أحمد الملا: «أفلام السعودية» حلم تحقق

اختتم أعماله بتعزيز خطواته وأهميته

مدير مهرجان «أفلام السعودية» أحمد الملا
مدير مهرجان «أفلام السعودية» أحمد الملا
TT

أحمد الملا: «أفلام السعودية» حلم تحقق

مدير مهرجان «أفلام السعودية» أحمد الملا
مدير مهرجان «أفلام السعودية» أحمد الملا

‫انتهت قبل عشرة أيام أعمال الدورة السابعة من مهرجان «أفلام السعودية» الذي حفل بنحو 57 فيلماً سعودياً قصيراً وطويلاً تسابقت على الجوائز التي وضعها المهرجان للفئات المختلفة. من بين ما عُرض من أفلام طويلة «أربعون عاماً وليلة» (ثلاث جوائز من بينها أفضل فيلم)، و«حد الطار» و«سيدة البحر» (وكل منهما خرج بجائزتين)، و«حكاية روشان» (الذي فاز بجائزة أفضل فيلم وثائقي)، و«بيضة تمرّدت» (جائزة أفضل فيلم قصير).‬
في هذا السياق، يقدّم المهرجان في كل دورة عدداً كبيراً من الأسماء الجديدة في مجال الكتابة والإخراج السينمائيين. هذا العام نجد أسماء جديدة في التداول من بينها مها الساعاتي التي كانت قد عرضت فيلمها «دورة تفاح» في أكثر من مهرجان سابق، وخالد فهد «الطائر الصغير»، وعبد المجيد الحربي «حكاية روشان»، ومحمد عامر الحمود «ارتداد»، وهلا سعد الحيد «أم السعف والليف»، من بين أسماء كثيرة أخرى.
المهرجان في حد ذاته، وبصرف النظر عمّن فاز ومّن كانت له حظوة المنافسة ولم يفز، دليل آخر على الخطوات الصحيحة التي تؤمّها المملكة في سبيل دعم الصناعة المحلية في جوانبها كافة. إلى جانب هذا المهرجان المعنيّ بالسينما السعودية، هناك مهرجان «البحر الأحمر» وهناك ما يصوّر على نحو متواصل من أفلام قصيرة وطويلة وما يُرصد من ميزانيات دعم وكلها تصب في صالح المواهب السعودية ودفعها لصناعة محلّية ثرية ومدروسة.
خلال أربع سنوات، من بداية إعطاء الضوء الأخضر لعملية العروض التجارية للأفلام العربية والأجنبية، وتأسيس الشركات السينمائية وبدء الاهتمام الجاد في التعامل مع المهرجانات العالمية بما يتم إنتاجه من الأعمال المحلية، بدا أنّ لسينمائيي المملكة الكثير مما في حوزتهم من طموح وقدرات. ما كانوا يبحثون عنه سابقاً هي البيئة الثقافية والإدارية المناسبة وما إن توفرت لهم هذه البيئة حتى نشطوا منجزين في أربع سنوات ما كان غير متوفر في أربعين سنة إلّا بفضل جهود متباعدة بادر فيها المخرج عبد الله المحيسن إلى شق الطريق منفرداً على الرّغم من مصاعبها آنذاك.
بالنسبة إلى مهرجان «أفلام السعودية» في الأساس من تنظيم جمعية الثقافة والفنون بالدمام بالشراكة مع مركز الملك عبد العزيز الثقافي (إثراء) وبدعم من هيئة الأفلام التابعة لوزارة الثقافة. مديره هو أحمد الملا، مثقف وأديب ورجل دؤوب في إخلاصه للسينما وفي دفع المهرجان ليكون في مطلب ومنال كل سينمائي سعودي وطموحاته.
بعد المهرجان أمضى أحمد الملا أياماً من راحة مستحقة، لكن قبل ذلك أجرينا معه هذه المقابلة.
>‫ حين تنظر إلى الدورات السابقة وهذه الدورة، كيف ترى التطوّر الذي حدث وهل هو حسب ما طمحت إليه تماماً؟‬
- مرّ المهرجان بمخاضات عدة منذ دورته الأولى عام 2008، حتى دورته السابعة 2021 مع حدوث انقطاع قهري بين دورتيه الأولى والثانية. كنا نرفع شعاراً رمزياً هو «في لمح البصر» كأنّنا نخطف اللحظة ونسرقها، جراء المخاطر المحيطة بتنفيذه قبل عام 2018، وتغير الشعار من دورته الخامسة إلى «أحلام تتحقق»، ويمكن أن نقلب حرف الحاء إلى فاء، كما نشاء.
