الصراعات السياسية في العراق تشعل فتيل «حرائق الصيف»

على خلفية الانتخابات المقبلة ومستقبل الكاظمي والعلاقات مع واشنطن

الصراعات السياسية في العراق تشعل فتيل «حرائق الصيف»
TT

الصراعات السياسية في العراق تشعل فتيل «حرائق الصيف»

الصراعات السياسية في العراق تشعل فتيل «حرائق الصيف»

لا يكاد يمر يوم من دون وقوع حريق في مكان ما على أرض العراق، بدءاً من العاصمة بغداد التي لها نصيب الأسد من حرائق الطبيعة، كما تقول مصادر الدفاع المدني. ففي غضون الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي (2021)، سجّلت فرق الدفاع المدني 7000 حريق في العراق لم يعترف بالمسؤولية عنها أحد، مع أن الشبهات دائماً باتجاه «داعش»... والتقييد ضد مجهول.
تبدأ الحرائق سنوياً عند بدء نضج المحاصيل الزراعية في أوائل الصيف (نهايات الشهر الرابع من العام ومطلع الشهر الخامس وما يليه من شهور). لكن حرائق القمح والشعير ليست أكثر من «بروفة» لأنواع أخرى من الحرائق، هي المطلوبة أصلاً... وهي الحرائق في الدوائر والمؤسسات. ولا يهم أن تمتد إلى المشافي حتى يكون التعاطف مع الضحايا متزامناً مع ارتفاع منسوب الصراع و«التسقيط» السياسي بين الطبقة السياسية الحاكمة بكل أحزابها وقواها ومكوّناتها. ولأن العام الحالي هو عام الانتخابات المبكّرة المقّرر إجراؤها في العاشر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، فإن الحرائق لا بد أن تكون من الوزن الثقيل.
في حسابات القوى السياسية العراقية ليس مهماً أن يموت حرقاً في مستشفى ابن الخطيب في العاصمة بغداد أكثر من 80 مريضاً بـ«كوفيد - 19»، ويربو عدد الجرحى على المائة... وهذا ما حصل في شهر أبريل (نيسان) الماضي.
وأيضاً لا يكترث أحد لموت 60 مواطناً يعانون من الفيروس نفسه، مثلما تقول إحصائيات الحكومة، وأكثر من 90 شخصاً، طبقاً لإحصاءات أخرى من وكالات أنباء وأطباء ومنظمات حقوق إنسان.
في العراق، في ظل «النأي بالنفس» عن أي مسؤولية، فإن الخلاف حول أرقام الضحايا لا يفسد عادةً للود قضية بين المتخاصمين حين يجدون أنفسهم، بعد فورة خلاف عنيفة، وقد توصّلوا إلى «حلول» جزئية ترقيعية يعبرون بها مرحلة فقط.
غير أن حرائق هذا العام جاءت مختلفة تماماً عنها في الأعوام السابقة. فالجميع مشغول بكيفية التحضير للانتخابات المقبلة. ولدى الجميع مشكلات مع الجميع، بدءاً من المكوّنات الثلاثة الأكبر، أي الشيعة والسنة والكرد، مروراً بالأحزاب الشيعية - الشيعية والسنية - السنية والكردية - الكردية، والحكومة وخصومها، وانتهاءً بالخصوم أنفسهم... بعضهم مع بعض (شيعة مع شيعة أو سنّة مع سنة أو كرد مع كرد) أو بالضد النوعي (شيعي بضد نوعي سنّي وبالعكس، أو كردي بضد نوعي شيعي أو سني أو بالعكس).
أما المواطن الذي يُفترض به أن يكون هو الآخر جاهزاً للانتخابات، التي طالب بها، عبر المظاهرات الجماهيرية، أو اتباعه تعليمات مفوضية الانتخابات بتحديث بياناته، لكي يدلي يوم الاقتراع بصوته، فإن المشكلة تبقى في صوته... أين يضعه في أي صندوق؟ وضمن أي اتجاه؟
هل باتجاه التغيير الحقيقي عبر انتخاب الأصلح؟ أم بالإبقاء على النهج ذاته الذي تتحكّم به في النهاية ولاءات الطائفة والعِرق والجغرافيا والبيئة والعشيرة؟ وبين هذا وذاك، هناك مسألة السلاح الذي لا يزال منفلتاً، ويبدو أنه سيبقى كذلك حتى يوم الاقتراع وما بعد إعلان النتائج.

