سيناريوهات حقبة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان

لكل من اللاعبين الإقليميين الكبار حساباته وطموحاته

سيناريوهات حقبة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان
TT

سيناريوهات حقبة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان

سيناريوهات حقبة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان

مع إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن 31 أغسطس (آب) باعتباره الموعد النهائي للانسحاب من أفغانستان، ثمة مخاوف حقيقية طفت على السطح. ويدور التساؤل أساساً في أوساط المتابعين حول ما الذي ينتظر أفغانستان الفترة المقبلة؟ في الواقع، يصعب التنبؤ بذلك، لكن الأمر المؤكد أنه لا تلوح في الأفق أي سيناريوهات وردية، لا سيما أن الحرب «المنخفضة المستوى» التي ظلت مستعرة بين حكومة كابل وحركة «طالبان» لسنوات الآن، بدأت تزداد حدة بالفعل، وتوحي التطورات على الأرض باحتمالية اشتعال حرب أهلية.
أما المسألة الكبرى التي يجري طرحها والجدل حولها راهناً، فتتعلق بحقبة ما بعد انسحاب الولايات المتحدة، ومن ثم، التداعيات الجيوسياسية على المنطقة بوجه عام. والمؤكد أن الولايات المتحدة ستخلّف وراءها فراغاً سياسياً كبيراً تتركز عليه أنظار بعض القوى الإقليمية والدولية. ومن المؤكد أيضاً أن لدى كل من الهند وإيران والصين وباكستان وروسيا مصالح وأطماعاً سياسية في أفغانستان ما بعد الانسحاب الأميركي؛ لذا من شأن هذا الموقف خلق مزيد من الارتباك وغياب الاستقرار والفوضى.
وحقاً، تخلق التوترات القائمة بين ثلاث من هذه القوى (الهند وباكستان والصين) سيناريوهات صعبة. ويذكر أنه لدى باكستان والصين مخططات بالفعل للتعاون داخل أفغانستان فيما بعد الانسحاب الأميركي. وفي الوقت ذاته، ينبغي الانتباه هنا إلى أن القوات الأميركية ستنسحب من أفغانستان، لكن الولايات المتحدة لن تترك المنطقة. وعليه، ثمة احتمال كبير للغاية أن تسقط المنطقة في صراع دموي جديد تتمثل الأطراف الأساسية المقاتلة فيه في الولايات المتحدة وأفغانستان وباكستان والصين و«القاعدة» و«طالبان» الأفغانية، ناهيك عن خطر جماعة «داعش» الذي يلوح في الأفق.
يشير محللون سياسيون هنود إلى أن غياب الإجماع الداخلي في أفغانستان ييسِّر على الدول المجاورة لها أن تجد شركاء مفضلين لديها هناك. والملاحظ أن روسيا عزّزت دورها داخل أفغانستان بالفعل خلال السنوات الأخيرة من خلال فتح قنوات اتصال مع «طالبان» ودعمها «عملية الدوحة».
وفيما يخص الهند، فإن التطوّرات المتسارعة على الأرض لصالح «طالبان» داخل أفغانستان لا تبشر بخير ولا تحمل خيارات جيدة أو حتى بارقة أمل، وهذا رغم حقيقة أن الهند أطلقت في الفترة الأخير مباحثات مباشرة مع «طالبان»، متخلية بذلك عن سياستها السابقة الرافضة للتعامل مع الحركة المتشددة. وفي هذا الصدد، قال السفير الهندي السابق راكيش سود «بمقدور دلهي نسيان التواطؤ بين باكستان و(طالبان)، وحوادث مثل اختطاف الطائرة (آي سي 814) وتفجير السفارة الهندية في كابل والتعاون مع (طالبان)، وإما سيتوجب عليها مواجهة قوة قد تزعزع استقرار المنطقة. أعتقد من الأفضل اختيار مسار المباحثات. ومن بين جميع العناصر الإقليمية، تواجه الهند تحديداً الرهانات الأكبر، بغض النظر عن مسار التطورات المستقبلية، خاصة إذا ما تحرّكت الأمور في مسار يعزز (طالبان) ومن خلفها باكستان».
وأضاف الدبلوماسي الهندي «علاوة على ذلك، فإن علاقات الهند اليوم بالصين، التي تعدّ أحد العناصر الإقليمية المحورية والمنافسة للهند، أكثر توتراً الآن عما كانت عليه منذ عدة عقود مضت. فعلى مرّ السنوات، حاولت الهند بناء علاقات ودية مع أفغانستان من خلال الاستثمار في البنية التحتية والتعليم وتطوير منظومة الري ومشاريع توليد الطاقة. وتعتمد المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية الهندية على مسألة صعود (طالبان)».
من ناحيته، ينظر الرأي العام الأفغاني إلى الهند باعتبارها قوة عظمى صديقة لا تهدّد مصالح بلادهم وقادرة في الوقت نفسه على تقديم المساعدة لهم. وحتى الآن، حرصت الهند على تقليص حجم مشاركتها في الصراع الأفغاني، وقدمت مساعدات محدودة لـ«التحالف الشمالي» خلال حكم «طالبان». كذلك، رغم كل المحاولات الأميركية للاستعانة بقوات هندية داخل أفغانستان، اختارت نيودلهي التحلّي بالحذر، وقصرت دورها على تقديم مساعدات إنسانية والمشاركة في بناء البنية التحتية وتدريب ضباط الشرطة. وفي المقابل، دعمت الهند النظام في كابل باستمرار لأسباب استراتيجية.
في هذا السياق، أعرب الخبير المعني بالشؤون الاستراتيجية سي. راجا موهان عن اعتقاده بأنه «يتوجب على نيودلهي التميز بحراك استراتيجي أكبر من أجل تأمين مصالحها وتعزيز الاستقرار الإقليمي. ومن الضروري التخلي عن التردد القديم وبناء تحالفات جيوسياسية جديدة لضمان التفاعل الهندي الناجح مع الوضع داخل أفغانستان».