واجه المهرجان الكثير من المصاعب، ليس آخرها جائحة «كورونا» العام الماضي، ولم يستسلم، بل أعاد صياغة برامجه افتراضياً، وغامر في التجربة، وحقق انتشاراً لم يعهده من قبل، مما عزز من التخطيط لدورته القادمة بأن يُعقد المهرجان واقعياً لجمهوره ومشاركيه، ويحافظ على منصته الافتراضية ليصل إلى أكبر عدد من متابعيه.
> ما الطموحات التي كانت في البال عندما انطلق المهرجان في دورته الأولى؟
- نحلم بأفق أوسع، ونأمل باعتراف لائق، ونتمنى يداً تحنو على هذا الفن، وها هو الحلم يتحقق. كان الحلم منصبّاً على أن يكون للفيلم السعودي قيمة فنية، ليستطيع أن يحمل جماليات المكان، وسردية الإرث وأساطير الأثر. في هذه الدورة أقف على مشارف إنجاز الحلم وأراه قادماً لأول مرة.
>‫ كيف أفاد المهرجان صانعي السينما في المملكة إلى الآن؟‬
- ربما يتحدث صناع الأفلام، عن فوائد يرونها تحققت لهم، ومن وجهة نظري أن مجرد اجتماعهم في مكان وزمان واحد، تحت مناخ يتيح لهم النقاش والتعارف وتبادل الأفكار وتعزيز العلاقات المشتركة بعمق، فهو بالنسبة لي سنام الفوائد، وبعدها يأتي التشجيع والتنافس بروح عالية، تطوير الأدوات عبر برامج مثرية مثل: الورش، والندوات، والكتب المعرفية، والنقاشات المنتظمة.
>‫ عندما انطلق المهرجان سنة 2008، كانت السعودية لا تزال بعيدة عن إنجاز الخطوات التي أنجزتها لاحقاً في مجال السينما. كيف إذاً انطلق المهرجان أساساً؟ مَن المسؤول الأول عن ولادة الفكرة والعمل عليها؟‬
- في عام 2006 كنت عضواً بين زملاء أعزاء في مجلس إدارة النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية، ومديراً تنفيذياً له إلى جانب إدارة الفعاليات، ولاهتمامي الشخصي بالسينما، اقترحت على مجلس الإدارة تنظيم ليلة سينمائية أسبوعية، وكنت أختار أفلامها. حتى تَشكّل جمهور نوعي من الشباب يرتادون النادي لأول مرة. في المقابل طبعاً، تشكلت جبهة اعتراضات على هذا النشاط. من هذه الفعاليات تكوّن فريق من هواة الأفلام الشباب، وبعد نقاشات اتفق النادي وجمعية الثقافة والفنون بالدمام على تنظيم أول مهرجان.
>‫ هل أفادت المهرجانات العربية الأخرى الفيلم السعودي، وكيف؟‬
- طبعاً وبالتأكيد، قبل مهرجان أفلام السعودية وخلاله وبعده، كلما شارك الفيلم السعودي في أي منافسة عربية أو عالمية، تتحقق مكاسب جمة، لصانعي الفيلم ولزملائه في المجال، من حيث تطوير المحتوى، وإفساح نافذة لمن بعدهم، كما يصنع الاعتبار في أنظار المهرجانات الأخرى، علاوة على ما تحققه المشاركة من قوة ناعمة في المخيلة العامة للجمهور، عن الفيلم السعودي.
>‫ عدد من الأفلام السعودية سينتقل للعرض في مهرجان البحر الأحمر المقبل. كيف يستفيد مهرجان «أفلام من السعودية» من ذلك، وكيف يستفيد صانعو الأفلام؟‬
- مهرجان البحر الأحمر منصة مهمة في سياق التطلعات التحديثية في السعودية، يسعى إلى تحقيق طموحات عربية وعالمية، ويشجع صناع الأفلام السعوديين على الانخراط في خضمها.
وها نحن نلمس بدء برامج الدّعم والتطوير والإنتاج، التي أطلقها، علاوة على قرب عقد دورته الأولى في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وأعتقد أنّ التكامل بين المهرجانين وارد، ويتحقق.
>‫ ما طموحاتك العليا بالنسبة للدورات المقبلة؟‬
- أن يستمر المهرجان مركِّزاً على هدفه الأساس في التنافس والعرض للأفلام السعودية، وأن ينظّم إلى جوار برنامجه الرئيس، برامج أخرى متنوعة، وملهمة لصناع الأفلام. مما سيحقق استمرار تطور صناع الأفلام بقفزات متواترة، كما حدث منذ انطلاقته حتى الدورة السابعة.
وأتمنى للمهرجان أن يبقى منصة معرفية خلاقة للفن والجمال.


