سيناريوهات حقبة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان

لكل من اللاعبين الإقليميين الكبار حساباته وطموحاته

سيناريوهات حقبة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان
TT

سيناريوهات حقبة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان

سيناريوهات حقبة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان

مع إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن 31 أغسطس (آب) باعتباره الموعد النهائي للانسحاب من أفغانستان، ثمة مخاوف حقيقية طفت على السطح. ويدور التساؤل أساساً في أوساط المتابعين حول ما الذي ينتظر أفغانستان الفترة المقبلة؟ في الواقع، يصعب التنبؤ بذلك، لكن الأمر المؤكد أنه لا تلوح في الأفق أي سيناريوهات وردية، لا سيما أن الحرب «المنخفضة المستوى» التي ظلت مستعرة بين حكومة كابل وحركة «طالبان» لسنوات الآن، بدأت تزداد حدة بالفعل، وتوحي التطورات على الأرض باحتمالية اشتعال حرب أهلية.
أما المسألة الكبرى التي يجري طرحها والجدل حولها راهناً، فتتعلق بحقبة ما بعد انسحاب الولايات المتحدة، ومن ثم، التداعيات الجيوسياسية على المنطقة بوجه عام. والمؤكد أن الولايات المتحدة ستخلّف وراءها فراغاً سياسياً كبيراً تتركز عليه أنظار بعض القوى الإقليمية والدولية. ومن المؤكد أيضاً أن لدى كل من الهند وإيران والصين وباكستان وروسيا مصالح وأطماعاً سياسية في أفغانستان ما بعد الانسحاب الأميركي؛ لذا من شأن هذا الموقف خلق مزيد من الارتباك وغياب الاستقرار والفوضى.
وحقاً، تخلق التوترات القائمة بين ثلاث من هذه القوى (الهند وباكستان والصين) سيناريوهات صعبة. ويذكر أنه لدى باكستان والصين مخططات بالفعل للتعاون داخل أفغانستان فيما بعد الانسحاب الأميركي. وفي الوقت ذاته، ينبغي الانتباه هنا إلى أن القوات الأميركية ستنسحب من أفغانستان، لكن الولايات المتحدة لن تترك المنطقة. وعليه، ثمة احتمال كبير للغاية أن تسقط المنطقة في صراع دموي جديد تتمثل الأطراف الأساسية المقاتلة فيه في الولايات المتحدة وأفغانستان وباكستان والصين و«القاعدة» و«طالبان» الأفغانية، ناهيك عن خطر جماعة «داعش» الذي يلوح في الأفق.
يشير محللون سياسيون هنود إلى أن غياب الإجماع الداخلي في أفغانستان ييسِّر على الدول المجاورة لها أن تجد شركاء مفضلين لديها هناك. والملاحظ أن روسيا عزّزت دورها داخل أفغانستان بالفعل خلال السنوات الأخيرة من خلال فتح قنوات اتصال مع «طالبان» ودعمها «عملية الدوحة».
وفيما يخص الهند، فإن التطوّرات المتسارعة على الأرض لصالح «طالبان» داخل أفغانستان لا تبشر بخير ولا تحمل خيارات جيدة أو حتى بارقة أمل، وهذا رغم حقيقة أن الهند أطلقت في الفترة الأخير مباحثات مباشرة مع «طالبان»، متخلية بذلك عن سياستها السابقة الرافضة للتعامل مع الحركة المتشددة. وفي هذا الصدد، قال السفير الهندي السابق راكيش سود «بمقدور دلهي نسيان التواطؤ بين باكستان و(طالبان)، وحوادث مثل اختطاف الطائرة (آي سي 814) وتفجير السفارة الهندية في كابل والتعاون مع (طالبان)، وإما سيتوجب عليها مواجهة قوة قد تزعزع استقرار المنطقة. أعتقد من الأفضل اختيار مسار المباحثات. ومن بين جميع العناصر الإقليمية، تواجه الهند تحديداً الرهانات الأكبر، بغض النظر عن مسار التطورات المستقبلية، خاصة إذا ما تحرّكت الأمور في مسار يعزز (طالبان) ومن خلفها باكستان».
وأضاف الدبلوماسي الهندي «علاوة على ذلك، فإن علاقات الهند اليوم بالصين، التي تعدّ أحد العناصر الإقليمية المحورية والمنافسة للهند، أكثر توتراً الآن عما كانت عليه منذ عدة عقود مضت. فعلى مرّ السنوات، حاولت الهند بناء علاقات ودية مع أفغانستان من خلال الاستثمار في البنية التحتية والتعليم وتطوير منظومة الري ومشاريع توليد الطاقة. وتعتمد المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية الهندية على مسألة صعود (طالبان)».
من ناحيته، ينظر الرأي العام الأفغاني إلى الهند باعتبارها قوة عظمى صديقة لا تهدّد مصالح بلادهم وقادرة في الوقت نفسه على تقديم المساعدة لهم. وحتى الآن، حرصت الهند على تقليص حجم مشاركتها في الصراع الأفغاني، وقدمت مساعدات محدودة لـ«التحالف الشمالي» خلال حكم «طالبان». كذلك، رغم كل المحاولات الأميركية للاستعانة بقوات هندية داخل أفغانستان، اختارت نيودلهي التحلّي بالحذر، وقصرت دورها على تقديم مساعدات إنسانية والمشاركة في بناء البنية التحتية وتدريب ضباط الشرطة. وفي المقابل، دعمت الهند النظام في كابل باستمرار لأسباب استراتيجية.
في هذا السياق، أعرب الخبير المعني بالشؤون الاستراتيجية سي. راجا موهان عن اعتقاده بأنه «يتوجب على نيودلهي التميز بحراك استراتيجي أكبر من أجل تأمين مصالحها وتعزيز الاستقرار الإقليمي. ومن الضروري التخلي عن التردد القديم وبناء تحالفات جيوسياسية جديدة لضمان التفاعل الهندي الناجح مع الوضع داخل أفغانستان».