النفوذ الصيني قد يزيد
من ناحية ثانية، في خضم الانسحاب الأميركي، يبدو أن الصين تعد لتعزيز حضورها داخل أفغانستان، ويبدو أن أنظار بكين تتركز على البلد الذي مزقته الحروب باعتباره يحمل فرصاً للاستثمار وتعزيز النفوذ. ومنذ فترة طويلة، راودت الصينيين الرغبة في الاضطلاع بدور قيادي في أفغانستان، بدعم من باكستان المجاورة. ولا تعدّ الصين بغريبة عن «طالبان»، ذلك أن وفوداً من الحركة زارت الصين بانتظام، واحتفت الأخيرة بهم بتنظيم رحلات سخية عبر أرجاء البلاد.
وعام 2016، عندما صدرت إشارات مبكّرة من الأميركيين عن رغبتهم في الرحيل عن أفغانستان، نقلت وسائل إعلام عن مؤسسة فكرية صينية رائدة توقعها بأنه بعد رحيل الأميركيين، ستصبح الصين الراعية الأولى لمصير أفغانستان. والمثير أن تقارير إعلامية نقلت عن المتحدث الرسمي لـ«طالبان» قوله «ننظر إلى الصين باعتبارها صديقاً لأفغانستان». كذلك، حرصت «طالبان» على طمأنة بكين أنها لن تأوي مسلحين إسلاميين من الأويغور من إقليم سنكيانغ (تركستان الشرقية) المتوتر، وهذه مسألة تثير قلقاً بالغاً لدى الصين. ولقد جاءت هذه التعليقات في وقت أحرزت «طالبان» مكاسب إقليمية داخل أفغانستان في خضم انسحاب القوات الأميركية. وما يجدر ذكره هنا أن الصين أجلت رعاياها بالفعل من أفغانستان.
في هذا الصدد، قال العقيد الأميركي المتقاعد لورانس سيلين «رحيل الولايات المتحدة عن أفغانستان سيترك فراغاً كبيراً في السلطة، والذي تبدو الصين حريصة للغاية على ملئه لأنها لطالما رغبت في الهيمنة على جنوب آسيا اقتصادياً وعسكرياً. اليوم، تعمل الولايات المتحدة على نحو وثيق للغاية مع الهند لصياغة سياسة لمنع الصين من الهيمنة على المنطقة. إننا نحتاج إلى سياسة احتواء ضد الصين على غرار ما فعلناه في مواجهة الاتحاد السوفياتي إبان الحرب الباردة، والاستفادة من خطوط الصدع العرقية في باكستان، خاصة بلوشستان، حيث سيطرت الصين بصورة كاملة تقريباً على ميناء غوادار (على بحر العرب) في إطار مشروع الممرّ الاقتصادي بين الصين وباكستان (سي بي إي سي)، وهي تهدف لبناء قاعدة عسكرية لها هناك؛ الأمر الذي سيجعل شمال بحر العرب تحت سيطرتها المباشرة». وأردف سيلين «وفي حين لا ترحب الصين بوجود القوات الأميركية في أفغانستان، فإنها لا ترغب في الوقت نفسه في أن تصبح المنطقة أكثر عرضة للإرهاب».
في السياق نفسه، يشار إلى أنه خلال السنوات القليلة الماضية، شاركت الصين بحذر في الجهود الدبلوماسية لإرساء السلام في أفغانستان. ثم إن حكومة كابل و«طالبان» تنظران إلى الصين باعتبارها شريكاً قيّماً. وهنا يعلّق سهاليني شاولا، زميل «سنتر فور إير باور ستديز»، أنه «في حال نجاح (طالبان) في تشكيل حكومة جديدة، فإن الفائز الحقيقي حينئذ ستكون الصين، التي تقبل بها باكستان باعتبارها زعيمتها الوحيدة. وسترغب الصين حينذاك في زيادة تفاعلها داخل أفغانستان؛ سعياً لتأمين مصالحها الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية. ولطالما أثارت القلاقل في إقليم سنكيانغ والدعم الذي يحصل عليه المسلمون الأويغور من جانب قوى متشددة داخل أفغانستان، ضيق بكين باستمرار». وما يستحق الذكر في هذا الصدد، أن إقليم سنكيانغ يتشارك مع أفغانستان في حدود تمتد لمسافة قرابة 80 كيلومتراً. ولكن الصين تتعرض لانتقادات حادة وتواجه ردود فعل عالمية غاضبة وإجراءات عقابية بسبب سياساتها القمعية في الإقليم. وفي الوقت الراهن، ترغب الصين في جذب أفغانستان نحوها وضم كابل إلى مشاريع مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.
ويبدو هذا التحول الهيكلي ممكناً من خلال تمديد «الممر الاقتصادي الصيني - الباكستاني» إلى داخل أفغانستان. وللعلم، في الوقت الراهن، يبدا هذا الممر من ميناء غوادار الباكستاني على بحر العرب ويمتد حتى كاشغر في أقصى غرب سنكيانغ. ومع ذلك، فإنه من الممكن تمديده إلى داخل أفغانستان التي تعد بمثابة البوابة إلى أوزبكستان وقلب آسيا الوسطى.
من جهتها، لطالما رغبت الصين في دفع استثمارات ضخمة في أفغانستان بالنظر إلى أنها تملك أكبر احتياطيات غير مستغلة على مستوى العالم من النحاس والفحم والحديد والغاز الطبيعي والكوبالت والزئبق والذهب والليثيوم والثوريوم، بقيمة إجمالية تتجاوز تريليون دولار أميركياً. وفي عام 2011، فازت الشركة الصينية الوطنية للبترول بصفقة بقيمة 400 مليون دولار أميركي لحفر ثلاث آبار نفطية على امتداد 25 سنة، تحوي قرابة 87 مليون برميل من النفط. كما فازت شركات صينية بحقوق تعدين عن الفحم في منطقة ميس أيناك في ولاية لوغار الأفغانية.