مقالات ذات صلة

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

سينما المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

حصل فيلم «رسائل صفراء» السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق صناع الفيلم خلال عرضه الأول في مهرجان برلين (إدارة برلين السينمائي)

دانيال عربيد: «لمن يجرؤ» رحلة تأمل في العنصرية والخوف من الآخر

قالت المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إن فيلمها «لمن يجرؤ» مشروع بدأت حكايته منذ سنوات طويلة، وتعثر مراراً قبل أن يجد طريقه إلى التنفيذ.

أحمد عدلي (برلين)
يوميات الشرق «الرجل الأكثر وحدة في المدينة»... الموسيقى آخر شكل من أشكال الرفقة (مهرجان برلين)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين - 7... الوحدة تجمع عالمَيْن في فيلمَيْن أفريقي وألماني

هناك الفيلم المبني على الشخصية الفردية وتلك الجماعية، والأفلام التي تتحدَّث عن الحاضر وتلك التي تنتقل إلى الماضي...

محمد رُضا (برلين)
سينما «لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف.

محمد رُضا (برلين)
سينما دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً.

محمد رُضا (لندن)

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
TT

فيلم «رسائل صفراء» يفوز بـ«الدب الذهبي» في مهرجان برلين السينمائي

المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)
المخرج الألماني إيلكر كاتاك يرفع جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي (رويترز)

حصل فيلم «رسائل صفراء» (Yellow Letters) السياسي للمخرج الألماني إيلكر كاتاك، مساء السبت، على جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الذي خيّم الجدل بشأن النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي على دورته السادسة والسبعين.

ويروي فيلم كاتاكا، الذي صُوِّر في ألمانيا (وعنوانه بالألمانية «Gelbe Briefe»)، قصة مُخرِج مسرحي تركي تتصدع علاقته بزوجته الممثلة نتيجة منعهما من العمل في تركيا بسبب آرائهما السياسية. ويؤدي دور البطولة في الفيلم أوزكو نامال وتانسو بيتشار.

المخرج الألماني إيلكر كاتاك فاز بجائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي عن فيلم «رسائل صفراء» (رويترز)

وقال المخرج التركي ‌الألماني إلكر كاتاك أثناء تسلمه الجائزة: «التهديد الحقيقي ليس بيننا. إنه هناك في الخارج. إنهم المستبدون... والأحزاب اليمينية... ومؤيدو النزعة الهدمية في عصرنا الذين يحاولون الوصول إلى السلطة وتدمير أسلوب ​حياتنا»، وفقاً لوكالة «رويترز».