المؤمن الذي أدمن اللدغ

في العراق نسبة المؤمنين الذي يستطيبون اللدغ من الجحر نفسه - ليس مرتين فقط بل عشرات المرات - ما زالوا هم الغالبية. وهذه الغالبية التي توصَف بالصامتة نسبتها 70 في المائة من سكان العراق البالغ عددهم 40 مليون نسمة. ثم إن عدد سكان العراق مشكلة أخرى تضاف إلى سلسلة المشكلات التي تعاني منها البلاد؛ إذ إن آخر إحصاء سكاني في العراق أُجري عام 1987، في عهد نظام صدام حسين. ولا تزال الخلافات السياسية تحول دون إجراء تعداد سكاني جديد.
آخر ما أعلنته وزارة التخطيط العراقية أن تعداد نفوس (سكان) بلاد ما بين النهرين 40 مليون نسمة. ولكن ثمة مَن يعارض الوزارة مدعياً - ودائما رجماً بالغيب مرة والتوقعات مرة أخرى - أن الرقم الحقيقي لا يتجاوز 38 مليون نسمة، ثم إن للبطاقة التموينية التي يتناول بموجبها العراقيون الحصص الغذائية المدعومة من الدولة منذ تسعينات القرن الماضي نتيجة الحصار رقمها الخاص، فطبقاً لإحصاءاتها فإن عدد المشمولين بها يبلغ 45 مليون نسمة. وهكذا، طبقاً للتسمية الدارجة في العراق في مثل هذه الحالات، فإن نحو 5 ملايين مواطن عراقي «فضائيون»...أي لا وجود لهم على أرض الواقع، غير أنهم موجودون في سجلّات الفشل والفساد. وبما أن العراق مقبل على الانتخابات - مع أن احتمالات تأجيلها تبقى قائمة بسبب توالي الحرائق السياسية والطبيعية - فإن الكل، مثلما هو معمول به في كل الدنيا، يستعد لهذه الانتخابات، وطبقاً للأهداف التي يروم تحقيقها، سواء أكان حزباً أم فرداً.
ولكن المشكلة في البلاد اليوم أن الفساد فسادان: فساد سياسي، سببه نظام المحاصصة العرقية والطائفية طبقاً لوصفة ما بعد عام 2003. وفساد مالي، قوامه السرقة بشتى الطرق والوسائل للمال العام من دون أن يرف للفاسدين ومن يقف خلفهم جفن. وبناءً عليه، فإن الانتخابات ما عادت وسيلة من أجل بلوغ غاية هي «التغيير نحو الأفضل»... بل باتت هدفاً بحد ذاته هو الإبقاء على الحال كما هو.
سبب هذا الحال استشراء الفساد في منظومة الحكم التي قسمت العراق، حتى على صعيد توزيع المناصب، إلى «مكوّنات» لا أحزاب وكتل سياسية لها برامجها السياسية. وهذه البرامج التي قد تختلف - طبعاً - عن برامج أحزاب أخرى من المكوّن نفسه... وقد تتطابق مع أحزاب أخرى من مكوّنات أخرى. ويحمي هذا الحال اتفاقات وتوافقات مكتوبة مرة و«جنتلمان» مرة أخرى... لكنها تقوم على التواطؤ في كل المرات.
لذا فإنه حتى حين قدّمت رئاسة الجمهورية قبل أكثر من شهر إلى البرلمان «مشروع قانون استرداد أموال العراق المنهوبة»، لم تتوفر حتى الآن مؤشرات على إمكانية تشريع هذا القانون. فطبقاً لمشروع القانون هذا، فإن الأرقام التي يتضمّنها صادمة على صعيد حجم ما جرى سرقته وتحويله إلى خارج العراق. إذ يبلغ المبلغ المنهوب، طبقاً للرئاسة العراقية، نحو 150 مليار دولار أميركي. ويُذكر أن دخل العراق المالي الصافي من مبيعات النفط وأموال من مصادر أخرى - منها منح دولية منذ عام 2004 عند بدء سريان تصدير النفط والحصول على الأموال - يبلغ أكثر من تريليون دولار (أي نحو ألف مليار دولار أميركي).
ولكن نتيجة الفساد السياسي والفساد المالي، واتباع سياسة التوظيف «التنفيعي» لأغراض انتخابية، كل أربع سنوات، فإن أعداد الموظفين تضاعفت إلى نحو 6 ملايين ونصف مليون موظف ومتقاعد ومتعاقد. وهؤلاء يتقاضون شهرياً اليوم نحو 5 مليارات دولار رواتب، وهو ما يشكّل نحو 70 في المائة من الميزانية العامة للدولة.

