سيناريوهات حقبة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان

لكل من اللاعبين الإقليميين الكبار حساباته وطموحاته

سيناريوهات حقبة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان
TT

سيناريوهات حقبة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان

سيناريوهات حقبة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان

مع إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن 31 أغسطس (آب) باعتباره الموعد النهائي للانسحاب من أفغانستان، ثمة مخاوف حقيقية طفت على السطح. ويدور التساؤل أساساً في أوساط المتابعين حول ما الذي ينتظر أفغانستان الفترة المقبلة؟ في الواقع، يصعب التنبؤ بذلك، لكن الأمر المؤكد أنه لا تلوح في الأفق أي سيناريوهات وردية، لا سيما أن الحرب «المنخفضة المستوى» التي ظلت مستعرة بين حكومة كابل وحركة «طالبان» لسنوات الآن، بدأت تزداد حدة بالفعل، وتوحي التطورات على الأرض باحتمالية اشتعال حرب أهلية.
أما المسألة الكبرى التي يجري طرحها والجدل حولها راهناً، فتتعلق بحقبة ما بعد انسحاب الولايات المتحدة، ومن ثم، التداعيات الجيوسياسية على المنطقة بوجه عام. والمؤكد أن الولايات المتحدة ستخلّف وراءها فراغاً سياسياً كبيراً تتركز عليه أنظار بعض القوى الإقليمية والدولية. ومن المؤكد أيضاً أن لدى كل من الهند وإيران والصين وباكستان وروسيا مصالح وأطماعاً سياسية في أفغانستان ما بعد الانسحاب الأميركي؛ لذا من شأن هذا الموقف خلق مزيد من الارتباك وغياب الاستقرار والفوضى.
وحقاً، تخلق التوترات القائمة بين ثلاث من هذه القوى (الهند وباكستان والصين) سيناريوهات صعبة. ويذكر أنه لدى باكستان والصين مخططات بالفعل للتعاون داخل أفغانستان فيما بعد الانسحاب الأميركي. وفي الوقت ذاته، ينبغي الانتباه هنا إلى أن القوات الأميركية ستنسحب من أفغانستان، لكن الولايات المتحدة لن تترك المنطقة. وعليه، ثمة احتمال كبير للغاية أن تسقط المنطقة في صراع دموي جديد تتمثل الأطراف الأساسية المقاتلة فيه في الولايات المتحدة وأفغانستان وباكستان والصين و«القاعدة» و«طالبان» الأفغانية، ناهيك عن خطر جماعة «داعش» الذي يلوح في الأفق.
يشير محللون سياسيون هنود إلى أن غياب الإجماع الداخلي في أفغانستان ييسِّر على الدول المجاورة لها أن تجد شركاء مفضلين لديها هناك. والملاحظ أن روسيا عزّزت دورها داخل أفغانستان بالفعل خلال السنوات الأخيرة من خلال فتح قنوات اتصال مع «طالبان» ودعمها «عملية الدوحة».
وفيما يخص الهند، فإن التطوّرات المتسارعة على الأرض لصالح «طالبان» داخل أفغانستان لا تبشر بخير ولا تحمل خيارات جيدة أو حتى بارقة أمل، وهذا رغم حقيقة أن الهند أطلقت في الفترة الأخير مباحثات مباشرة مع «طالبان»، متخلية بذلك عن سياستها السابقة الرافضة للتعامل مع الحركة المتشددة. وفي هذا الصدد، قال السفير الهندي السابق راكيش سود «بمقدور دلهي نسيان التواطؤ بين باكستان و(طالبان)، وحوادث مثل اختطاف الطائرة (آي سي 814) وتفجير السفارة الهندية في كابل والتعاون مع (طالبان)، وإما سيتوجب عليها مواجهة قوة قد تزعزع استقرار المنطقة. أعتقد من الأفضل اختيار مسار المباحثات. ومن بين جميع العناصر الإقليمية، تواجه الهند تحديداً الرهانات الأكبر، بغض النظر عن مسار التطورات المستقبلية، خاصة إذا ما تحرّكت الأمور في مسار يعزز (طالبان) ومن خلفها باكستان».
وأضاف الدبلوماسي الهندي «علاوة على ذلك، فإن علاقات الهند اليوم بالصين، التي تعدّ أحد العناصر الإقليمية المحورية والمنافسة للهند، أكثر توتراً الآن عما كانت عليه منذ عدة عقود مضت. فعلى مرّ السنوات، حاولت الهند بناء علاقات ودية مع أفغانستان من خلال الاستثمار في البنية التحتية والتعليم وتطوير منظومة الري ومشاريع توليد الطاقة. وتعتمد المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية الهندية على مسألة صعود (طالبان)».
من ناحيته، ينظر الرأي العام الأفغاني إلى الهند باعتبارها قوة عظمى صديقة لا تهدّد مصالح بلادهم وقادرة في الوقت نفسه على تقديم المساعدة لهم. وحتى الآن، حرصت الهند على تقليص حجم مشاركتها في الصراع الأفغاني، وقدمت مساعدات محدودة لـ«التحالف الشمالي» خلال حكم «طالبان». كذلك، رغم كل المحاولات الأميركية للاستعانة بقوات هندية داخل أفغانستان، اختارت نيودلهي التحلّي بالحذر، وقصرت دورها على تقديم مساعدات إنسانية والمشاركة في بناء البنية التحتية وتدريب ضباط الشرطة. وفي المقابل، دعمت الهند النظام في كابل باستمرار لأسباب استراتيجية.
في هذا السياق، أعرب الخبير المعني بالشؤون الاستراتيجية سي. راجا موهان عن اعتقاده بأنه «يتوجب على نيودلهي التميز بحراك استراتيجي أكبر من أجل تأمين مصالحها وتعزيز الاستقرار الإقليمي. ومن الضروري التخلي عن التردد القديم وبناء تحالفات جيوسياسية جديدة لضمان التفاعل الهندي الناجح مع الوضع داخل أفغانستان».