وفازت الألمانية ساندرا هولر بلقب أفضل أداء تمثيلي للرجال والنساء عن دورها في «روز» للمخرج النمساوي ماركوس شلاينتسر.

الممثلة الألمانية ساندرا هولر فازت بلقب أفضل أداء تمثيلي في مهرجان برلين السينمائي عن دورها في فيلم «روز» (رويترز)

وتجسّد هولر في هذا الفيلم بالأبيض والأسود شخصية امرأة تعيش في الريف الألماني بالقرن السابع عشر تحاول الإفلات من قيود النظام الأبوي، من خلال التظاهر بأنها رجل.

وهذه المرة الثانية تفوز ساندرا هولر بهذه الجائزة، بعد 20 عاماً من دورها في فيلم «ريكوييم» عام 2006.


السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
TT

السياسة تهيمن على مهرجان «برلين» رغماً عنه

«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)
«لا أرض أخرى» تسبَّب في أزمة برلينية (ياباياي ميديا)

في سابق عهده، أيام أوروبا المنقسمة بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، لعب مهرجان «برلين» دوراً مهماً في محاولة التواصل بين العالمين وتليين المواقف، عبر استقبال الأفلام الواردة من أوروبا الشرقية، بما فيها الأفلام الروسية.

هنا فاز، على سبيل المثال، الفيلم السوڤياتي «الصعود» (The Ascent) للراحلة لاريسا شيبيتكو بجائزة «الدب الذهبي» عام 1977.

وهنا أيضاً عُرض الفيلم الألماني الشرقي «ماما، أنا حي» (Mama, I’m Alive) لكونراد وولف، وعشرات غيره من أفلام المجر، وبولندا، وتشيكوسلوفاكيا (آنذاك)، وبلغاريا، طوال الستينات والسبعينات.

ما عرضه هذا المهرجان من أفلام انطلقت من آيديولوجيات سياسية مختلفة، أو سعت إلى التعبير عن مواقف حادة مع أو ضد أنظمة قائمة، يتجاوز ما عرضته مهرجانات دولية كثيرة من حيث العدد. ويعود ذلك إلى موقع برلين، الذي توسط آنذاك الشرق والغرب، فكان لا بد أن يتواصل مع الجانبين ويلعب دور الوسيط المثالي.

في الواقع، تمتلك معظم المهرجانات نسبة لا بأس بها من الأفلام السياسية، خصوصاً المهرجانات الرائدة الثلاث، حسب ترتيب تأسيسها، وهي «ڤينيسيا»، و«كان»، و«برلين»، التي أُقيمت جميعها لأسباب سياسية.

أكثر من ذلك، فإن العالم من حولنا لا يفتأ يولِّد مواقف حادة ونزاعات عنيفة بين دول كثيرة. فكيف يمكن، في مثل هذا الوضع، تجاهل السينما حين تتحدث السياسة؟

«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (مهرجان برلين)

مواقف سابقة

كان يمكن للمخرج الألماني ڤيم ڤندرز أن يستلهم هذا الواقع في رده على أسئلة الصحافيين عن موقفه من الأزمتين الأوكرانية والفلسطينية، لكنه آثر القول إن السينما لا علاقة لها بالسياسة. والضجة التي لا تزال تتفاعل حول هذا التصريح مردّها إلى أن المخرج يتمتع بشهرة واسعة، وقد اختير لرئاسة لجنة تحكيم المسابقة الرسمية، وكثيرٌ من أفلامها يحمل طابعاً سياسياً. فكيف ستأتي النتائج إذن؟

