوخ الولاية، إنجازها إلى عبارة هجومية مؤداها أن «سكان ماين لا يستطيعون أكل ملح الطرق»، في حرصه على نقل النقاش من الاستثناءات التي تنتزعها إلى السياسات التي تجعلها ضرورية.

وفي مناظرتهما الثالثة مساء الثلاثاء، برز مجدداً ملف الهجرة بعد مقتل مهاجر برصاص أحد عناصر إنفاذ قوانين الهجرة (أيس) في بلدة بيدفورد خلال يوليو (تموز). وأقرّت كولينز بأن الإدارة نشرت أعداداً كبيرة من العناصر من دون تدقيق مناسب في اختيارهم، في حين حمّلها جاكسون مسؤولية سياسية عن التمويل.

وفي ملف إيران، أقرَّت بأن «الرئيس لم يمتلك خطة جيدة»، في محاولة منها لإبراز استقلاليتها مسافة عن إدارته. لكن انتقالها من تأييد الحرب في البداية إلى دعم تقييد صلاحياته العسكرية يمنح خصمها فرصة للسؤال عن توقيت الاعتراض، لا عن وجوده وحده.

في المقابل، تهاجم كولينز سجلّ جاكسون التشريعي وتحمّله مسؤولية سياسات تقول إنها رفعت تكاليف الطاقة والسكن. وبالتالي، ما عادت المواجهة بين مرشحة بلا إنجازات وخصم بلا سجل، بل بين تفسيرين للغلاء وللجهة الأقدر على تخفيفه: نفوذ جمهوري داخل الإدارة، أم غالبية ديمقراطية تراقبها وتواجهها.

غالبية أم جسر؟

عام 2020، فازت كولينز بفارق نحو 9 نقاط مئوية، في حين خسر ترمب ولاية ماين بفارق مماثل. يومها استطاع الناخب أن يرفض الرئيس ويحتفظ بالسيناتورة على ورقة الاقتراع نفسها. أما الآن، فلا انتخابات رئاسية تتيح الفصل ذاته، بل أصبح مقعدها إحدى الأدوات المباشرة لمعاقبة البيت الأبيض.

وفي تحقيقات للـ«نيويورك تايمز» والـ«واشنطن بوست»، تلتقط شهادات الناخبين هذه النقلة، حيث لا ينكرون خدماتها ولا يشككون في كفاءتها، لكنهم يريدون ببساطة مجلساً يضع قيوداً على ترمب. في المقابل، لا يزال ديمقراطيون ومستقلون يعدّونها ممثلة موثوقة، ويرفضون التضحية بها لمجرد انتمائها الحزبي. من هنا، يرى البعض أن خسارتها قد تبدو ربحاً واضحاً للديمقراطيين في حساب المقاعد، لكنها تحمل احتمال خسارة شريكة تفاوض داخل الحزب الآخر. ولا تناقض حتمياً بين الأمرين: يستطيع الديمقراطي أن يقدّر دورها، ثم يرى أن تغيير الأغلبية أرجح كفة من الاحتفاظ بذلك الدور.

وبالمثل، لن يكون فوزها هزيمة صافية لترمب؛ فهو يحتفظ للجمهوريين بمقعد بالغ الأهمية، وربما يساعدهم على حماية الغالبية. لكنه سيبرهن أيضاً على أن الفوز في بعض الولايات يتطلب الابتعاد عن الرئيس، وأن الصيغة الجمهورية القابلة للتسويق وطنياً ليست بالضرورة الصيغة الأكثر ولاءً له.

وتزداد المفارقة مع رئاسة كولينز لجنة المخصصات في مجلس الشيوخ. فهي تطلب من الناخب حماية نفوذ يصعب تعويضه سريعاً، في حين يردّ خصومها بأن النفوذ يقاس بما يمنعه أيضاً. وإذا استطاعت الإدارة تعطيل إنفاق أقره الكونغرس أو الالتفاف على أولوياته، تغدو قدرة كولينز على حماية صلاحيات الكونغرس في إقرار الإنفاق جزءاً من تقييم نفوذها نفسه.

بل حتى الطرفان اللذان يريدان حسم المعركة يجدان نفسيهما أمام حسابات متعارضة: فالجمهوريون يحتاجون إلى أصوات ناخبين ينفرون من زعيمهم، والديمقراطيون يحتاجون إلى إقناع ناخبين بأن إعجابهم بسيناتورة جمهورية لا ينبغي أن يتقدّم على تغيير اتجاه الحكم.

الوسط يبحث عن جدواه

بالتالي، لا تعني هذه المعركة أن الساحة خلت تماماً من الوسطيين، ولا أن الشعبوية احتكرت الحزبين بالقدر نفسه. كما أن الوسطية ليست مرادفاً دائماً للانتماء إلى المؤسسة. فقد يكون السياسي المخضرم شديد الحزبية، وقد يكون جديداً وقادراً على بناء تسويات. وجاكسون - نفسه الذي ينافس كولينز - يعقّد الثنائية المبسطة. فهو تقدمي طبقي، لكنه صاحب خبرة في قيادة مؤسسة تشريعية. ولذلك؛ لا يكفي وضعه في خانة الشعبوية ثم اعتبار هزيمة كولينز إذا حصلت، دليلاً تلقائياً على انتصار التطرف. فالاختبار الأهم هو ما سيقدمه الفائز من سياسات، وكيف سيتعامل مع حدود السلطة وخصومه.