الكهرباء والصحة

بالنسبة للحرائق، فإنها في كل موسم تأخذ سياقاً مختلفاً. هذا العام كانت الحصة الكبيرة في هذه الحرائق لأهم قطاعين لهما صلة مباشرة بحياة المواطن العراقي اليومية، وهما الكهرباء والصحة. والسبب هو كيفية إلصاق الفشل في الحكومة التي شكّلها مصطفى الكاظمي قبل سنة، مع العلم أن الفشل والإخفاق يمتدان إلى 18 سنة، هي عمر التغيير الذي جاءت به الطبقة السياسية الحالية. وبما أن الكاظمي حاول أن يعمل، بل وأن يفكّك منظومات الفشل والفساد، كان الحل الوحيد أمام الخصوم إفشاله بكل الطرق، حتى لو أدى ذلك إلى تخريب منظومات أساسية تتوقف عليها حياة الناس، مثل الكهرباء والصحة. وما يستحق الإشارة، هنا، أن الكاظمي كان شكّل بالفعل لجنة لمحاربة الفساد تمكنت من إلقاء القبض على عدد كبير من المتهمين بقضايا فساد كبرى، وهو أمر لم يحصل من قبل.
هذا، وإذا كانت حادثتا مستشفى ابن الخطيب في بغداد، خلال أبريل (نيسان) الماضي، ثم حادثة مستشفى الإمام الحسين في مدينة الناصرية خلال يوليو (تموز) الحالي، تجسّدان الفشل والفساد معاً، فإن إسقاط أبراج الطاقة الكهربائية عكست جنية سياسية تهدف إلى تحميل الكاظمي مسؤولية انقطاع التيار الكهربائي بوصفه رئيساً للوزراء، من دون النظر إلى تراكم الفشل والإخفاق الذي جعل العراق ينفق منذ عام 2003 حتى اليوم أكثر من 40 مليار دولار على قطاع الكهرباء فقط.
ظاهر الحادثتين في المشفيين انفجار أسطوانات غاز لم تتمكن دوائر الصحة والدفاع المدني من إحكام الحماية عليهما. ولكن بعد حادثة ابن الخطيب، استقال وزير الصحة، وعُدّ ذلك إنجازاً؛ كون «ثقافة الاستقالة» شبه معدومة في العراق. ثم إن استقالة الوزير ليست مِلكه ولا ملك رئيس الوزراء - وهو الرئيس التنفيذي للدولة - بل هي ملك الحزب أو الجهة التي رشحته. ومع ذلك، استقال الوزير، ولم تتمكن الجهة التي رشحته من الدفاع عنه، كي لا يحمّلها الناس المسؤولية.
وقبل أيام، حيث بدأت حرب من نوع آخر على مستوى قطاع الكهرباء تمثّلت بإسقاط أبراج الطاقة. وهنا أيضاً استقال وزير الكهرباء بعد مطالبة من قبل زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر. وقبل رئيس الوزراء الكاظمي الاستقالة، ولم يعترض أحد، لأن الإطفاء التام للمنظومة الكهربائية الذي لم يحصل منذ 30 سنة أكبر من الاعتراض على استقالة وزير.