النفوذ الصيني قد يزيد
من ناحية ثانية، في خضم الانسحاب الأميركي، يبدو أن الصين تعد لتعزيز حضورها داخل أفغانستان، ويبدو أن أنظار بكين تتركز على البلد الذي مزقته الحروب باعتباره يحمل فرصاً للاستثمار وتعزيز النفوذ. ومنذ فترة طويلة، راودت الصينيين الرغبة في الاضطلاع بدور قيادي في أفغانستان، بدعم من باكستان المجاورة. ولا تعدّ الصين بغريبة عن «طالبان»، ذلك أن وفوداً من الحركة زارت الصين بانتظام، واحتفت الأخيرة بهم بتنظيم رحلات سخية عبر أرجاء البلاد.
وعام 2016، عندما صدرت إشارات مبكّرة من الأميركيين عن رغبتهم في الرحيل عن أفغانستان، نقلت وسائل إعلام عن مؤسسة فكرية صينية رائدة توقعها بأنه بعد رحيل الأميركيين، ستصبح الصين الراعية الأولى لمصير أفغانستان. والمثير أن تقارير إعلامية نقلت عن المتحدث الرسمي لـ«طالبان» قوله «ننظر إلى الصين باعتبارها صديقاً لأفغانستان». كذلك، حرصت «طالبان» على طمأنة بكين أنها لن تأوي مسلحين إسلاميين من الأويغور من إقليم سنكيانغ (تركستان الشرقية) المتوتر، وهذه مسألة تثير قلقاً بالغاً لدى الصين. ولقد جاءت هذه التعليقات في وقت أحرزت «طالبان» مكاسب إقليمية داخل أفغانستان في خضم انسحاب القوات الأميركية. وما يجدر ذكره هنا أن الصين أجلت رعاياها بالفعل من أفغانستان.
في هذا الصدد، قال العقيد الأميركي المتقاعد لورانس سيلين «رحيل الولايات المتحدة عن أفغانستان سيترك فراغاً كبيراً في السلطة، والذي تبدو الصين حريصة للغاية على ملئه لأنها لطالما رغبت في الهيمنة على جنوب آسيا اقتصادياً وعسكرياً. اليوم، تعمل الولايات المتحدة على نحو وثيق للغاية مع الهند لصياغة سياسة لمنع الصين من الهيمنة على المنطقة. إننا نحتاج إلى سياسة احتواء ضد الصين على غرار ما فعلناه في مواجهة الاتحاد السوفياتي إبان الحرب الباردة، والاستفادة من خطوط الصدع العرقية في باكستان، خاصة بلوشستان، حيث سيطرت الصين بصورة كاملة تقريباً على ميناء غوادار (على بحر العرب) في إطار مشروع الممرّ الاقتصادي بين الصين وباكستان (سي بي إي سي)، وهي تهدف لبناء قاعدة عسكرية لها هناك؛ الأمر الذي سيجعل شمال بحر العرب تحت سيطرتها المباشرة». وأردف سيلين «وفي حين لا ترحب الصين بوجود القوات الأميركية في أفغانستان، فإنها لا ترغب في الوقت نفسه في أن تصبح المنطقة أكثر عرضة للإرهاب».
في السياق نفسه، يشار إلى أنه خلال السنوات القليلة الماضية، شاركت الصين بحذر في الجهود الدبلوماسية لإرساء السلام في أفغانستان. ثم إن حكومة كابل و«طالبان» تنظران إلى الصين باعتبارها شريكاً قيّماً. وهنا يعلّق سهاليني شاولا، زميل «سنتر فور إير باور ستديز»، أنه «في حال نجاح (طالبان) في تشكيل حكومة جديدة، فإن الفائز الحقيقي حينئذ ستكون الصين، التي تقبل بها باكستان باعتبارها زعيمتها الوحيدة. وسترغب الصين حينذاك في زيادة تفاعلها داخل أفغانستان؛ سعياً لتأمين مصالحها الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية. ولطالما أثارت القلاقل في إقليم سنكيانغ والدعم الذي يحصل عليه المسلمون الأويغور من جانب قوى متشددة داخل أفغانستان، ضيق بكين باستمرار». وما يستحق الذكر في هذا الصدد، أن إقليم سنكيانغ يتشارك مع أفغانستان في حدود تمتد لمسافة قرابة 80 كيلومتراً. ولكن الصين تتعرض لانتقادات حادة وتواجه ردود فعل عالمية غاضبة وإجراءات عقابية بسبب سياساتها القمعية في الإقليم. وفي الوقت الراهن، ترغب الصين في جذب أفغانستان نحوها وضم كابل إلى مشاريع مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.
ويبدو هذا التحول الهيكلي ممكناً من خلال تمديد «الممر الاقتصادي الصيني - الباكستاني» إلى داخل أفغانستان. وللعلم، في الوقت الراهن، يبدا هذا الممر من ميناء غوادار الباكستاني على بحر العرب ويمتد حتى كاشغر في أقصى غرب سنكيانغ. ومع ذلك، فإنه من الممكن تمديده إلى داخل أفغانستان التي تعد بمثابة البوابة إلى أوزبكستان وقلب آسيا الوسطى.
من جهتها، لطالما رغبت الصين في دفع استثمارات ضخمة في أفغانستان بالنظر إلى أنها تملك أكبر احتياطيات غير مستغلة على مستوى العالم من النحاس والفحم والحديد والغاز الطبيعي والكوبالت والزئبق والذهب والليثيوم والثوريوم، بقيمة إجمالية تتجاوز تريليون دولار أميركياً. وفي عام 2011، فازت الشركة الصينية الوطنية للبترول بصفقة بقيمة 400 مليون دولار أميركي لحفر ثلاث آبار نفطية على امتداد 25 سنة، تحوي قرابة 87 مليون برميل من النفط. كما فازت شركات صينية بحقوق تعدين عن الفحم في منطقة ميس أيناك في ولاية لوغار الأفغانية.

المخاطر أمام روسيا
رغم ذلك، لا يمكن القول بأن دخول الصين في تحالف مع محور باكستان - «طالبان» أصبح أمراً منتهياً؛ ذلك أنه من المؤكد أن روسيا ستعارض أي محاولات صينية للتوغّل داخل آسيا الوسطى، حيث الجمهوريات السوفياتية السابقة، والمنطقة التي لطالما شكلت الساحة الخلفية لموسكو.
والواقع، ترتبط روسيا بتاريخ طويل ومتوتر من العلاقات مع كابل. ومن وجهة نظر روسيا، فإن التاريخ يعيد نفسه اليوم مع انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، على غرار الانسحاب السوفياتي هناك منذ ثلاثة عقود بعد هزيمة القوات السوفياتية على أيدي «المجاهدين» المدعومين من واشنطن. ومع أنه خلال السنوات الأخيرة، اضطلعت موسكو بدور «صانع السلام» في أفغانستان، أظهرت كل من «طالبان» والحكومة الأفغانية حذراً إزاء الجهود الروسية، خاصة بعد إعلان موسكو أنها لن تدعم قيام إمارة لحركة «طالبان» في البلاد، الأمر الذي أغضب قادة الحركة. وفي هذا الصدد، قال السفير السابق سود إن المصلحة الجوهرية لروسيا داخل أفغانستان تكمن في الحؤول دون حدوث زعزعة استقرار بالمنطقة. وتابع القول، إن روسيا لا تحتاج إلى أن تتحول أفغانستان إلى «دولة عميلة» لها؛ لأنها لا تملك تكاليف تنميتها، لكنها في الوقت ذاته تدرك أنه من الخطر بقاء أفغانستان في حالة من الفوضى؛ نظراً لأن لروسيا مصلحة قوية في الحؤول دون تزعزع الاستقرار في آسيا الوسطى؛ لأن هذا قد يحمل تهديداً للحدود الروسية. وبناءً عليه، فإن روسيا تدرك جيداً أن وجود أفغانستان معادية لها سيشكل تهديداً كبيراً.

باكستان اللاعب الأكبر
تشير غالبية الاحتمالات إلى أن دولة واحدة سيبقى لها دور أكبر من حجمها في العلاقات مع أفغانستان، هي جارتها وراعية «طالبان»: باكستان. وفي مقال نشره في «هندوستان تايمز»، كتب شيشير غوبتا «هناك شعور في باكستان بالثأر والقلق. والمعروف أن (طالبان) صنيعة المؤسسة الأمنية الباكستانية. وبعد الغزو الأميركي لأفغانستان، انتقلت عناصر (طالبان) إلى ملاذات آمنة داخل الأراضي الباكستانية. وكانت باكستان من أقنع (طالبان) بإبرام صفقة مع إدارة ترمب. أما الجيش الباكستاني، فلطالما نظر إلى أفغانستان باعتبارها تشكل (العمق الاستراتيجي في عدائه الدائم مع الهند. وعليه، فإن سيطرة «طالبان» على أفغانستان يعني سقوط البلاد أخيراً في قبضة قوة صديقة في كابل بعد 20 سنة)».
وفي هذه الأثناء، فإن أحد الضحايا المؤكدين للانسحاب الأميركي سيكون مستقبل العلاقات الأميركية ـ الباكستانية. في الوقت الراهن، من الصعب إيجاد كثير من الدعم داخل الكونغرس الأميركي لتقديم مساعدات عسكرية لباكستان. وللعلم، حاولت باكستان من جانبها لعب دور في التقريب بين الصين و«طالبان» لمعاونة الأولى على لعب دور القوة الأولى التالية في أفغانستان بعد روسيا والولايات المتحدة. وتبعاً لما ذكره السفير الهندي السابق غاوتام موخوبادهايا، الذي عمل في أفغانستان وسوريا، فإن الدولة الباكستانية العميقة ستعمل على ضمان تأثر الهند من الناحية الأمنية بصعود «طالبان»، على الأقل فيما يخص الحدود المشتركة بين جامو وكشمير وشرق أفغانستان، التي توفر عمقاً استراتيجياً لجماعات مثل «العسكر الطيبة» و«جيش محمد».
وجدير بالذكر هنا، أن «لجنة العمل المالي» لم تقتنع بالخطوات التي اتخذتها باكستان للالتزام بشروط اللجنة، وبالتالي قررت الإبقاء على باكستان بـ«القائمة الرمادية» خلال اجتماعها الأخير.
ومن المحتمل أن يسهم وجود أفغانستان تحت قيادة «طالبان» في تعزيز العلاقات بين الصين وباكستان من ناحية والولايات المتحدة والهند من الناحية الأخرى، مع وجود روسيا وإيران في المنتصف ويحاولان تعديل سياساتهما تبعاً لما يرونه من تهديدات. والمؤكد أن المنطقة ستتأثر بشدة بهذا الوضع، بجانب أن باقي أرجاء العالم لن تكون بمأمن من التحولات التي تطرأ على التوازن الجيوسياسي وما يتعلق بالإرهاب والعنف.

إيران: قنوات اتصال
وباعتبارها دولة تتشارك في حدودها مع باكستان وأفغانستان، ترى إيران أن ثمة تهديدات أمنية نشطة صادرة عن كلا البلدين. ثم إنها ترى من شأن ظهور نظام لـ«طالبان» في كابل تأجيج هذا التهديد. إلا أنه نظراً لعلاقة طهران بأقلية الهزارة الشيعية في أفغانستان، تفاعلت إيران في الفترة الأخيرة مع جميع الأطراف. ورغم العداء المتبادل والصدع الديني بين الجانبين، حرصت إيران على فتح قنوات مع «طالبان» منذ سنوات قليلة، بل واستضافت في وقت قريب وفداً من «طالبان» في طهران. والواضح، أن طهران ستسعد بوصول أي نظام معتدل وصديق لسدة الحكم في كابل، بحيث يبدي تعاطفه مع المصالح الإيرانية في المناطق التي يسكنها الشيعة ولا يكون تحت السيطرة الأميركية.

الجانب الجيوسياسي لـ«الحوار الأمني الرباعي»
> استثمرت جميع الدول الأعضاء في «الحوار الأمني الرباعي»، المعروف اختصاراً باسم «كواد»، في أفغانستان فيما مضى، وكذلك في مستقبلها. وتعتبر الهند فعلياً أكبر دولة إقليمية مانحة في جهود إعادة إعمار أفغانستان، بينما تعهدت اليابان بتقديم 720 مليون دولار أميركي لإعادة إعمار أفغانستان خلال السنوات الأربعة المقبلة.
أيضاً، كانت أستراليا من الشركاء النشطين في جهود التنمية وإعادة الإعمار في أفغانستان، وأسهمت بأكثر عن 750 مليون دولار في أفغانستان منذ عام 2001. ومن شأن المشاركة في أفغانستان إعادة تفعيل قنوات التعاون الثنائي، بجانب فتح قنوات أخرى متعددة الأطراف أمام دول «كواد» داخل آسيا الوسطى.
من ناحيته، يرى راشي رانديف، الأستاذ بجامعة جواهرلال نهرو، أن إدارة بايدن تحاول تحويل أولوياتها بعيداً عن الشرق الأوسط الذي استنزف اهتمام الولايات المتحدة ومواردها طوال عقدين. واليوم، ينظر الرئيس الأميركي جو بايدن إلى الصين باعتبارها المنافس الأكبر للولايات المتحدة، وبالتالي تبدو إدارته عاقدة للعزم على احتواء الصين وتقويض مساعيها لتعزيز قدراتها ومصالحها فيما وراء حدودها البحرية.
وأضاف رانديف، أنه من وجهة نظر واشنطن، تعتبر «كواد» أداة أساسية لضمان الأمن البحري وحماية حرية الملاحة في المنطقة. ويذكر أن سبعة من أكبر عشرة جيوش في العالم موجودة بمنطقة المحيط الهندي - المحيط الهادي، منها خمس دول تنفق أقصى قدر ممكن على موازنتها الدفاعية.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.