الصراعات السياسية في العراق تشعل فتيل «حرائق الصيف»

على خلفية الانتخابات المقبلة ومستقبل الكاظمي والعلاقات مع واشنطن

الصراعات السياسية في العراق تشعل فتيل «حرائق الصيف»
TT

الصراعات السياسية في العراق تشعل فتيل «حرائق الصيف»

الصراعات السياسية في العراق تشعل فتيل «حرائق الصيف»

لا يكاد يمر يوم من دون وقوع حريق في مكان ما على أرض العراق، بدءاً من العاصمة بغداد التي لها نصيب الأسد من حرائق الطبيعة، كما تقول مصادر الدفاع المدني. ففي غضون الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي (2021)، سجّلت فرق الدفاع المدني 7000 حريق في العراق لم يعترف بالمسؤولية عنها أحد، مع أن الشبهات دائماً باتجاه «داعش»... والتقييد ضد مجهول.
تبدأ الحرائق سنوياً عند بدء نضج المحاصيل الزراعية في أوائل الصيف (نهايات الشهر الرابع من العام ومطلع الشهر الخامس وما يليه من شهور). لكن حرائق القمح والشعير ليست أكثر من «بروفة» لأنواع أخرى من الحرائق، هي المطلوبة أصلاً... وهي الحرائق في الدوائر والمؤسسات. ولا يهم أن تمتد إلى المشافي حتى يكون التعاطف مع الضحايا متزامناً مع ارتفاع منسوب الصراع و«التسقيط» السياسي بين الطبقة السياسية الحاكمة بكل أحزابها وقواها ومكوّناتها. ولأن العام الحالي هو عام الانتخابات المبكّرة المقّرر إجراؤها في العاشر من شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، فإن الحرائق لا بد أن تكون من الوزن الثقيل.
في حسابات القوى السياسية العراقية ليس مهماً أن يموت حرقاً في مستشفى ابن الخطيب في العاصمة بغداد أكثر من 80 مريضاً بـ«كوفيد - 19»، ويربو عدد الجرحى على المائة... وهذا ما حصل في شهر أبريل (نيسان) الماضي.
وأيضاً لا يكترث أحد لموت 60 مواطناً يعانون من الفيروس نفسه، مثلما تقول إحصائيات الحكومة، وأكثر من 90 شخصاً، طبقاً لإحصاءات أخرى من وكالات أنباء وأطباء ومنظمات حقوق إنسان.
في العراق، في ظل «النأي بالنفس» عن أي مسؤولية، فإن الخلاف حول أرقام الضحايا لا يفسد عادةً للود قضية بين المتخاصمين حين يجدون أنفسهم، بعد فورة خلاف عنيفة، وقد توصّلوا إلى «حلول» جزئية ترقيعية يعبرون بها مرحلة فقط.
غير أن حرائق هذا العام جاءت مختلفة تماماً عنها في الأعوام السابقة. فالجميع مشغول بكيفية التحضير للانتخابات المقبلة. ولدى الجميع مشكلات مع الجميع، بدءاً من المكوّنات الثلاثة الأكبر، أي الشيعة والسنة والكرد، مروراً بالأحزاب الشيعية - الشيعية والسنية - السنية والكردية - الكردية، والحكومة وخصومها، وانتهاءً بالخصوم أنفسهم... بعضهم مع بعض (شيعة مع شيعة أو سنّة مع سنة أو كرد مع كرد) أو بالضد النوعي (شيعي بضد نوعي سنّي وبالعكس، أو كردي بضد نوعي شيعي أو سني أو بالعكس).
أما المواطن الذي يُفترض به أن يكون هو الآخر جاهزاً للانتخابات، التي طالب بها، عبر المظاهرات الجماهيرية، أو اتباعه تعليمات مفوضية الانتخابات بتحديث بياناته، لكي يدلي يوم الاقتراع بصوته، فإن المشكلة تبقى في صوته... أين يضعه في أي صندوق؟ وضمن أي اتجاه؟
هل باتجاه التغيير الحقيقي عبر انتخاب الأصلح؟ أم بالإبقاء على النهج ذاته الذي تتحكّم به في النهاية ولاءات الطائفة والعِرق والجغرافيا والبيئة والعشيرة؟ وبين هذا وذاك، هناك مسألة السلاح الذي لا يزال منفلتاً، ويبدو أنه سيبقى كذلك حتى يوم الاقتراع وما بعد إعلان النتائج.