هل يمكن استبعاد «غبار» (Dust)، و«رسائل صفراء» (Yellow Letters)، و«خلاص» (Salvation)، و«فجر جديد» (A New Dawn)، و«قصص من الوطن» (Home Stories)، الذي يتحدث عن العاصمة الألمانية حين كانت منقسمة إلى مدينتين، وسواها من الأفلام التي تتضمن مواقف سياسية، ولو غير مباشرة؟ وهل ستأتي نتائج هذه الدورة لصالح فيلم لا يتناول السياسة؟

لم ينظر كثيرون إلى حقيقة أن ڤندرز (الذي لم يحقق فيلماً سياسياً مباشراً في حياته، وإن كانت بعض أعماله تدخل في صميم البحث الاجتماعي)، كان عليه أن يمتثل لرغبة المديرة العامة للمهرجان، تريشيا تاتل، التي طلبت منه ومن بقية أعضاء لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية.

ڤيم ڤندرز رئيس لجنة تحكيم مهرجان «برلين السينمائي» (د.ب.إ)

فيلمان سياسيان

لا يخفى أن المهرجان، في مسابقته الرسمية، لم يضم أفلاماً سياسية تتناول الوضع في فلسطين أو تنتقد أوضاعاً مشابهة. كما لم يُدرج فيلم روسي، ولم يضم عملاً موجهاً ضد زعيم بعينه (بوتين أو ترمب). والأفلام الـ23 المشاركة في المسابقة الرسمية اختيرت، حسب تصريح مديرة المهرجان، لأن «الاختيارات انصبت على الأفلام الفنية».

في الواقع، أفاد ذلك المهرجان من ناحية تلبية حاجة المشاهدين لهذا النوع من الأعمال (بصرف النظر عن مستوياتها الفنية)، لكنه لم يسدّ ثغرة غياب الأفلام الراغبة في مقاربة الأزمات العالمية.

وآخر ما كان المهرجان يصبو إلى تكراره هو تجربة الأعوام القليلة الماضية، التي شهدت في حفلات الختام خطابات سياسية حاولت الإدارة التنصل منها. فقد فاز فيلم «لا أرض أخرى» (2024)، من إخراج فلسطينيين وإسرائيليين، بالجائزة الذهبية، وشكَّل مناسبة لانتقاد الحكومة اليمينية في إسرائيل.

الإعلام، ممثلاً في الصحافة اليومية والمجلات المتخصصة بشؤون المهرجانات التي تصدر أعداداً يومية خلال الحدث، لا يمانع تناول الموضوع، ولكن من زاوية إعلامية بحتة. فهو، بطبيعة تكوينه، لا يتخذ موقفاً بقدر ما ينقل المواقف. وفي هذا السياق، نشرت مجلة «سكرين»، في اليوم الرابع من المهرجان، موضوعاً قصيراً بعنوان: «صانعو الأفلام العربية يعودون إلى برلين ليتكلموا سياسة».

إدارة المهرجان طلبت من لجنة التحكيم الامتناع عن الإدلاء بتصريحات سياسية

في الواقع، لم يكن هناك سوى فيلمين عربيين تناولا موضوعاً سياسياً: «وقائع زمن الحصار» و«يوم الغضب: حكايات من طرابلس» (لبنان). الأول من إخراج عبد الله الخطيب، والثاني لرانيا رفاعي. وقد عُرض كلاهما خارج المسابقات الأساسية، رغم أنهما يفتحان الأعين على حقائق ودلالات مهمة.

الثابت أن السياسة تطرق باب السينما منذ اللحظة الأولى التي يفكر فيها المخرج فيما يريد تحقيقه. فمجرد اختياره موضوعه هو انعكاس لموقف ما، حتى لو بدا الموضوع خالياً من السياسة بمعناها المباشر.