المخاطر أمام روسيا
رغم ذلك، لا يمكن القول بأن دخول الصين في تحالف مع محور باكستان - «طالبان» أصبح أمراً منتهياً؛ ذلك أنه من المؤكد أن روسيا ستعارض أي محاولات صينية للتوغّل داخل آسيا الوسطى، حيث الجمهوريات السوفياتية السابقة، والمنطقة التي لطالما شكلت الساحة الخلفية لموسكو.
والواقع، ترتبط روسيا بتاريخ طويل ومتوتر من العلاقات مع كابل. ومن وجهة نظر روسيا، فإن التاريخ يعيد نفسه اليوم مع انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، على غرار الانسحاب السوفياتي هناك منذ ثلاثة عقود بعد هزيمة القوات السوفياتية على أيدي «المجاهدين» المدعومين من واشنطن. ومع أنه خلال السنوات الأخيرة، اضطلعت موسكو بدور «صانع السلام» في أفغانستان، أظهرت كل من «طالبان» والحكومة الأفغانية حذراً إزاء الجهود الروسية، خاصة بعد إعلان موسكو أنها لن تدعم قيام إمارة لحركة «طالبان» في البلاد، الأمر الذي أغضب قادة الحركة. وفي هذا الصدد، قال السفير السابق سود إن المصلحة الجوهرية لروسيا داخل أفغانستان تكمن في الحؤول دون حدوث زعزعة استقرار بالمنطقة. وتابع القول، إن روسيا لا تحتاج إلى أن تتحول أفغانستان إلى «دولة عميلة» لها؛ لأنها لا تملك تكاليف تنميتها، لكنها في الوقت ذاته تدرك أنه من الخطر بقاء أفغانستان في حالة من الفوضى؛ نظراً لأن لروسيا مصلحة قوية في الحؤول دون تزعزع الاستقرار في آسيا الوسطى؛ لأن هذا قد يحمل تهديداً للحدود الروسية. وبناءً عليه، فإن روسيا تدرك جيداً أن وجود أفغانستان معادية لها سيشكل تهديداً كبيراً.