النفوذ الصيني قد يزيد
من ناحية ثانية، في خضم الانسحاب الأميركي، يبدو أن الصين تعد لتعزيز حضورها داخل أفغانستان، ويبدو أن أنظار بكين تتركز على البلد الذي مزقته الحروب باعتباره يحمل فرصاً للاستثمار وتعزيز النفوذ. ومنذ فترة طويلة، راودت الصينيين الرغبة في الاضطلاع بدور قيادي في أفغانستان، بدعم من باكستان المجاورة. ولا تعدّ الصين بغريبة عن «طالبان»، ذلك أن وفوداً من الحركة زارت الصين بانتظام، واحتفت الأخيرة بهم بتنظيم رحلات سخية عبر أرجاء البلاد.
وعام 2016، عندما صدرت إشارات مبكّرة من الأميركيين عن رغبتهم في الرحيل عن أفغانستان، نقلت وسائل إعلام عن مؤسسة فكرية صينية رائدة توقعها بأنه بعد رحيل الأميركيين، ستصبح الصين الراعية الأولى لمصير أفغانستان. والمثير أن تقارير إعلامية نقلت عن المتحدث الرسمي لـ«طالبان» قوله «ننظر إلى الصين باعتبارها صديقاً لأفغانستان». كذلك، حرصت «طالبان» على طمأنة بكين أنها لن تأوي مسلحين إسلاميين من الأويغور من إقليم سنكيانغ (تركستان الشرقية) المتوتر، وهذه مسألة تثير قلقاً بالغاً لدى الصين. ولقد جاءت هذه التعليقات في وقت أحرزت «طالبان» مكاسب إقليمية داخل أفغانستان في خضم انسحاب القوات الأميركية. وما يجدر ذكره هنا أن الصين أجلت رعاياها بالفعل من أفغانستان.
في هذا الصدد، قال العقيد الأميركي المتقاعد لورانس سيلين «رحيل الولايات المتحدة عن أفغانستان سيترك فراغاً كبيراً في السلطة، والذي تبدو الصين حريصة للغاية على ملئه لأنها لطالما رغبت في الهيمنة على جنوب آسيا اقتصادياً وعسكرياً. اليوم، تعمل الولايات المتحدة على نحو وثيق للغاية مع الهند لصياغة سياسة لمنع الصين من الهيمنة على المنطقة. إننا نحتاج إلى سياسة احتواء ضد الصين على غرار ما فعلناه في مواجهة الاتحاد السوفياتي إبان الحرب الباردة، والاستفادة من خطوط الصدع العرقية في باكستان، خاصة بلوشستان، حيث سيطرت الصين بصورة كاملة تقريباً على ميناء غوادار (على بحر العرب) في إطار مشروع الممرّ الاقتصادي بين الصين وباكستان (سي بي إي سي)، وهي تهدف لبناء قاعدة عسكرية لها هناك؛ الأمر الذي سيجعل شمال بحر العرب تحت سيطرتها المباشرة». وأردف سيلين «وفي حين لا ترحب الصين بوجود القوات الأميركية في أفغانستان، فإنها لا ترغب في الوقت نفسه في أن تصبح المنطقة أكثر عرضة للإرهاب».
في السياق نفسه، يشار إلى أنه خلال السنوات القليلة الماضية، شاركت الصين بحذر في الجهود الدبلوماسية لإرساء السلام في أفغانستان. ثم إن حكومة كابل و«طالبان» تنظران إلى الصين باعتبارها شريكاً قيّماً. وهنا يعلّق سهاليني شاولا، زميل «سنتر فور إير باور ستديز»، أنه «في حال نجاح (طالبان) في تشكيل حكومة جديدة، فإن الفائز الحقيقي حينئذ ستكون الصين، التي تقبل بها باكستان باعتبارها زعيمتها الوحيدة. وسترغب الصين حينذاك في زيادة تفاعلها داخل أفغانستان؛ سعياً لتأمين مصالحها الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية. ولطالما أثارت القلاقل في إقليم سنكيانغ والدعم الذي يحصل عليه المسلمون الأويغور من جانب قوى متشددة داخل أفغانستان، ضيق بكين باستمرار». وما يستحق الذكر في هذا الصدد، أن إقليم سنكيانغ يتشارك مع أفغانستان في حدود تمتد لمسافة قرابة 80 كيلومتراً. ولكن الصين تتعرض لانتقادات حادة وتواجه ردود فعل عالمية غاضبة وإجراءات عقابية بسبب سياساتها القمعية في الإقليم. وفي الوقت الراهن، ترغب الصين في جذب أفغانستان نحوها وضم كابل إلى مشاريع مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.
ويبدو هذا التحول الهيكلي ممكناً من خلال تمديد «الممر الاقتصادي الصيني - الباكستاني» إلى داخل أفغانستان. وللعلم، في الوقت الراهن، يبدا هذا الممر من ميناء غوادار الباكستاني على بحر العرب ويمتد حتى كاشغر في أقصى غرب سنكيانغ. ومع ذلك، فإنه من الممكن تمديده إلى داخل أفغانستان التي تعد بمثابة البوابة إلى أوزبكستان وقلب آسيا الوسطى.
من جهتها، لطالما رغبت الصين في دفع استثمارات ضخمة في أفغانستان بالنظر إلى أنها تملك أكبر احتياطيات غير مستغلة على مستوى العالم من النحاس والفحم والحديد والغاز الطبيعي والكوبالت والزئبق والذهب والليثيوم والثوريوم، بقيمة إجمالية تتجاوز تريليون دولار أميركياً. وفي عام 2011، فازت الشركة الصينية الوطنية للبترول بصفقة بقيمة 400 مليون دولار أميركي لحفر ثلاث آبار نفطية على امتداد 25 سنة، تحوي قرابة 87 مليون برميل من النفط. كما فازت شركات صينية بحقوق تعدين عن الفحم في منطقة ميس أيناك في ولاية لوغار الأفغانية.

المخاطر أمام روسيا
رغم ذلك، لا يمكن القول بأن دخول الصين في تحالف مع محور باكستان - «طالبان» أصبح أمراً منتهياً؛ ذلك أنه من المؤكد أن روسيا ستعارض أي محاولات صينية للتوغّل داخل آسيا الوسطى، حيث الجمهوريات السوفياتية السابقة، والمنطقة التي لطالما شكلت الساحة الخلفية لموسكو.
والواقع، ترتبط روسيا بتاريخ طويل ومتوتر من العلاقات مع كابل. ومن وجهة نظر روسيا، فإن التاريخ يعيد نفسه اليوم مع انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، على غرار الانسحاب السوفياتي هناك منذ ثلاثة عقود بعد هزيمة القوات السوفياتية على أيدي «المجاهدين» المدعومين من واشنطن. ومع أنه خلال السنوات الأخيرة، اضطلعت موسكو بدور «صانع السلام» في أفغانستان، أظهرت كل من «طالبان» والحكومة الأفغانية حذراً إزاء الجهود الروسية، خاصة بعد إعلان موسكو أنها لن تدعم قيام إمارة لحركة «طالبان» في البلاد، الأمر الذي أغضب قادة الحركة. وفي هذا الصدد، قال السفير السابق سود إن المصلحة الجوهرية لروسيا داخل أفغانستان تكمن في الحؤول دون حدوث زعزعة استقرار بالمنطقة. وتابع القول، إن روسيا لا تحتاج إلى أن تتحول أفغانستان إلى «دولة عميلة» لها؛ لأنها لا تملك تكاليف تنميتها، لكنها في الوقت ذاته تدرك أنه من الخطر بقاء أفغانستان في حالة من الفوضى؛ نظراً لأن لروسيا مصلحة قوية في الحؤول دون تزعزع الاستقرار في آسيا الوسطى؛ لأن هذا قد يحمل تهديداً للحدود الروسية. وبناءً عليه، فإن روسيا تدرك جيداً أن وجود أفغانستان معادية لها سيشكل تهديداً كبيراً.