وإذ تناولت الصحف، بلغات مختلفة، ما انجلت عنه الدورة الحالية من رغبة في تجنب الخوض السياسي في الاختيارات الرسمية وتصريحات لجان التحكيم، فإن القليل منها توقف عند تاريخ هذا المهرجان، الذي جمع سابقاً بين أفلام ذات طروحات سياسية وأخرى عرضت السياسة في خلفياتها.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» سيُنشر خلال أيام، قال المخرج الإسباني أوليڤر (فيلم «صراط») إنه لم يعد ثمة مهرب من تحديد الهوية هذه الأيام: «في السابق كنت أحاول الهرب من هذا الاختيار بتجاهل مسبباته، لكنني الآن أدرك أن أي فيلم، من أي مخرج، هو موقف سياسي على نحو مؤكد».


شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
TT

شاشة الناقد: رحيل روبرت دوڤال... أحد أفضل ممثلي السينما الأميركية

دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)
دوڤال (اليمين) وكوستنر في «مروج مفتوحة» (توتشستون فيلمز)

في 15 فبراير (شباط) الحالي، رحل الممثل روبرت دوڤال عن عمر ناهز 95 عاماً. كان ممثلاً نادراً لم يُخطئ في أدواره، سواء كانت رئيسية أم صغيرة. فمن سائق التاكسي في «بولِت»، إلى جنرال الحرب في «القيامة الآن»، وصولاً إلى أدواره البارزة في «العرّاب» بجزأيه الأول والثاني، قدّم دوڤال شخصيات اتّسمت بأداء هادئ وطبيعي، يقوم على اندماج سلس وعميق مع الشخصية التي يجسّدها.

لم ينطق دوڤال بكلمة واحدة في أول دور له على الشاشة الكبيرة، وذلك بعد سنوات من التمثيل في مسلسلات تلفزيونية عدة. ظهر في نهاية فيلم «لقتل طائر ساخر» (To Kill a Mockingbird، لروبرت موليغن، 1962)، لكنه وظّف كل ثانية من ظهوره لتجسيد الدور الذي أدّاه.

الممثل روبرت دوڤال في مهرجان «تورونتو» عام 2018 (أ.ف.ب)

بعد 7 سنوات و8 أفلام وعشرات الأدوار التلفزيونية، ظهر في دور سائق التاكسي الذي ينقل التحري فرانك بوليت (ستيف ماكوين) إلى هاتف عمومي في فيلم Bullitt (بيتر ياتس، 1968). راقبه وهو يراقب التحري أثناء طلبه رقماً يعتقد أن من يطارده اتصل به. يعود ماكوين إلى السيارة، فينظر إليه دوڤال ويقول: «لقد طلب رقماً غير محلي». يسأله التحري: «كيف عرفت ذلك؟» فيجيب: «أدار قرص الهاتف على أرقام كثيرة». وفق تقنيته التي ميّزت أدواره لاحقاً، لم يسع دوڤال إلى جذب الانتباه، بل لعب دور سائق التاكسي ببساطة؛ كان فعلاً سائق تاكسي عبر تشخيص بسيط ودال.

في العام التالي ظهر في أول دور مساند له في فيلم رئيسي، وهو «جرأة حقيقية» (True Grit، هنري هاثاواي، 1969)، مجسداً أحد أشرار هذا الوسترن أمام الممثل جون واين. ممثل حقيقي في مواجهة ممثل استعراضي، وكان الوحيد من بين الأشرار الذي يبقى في الذاكرة.

مثل هذا الفيلم ثم 6 أفلام لاحقة، قبل أن يحطّ كأحد أهم ممثلي «العرّاب» (The Godfather، فرنسيس فورد كوبولا، 1972). راقب هنا هدوءه وعمق أدائه، خصوصاً في المشهد الذي يحذّر فيه أحد أقطاب هوليوود من معارضة الدون كارليوني (مارلون براندو).

في كل مشاهد هذا الفيلم والجزء الثاني منه، التزم بحضور هادئ من دون افتعال. في الواقع، من مزايا «العرّاب» بجزأيه إتاحته الفرصة لأساليب أداء متعددة، حيث يختلف تمثيل آل باتشينو عن تمثيل براندو أو جيمس كان أو دوڤال، في حين يقدّم الجميع أفضل ما لديهم.