مع ذلك، تكشف كولينز عن أزمة حقيقية في نموذج الوساطة القديم. فحين يُطالب الناخب بمنع قرار يمس حقوقه أو معيشته، لا تكفيه الإشارة إلى حوار مستمر مع صانعيه. بل يحتاج المعتدل إلى شرح الرابط بين قدرته على الوصول إلى المسؤولين وقدرته على تغيير ما يفعلونه، وإلّا بدت التسوية امتيازاً لأهل السياسة لا منفعة للمواطنين.

وفي صورة ساخرة من الحملة، وصل خطأً إعلان يهاجم جاكسون، موَّلته مجموعة جمهورية، إلى مدينة بورتلاند بولاية أوريغون بدلاً من مدينة بورتلاند في ماين. ثم صحح الخطأ وأعيدت الأموال، لكنه أتاح لخصوم كولينز التشكيك في اتصال حلفائها بالولاية. وهذه واقعة صغيرة في سباق يختبر صدقية القرب من الناس.

الأرجح، أن انتخابات ماين لن تحسم مصير الاعتدال الأميركي، لكنها ستكشف عن الشروط الجديدة لبقائه. فنجاة كولينز ستعني أن الرصيد الشخصي والخدمات والاستقلال النسبي ما زالت قادرة على مقاومة الاستقطاب. وخسارتها ستشير إلى أن ناخبين باتوا يفضّلون تغيير ميزان السلطة على الاحتفاظ بوسيط داخلها.


وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
TT

وسطيّون من الحزبين الأميركيين الكبيرين على خط النار

مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)
مبنى «الكابيتول» في واشنطن مقر مجلسَي الشيوخ والنواب بالولايات المتحدة (أ.ب)

لا يواجه جميع المعتدلين نسخة مطابقة لاختبار السيناتورة سوزان كولينز في ولاية ماين؛ إذ بعضهم يحاول النجاة في دوائر تميل إلى الحزب الآخر، وبعضهم الآخر يدافع عن استقلاليته أمام قاعدته. ومن أبرز هؤلاء من دون افتراض أن فرصهم الانتخابية ومواقفهم متساوية، الساسة التالية أسماؤهم:

• النائب الجمهوري براين فيتزباتريك في بنسلفانيا، الذي يمثل الدائرة الأولى ويواجه الديمقراطي بوب هارفي، المفوض في مقاطعة باكس والمدرّس السابق. يبني العضو السابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي صورته على العمل عبر الحزبين ومخالفة ترمب في ملفات محددة. لكن خصمه يسعى إلى تحويل الاقتراع من تقييم لشخص النائب إلى حكم على الغالبية الجمهورية. ومع ذلك، لا يصح افتراض أن مجرد تشابه مأزقه مع كولينز يجعل حظوظهما متطابقة.

• النائب الجمهوري مايك لولر في نيويورك، يخوض مواجهة مع الديمقراطية كيت كونلي، صاحبة الخبرة العسكرية والأمنية، في الدائرة السابعة عشرة التي فازت فيها كامالا هاريس عام 2024. لولر يقدم نفسه جمهورياً براغماتياً قادراً على العمل مع الديمقراطيين، لكنه يحتاج إلى الاحتفاظ بالقاعدة الجمهورية أيضاً. امتحانه هو إقناع الناخب بأن استقلاله يترك أثراً ملموساً، في حين تسعى منافسته إلى جعل العلاقة بترمب محور الاختبار.

• النائبة الديمقراطية ماري غلوسنكامب بيريز في ولاية واشنطن، التي تواجه الجمهوري جون براون في الدائرة الثالثة، وتقدم نموذجاً معكوساً لكولينز؛ فهي ديمقراطية تحاول الاحتفاظ بدائرة أيدت ترمب، وتستند إلى خطاب محلي واهتمام بالمهن والتكاليف اليومية، وتخالف حزبها في بعض القضايا. لكن استمالة المحافظين لا تضمن رضا الديمقراطيين، وقد وثّقت الإذاعة العامة المحلية استياء ناخبين من خيارات السباق. ويكشف اختبارها أن بناء ائتلاف عابر للحزبين يحتاج إلى بقاء قاعدة متحمسة، لا مجرد الوصول إلى الطرف الآخر.

• النائب الديمقراطي دون ديفيس في نورث كارولينا، يواجه الجمهورية لوري باكهاوت في الدائرة الأولى، بعدما جعلت إعادة ترسيم الخريطة الانتخابية التي فرضها الجمهوريون، الفوز فيها أكثر صعوبة على الديمقراطيين. ديفيس يروّج لوسطيته، لكن الخريطة تضع حدوداً لما تستطيع السمعة الشخصية تحقيقه.

توضح هذه الحالات أن بقاء الوسط لا يعتمد فقط على اعتدال الناخبين، بل هو يتأثر بحدود الدوائر، وصورة الرئيس، وتعبئة القواعد، وقدرة المرشح على تحويل المخالفة الحزبية إلى منفعة مفهومة... ثم إن فوز معتدل من حزب قد يعني هزيمة معتدل من الآخر، لا انتصاراً تلقائياً على التطرف. لذلك قد يكون الاختبار الأعمق بعد الانتخابات: هل يملك الناجون استعداداً ونفوذاً لبناء تشريعات مشتركة، أو تفرض معركة الغالبية عليهم العودة إلى الاصطفاف الذي وعدوا ناخبيهم بتجاوزه؟