باكستان اللاعب الأكبر
تشير غالبية الاحتمالات إلى أن دولة واحدة سيبقى لها دور أكبر من حجمها في العلاقات مع أفغانستان، هي جارتها وراعية «طالبان»: باكستان. وفي مقال نشره في «هندوستان تايمز»، كتب شيشير غوبتا «هناك شعور في باكستان بالثأر والقلق. والمعروف أن (طالبان) صنيعة المؤسسة الأمنية الباكستانية. وبعد الغزو الأميركي لأفغانستان، انتقلت عناصر (طالبان) إلى ملاذات آمنة داخل الأراضي الباكستانية. وكانت باكستان من أقنع (طالبان) بإبرام صفقة مع إدارة ترمب. أما الجيش الباكستاني، فلطالما نظر إلى أفغانستان باعتبارها تشكل (العمق الاستراتيجي في عدائه الدائم مع الهند. وعليه، فإن سيطرة «طالبان» على أفغانستان يعني سقوط البلاد أخيراً في قبضة قوة صديقة في كابل بعد 20 سنة)».
وفي هذه الأثناء، فإن أحد الضحايا المؤكدين للانسحاب الأميركي سيكون مستقبل العلاقات الأميركية ـ الباكستانية. في الوقت الراهن، من الصعب إيجاد كثير من الدعم داخل الكونغرس الأميركي لتقديم مساعدات عسكرية لباكستان. وللعلم، حاولت باكستان من جانبها لعب دور في التقريب بين الصين و«طالبان» لمعاونة الأولى على لعب دور القوة الأولى التالية في أفغانستان بعد روسيا والولايات المتحدة. وتبعاً لما ذكره السفير الهندي السابق غاوتام موخوبادهايا، الذي عمل في أفغانستان وسوريا، فإن الدولة الباكستانية العميقة ستعمل على ضمان تأثر الهند من الناحية الأمنية بصعود «طالبان»، على الأقل فيما يخص الحدود المشتركة بين جامو وكشمير وشرق أفغانستان، التي توفر عمقاً استراتيجياً لجماعات مثل «العسكر الطيبة» و«جيش محمد».
وجدير بالذكر هنا، أن «لجنة العمل المالي» لم تقتنع بالخطوات التي اتخذتها باكستان للالتزام بشروط اللجنة، وبالتالي قررت الإبقاء على باكستان بـ«القائمة الرمادية» خلال اجتماعها الأخير.
ومن المحتمل أن يسهم وجود أفغانستان تحت قيادة «طالبان» في تعزيز العلاقات بين الصين وباكستان من ناحية والولايات المتحدة والهند من الناحية الأخرى، مع وجود روسيا وإيران في المنتصف ويحاولان تعديل سياساتهما تبعاً لما يرونه من تهديدات. والمؤكد أن المنطقة ستتأثر بشدة بهذا الوضع، بجانب أن باقي أرجاء العالم لن تكون بمأمن من التحولات التي تطرأ على التوازن الجيوسياسي وما يتعلق بالإرهاب والعنف.

إيران: قنوات اتصال
وباعتبارها دولة تتشارك في حدودها مع باكستان وأفغانستان، ترى إيران أن ثمة تهديدات أمنية نشطة صادرة عن كلا البلدين. ثم إنها ترى من شأن ظهور نظام لـ«طالبان» في كابل تأجيج هذا التهديد. إلا أنه نظراً لعلاقة طهران بأقلية الهزارة الشيعية في أفغانستان، تفاعلت إيران في الفترة الأخيرة مع جميع الأطراف. ورغم العداء المتبادل والصدع الديني بين الجانبين، حرصت إيران على فتح قنوات مع «طالبان» منذ سنوات قليلة، بل واستضافت في وقت قريب وفداً من «طالبان» في طهران. والواضح، أن طهران ستسعد بوصول أي نظام معتدل وصديق لسدة الحكم في كابل، بحيث يبدي تعاطفه مع المصالح الإيرانية في المناطق التي يسكنها الشيعة ولا يكون تحت السيطرة الأميركية.

الجانب الجيوسياسي لـ«الحوار الأمني الرباعي»
> استثمرت جميع الدول الأعضاء في «الحوار الأمني الرباعي»، المعروف اختصاراً باسم «كواد»، في أفغانستان فيما مضى، وكذلك في مستقبلها. وتعتبر الهند فعلياً أكبر دولة إقليمية مانحة في جهود إعادة إعمار أفغانستان، بينما تعهدت اليابان بتقديم 720 مليون دولار أميركي لإعادة إعمار أفغانستان خلال السنوات الأربعة المقبلة.
أيضاً، كانت أستراليا من الشركاء النشطين في جهود التنمية وإعادة الإعمار في أفغانستان، وأسهمت بأكثر عن 750 مليون دولار في أفغانستان منذ عام 2001. ومن شأن المشاركة في أفغانستان إعادة تفعيل قنوات التعاون الثنائي، بجانب فتح قنوات أخرى متعددة الأطراف أمام دول «كواد» داخل آسيا الوسطى.
من ناحيته، يرى راشي رانديف، الأستاذ بجامعة جواهرلال نهرو، أن إدارة بايدن تحاول تحويل أولوياتها بعيداً عن الشرق الأوسط الذي استنزف اهتمام الولايات المتحدة ومواردها طوال عقدين. واليوم، ينظر الرئيس الأميركي جو بايدن إلى الصين باعتبارها المنافس الأكبر للولايات المتحدة، وبالتالي تبدو إدارته عاقدة للعزم على احتواء الصين وتقويض مساعيها لتعزيز قدراتها ومصالحها فيما وراء حدودها البحرية.
وأضاف رانديف، أنه من وجهة نظر واشنطن، تعتبر «كواد» أداة أساسية لضمان الأمن البحري وحماية حرية الملاحة في المنطقة. ويذكر أن سبعة من أكبر عشرة جيوش في العالم موجودة بمنطقة المحيط الهندي - المحيط الهادي، منها خمس دول تنفق أقصى قدر ممكن على موازنتها الدفاعية.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».