المؤمن الذي أدمن اللدغ

في العراق نسبة المؤمنين الذي يستطيبون اللدغ من الجحر نفسه - ليس مرتين فقط بل عشرات المرات - ما زالوا هم الغالبية. وهذه الغالبية التي توصَف بالصامتة نسبتها 70 في المائة من سكان العراق البالغ عددهم 40 مليون نسمة. ثم إن عدد سكان العراق مشكلة أخرى تضاف إلى سلسلة المشكلات التي تعاني منها البلاد؛ إذ إن آخر إحصاء سكاني في العراق أُجري عام 1987، في عهد نظام صدام حسين. ولا تزال الخلافات السياسية تحول دون إجراء تعداد سكاني جديد.
آخر ما أعلنته وزارة التخطيط العراقية أن تعداد نفوس (سكان) بلاد ما بين النهرين 40 مليون نسمة. ولكن ثمة مَن يعارض الوزارة مدعياً - ودائما رجماً بالغيب مرة والتوقعات مرة أخرى - أن الرقم الحقيقي لا يتجاوز 38 مليون نسمة، ثم إن للبطاقة التموينية التي يتناول بموجبها العراقيون الحصص الغذائية المدعومة من الدولة منذ تسعينات القرن الماضي نتيجة الحصار رقمها الخاص، فطبقاً لإحصاءاتها فإن عدد المشمولين بها يبلغ 45 مليون نسمة. وهكذا، طبقاً للتسمية الدارجة في العراق في مثل هذه الحالات، فإن نحو 5 ملايين مواطن عراقي «فضائيون»...أي لا وجود لهم على أرض الواقع، غير أنهم موجودون في سجلّات الفشل والفساد. وبما أن العراق مقبل على الانتخابات - مع أن احتمالات تأجيلها تبقى قائمة بسبب توالي الحرائق السياسية والطبيعية - فإن الكل، مثلما هو معمول به في كل الدنيا، يستعد لهذه الانتخابات، وطبقاً للأهداف التي يروم تحقيقها، سواء أكان حزباً أم فرداً.
ولكن المشكلة في البلاد اليوم أن الفساد فسادان: فساد سياسي، سببه نظام المحاصصة العرقية والطائفية طبقاً لوصفة ما بعد عام 2003. وفساد مالي، قوامه السرقة بشتى الطرق والوسائل للمال العام من دون أن يرف للفاسدين ومن يقف خلفهم جفن. وبناءً عليه، فإن الانتخابات ما عادت وسيلة من أجل بلوغ غاية هي «التغيير نحو الأفضل»... بل باتت هدفاً بحد ذاته هو الإبقاء على الحال كما هو.
سبب هذا الحال استشراء الفساد في منظومة الحكم التي قسمت العراق، حتى على صعيد توزيع المناصب، إلى «مكوّنات» لا أحزاب وكتل سياسية لها برامجها السياسية. وهذه البرامج التي قد تختلف - طبعاً - عن برامج أحزاب أخرى من المكوّن نفسه... وقد تتطابق مع أحزاب أخرى من مكوّنات أخرى. ويحمي هذا الحال اتفاقات وتوافقات مكتوبة مرة و«جنتلمان» مرة أخرى... لكنها تقوم على التواطؤ في كل المرات.
لذا فإنه حتى حين قدّمت رئاسة الجمهورية قبل أكثر من شهر إلى البرلمان «مشروع قانون استرداد أموال العراق المنهوبة»، لم تتوفر حتى الآن مؤشرات على إمكانية تشريع هذا القانون. فطبقاً لمشروع القانون هذا، فإن الأرقام التي يتضمّنها صادمة على صعيد حجم ما جرى سرقته وتحويله إلى خارج العراق. إذ يبلغ المبلغ المنهوب، طبقاً للرئاسة العراقية، نحو 150 مليار دولار أميركي. ويُذكر أن دخل العراق المالي الصافي من مبيعات النفط وأموال من مصادر أخرى - منها منح دولية منذ عام 2004 عند بدء سريان تصدير النفط والحصول على الأموال - يبلغ أكثر من تريليون دولار (أي نحو ألف مليار دولار أميركي).
ولكن نتيجة الفساد السياسي والفساد المالي، واتباع سياسة التوظيف «التنفيعي» لأغراض انتخابية، كل أربع سنوات، فإن أعداد الموظفين تضاعفت إلى نحو 6 ملايين ونصف مليون موظف ومتقاعد ومتعاقد. وهؤلاء يتقاضون شهرياً اليوم نحو 5 مليارات دولار رواتب، وهو ما يشكّل نحو 70 في المائة من الميزانية العامة للدولة.

الكهرباء والصحة

بالنسبة للحرائق، فإنها في كل موسم تأخذ سياقاً مختلفاً. هذا العام كانت الحصة الكبيرة في هذه الحرائق لأهم قطاعين لهما صلة مباشرة بحياة المواطن العراقي اليومية، وهما الكهرباء والصحة. والسبب هو كيفية إلصاق الفشل في الحكومة التي شكّلها مصطفى الكاظمي قبل سنة، مع العلم أن الفشل والإخفاق يمتدان إلى 18 سنة، هي عمر التغيير الذي جاءت به الطبقة السياسية الحالية. وبما أن الكاظمي حاول أن يعمل، بل وأن يفكّك منظومات الفشل والفساد، كان الحل الوحيد أمام الخصوم إفشاله بكل الطرق، حتى لو أدى ذلك إلى تخريب منظومات أساسية تتوقف عليها حياة الناس، مثل الكهرباء والصحة. وما يستحق الإشارة، هنا، أن الكاظمي كان شكّل بالفعل لجنة لمحاربة الفساد تمكنت من إلقاء القبض على عدد كبير من المتهمين بقضايا فساد كبرى، وهو أمر لم يحصل من قبل.
هذا، وإذا كانت حادثتا مستشفى ابن الخطيب في بغداد، خلال أبريل (نيسان) الماضي، ثم حادثة مستشفى الإمام الحسين في مدينة الناصرية خلال يوليو (تموز) الحالي، تجسّدان الفشل والفساد معاً، فإن إسقاط أبراج الطاقة الكهربائية عكست جنية سياسية تهدف إلى تحميل الكاظمي مسؤولية انقطاع التيار الكهربائي بوصفه رئيساً للوزراء، من دون النظر إلى تراكم الفشل والإخفاق الذي جعل العراق ينفق منذ عام 2003 حتى اليوم أكثر من 40 مليار دولار على قطاع الكهرباء فقط.
ظاهر الحادثتين في المشفيين انفجار أسطوانات غاز لم تتمكن دوائر الصحة والدفاع المدني من إحكام الحماية عليهما. ولكن بعد حادثة ابن الخطيب، استقال وزير الصحة، وعُدّ ذلك إنجازاً؛ كون «ثقافة الاستقالة» شبه معدومة في العراق. ثم إن استقالة الوزير ليست مِلكه ولا ملك رئيس الوزراء - وهو الرئيس التنفيذي للدولة - بل هي ملك الحزب أو الجهة التي رشحته. ومع ذلك، استقال الوزير، ولم تتمكن الجهة التي رشحته من الدفاع عنه، كي لا يحمّلها الناس المسؤولية.
وقبل أيام، حيث بدأت حرب من نوع آخر على مستوى قطاع الكهرباء تمثّلت بإسقاط أبراج الطاقة. وهنا أيضاً استقال وزير الكهرباء بعد مطالبة من قبل زعيم «التيار الصدري»، مقتدى الصدر. وقبل رئيس الوزراء الكاظمي الاستقالة، ولم يعترض أحد، لأن الإطفاء التام للمنظومة الكهربائية الذي لم يحصل منذ 30 سنة أكبر من الاعتراض على استقالة وزير.

الكاظمي والقافلة

على صعيد آخر، يقترب العراق بخوف من الانتخابات التي تُعدّ مفصلية في حال جرت بنزاهة.
الحكومة تبحث عن أكثر السبل نجاعة لإنجاحها، لكن الباحثين عن فشلها، وربما تأجيلها، كثر. مع ذلك، ووسط مخاوف ومخاطر غير محسوبة، يتأهب العراقيون لتلك الانتخابات المقررة في 10 أكتوبر المقبل. ومع أن الزمن المتبقي هو ثلاثة شهور فقط، ثم مع أن الطريق ليس طويلاً، فهو محفوف بالمخاطر.
هذه المخاطر كثيرة ومقدماتها كانت واضحة، سواءً على مستوى الحرائق بسبب الإهمال أو بفعل فاعل - إن كانت لأبراج الطاقة أو لوزارة الصحة أو مستشفياتها في بغداد والناصرية - أو الخلافات التي بدأت تكبر بين الكاظمي وخصومه. والواقع أن إحدى بوابات تلك الخلافات موضوع الحوار الاستراتيجي مع واشنطن؛ إذ يروم الكاظمي التوجُّه إلى الولايات المتحدة في نهاية هذا الشهر من أجل الاجتماع بالرئيس الأميركي جو بايدن، لبحث «جدولة» الانسحاب الأميركي من العراق. ومع أن الكاظمي ليس مرشحاً للانتخابات، لا ينطبق عليه المثل القائل: «المفلس بالقافلة أمين». رغم كونه أعلن عزوفه عن الترشح، والجميع يعرف ذلك، فإن خصومه يعرفون جيداً أن الانتخابات - في حال عُقِدت وحقَّقت نسبة نجاح جيدة - فهذا سيعني أن الكاظمي نجح في إجرائها وهو ما يجعله منافساً قوياً على ولاية ثانية. وفي مقابل ذلك، يمكن أن يربك المشهد السياسي بحيث تتغير الخريطة السياسية باتجاه تغيير الأحجام باتجاه لا يرضي كثيراً من الأطراف السياسية.
أضف إلى ذلك، أنه رغم الأيام الصعبة التي عاشها العراق حين اندلعت ما بدت أنها «حرب مفتوحة» بين الولايات المتحدة والفصائل المسلحة القريبة من إيران، إثر الضربة التي تلقتها تلك الفصائل على الحدود العراقية - السورية، فإن الكاظمي بدأ يحزم حقائبه للسفر إلى واشنطن، ولكن طبقاً لجدول أولويات مختلف بين بغداد وواشنطن. فرئيس الوزراء العراقي يريد إكمال موضوع جدولة الانسحاب الأميركي على أساس الحوار الاستراتيجي الذي أطلقه إبان حكم إدارة دونالد ترمب. بينما الرئيس الأميركي جو بايدن لديه أولوياته في أسلوب الردع قبل بحث الانسحاب. وفي حين يرتكز موقف بايدن على شبه إجماع داخلي أميركي بين الديمقراطيين والجمهوريين، على صعيد كيفية التعامل مع الفصائل الموالية لإيران في العراق، فإن موقف الكاظمي - الذي كان قبل توجيه الضربة أكثر مرونة - يبدو الآن في وضع مختلف لا يخلو من صعوبات حقيقية. ذلك أن القوى السياسية الشيعية، وفق مصادر مطلعة على فحوى الاجتماع الذي عقده الكاظمي مع زعيم تحالف «الفتح» هادي العامري، أوصلت إلى الكاظمي رسالة تتضمن تغيير مطالب تلك القوى، وفي مقدمتها التحوّل من جدولة الانسحاب إلى الانسحاب الفوري. هذا الموقف بقدر ما هو جديد فإنه محرج للكاظمي. لأن مسألة تغيير الأولويات طبقا لردات الفعل يمكن أن يحمل نتائج خطيرة على مسار الحوار الاستراتيجي بين الطرفين.
الكاظمي، حسب المصادر المذكورة، وعد العامري ببحث هذا الأمر مع الجانب الأميركي. لكن في مقابل ذلك، طبقاً لتصريح مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، الذي حضر مراسم تشييع قتلى الضربة الأميركية، فإنه أعلن أن بلاده «ستتوصل قريباً لاتفاق مع الولايات المتحدة على جدولة سحب قواته». الأعرجي الذي استخدم مفردات أكثر دبلوماسية مما قيل في رسالة العامري للكاظمي، كشف أن «الكاظمي سيزور واشنطن قريباً وسيتم الاتفاق خلال الزيارة على جدولة الانسحاب الأميركي من العراق»، علماً بأن العراق كان قد اتفق مع الولايات المتحدة خلال جولة الحوار الاستراتيجي في أبريل الماضي على «جدولة كاملة» لهذا الانسحاب. وأيضا شكّلت لجان عسكرية عالية المستوى بين الطرفين لغرض الاتفاق على الجدولة.
مع ذلك، فإن الضربة الأميركية بدت جزءاً من استراتيجية أميركية جديدة في التعامل مع تلك الفصائل. وفي هذا السياق، يقول اللواء الركن المتقاعد عماد علو، مستشار «المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب» في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن «الضربة الأميركية ضد الفصائل المسلحة لم تكن في الواقع مفاجئة... بل كان متوقعة منذ أسابيع لجهة الانتقادات التي تعرّض لها الرئيس الأميركي جو بايدن بسبب عدم رد واشنطن على التعرّضات التي استهدفت الوجود الأميركي في عدد من القواعد العسكرية الأميركية بالعراق، لا سيما (فيكتوري) و(عين الأسد)، ومن قبل ذلك قاعدة مطار أربيل». وأردف: «هذه المسألة دفعت إدارة بايدن إلى المطالبة بتغيير تشريع الكونغرس وتفويضه الإدارة الأميركية باستخدام السلاح الفعال للحماية الفعالة، وأعاد الرئيس الأميركي هذه العبارة عدة مرات».
وتابع اللواء علو أنه «بالإضافة إلى ذلك، فإن ظهور الطيران المسيّر واستخدامه ضد القوات الأميركية أثارا قلق الجانب الأميركي بشكل كبير». وبيّن أن «الإدارة الأميركية كانت تخطط لعملية الرد العسكري منذ عدة أسابيع... نتيجة التصريحات التي صدرت عن قادة ومسؤولين في الفصائل المسلحة... عن أن المواجهة ستكون مفتوحة بين الطرفين، بعد الضربة التي وُجّهت إلى هذه التشكيلات في منطقة القائم العراقية والبوكمال السورية».

في الناصرية... «أم الخرسان» تختزل المأساة
> من بين ضحايا مستشفى الإمام الحسين في مدينة الناصرية، عاصمة محافظة ذي قار بجنوب العراق، امرأة هي أم لأولاد «كلهم خرسان» (لكم) هي معيلتهم الوحيدة. وهذه الأم لم تجد عملاً يساعدها على إطعام أولادها سوى العمل ماسحة للأرض في المستشفى بأجر يومي. والمأساة، أنها عند اندلاع الحريق كانت بين الضحايا الذين قضوا حرقاً داخل ردهات المستشفى المتهالكة أصلاً، لأنها مبنية وفق ما يعرف في العراق بـ«السندويج بنل»... حيث مواد هذا النوع من البناء قابلة للاشتعال. ولقد قضت المرأة حرقاً وبقي أولادها المساكين لا يعرفون الحكاية لا من حيث البداية ولا من حيث النهاية.
من ناحية أخرى، قد يخفف نسبياً من وقع الكارثة على هذه العائلة المنكوبة، أنه تبعاً لإجراءات الدولة العراقية، فإن مَن يموت في مثل هذه الحوادث يُصنّف رسمياً على أنه «شهيد»، وبالتالي، يُمنح راتباً خاصاً مدى حياة مَن يعيلهم. لقد تُوفيت «أم الخرسان» دفاعاً عن لقمة عيش أطفالها القاصرين، لكن موتها فقط كفل لهم حياة نصف كريمة في بلد يطفو على بحيرات نفط وغاز ويمتد فيه نهران من أكبر أنهار الأرض.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.