باكستان اللاعب الأكبر
تشير غالبية الاحتمالات إلى أن دولة واحدة سيبقى لها دور أكبر من حجمها في العلاقات مع أفغانستان، هي جارتها وراعية «طالبان»: باكستان. وفي مقال نشره في «هندوستان تايمز»، كتب شيشير غوبتا «هناك شعور في باكستان بالثأر والقلق. والمعروف أن (طالبان) صنيعة المؤسسة الأمنية الباكستانية. وبعد الغزو الأميركي لأفغانستان، انتقلت عناصر (طالبان) إلى ملاذات آمنة داخل الأراضي الباكستانية. وكانت باكستان من أقنع (طالبان) بإبرام صفقة مع إدارة ترمب. أما الجيش الباكستاني، فلطالما نظر إلى أفغانستان باعتبارها تشكل (العمق الاستراتيجي في عدائه الدائم مع الهند. وعليه، فإن سيطرة «طالبان» على أفغانستان يعني سقوط البلاد أخيراً في قبضة قوة صديقة في كابل بعد 20 سنة)».
وفي هذه الأثناء، فإن أحد الضحايا المؤكدين للانسحاب الأميركي سيكون مستقبل العلاقات الأميركية ـ الباكستانية. في الوقت الراهن، من الصعب إيجاد كثير من الدعم داخل الكونغرس الأميركي لتقديم مساعدات عسكرية لباكستان. وللعلم، حاولت باكستان من جانبها لعب دور في التقريب بين الصين و«طالبان» لمعاونة الأولى على لعب دور القوة الأولى التالية في أفغانستان بعد روسيا والولايات المتحدة. وتبعاً لما ذكره السفير الهندي السابق غاوتام موخوبادهايا، الذي عمل في أفغانستان وسوريا، فإن الدولة الباكستانية العميقة ستعمل على ضمان تأثر الهند من الناحية الأمنية بصعود «طالبان»، على الأقل فيما يخص الحدود المشتركة بين جامو وكشمير وشرق أفغانستان، التي توفر عمقاً استراتيجياً لجماعات مثل «العسكر الطيبة» و«جيش محمد».
وجدير بالذكر هنا، أن «لجنة العمل المالي» لم تقتنع بالخطوات التي اتخذتها باكستان للالتزام بشروط اللجنة، وبالتالي قررت الإبقاء على باكستان بـ«القائمة الرمادية» خلال اجتماعها الأخير.
ومن المحتمل أن يسهم وجود أفغانستان تحت قيادة «طالبان» في تعزيز العلاقات بين الصين وباكستان من ناحية والولايات المتحدة والهند من الناحية الأخرى، مع وجود روسيا وإيران في المنتصف ويحاولان تعديل سياساتهما تبعاً لما يرونه من تهديدات. والمؤكد أن المنطقة ستتأثر بشدة بهذا الوضع، بجانب أن باقي أرجاء العالم لن تكون بمأمن من التحولات التي تطرأ على التوازن الجيوسياسي وما يتعلق بالإرهاب والعنف.

إيران: قنوات اتصال
وباعتبارها دولة تتشارك في حدودها مع باكستان وأفغانستان، ترى إيران أن ثمة تهديدات أمنية نشطة صادرة عن كلا البلدين. ثم إنها ترى من شأن ظهور نظام لـ«طالبان» في كابل تأجيج هذا التهديد. إلا أنه نظراً لعلاقة طهران بأقلية الهزارة الشيعية في أفغانستان، تفاعلت إيران في الفترة الأخيرة مع جميع الأطراف. ورغم العداء المتبادل والصدع الديني بين الجانبين، حرصت إيران على فتح قنوات مع «طالبان» منذ سنوات قليلة، بل واستضافت في وقت قريب وفداً من «طالبان» في طهران. والواضح، أن طهران ستسعد بوصول أي نظام معتدل وصديق لسدة الحكم في كابل، بحيث يبدي تعاطفه مع المصالح الإيرانية في المناطق التي يسكنها الشيعة ولا يكون تحت السيطرة الأميركية.

الجانب الجيوسياسي لـ«الحوار الأمني الرباعي»
> استثمرت جميع الدول الأعضاء في «الحوار الأمني الرباعي»، المعروف اختصاراً باسم «كواد»، في أفغانستان فيما مضى، وكذلك في مستقبلها. وتعتبر الهند فعلياً أكبر دولة إقليمية مانحة في جهود إعادة إعمار أفغانستان، بينما تعهدت اليابان بتقديم 720 مليون دولار أميركي لإعادة إعمار أفغانستان خلال السنوات الأربعة المقبلة.
أيضاً، كانت أستراليا من الشركاء النشطين في جهود التنمية وإعادة الإعمار في أفغانستان، وأسهمت بأكثر عن 750 مليون دولار في أفغانستان منذ عام 2001. ومن شأن المشاركة في أفغانستان إعادة تفعيل قنوات التعاون الثنائي، بجانب فتح قنوات أخرى متعددة الأطراف أمام دول «كواد» داخل آسيا الوسطى.
من ناحيته، يرى راشي رانديف، الأستاذ بجامعة جواهرلال نهرو، أن إدارة بايدن تحاول تحويل أولوياتها بعيداً عن الشرق الأوسط الذي استنزف اهتمام الولايات المتحدة ومواردها طوال عقدين. واليوم، ينظر الرئيس الأميركي جو بايدن إلى الصين باعتبارها المنافس الأكبر للولايات المتحدة، وبالتالي تبدو إدارته عاقدة للعزم على احتواء الصين وتقويض مساعيها لتعزيز قدراتها ومصالحها فيما وراء حدودها البحرية.
وأضاف رانديف، أنه من وجهة نظر واشنطن، تعتبر «كواد» أداة أساسية لضمان الأمن البحري وحماية حرية الملاحة في المنطقة. ويذكر أن سبعة من أكبر عشرة جيوش في العالم موجودة بمنطقة المحيط الهندي - المحيط الهادي، منها خمس دول تنفق أقصى قدر ممكن على موازنتها الدفاعية.



«الضبعة»... «الحلم النووي» المصري يدخل مرحلة حاسمة

جانب من أعمال إنشاء محطة «الضبعة» النووية في يونيو الماضي (هيئة المحطات النووية المصرية)
جانب من أعمال إنشاء محطة «الضبعة» النووية في يونيو الماضي (هيئة المحطات النووية المصرية)
TT

«الضبعة»... «الحلم النووي» المصري يدخل مرحلة حاسمة

جانب من أعمال إنشاء محطة «الضبعة» النووية في يونيو الماضي (هيئة المحطات النووية المصرية)
جانب من أعمال إنشاء محطة «الضبعة» النووية في يونيو الماضي (هيئة المحطات النووية المصرية)

تقف مصر على مقربة من تحقيق «الحلم النووي»، الذي راودها منذ خمسينات القرن الماضي، عقب خطوات جادة وثابتة لتنفيذ «مشروعها الاستراتيجي»، وإنشاء أول محطة لتوليد الكهرباء بالطاقة النووية في مدينة الضبعة بمحافظة مطروح على ساحل البحر الأبيض المتوسط على بعد نحو 289 كيلومتراً شمال غربي القاهرة، بتمويل وتكنولوجية روسيين. وبينما يأتي المشروع في سياق خطة مصر لتنويع مصادر الطاقة ورؤيتها الاستراتيجية لامتلاك الطاقة النووية السلمية، فإن مشروع «محطة الضبعة النووية» تتجاوز أبعاده حدود الاقتصاد، لتمتد إلى السياسة والبيئة والمجتمع.

بالتزامن مع الاحتفال بالعيد السنوي الخامس للطاقة النووية، الذي يوافق التاسع عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) من كل عام، شارك الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، عبر تقنية «الفيديو كونفرانس»، في مراسم تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الأولى بمحطة الضبعة النووية، وتوقيع أمر شراء الوقود النووي، ليدخل «الحلم النووي» المصري مرحلة حاسمة.

وعد الرئيس الروسي، في كلمته حينها عبر تقنية «الفيديو كونفرانس»، التعاون القائم بين مصر وروسيا في بناء المفاعل النووي «نجاحاً بارزاً»، مشيراً إلى أن «المشروع سيوفر الكهرباء اللازمة لدعم الاقتصاد المصري المتنامي».

وقال السيسي في كلمته إنه «في ظل ما يشهده العالم من أزمات متلاحقة في قطاع الطاقة، وارتفاع أسعار الوقود الأحفوري، تتجلى بوضوح أهمية وحكمة القرار الاستراتيجي، الذي اتخذته البلاد، بإحياء البرنامج النووي السلمي، باعتباره خياراً وطنياً، يضمن تأمين مصادر طاقة مستدامة وآمنة ونظيفة، دعماً لأهداف رؤية مصر 2030».

وتقدر الطاقة الكهربائية المتوقع توليدها من محطة الضبعة النووية بنحو 4800 ميغاواط، عبر أربعة مفاعلات من الجيل الثالث من طراز VVER-1200، وهو ما يمثل 10 في المائة من إنتاج الكهرباء في مصر.

وخطت مصر أولى خطواتها الجادة نحو تنفيذ المشروع في نوفمبر 2015 بتوقيع اتفاقية مبدئية بين الرئيسين المصري والروسي لإقامة أول محطة نووية لتوليد الكهرباء، تنفذها شركة «روساتوم» الحكومية الروسية، لتتخذ مصر من يوم التوقيع عيداً وطنياً للطاقة النووية.

وبعد عامين، وتحديداً في نوفمبر 2017، تم التوقيع على العقود الرئيسية لبناء الوحدات الأربع للمحطة، بطاقة 1200 ميغاواط لكل وحدة، لتنطلق بعدها الأعمال التحضيرية والإنشائية للمشروع بتكلفة إجمالية تقدر بنحو 28.75 مليون دولار، 85 في المائة منها قرض حكومي روسي ميسّر بفائدة 3 في المائة سنوياً يبدأ سداده عام 2029، والباقي تمويل ذاتي مصري.

«تشيرنوبل» جمد الحلم

الرغبة في امتلاك الطاقة النووية السلمية «حلم راود المصريين منذ منتصف القرن الماضي»، بحسب السيسي. حيث بدأت طموحات مصر النووية بعد فترة قصيرة من اكتشاف القدرة على توليد الطاقة السلمية من الانشطار النووي. ففي أعقاب مؤتمر جنيف الأول للاستخدامات السلمية للطاقة الذرية، أنشأت مصر هيئة الطاقة الذرية (AEA) عام 1955. وبعد ست سنوات افتتحت مركز البحوث النووية في أنشاص وشغّلت أول مفاعل بحثي (من طراز WWR-S ) بقدرة 2 ميغاواط، بالتعاون مع «الاتحاد السوفياتي» آنذاك، لإجراء الأبحاث والتدريب وإنتاج النظائر المشعة.

وفي عام 1964 أعلنت مصر عن خطط لبناء أول محطة لتوليد الكهرباء النووية، واختارت مبدئياً موقع «سيدي كرير» في الساحل الشمالي أيضاً، لكن الظروف الاقتصادية والسياسية في المنطقة أرجأت المشروع.

وبعد حرب 1973، عاد الحلم النووي يراود المصريين وتم وضع خطة لبناء محطات نووية بقدرة 10 آلاف ميغاواط بحلول عام 2000، وخصصت منطقة «الضبعة» بعد مفاضلة بين أماكن عدة على سواحل البحر الأحمر والبحر المتوسط.

وشهدت الفترة بين 1983 و1968 المناقصة الدولية الثانية للمشروع وتلقت فيها مصر عروضاً من شركات أميركية وألمانية وسويدية. وكانت القاهرة على وشك توقيع العقد لكن «كارثة مفاعل تشيرنوبل» (أوكرانيا التي كانت آنذاك جزءاً من الاتحاد السوفياتي) في أبريل (نيسان) 1986 جمّدت الحلم.

وبعد هدوء المخاوف من المفاعلات النووية السلمية، قررت مصر إحياء برنامجها النووي عام 1999، وفي عام 2007 تم تشكيل هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء (NPPA) كهيئة مستقلة تكون مسؤولة عن تنفيذ وإدارة المشروع النووي. وأعلن الرئيس الأسبق حسني مبارك عام 2008 عن إعادة تفعيل دراسات موقع الضبعة. لكن مرة أخرى تعطّل المشروع بفعل أحداث 2011، قبل أن يعيد السيسي إحياءه بالتوقيع على اتفاق مبدئي مع روسيا عام 2015.

عوائد اقتصادية

تدخل مصر النادي النووي بطموحات اقتصادية كبيرة، مستهدفة تعزيز أمن الطاقة وتحقيق التنمية، ويقول السيسي إن المشروع «سيعزز مكانة بلاده كمركز إقليمي للطاقة، ويحدث نقلة نوعية في مسار توطين المعرفة والاستثمار في الكوادر البشرية».

رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي يشهد مراسم توقيع أمر شراء الوقود النووي في نوفمبر الماضي (مجلس الوزراء المصري)

ويعد دخول مصر إلى ميدان التطوير الصناعي والتكنولوجي للطاقة النووية من العوائد المهمة للمشروع، بحسب دراسة نشرها نائب رئيس وحدة دراسات الاقتصاد والطاقة بـ«المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية»، أحمد بيومي، العام الماضي، حيث من المتوقع أن تكون نسبة تنفيذ نحو 20 في المائة من المشروع بالتعاون مع الشركات المحلية، ومن المستهدف أن تصل نسبة المكون المحلي من 20 إلى 25 في المائة عند تشغيل المفاعل الأول في 2028، تزيد إلى 35 في المائة عند تشغيل المفاعل الرابع في 2031، كما ستتولى شركة «روساتوم» الحكومية الروسية تدريب ما يقرب من ألفي شخص من موظفي التشغيل والصيانة للعمل في المحطة.

وفقاً لهيئة الاستعلامات المصرية الرسمية، فإنه «من المتوقع أن تبلغ القيمة المضافة للمشروع في الناتج المحلي الإجمالي خلال فترة الإنشاء نحو 4 مليارات دولار سنوياً». وتوفر المحطة مصدراً ثابتاً للكهرباء يعمل على مدار الساعة، ما يقلل الاعتماد على الوقود الأحفوري ويضمن استقرار الشبكة.

ويأتي إنشاء محطة الضبعة النووية في إطار خطة مصرية لتنويع «سلة الطاقة»، بحسب أستاذ هندسة البترول والطاقة، الدكتور جمال القليوبي، الذي يوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر تسعى لأن تكون لديها مصادر متعددة من الطاقة، لا تعتمد فقط على الشق الحراري واستخدام الوقود الأحفوري». وقال: «طوال 50 عاماً كان الوقود الأحفوري مصدراً لنحو 98 في المائة من الطاقة في مصر، لكن الأمر تغيّر منذ عام 2018 مع زيادة الاعتماد على الطاقة المتجددة من الرياح والشمس والهيدروجين الأخضر»، مشيراً إلى أن «محطة الضبعة مع اكتمال تشغيل مفاعلاتها قد تسهم في نحو 16 إلى 18 في المائة من الكهرباء في مصر».

وتستهدف مصر، وفقاً للتصريحات الرسمية، الوصول بمساهمة الطاقة المتجددة ضمن مزيج الطاقة إلى نحو 42 في المائة من إجمالي الطاقة بحلول عام 2030.

لا تقتصر العوائد الاقتصادية على توفير الكهرباء وتوفير جزء من فاتورة استيراد مصر للوقود الأحفوري التي تجاوزت 12 مليار دولار العام الماضي، بحسب تصريحات لوزير البترول المصري السابق، طارق الملا.

ويشير القليوبي إلى أن فاتورة استيراد الوقود لتشغيل محطات الكهرباء تبلغ نحو 50 في المائة من القيمة الإجمالية لفاتورة استيراد الوقود. وقال: «محطة الضبعة ستوفر جزءاً كبيراً من فاتورة الاستيراد، كما أن عوائدها الاقتصادية تمتد إلى مناح أخرى تتعلق بتحلية مياه البحر وإنتاج النظائر المشعة المستخدمة في عدد من الصناعات الطبية والزراعية». وأضاف: «لدى مصر خطة واضحة. خطة تؤازر الدولة اقتصادياً وتتماشى مع أهداف الدول الصناعية، عبر تحسين ملف الصناعة واستخدام الطاقة النووية في كثير من المناحي الاقتصادية».

خيار استراتيجي

يسهم مشروع الضبعة في توفير العملة الصعبة، كما يوفر نحو 6 آلاف فرصة عمل في أثناء الإنشاء، وآلاف فرص العمل في أثناء فترة التشغيل التي تمتد لـ60 عاماً. كما تعد محطة الضبعة النووية مصدراً نظيفاً وخالياً تماماً من انبعاثات الكربون، ويدعم استراتيجية مصر للطاقة 2035، بحسب هيئة الاستعلامات المصرية.

دخول مجال الطاقة النووية هو «خيار استراتيجي»، بحسب دراسة نشرها رئيس وحدة العلاقات الدولية ورئيس برنامج دراسات الطاقة بـ«مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور أحمد قنديل، مشيراً إلى أن «الضبعة ليست مجرد محطة كهرباء»، إذ إنها تحقق أهدافاً عدة، من بينها؛ «بناء أمن طاقة مصري مستقل نسبياً عن تقلبات الأسواق العالمية للبترول والغاز الطبيعي، وتحرير جزء من الغاز المصري للتصدير أو الاستخدام الصناعي، خاصة في البتروكيماويات والأسمدة، ودعم الصناعات الثقيلة والتوجه نحو الهيدروجين الأخضر، وتوفير مصدر مستقر للكهرباء على مدى عقود».

يسهم المشروع أيضاً في تعزيز مكانة مصر الإقليمية، بحسب قنديل الذي قال: «مصر اليوم لاعب رئيسي في الغاز الطبيعي في منطقة شرق المتوسط، وقوة صاعدة في الطاقة المتجددة، وتعمل على مشروعات للربط الكهربائي مع ثلاث قارات، وحين تكتمل وحدات الضبعة، ستمتلك مصر برنامجاً نووياً سلمياً واسع النطاق، يمنحها وزناً إضافياً في معادلات الطاقة الإقليمية».

أما القليوبي فيشير إلى أن مشروع الضبعة يُدخل مصر إلى «نادي الدول الصناعية الكبرى التي تستخدم الطاقة النووية لأغراض سلمية».

أبعاد سياسية

وبينما ستسهم محطة الضبعة في تلبية احتياجات مصر من الطاقة على المدى الطويل، فإن هناك دوافع أخرى لإقدام البلاد على هذه الخطوة، من بينها «تعزيز المكانة السياسية للحكومة في الداخل وتوسيع علاقاتها الأجنبية إلى ما يتجاوز واشنطن»، بحسب مقال نشره إيريك تراجر في «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» عام 2016.

أشار تراجر وقت ذاك إلى أن «المشروع يستهدف إعطاء أمل للمصريين وتعزيز الدعم الداخلي للحكومة، بعدّه مشروعاً قومياً»، كما أنه يأتي في إطار مساعي القاهرة لـ«توسيع نطاق التواصل الخارجي ليتجاوز علاقتها الثنائية بواشنطن، ما يُظهر مصر بصورة المنفتحة على العالم أجمع». وقال تراجر إن المشروع «يوطد علاقات مصر وروسيا».

وهو أمر أكده بالفعل الرئيسان المصري والروسي أخيراً، حيث قال السيسي إن المشروع «يعدّ برهاناً عملياً على أن شراكتنا لا تقتصر على التصريحات السياسية البراقة، بل تتجسد في مشروعات واقعية، تترجم إلى تنمية حقيقية، تعود بالنفع المباشر على شعبينا»، بينما أكد بوتين دعم بلاده «طموحات مصر التنموية في إطار الشراكة والتعاون الاستراتيجي الممتد بين البلدين». وقال: «هذه الشراكة مستمرة وتتجلى في ارتفاع حجم ومعدل التجارة بين البلدين، وتكثيف التعاون الصناعي، فضلاً عن مضي روسيا قدماً في إنشاء منطقة صناعية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس».

ويشير تراجر، في هذا الإطار، إلى أن المشروع يعزز نفوذ موسكو في القاهرة، ما قد يثير قلق الولايات المتحدة نظراً لاهتمام واشنطن بالاستقرار الاقتصادي في مصر وبآفاق سياستها الخارجية.