لم يكن دوڤال معجباً بتقنية براندو المنهجية (Method)، بل آمن بأن على الممثل دخول الشخصية بتقنيات بسيطة. قال لصحيفة بريطانية: «التمثيل هو كيف تستمع وكيف تنطق. العمق يأتي طبيعياً»، مضيفاً: «التفاعل مع ما يحدث يأتي من فهم الدور الذي تؤديه وكيف ستقدّمه بما ينسجم مع الشخصية».

هذا المبدأ مطبّق تماماً في «القيامة الآن» (Apocalypse Now، كوبولا، 1979). من منّا لم يحب أن يكرهه وهو يقف بقامته المديدة بينما تتساقط القذائف حوله؟ ينبطح الجنود خوفاً، لكنه لا يهتز ولا يخشى، ويتابع قصف الطائرات الأميركية للفييتكونغ قائلاً بنشوة: «أحب رائحة النابالم في الصباح!».

قبل ذلك لعب بطولة فيلم منسي بعنوان «المنظمة» (The Outfit، جون فلِن، 1973)، مارس فيه كل ما آمن به من سهولة في التجسيد وانضباط في الأداء.

أسند إليه المخرج سام بكنباه بطولة «نخبة القاتل» (The Killer Elite، 1975)، ثم شارك في «نتوورك» (Network، سيدني لومِت، 1976). ولا يجب أن ننسى دوره الرائع في «اعترافات حقيقية» (True Confessions، أولو غروسبارد، 1981)، أو «رحمات ناعمة» (Tender Mercies، بروس بيرسفورد، 1983).

من أفضل الأفلام التي قام ببطولتها «مروج مفتوحة» (Open Range، كيفن كوستنر، 2003)، وهو أحد أفضل أفلام الوسترن في العقود الخمسة الأخيرة.

أخرج دوڤال خمسة أفلام خلال مسيرته بين عامي 1974 و2015، ومن أفضلها «أنجلو حبي» (Angelo My Love، 1983).

تقييم الأفلام المذكورة

1962: To Kill a Mockingbird ★★★

دراما حول العنصرية في الجنوب الأميركي. يظهر دوڤال بدور الرجل الغامض

1968: Bullitt ★★★★

فيلم بوليسي عن تحرٍّ يسعى إلى القبض على قاتل رغم الضغوط. دوڤال سائق تاكسي.

1969: True Grit ★★★

وسترن يواجه فيه جون واين عصابة قتلت والد فتاة شابة.

1972: The Godfather ★★★★★

اقتباس عن رواية ماريو بوزو حول عائلة مافيا. دوڤال محامي العائلة.

1974: The Godfather II ★★★★★

محامي العائلة مع صلاحيات أقل بعدما تولى باتشينو القيادة عوض براندو.

1973: The Outfit ★★★★

يعمد إلى سرقة مصالح شركة يديرها روبرت رايان انتقاماً.

1975: The Killer Elite ★★★

دوڤال يميل للمخابرات الأميركية وينقلب على زميله (جيمس كان).

1976: Network ★★

دراما تدّعي أن العرب سيشترون الإعلام الأميركي. دوڤال رئيس الشركة القابضة.

1979: Apocalypse Now ★★★★★

فيلم مناهض للحرب الأميركية في فيتنام، لعب فيه دور جنرال متطرف.

1981: True Confessions ★★★★

لعب دور تحري في مدينة لوس أنجليس يحقق في جريمة قد تورط الكنيسة.

1983: Tender Mercies ★★★★

دراما عاطفية حول مغنٍ «كانتري آند ويسترن» يشق طريقه بصعوبة.

1983: Angelo My Love ★★★★

احتفاء بحياة الغجر الدرامية والموسيقية.

2003: Open Range ★★★★★

وسترن: دوڤال وكيڤن كوستنر في مواجهة شرير يسعى للاستيلاء على أرضهما.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز