سيناريوهات حقبة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان

لكل من اللاعبين الإقليميين الكبار حساباته وطموحاته

سيناريوهات حقبة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان
TT

سيناريوهات حقبة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان

سيناريوهات حقبة ما بعد الانسحاب الأميركي من أفغانستان

مع إعلان الرئيس الأميركي جو بايدن 31 أغسطس (آب) باعتباره الموعد النهائي للانسحاب من أفغانستان، ثمة مخاوف حقيقية طفت على السطح. ويدور التساؤل أساساً في أوساط المتابعين حول ما الذي ينتظر أفغانستان الفترة المقبلة؟ في الواقع، يصعب التنبؤ بذلك، لكن الأمر المؤكد أنه لا تلوح في الأفق أي سيناريوهات وردية، لا سيما أن الحرب «المنخفضة المستوى» التي ظلت مستعرة بين حكومة كابل وحركة «طالبان» لسنوات الآن، بدأت تزداد حدة بالفعل، وتوحي التطورات على الأرض باحتمالية اشتعال حرب أهلية.
أما المسألة الكبرى التي يجري طرحها والجدل حولها راهناً، فتتعلق بحقبة ما بعد انسحاب الولايات المتحدة، ومن ثم، التداعيات الجيوسياسية على المنطقة بوجه عام. والمؤكد أن الولايات المتحدة ستخلّف وراءها فراغاً سياسياً كبيراً تتركز عليه أنظار بعض القوى الإقليمية والدولية. ومن المؤكد أيضاً أن لدى كل من الهند وإيران والصين وباكستان وروسيا مصالح وأطماعاً سياسية في أفغانستان ما بعد الانسحاب الأميركي؛ لذا من شأن هذا الموقف خلق مزيد من الارتباك وغياب الاستقرار والفوضى.
وحقاً، تخلق التوترات القائمة بين ثلاث من هذه القوى (الهند وباكستان والصين) سيناريوهات صعبة. ويذكر أنه لدى باكستان والصين مخططات بالفعل للتعاون داخل أفغانستان فيما بعد الانسحاب الأميركي. وفي الوقت ذاته، ينبغي الانتباه هنا إلى أن القوات الأميركية ستنسحب من أفغانستان، لكن الولايات المتحدة لن تترك المنطقة. وعليه، ثمة احتمال كبير للغاية أن تسقط المنطقة في صراع دموي جديد تتمثل الأطراف الأساسية المقاتلة فيه في الولايات المتحدة وأفغانستان وباكستان والصين و«القاعدة» و«طالبان» الأفغانية، ناهيك عن خطر جماعة «داعش» الذي يلوح في الأفق.
يشير محللون سياسيون هنود إلى أن غياب الإجماع الداخلي في أفغانستان ييسِّر على الدول المجاورة لها أن تجد شركاء مفضلين لديها هناك. والملاحظ أن روسيا عزّزت دورها داخل أفغانستان بالفعل خلال السنوات الأخيرة من خلال فتح قنوات اتصال مع «طالبان» ودعمها «عملية الدوحة».
وفيما يخص الهند، فإن التطوّرات المتسارعة على الأرض لصالح «طالبان» داخل أفغانستان لا تبشر بخير ولا تحمل خيارات جيدة أو حتى بارقة أمل، وهذا رغم حقيقة أن الهند أطلقت في الفترة الأخير مباحثات مباشرة مع «طالبان»، متخلية بذلك عن سياستها السابقة الرافضة للتعامل مع الحركة المتشددة. وفي هذا الصدد، قال السفير الهندي السابق راكيش سود «بمقدور دلهي نسيان التواطؤ بين باكستان و(طالبان)، وحوادث مثل اختطاف الطائرة (آي سي 814) وتفجير السفارة الهندية في كابل والتعاون مع (طالبان)، وإما سيتوجب عليها مواجهة قوة قد تزعزع استقرار المنطقة. أعتقد من الأفضل اختيار مسار المباحثات. ومن بين جميع العناصر الإقليمية، تواجه الهند تحديداً الرهانات الأكبر، بغض النظر عن مسار التطورات المستقبلية، خاصة إذا ما تحرّكت الأمور في مسار يعزز (طالبان) ومن خلفها باكستان».
وأضاف الدبلوماسي الهندي «علاوة على ذلك، فإن علاقات الهند اليوم بالصين، التي تعدّ أحد العناصر الإقليمية المحورية والمنافسة للهند، أكثر توتراً الآن عما كانت عليه منذ عدة عقود مضت. فعلى مرّ السنوات، حاولت الهند بناء علاقات ودية مع أفغانستان من خلال الاستثمار في البنية التحتية والتعليم وتطوير منظومة الري ومشاريع توليد الطاقة. وتعتمد المصالح الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية الهندية على مسألة صعود (طالبان)».
من ناحيته، ينظر الرأي العام الأفغاني إلى الهند باعتبارها قوة عظمى صديقة لا تهدّد مصالح بلادهم وقادرة في الوقت نفسه على تقديم المساعدة لهم. وحتى الآن، حرصت الهند على تقليص حجم مشاركتها في الصراع الأفغاني، وقدمت مساعدات محدودة لـ«التحالف الشمالي» خلال حكم «طالبان». كذلك، رغم كل المحاولات الأميركية للاستعانة بقوات هندية داخل أفغانستان، اختارت نيودلهي التحلّي بالحذر، وقصرت دورها على تقديم مساعدات إنسانية والمشاركة في بناء البنية التحتية وتدريب ضباط الشرطة. وفي المقابل، دعمت الهند النظام في كابل باستمرار لأسباب استراتيجية.
في هذا السياق، أعرب الخبير المعني بالشؤون الاستراتيجية سي. راجا موهان عن اعتقاده بأنه «يتوجب على نيودلهي التميز بحراك استراتيجي أكبر من أجل تأمين مصالحها وتعزيز الاستقرار الإقليمي. ومن الضروري التخلي عن التردد القديم وبناء تحالفات جيوسياسية جديدة لضمان التفاعل الهندي الناجح مع الوضع داخل أفغانستان».

النفوذ الصيني قد يزيد
من ناحية ثانية، في خضم الانسحاب الأميركي، يبدو أن الصين تعد لتعزيز حضورها داخل أفغانستان، ويبدو أن أنظار بكين تتركز على البلد الذي مزقته الحروب باعتباره يحمل فرصاً للاستثمار وتعزيز النفوذ. ومنذ فترة طويلة، راودت الصينيين الرغبة في الاضطلاع بدور قيادي في أفغانستان، بدعم من باكستان المجاورة. ولا تعدّ الصين بغريبة عن «طالبان»، ذلك أن وفوداً من الحركة زارت الصين بانتظام، واحتفت الأخيرة بهم بتنظيم رحلات سخية عبر أرجاء البلاد.
وعام 2016، عندما صدرت إشارات مبكّرة من الأميركيين عن رغبتهم في الرحيل عن أفغانستان، نقلت وسائل إعلام عن مؤسسة فكرية صينية رائدة توقعها بأنه بعد رحيل الأميركيين، ستصبح الصين الراعية الأولى لمصير أفغانستان. والمثير أن تقارير إعلامية نقلت عن المتحدث الرسمي لـ«طالبان» قوله «ننظر إلى الصين باعتبارها صديقاً لأفغانستان». كذلك، حرصت «طالبان» على طمأنة بكين أنها لن تأوي مسلحين إسلاميين من الأويغور من إقليم سنكيانغ (تركستان الشرقية) المتوتر، وهذه مسألة تثير قلقاً بالغاً لدى الصين. ولقد جاءت هذه التعليقات في وقت أحرزت «طالبان» مكاسب إقليمية داخل أفغانستان في خضم انسحاب القوات الأميركية. وما يجدر ذكره هنا أن الصين أجلت رعاياها بالفعل من أفغانستان.
في هذا الصدد، قال العقيد الأميركي المتقاعد لورانس سيلين «رحيل الولايات المتحدة عن أفغانستان سيترك فراغاً كبيراً في السلطة، والذي تبدو الصين حريصة للغاية على ملئه لأنها لطالما رغبت في الهيمنة على جنوب آسيا اقتصادياً وعسكرياً. اليوم، تعمل الولايات المتحدة على نحو وثيق للغاية مع الهند لصياغة سياسة لمنع الصين من الهيمنة على المنطقة. إننا نحتاج إلى سياسة احتواء ضد الصين على غرار ما فعلناه في مواجهة الاتحاد السوفياتي إبان الحرب الباردة، والاستفادة من خطوط الصدع العرقية في باكستان، خاصة بلوشستان، حيث سيطرت الصين بصورة كاملة تقريباً على ميناء غوادار (على بحر العرب) في إطار مشروع الممرّ الاقتصادي بين الصين وباكستان (سي بي إي سي)، وهي تهدف لبناء قاعدة عسكرية لها هناك؛ الأمر الذي سيجعل شمال بحر العرب تحت سيطرتها المباشرة». وأردف سيلين «وفي حين لا ترحب الصين بوجود القوات الأميركية في أفغانستان، فإنها لا ترغب في الوقت نفسه في أن تصبح المنطقة أكثر عرضة للإرهاب».
في السياق نفسه، يشار إلى أنه خلال السنوات القليلة الماضية، شاركت الصين بحذر في الجهود الدبلوماسية لإرساء السلام في أفغانستان. ثم إن حكومة كابل و«طالبان» تنظران إلى الصين باعتبارها شريكاً قيّماً. وهنا يعلّق سهاليني شاولا، زميل «سنتر فور إير باور ستديز»، أنه «في حال نجاح (طالبان) في تشكيل حكومة جديدة، فإن الفائز الحقيقي حينئذ ستكون الصين، التي تقبل بها باكستان باعتبارها زعيمتها الوحيدة. وسترغب الصين حينذاك في زيادة تفاعلها داخل أفغانستان؛ سعياً لتأمين مصالحها الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية. ولطالما أثارت القلاقل في إقليم سنكيانغ والدعم الذي يحصل عليه المسلمون الأويغور من جانب قوى متشددة داخل أفغانستان، ضيق بكين باستمرار». وما يستحق الذكر في هذا الصدد، أن إقليم سنكيانغ يتشارك مع أفغانستان في حدود تمتد لمسافة قرابة 80 كيلومتراً. ولكن الصين تتعرض لانتقادات حادة وتواجه ردود فعل عالمية غاضبة وإجراءات عقابية بسبب سياساتها القمعية في الإقليم. وفي الوقت الراهن، ترغب الصين في جذب أفغانستان نحوها وضم كابل إلى مشاريع مبادرة «الحزام والطريق» الصينية.
ويبدو هذا التحول الهيكلي ممكناً من خلال تمديد «الممر الاقتصادي الصيني - الباكستاني» إلى داخل أفغانستان. وللعلم، في الوقت الراهن، يبدا هذا الممر من ميناء غوادار الباكستاني على بحر العرب ويمتد حتى كاشغر في أقصى غرب سنكيانغ. ومع ذلك، فإنه من الممكن تمديده إلى داخل أفغانستان التي تعد بمثابة البوابة إلى أوزبكستان وقلب آسيا الوسطى.
من جهتها، لطالما رغبت الصين في دفع استثمارات ضخمة في أفغانستان بالنظر إلى أنها تملك أكبر احتياطيات غير مستغلة على مستوى العالم من النحاس والفحم والحديد والغاز الطبيعي والكوبالت والزئبق والذهب والليثيوم والثوريوم، بقيمة إجمالية تتجاوز تريليون دولار أميركياً. وفي عام 2011، فازت الشركة الصينية الوطنية للبترول بصفقة بقيمة 400 مليون دولار أميركي لحفر ثلاث آبار نفطية على امتداد 25 سنة، تحوي قرابة 87 مليون برميل من النفط. كما فازت شركات صينية بحقوق تعدين عن الفحم في منطقة ميس أيناك في ولاية لوغار الأفغانية.

المخاطر أمام روسيا
رغم ذلك، لا يمكن القول بأن دخول الصين في تحالف مع محور باكستان - «طالبان» أصبح أمراً منتهياً؛ ذلك أنه من المؤكد أن روسيا ستعارض أي محاولات صينية للتوغّل داخل آسيا الوسطى، حيث الجمهوريات السوفياتية السابقة، والمنطقة التي لطالما شكلت الساحة الخلفية لموسكو.
والواقع، ترتبط روسيا بتاريخ طويل ومتوتر من العلاقات مع كابل. ومن وجهة نظر روسيا، فإن التاريخ يعيد نفسه اليوم مع انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، على غرار الانسحاب السوفياتي هناك منذ ثلاثة عقود بعد هزيمة القوات السوفياتية على أيدي «المجاهدين» المدعومين من واشنطن. ومع أنه خلال السنوات الأخيرة، اضطلعت موسكو بدور «صانع السلام» في أفغانستان، أظهرت كل من «طالبان» والحكومة الأفغانية حذراً إزاء الجهود الروسية، خاصة بعد إعلان موسكو أنها لن تدعم قيام إمارة لحركة «طالبان» في البلاد، الأمر الذي أغضب قادة الحركة. وفي هذا الصدد، قال السفير السابق سود إن المصلحة الجوهرية لروسيا داخل أفغانستان تكمن في الحؤول دون حدوث زعزعة استقرار بالمنطقة. وتابع القول، إن روسيا لا تحتاج إلى أن تتحول أفغانستان إلى «دولة عميلة» لها؛ لأنها لا تملك تكاليف تنميتها، لكنها في الوقت ذاته تدرك أنه من الخطر بقاء أفغانستان في حالة من الفوضى؛ نظراً لأن لروسيا مصلحة قوية في الحؤول دون تزعزع الاستقرار في آسيا الوسطى؛ لأن هذا قد يحمل تهديداً للحدود الروسية. وبناءً عليه، فإن روسيا تدرك جيداً أن وجود أفغانستان معادية لها سيشكل تهديداً كبيراً.

باكستان اللاعب الأكبر
تشير غالبية الاحتمالات إلى أن دولة واحدة سيبقى لها دور أكبر من حجمها في العلاقات مع أفغانستان، هي جارتها وراعية «طالبان»: باكستان. وفي مقال نشره في «هندوستان تايمز»، كتب شيشير غوبتا «هناك شعور في باكستان بالثأر والقلق. والمعروف أن (طالبان) صنيعة المؤسسة الأمنية الباكستانية. وبعد الغزو الأميركي لأفغانستان، انتقلت عناصر (طالبان) إلى ملاذات آمنة داخل الأراضي الباكستانية. وكانت باكستان من أقنع (طالبان) بإبرام صفقة مع إدارة ترمب. أما الجيش الباكستاني، فلطالما نظر إلى أفغانستان باعتبارها تشكل (العمق الاستراتيجي في عدائه الدائم مع الهند. وعليه، فإن سيطرة «طالبان» على أفغانستان يعني سقوط البلاد أخيراً في قبضة قوة صديقة في كابل بعد 20 سنة)».
وفي هذه الأثناء، فإن أحد الضحايا المؤكدين للانسحاب الأميركي سيكون مستقبل العلاقات الأميركية ـ الباكستانية. في الوقت الراهن، من الصعب إيجاد كثير من الدعم داخل الكونغرس الأميركي لتقديم مساعدات عسكرية لباكستان. وللعلم، حاولت باكستان من جانبها لعب دور في التقريب بين الصين و«طالبان» لمعاونة الأولى على لعب دور القوة الأولى التالية في أفغانستان بعد روسيا والولايات المتحدة. وتبعاً لما ذكره السفير الهندي السابق غاوتام موخوبادهايا، الذي عمل في أفغانستان وسوريا، فإن الدولة الباكستانية العميقة ستعمل على ضمان تأثر الهند من الناحية الأمنية بصعود «طالبان»، على الأقل فيما يخص الحدود المشتركة بين جامو وكشمير وشرق أفغانستان، التي توفر عمقاً استراتيجياً لجماعات مثل «العسكر الطيبة» و«جيش محمد».
وجدير بالذكر هنا، أن «لجنة العمل المالي» لم تقتنع بالخطوات التي اتخذتها باكستان للالتزام بشروط اللجنة، وبالتالي قررت الإبقاء على باكستان بـ«القائمة الرمادية» خلال اجتماعها الأخير.
ومن المحتمل أن يسهم وجود أفغانستان تحت قيادة «طالبان» في تعزيز العلاقات بين الصين وباكستان من ناحية والولايات المتحدة والهند من الناحية الأخرى، مع وجود روسيا وإيران في المنتصف ويحاولان تعديل سياساتهما تبعاً لما يرونه من تهديدات. والمؤكد أن المنطقة ستتأثر بشدة بهذا الوضع، بجانب أن باقي أرجاء العالم لن تكون بمأمن من التحولات التي تطرأ على التوازن الجيوسياسي وما يتعلق بالإرهاب والعنف.

إيران: قنوات اتصال
وباعتبارها دولة تتشارك في حدودها مع باكستان وأفغانستان، ترى إيران أن ثمة تهديدات أمنية نشطة صادرة عن كلا البلدين. ثم إنها ترى من شأن ظهور نظام لـ«طالبان» في كابل تأجيج هذا التهديد. إلا أنه نظراً لعلاقة طهران بأقلية الهزارة الشيعية في أفغانستان، تفاعلت إيران في الفترة الأخيرة مع جميع الأطراف. ورغم العداء المتبادل والصدع الديني بين الجانبين، حرصت إيران على فتح قنوات مع «طالبان» منذ سنوات قليلة، بل واستضافت في وقت قريب وفداً من «طالبان» في طهران. والواضح، أن طهران ستسعد بوصول أي نظام معتدل وصديق لسدة الحكم في كابل، بحيث يبدي تعاطفه مع المصالح الإيرانية في المناطق التي يسكنها الشيعة ولا يكون تحت السيطرة الأميركية.

الجانب الجيوسياسي لـ«الحوار الأمني الرباعي»
> استثمرت جميع الدول الأعضاء في «الحوار الأمني الرباعي»، المعروف اختصاراً باسم «كواد»، في أفغانستان فيما مضى، وكذلك في مستقبلها. وتعتبر الهند فعلياً أكبر دولة إقليمية مانحة في جهود إعادة إعمار أفغانستان، بينما تعهدت اليابان بتقديم 720 مليون دولار أميركي لإعادة إعمار أفغانستان خلال السنوات الأربعة المقبلة.
أيضاً، كانت أستراليا من الشركاء النشطين في جهود التنمية وإعادة الإعمار في أفغانستان، وأسهمت بأكثر عن 750 مليون دولار في أفغانستان منذ عام 2001. ومن شأن المشاركة في أفغانستان إعادة تفعيل قنوات التعاون الثنائي، بجانب فتح قنوات أخرى متعددة الأطراف أمام دول «كواد» داخل آسيا الوسطى.
من ناحيته، يرى راشي رانديف، الأستاذ بجامعة جواهرلال نهرو، أن إدارة بايدن تحاول تحويل أولوياتها بعيداً عن الشرق الأوسط الذي استنزف اهتمام الولايات المتحدة ومواردها طوال عقدين. واليوم، ينظر الرئيس الأميركي جو بايدن إلى الصين باعتبارها المنافس الأكبر للولايات المتحدة، وبالتالي تبدو إدارته عاقدة للعزم على احتواء الصين وتقويض مساعيها لتعزيز قدراتها ومصالحها فيما وراء حدودها البحرية.
وأضاف رانديف، أنه من وجهة نظر واشنطن، تعتبر «كواد» أداة أساسية لضمان الأمن البحري وحماية حرية الملاحة في المنطقة. ويذكر أن سبعة من أكبر عشرة جيوش في العالم موجودة بمنطقة المحيط الهندي - المحيط الهادي، منها خمس دول تنفق أقصى قدر ممكن على موازنتها الدفاعية.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».