وفي هذا الإطار، يرى مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية»، الدكتور عمرو الشوبكي، أن «مصر حريصة ومنفتحة على قوى وأقطاب أخرى دون المساس بالعلاقة الاستراتيجية مع واشنطن»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «القاهرة لديها علاقات تجارية واقتصادية وسياسية مع روسيا والصين».

وبالفعل أكد عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير رخا أحمد حسن، أن «هذا المشروع يربط مصر وروسيا بعلاقات في قطاع مهم للغاية ولسنوات طويلة مقبلة». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «المشروع يحقق أهدافاً اقتصادية وسياسية عدة تتراوح ما بين توفير الكهرباء وتنمية الكوادر الوطنية إلى تعزيز المكانة الإقليمية والدولية».

وهنا يلفت الشوبكي إلى أن «حرص مصر على امتلاك الطاقة النووية السلمية - إضافة إلى أهميتها الاقتصادية - نابع من رغبتها في تأكيد حضورها في الملفات الكبرى». وقال: «الدول التي تمتلك وتستخدم الطاقة النووية السلمية لديها مكانة وتأثير وحضور دولي».

وتؤكد مصر حقها في امتلاك الطاقة النووية بموجب «معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية» التي وقّعت عليها عام 1968 وصدّقت عليها عام 1981. وتعوّل القاهرة على القيمة الاستراتيجية لمشروع الضبعة، ووفق السيسي فإن «المشروع سيضع مصر في موقع ريادي، على خريطة الاستخدام السلمي للطاقة النووية».

«المحطة النووية»... عشر سنوات على طريق التنفيذ

طوال أكثر من نصف قرن سعت مصر إلى امتلاك محطة لاستخدام الطاقة النووية للأغراض السلمية، لكن الأحداث السياسية والظروف الاقتصادية وكارثة مفاعل تشرنوبل عام 1986 وقفت في طريق «الحلم النووي» المصري لعقود، حتى أعيد إحياء المشروع بخطوات عملية لإنشاء محطة الضبعة النووية. وفيما يلي أبرز المحطات:

- 1955 أنشأت مصر هيئة الطاقة الذرية (AEA).

-1961 افتتاح مركز البحوث النووية في أنشاص وتشغيل أول مفاعل بحثي.

- 1964 اختيار موقع سيدي كرير على ساحل البحر المتوسط لبناء أول محطة لتوليد الكهرباء النووية، (لم ينفذ).

- 1983 مناقصة دولية لإنشاء المحطة.

- 1986 كارثة تشيرنوبل... توقف المشروع.

- 2007 تشكيل هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء (NPPA).

- 2008 استئناف البرنامج النووي السلمي، وإعادة تفعيل دراسات موقع الضبعة.

- 2015 توقيع الاتفاق المبدئي مع روسيا (روساتوم).

- 2017 توقيع العقود النهائية للمشروع.

- 2018 بدء إعداد البنية التحتية للموقع وإنشاء الرصيف البحري التخصصي لاستقبال المعدات الثقيلة.

- 2022 أصدرت هيئة الرقابة النووية والإشعاعية (ENRRA) إذن إنشاء الوحدة النووية الأولى.

- 2024 تركيب مصيدة قلب المفاعل.

- 2025 تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة النووية الأولى.


روب يتن... هزم اليمين المتطرف ويستعد ليصبح أصغر رئيس حكومة لهولندا

روب يتن... هزم اليمين المتطرف ويستعد ليصبح أصغر رئيس حكومة لهولندا
TT

روب يتن... هزم اليمين المتطرف ويستعد ليصبح أصغر رئيس حكومة لهولندا

روب يتن... هزم اليمين المتطرف ويستعد ليصبح أصغر رئيس حكومة لهولندا

تطلب الأمر شاباً مفعماً بالحياة ومليئاً بالأمل لهزيمة اليمين المتطرف في هولندا. فقد نجح روب يتن، السياسي الشاب الذي لم يدخل بعد عقده الأربعين، بإعادة حزب «الديمقراطيين 66» الليبرالي الوسطي الذي تأسس عام 1966، إلى واجهة الحياة السياسية في هولندا وقاده إلى تحقيق أفضل نتائج له منذ تأسيسه. ورغم أن الحزب لم يفز فعلياً بالانتخابات التي جرت نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بل تعادل مع حزب الحرية اليميني المتطرف بزعامة خيرت فيلدرز، فإن النتائج تعدّ فوزاً للديمقراطيين وخسارة لأقصى اليمين؛ وبتحقيق كلا الحزبين 26 مقعداً من أصل 150 داخل البرلمان، يكون الديمقراطيون قد ضاعفوا مقاعدهم بـ3 مرات تقريباً من 9 مقاعد في الانتخابات التي سبقت إلى 26 مقعداً، فيما خسر حزب الحرية 11 مقعداً وانخفض تمثيله من 37 نائباً إلى 26 نائباً. ورغم أنه ما زال غير واضح ما هي الأحزاب التي قد تشارك في الائتلاف الحاكم، فمن المؤكد أن حزب الحرية سيكون خارج الحكم. إذ تعهدت الأحزاب الأخرى بعدم العمل مع خيرت فيلدرز من جديد بعد تجربة الحكم الأخيرة التي لم تدم أكثر من 11 شهراً.

أثبت روب يتن (38 عاماً) أن هزيمة أحزاب أقصى اليمين ممكنة، ليعطي فوز حزبه في الانتخابات العامة في هولندا، أملاً للكثير من الأحزاب الأوروبية الوسطية التي تكافح هي نفسها للبقاء أمام مد اليمين المتطرف الذي يلف القارة العجوز. يتن نفسه هلل فور صدور النتائج بأن هولندا «أغلقت فصل خيرت فيلدرز»، متعهداً بالعمل على تشكيل «ائتلاف متين يقود هولندا إلى الأمام». وأضاف أن فوز حزبه أثبت أن «الأحزاب الوسطية أظهرت أنه من الممكن هزيمة الأحزاب الشعبوية وأقصى اليمين». وقاد يتن حملة انتخابية شعارها «التغيير والإيجابية» مستعيناً بشعار باراك أوباما «يمكننا التغيير»، في إشارة إلى استبدال حزب معتدل باليمين المتطرف. ولاقت إيجابيته صدى لدى الناخبين الهولنديين الذين يبدو أنهم تعبوا من السلبية التي طبعت الحياة السياسية منذ الانتخابات التي سبقت أن أوصلت حزب الحرية إلى الطليعة ولكن من دون فوز كاسح، ما يعني أن فيلدرز لم يكن قادراً على الحكم بمفرده، وعجز عن إقناع الأحزاب الأخرى التي شكلت معه الحكومة مشترطة ألا يترأسها هو شخصياً، باعتماد سياسته المتطرفة حول الهجرة، وهو ما تسبب في النهاية بانهيار الحكومة. ونقلت وسائل إعلام هولندية إحصاءات تشير إلى التأييد الواسع لتولي يتن رئاسة الحكومة بين مؤيدي الأحزاب اليمينية. ونقلت شبكة أخبار «آر تي إل» الهولندية عن أحد الناخبين قوله إنه «لا يوافق دائماً على سياسات الديمقراطيين ولكن روب يتن رجل (عادي) يمكنه أن يؤدي وظيفة تمثيل البلاد بشكل جيد». وقال عن فيلدرز إنه لو تولى رئاسة الحكومة فإن الأمور «لن تنجح معه وإنه سيريد على الأرجح أن يمرر سياسته، وفي حال لم ينجح بذلك فسينسحب مرة جديدة».

اغتيال مخرج... وإحراق مدرسة إسلامية

ويأتي فوز يتن على اليمين المتطرف وصعوده السريع وهو ما زال في عقده الثلاثين، متناغمين مع دخوله عالم السياسة في سن فتيّة أيضاً وهو في الـ17 من العمر. بداية قصته في السياسة كانت مرتبطة أيضاً باليمين المتطرف؛ ففي عام 2004 شكل اغتيال المخرج السينمائي تيو فان غوخ على يد متطرف هولندي من أصل مغربي، لحظة مفصلية تسببت بتداعيات دفعت بيتن إلى دخول عالم السياسة. وكان إحراق مجموعة من الشبان المنتمين إلى اليمين المتطرف لمدرسة ابتدائية تعلّم الدين الإسلامي في بلدته في أودن، سبب توجهه إلى النضال ضد اليمين المتطرف. وقال مؤخراً عن بداياته إن الشبان الذين أحرقوا المدرسة كانوا من رفاقه في فريق كرة القدم وكان يعرفهم جيداً، ولكنه أراد أن يُظهر صورة مختلفة للعالم وأن بلدته ليست مجرد مكان مليء بشبان «لا يعرفون ماذا يفعلون».وبقي كفاح يتن ضد اليمين المتطرف أساسياً خلال مسيرته السياسية. وحتى في الحملة الانتخابية التي قادها، اعتمد يتن استراتيجيات تستهدف اليمين المتطرف، مثل جعله العلم الهولندي محورياً خلال الحملة، وقوله إنه يريد «استعادته» من اليمين المتطرف الذي غالباً ما يستخدم العلم. ولم يتردد كذلك بجعل مسألة الهجرة التي أوصلت فيلدرز للفوز في الانتخابات التي سبقت، محورية خلال حملته. ورغم ليبراليته، وارتباطه بلاعب هوكي محترف أرجنتيني سيعقد قرانه عليه العام المقبل، فقد أكد للناخبين أنه سيعتمد سياسة هجرة متشددة تجاه المرفوضة طلباتهم وسيعتمد حداً أقصى لأعداد المهاجرين. ويبدو أن تعهداته هذه لاقت تجاوباً من الناخبين، إذ أكد لاحقاً متحدث باسم حزبه أن 7 في المائة من ناخبي حزب الحرية صوتوا هذه المرة للديمقراطيين.

وحتى قبل الانتخابات وبدء الحملات الانتخابية، كان يتن يدعو لاعتماد سياسة هجرة جديدة في هولندا والخروج من عباءة الاتحاد الأوروبي. وروّج لاعتماد نظام مبني على النظام الكندي ينقل البحث والبت بطلبات اللجوء إلى خارج دول الاتحاد الأوروبي ورفض استقبال من يصلون خارج هذا النظام إلى هولندا.

تشديد قوانين الهجرة

ودعا كذلك إلى مراجعة المعاهدات الدولية الخاصة باللاجئين «لكي تعكس الواقع الجديد» في خلاف للسياسة التي كان يعتمدها الديمقراطيون. ونقلت عنه وسائل إعلام هولندية قوله إن «قانون الهجرة المعتمد حالياً لم يعد صالحاً، علينا أن ننتقل من هجرة تتحكم بنا، إلى هجرة نحن نتحكم بها، ليس فقط بسبب مواطنين هولنديين قلقين من الأعداد الوافدة ولكن أيضاً للأشخاص الذين يهربون من العنف والملاحقة». وبحسب خطة يتن، فإن هولندا لن تقبل إدخال لاجئين إلا أولئك الذين يتقدمون للحصول على لجوء من خارج الاتحاد الأوروبي ويتم قبولهم. ويعدّ أن نظاماً كهذا سيساعد على وقف طرق التهريب الخطيرة وينقذ أرواحاً.وحالياً، يتم إدخال بعض اللاجئين إلى أوروبا عبر نظام شبيه تعتمده الأمم المتحدة لتوزيع اللاجئين ولكن أعداد هؤلاء قليلة جداً مقارنة بالذين يدخلون بشكل غير قانوني ويتقدمون بطلبات لجوء. ويريد يتن توسيع هذا النظام بشكل كبير لكي يصبح الطريقة الأساسية لاستقبال اللاجئين في هولندا. ولكنه يعي أن هذه الخطط تستغرق وقتاً طويلاً. وحتى ذلك الحين، وفي المرحلة القصيرة المدى يطالب بقوانين أشد لطالبي اللجوء الذين يعدّون عبئاً، خاصة أولئك القادمين من دول مصنفة «آمنة» أي لا خوف من ملاحقات بحق القادمين منها الذين لا يتمتعون أصلاً بحظوظ كبيرة في الحصول على لجوء. ومن أقواله عن هؤلاء إن «الذين يأتون ويتسببون بمشاكل ولا يتوجب عليهم أن يكونوا هنا، يجب أن يتم إرسالهم إلى ملاجئ مغلقة، ويفهموا أنهم يدخلون بلداً بقيم ليبرالية، وإذا كانوا لا يحترمونها فسيخسرون بعض الحقوق».

في المقابل يروّج يتن لاندماج أفضل لطالبي اللجوء الناجحين ويدعو إلى إدخالهم في صفوف تعلّم اللغة «منذ اليوم الأول» ومساعدتهم في العثور على وظيفة «بأسرع وقت ممكن». وقبل الانتخابات ومنذ ترأسه حزبه عام 2023، حذّر بأن إبقاء الأشخاص على نظام الإعانات من دون دمجهم في المجتمع وسوق العمل «مؤذ لهم وللمجتمع بشكل عام، ويغذي الإحباط لدى الهولنديين». ويعدّ يتن أن على الأحزاب الوسطية أن «تقود الخطاب السياسي عوضاً عن أن تترك ذلك للأحزاب اليمينية المتطرفة».

حل أزمة السكن... بناء جزيرة جديدة

سياسة الهجرة هذه التي يروج لها يتن منذ ترأسه حزبه، قد تكون أكسبته أصواتاً من اليمين واليمين المتطرف، ولكن الأصوات الأخرى التي نجح بإضافتها لحزبه جذبها من خلال خطاب أوسع يتناول مخاوف الناخبين بشكل مباشر من قضايا تتعلق بالسكن التي كانت أيضاً من القضايا الأساسية في الانتخابات الهولندية. فهولندا، مثل الكثير من الدول الأوروبية، تعاني من نقص 400 ألف وحدة سكنية ما يؤدي إلى رفع دائم في أسعار العقارات والسكن ما يزيد من العبء على السكان. ورغم أن كل الأحزاب التي خاضت الانتخابات جعلت من مسألة البناء أساسية في معركتها، فإن طروحات الديمقراطيين كانت الأكثر ثورية. وفيما كانت الأحزاب الأخرى تقترح إغلاق مطارات للبناء على أراضيها، أو توسيع مجمعات موجودة أصلاً، اقترح يتن بناء جزيرة جديدة على أرض مغطاة حالياً بالمياه، في بلد ربعه يقبع تحت مستوى البحر. وتعهد ببناء مدن جديدة تضم 60 ألف وحدة سكنية مع مساحات خضراء ومياه وأماكن ترفيه.

ما إذا كان سينجح بتحقيق أي من طروحاته تلك، إن كانت المتعلقة بالهجرة أو تلك المتعلقة بالسكن، غير واضح ومرتبط بالائتلاف الذي سينجح بتشكيله في النهاية والخطط التي يتفق عليها مع الأحزاب الأخرى. ولكن على الأقل هي خطط طموحة لاقت صدى لدى الناخبين وأوصلت من قد يصبح أصغر رئيس حكومة في هولندا إلى رأس السلطة. والواقع أن صعوده السريع وهو في سن يافعة، دفع البعض للتشكيك بقدراته أحياناً.

أما سياسته الأخرى، فهي مناقضة تقريباً لسياسات فيلدرز واليمين المتطرف في هولندا المشكك في الاتحاد الأوروبي وفي التأييد الأوروبي لأوكرانيا ومعاداة روسيا. ويعدّ يتن مؤيداً للاتحاد الأوروبي ولدعم أوكرانيا في حربها ضد روسيا. وعندما كان وزيراً للطاقة في حكومة مارك روته التي سبقت حكومة فيلدرز، دفع يتن بسياسة طاقة لا تعتمد على الغاز الروسي. وقد خدم في حكومة روته الرابعة وزيراً للمناخ والطاقة بين عامي 2022 و2024. ودخل يتن البرلمان الهولندي للمرة الأولى عام 2017 وكان متحدثاً باسم كتلته عن المناخ والطاقة. وفي عام 2018 انتخب زعيماً للكتلة النيابية للديمقراطيين ليصبح أصغر زعيم للكتلة في تاريخ الحزب. وفي عام 2020 انتخب حزبه الدبلوماسية المخضرمة سيغريد كاخ لزعامته في معركة لم يترشح فيها يتن. ولكنه لم ينتظر كثيراً، إذ وجد فرصة سانحة بعد استقالة كاخ في صيف عام 2023 وانتخب لزعامة الحزب.

اقرأ أيضاً


هولندا... حكومات ائتلافية منذ الحرب العالمية الثانية

Dutch Prime Minister Mark Rutte leaves the Parliament building, amid the coronavirus disease (COVID-19) lockdown, in The Hague, Netherlands January 15, 2021. REUTERS/Piroschka van de Wouw REFILE - CORRECTING CITY
Dutch Prime Minister Mark Rutte leaves the Parliament building, amid the coronavirus disease (COVID-19) lockdown, in The Hague, Netherlands January 15, 2021. REUTERS/Piroschka van de Wouw REFILE - CORRECTING CITY
TT

هولندا... حكومات ائتلافية منذ الحرب العالمية الثانية

Dutch Prime Minister Mark Rutte leaves the Parliament building, amid the coronavirus disease (COVID-19) lockdown, in The Hague, Netherlands January 15, 2021. REUTERS/Piroschka van de Wouw REFILE - CORRECTING CITY
Dutch Prime Minister Mark Rutte leaves the Parliament building, amid the coronavirus disease (COVID-19) lockdown, in The Hague, Netherlands January 15, 2021. REUTERS/Piroschka van de Wouw REFILE - CORRECTING CITY

> منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تحكم هولندا حكومات ائتلافية مكونة من حزبين أو أكثر في أحيان كثيرة، بسبب القانون الانتخابي المعتمد الذي يجعل من المستحيل على حزب واحد أن يفوز بالأغلبية. وطغى مارك روته وحزبه حزب «الشعب للحرية والديمقراطية» المحافظ الليبرالي، على الحياة السياسية في السنوات الـ14 الأخيرة تقريباً. فهو ترأس 4 حكومات متتالية بين العامين 2010 و2024، ضم معظمها أكثر من حزبين، حتى استقالته عام 2023 وانتقاله ليصبح أمين عام حلف شمال الأطلسي (الناتو). وحظيت حكومته الأولى التي كانت حكومة أقلية وشكَّلها مع حزب «نداء الديمقراطية المسيحي»، بدعم من حزب «الحرية» اليميني المتطرف من دون أن يشارك الأخير في الحكومة.

ولكن الحكومة لم تدم أكثر من عامين بعد خلافات مع خيرت فيلدرز الذي سحب دعمه لها، مما أدى إلى سقوطها. وشكَّل روته حكومته الثانية التي ضمت 4 أحزاب بينها حزب «العمال»، مما سمح لها بأن تحكم طوال فترة ولايتها لخمس سنوات، وكانت الأكثر استقراراً في تاريخ هولندا الحديث. وشكَّل روته حكومته الرابعة عام 2017 لتحكم لمدة 3 سنوات، وضمت 4 أحزاب ولكنها سقطت مبكراً بعد تداعيات أزمة كورونا. وكانت الحكومة الأخيرة التي شكَّلها روته من 4 أحزاب عام 2022، الأقصر عمراً، واستغرق تشكيلها وقتاً قياسياً وصل إلى 299 يوماً، ولكنها انهارت سريعاً بعد خلافات حول الهجرة، ولم تحكم فعلياً أكثر من عام ونصف، ولكنها بقيت حكومة تصريف أعمال لنصف عام إضافي.

وفي عام 2024، حقق حزب الحرية اليميني المتطرف بزعامة فيلدرز فوزاً تاريخياً، ولكن فيلدرز نفسه لم يصبح رئيس حكومة بسبب اشتراط الأحزاب الأخرى التي وافقت على دخول الائتلاف الحكومي معه، على تعيين شخصية أخرى. وتوافقت الأحزاب في النهاية على ديك شوف لرئاسة الحكومة التي ضمت 4 أحزاب من بينها حزب «الحرية» الذي خاض تجربته الأولى في الحكم، ولكنه سرعان من انسحب من الحكومة في صيف العام الجاري بعد خلافات مع الأحزاب الأخرى حول سياسات هجرة متشددة ومخالفة للقانون أراد تطبيقها.