الكاظمي والقافلة

على صعيد آخر، يقترب العراق بخوف من الانتخابات التي تُعدّ مفصلية في حال جرت بنزاهة.
الحكومة تبحث عن أكثر السبل نجاعة لإنجاحها، لكن الباحثين عن فشلها، وربما تأجيلها، كثر. مع ذلك، ووسط مخاوف ومخاطر غير محسوبة، يتأهب العراقيون لتلك الانتخابات المقررة في 10 أكتوبر المقبل. ومع أن الزمن المتبقي هو ثلاثة شهور فقط، ثم مع أن الطريق ليس طويلاً، فهو محفوف بالمخاطر.
هذه المخاطر كثيرة ومقدماتها كانت واضحة، سواءً على مستوى الحرائق بسبب الإهمال أو بفعل فاعل - إن كانت لأبراج الطاقة أو لوزارة الصحة أو مستشفياتها في بغداد والناصرية - أو الخلافات التي بدأت تكبر بين الكاظمي وخصومه. والواقع أن إحدى بوابات تلك الخلافات موضوع الحوار الاستراتيجي مع واشنطن؛ إذ يروم الكاظمي التوجُّه إلى الولايات المتحدة في نهاية هذا الشهر من أجل الاجتماع بالرئيس الأميركي جو بايدن، لبحث «جدولة» الانسحاب الأميركي من العراق. ومع أن الكاظمي ليس مرشحاً للانتخابات، لا ينطبق عليه المثل القائل: «المفلس بالقافلة أمين». رغم كونه أعلن عزوفه عن الترشح، والجميع يعرف ذلك، فإن خصومه يعرفون جيداً أن الانتخابات - في حال عُقِدت وحقَّقت نسبة نجاح جيدة - فهذا سيعني أن الكاظمي نجح في إجرائها وهو ما يجعله منافساً قوياً على ولاية ثانية. وفي مقابل ذلك، يمكن أن يربك المشهد السياسي بحيث تتغير الخريطة السياسية باتجاه تغيير الأحجام باتجاه لا يرضي كثيراً من الأطراف السياسية.
أضف إلى ذلك، أنه رغم الأيام الصعبة التي عاشها العراق حين اندلعت ما بدت أنها «حرب مفتوحة» بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة القريبة من إيران، إثر الضربة التي تلقتها تلك الفصائل على الحدود العراقية - السورية، فإن الكاظمي بدأ يحزم حقائبه للسفر إلى واشنطن، ولكن طبقاً لجدول أولويات مختلف بين بغداد وواشنطن. فرئيس الوزراء العراقي يريد إكمال موضوع جدولة الانسحاب الأميركي على أساس الحوار الاستراتيجي الذي أطلقه إبان حكم إدارة دونالد ترمب. بينما الرئيس الأميركي جو بايدن لديه أولوياته في أسلوب الردع قبل بحث الانسحاب. وفي حين يرتكز موقف بايدن على شبه إجماع داخلي أميركي بين الديمقراطيين والجمهوريين، على صعيد كيفية التعامل مع الفصائل الموالية لإيران في العراق، فإن موقف الكاظمي - الذي كان قبل توجيه الضربة أكثر مرونة - يبدو الآن في وضع مختلف لا يخلو من صعوبات حقيقية. ذلك أن القوى السياسية الشيعية، وفق مصادر مطلعة على فحوى الاجتماع الذي عقده الكاظمي مع زعيم تحالف «الفتح» هادي العامري، أوصلت إلى الكاظمي رسالة تتضمن تغيير مطالب تلك القوى، وفي مقدمتها التحوّل من جدولة الانسحاب إلى الانسحاب الفوري. هذا الموقف بقدر ما هو جديد فإنه محرج للكاظمي. لأن مسألة تغيير الأولويات طبقا لردات الفعل يمكن أن يحمل نتائج خطيرة على مسار الحوار الاستراتيجي بين الطرفين.
الكاظمي، حسب المصادر المذكورة، وعد العامري ببحث هذا الأمر مع الجانب الأميركي. لكن في مقابل ذلك، طبقاً لتصريح مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، الذي حضر مراسم تشييع قتلى الضربة الأميركية، فإنه أعلن أن بلاده «ستتوصل قريباً لاتفاق مع الولايات المتحدة على جدولة سحب قواته». الأعرجي الذي استخدم مفردات أكثر دبلوماسية مما قيل في رسالة العامري للكاظمي، كشف أن «الكاظمي سيزور واشنطن قريباً وسيتم الاتفاق خلال الزيارة على جدولة الانسحاب الأميركي من العراق»، علماً بأن العراق كان قد اتفق مع الولايات المتحدة خلال جولة الحوار الاستراتيجي في أبريل الماضي على «جدولة كاملة» لهذا الانسحاب. وأيضا شكّلت لجان عسكرية عالية المستوى بين الطرفين لغرض الاتفاق على الجدولة.
مع ذلك، فإن الضربة الأميركية بدت جزءاً من استراتيجية أميركية جديدة في التعامل مع تلك الفصائل. وفي هذا السياق، يقول اللواء الركن المتقاعد عماد علو، مستشار «المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب» في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن «الضربة الأميركية ضد الفصائل المسلحة لم تكن في الواقع مفاجئة... بل كان متوقعة منذ أسابيع لجهة الانتقادات التي تعرّض لها الرئيس الأميركي جو بايدن بسبب عدم رد واشنطن على التعرّضات التي استهدفت الوجود الأميركي في عدد من القواعد العسكرية الأميركية بالعراق، لا سيما (فيكتوري) و(عين الأسد)، ومن قبل ذلك قاعدة مطار أربيل». وأردف: «هذه المسألة دفعت إدارة بايدن إلى المطالبة بتغيير تشريع الكونغرس وتفويضه الإدارة الأميركية باستخدام السلاح الفعال للحماية الفعالة، وأعاد الرئيس الأميركي هذه العبارة عدة مرات».
وتابع اللواء علو أنه «بالإضافة إلى ذلك، فإن ظهور الطيران المسيّر واستخدامه ضد القوات الأميركية أثارا قلق الجانب الأميركي بشكل كبير». وبيّن أن «الإدارة الأميركية كانت تخطط لعملية الرد العسكري منذ عدة أسابيع... نتيجة التصريحات التي صدرت عن قادة ومسؤولين في الفصائل المسلحة... عن أن المواجهة ستكون مفتوحة بين الطرفين، بعد الضربة التي وُجّهت إلى هذه التشكيلات في منطقة القائم العراقية والبوكمال السورية».

في الناصرية... «أم الخرسان» تختزل المأساة
> من بين ضحايا مستشفى الإمام الحسين في مدينة الناصرية، عاصمة محافظة ذي قار بجنوب العراق، امرأة هي أم لأولاد «كلهم خرسان» (لكم) هي معيلتهم الوحيدة. وهذه الأم لم تجد عملاً يساعدها على إطعام أولادها سوى العمل ماسحة للأرض في المستشفى بأجر يومي. والمأساة، أنها عند اندلاع الحريق كانت بين الضحايا الذين قضوا حرقاً داخل ردهات المستشفى المتهالكة أصلاً، لأنها مبنية وفق ما يعرف في العراق بـ«السندويج بنل»... حيث مواد هذا النوع من البناء قابلة للاشتعال. ولقد قضت المرأة حرقاً وبقي أولادها المساكين لا يعرفون الحكاية لا من حيث البداية ولا من حيث النهاية.
من ناحية أخرى، قد يخفف نسبياً من وقع الكارثة على هذه العائلة المنكوبة، أنه تبعاً لإجراءات الدولة العراقية، فإن مَن يموت في مثل هذه الحوادث يُصنّف رسمياً على أنه «شهيد»، وبالتالي، يُمنح راتباً خاصاً مدى حياة مَن يعيلهم. لقد تُوفيت «أم الخرسان» دفاعاً عن لقمة عيش أطفالها القاصرين، لكن موتها فقط كفل لهم حياة نصف كريمة في بلد يطفو على بحيرات نفط وغاز ويمتد فيه نهران من أكبر أنهار الأرض.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».