شهدت مدينة جدة انطلاقة أسبوعها للفن «جو» باحتفالية ضخمة وحضور عدد كبير من الفنانين والمهتمين بالفنون والجمهور. بمجرد أن تطأ قدماك أرض مدخل المعرض في نادي الفروسية ستجد أنك في وسط أعداد من الجمهور ربما لم تعتد على رؤيتها بهذا الحجم في المناسبات الفنية المحلية، عدد الزوار «تخطى الخمسة آلاف زائر» بحسب ما ذكر لنا أحد المسؤولين عن تنظيم الحفل. الجو العام كان غنيا بالحركة والحماس والسعادة، في بعض الأحيان ستحس أنك في مناسبة اجتماعية حيث انشغل الحاضرون بالتعرف على الآخرين ولقاء الأصدقاء، ولكن ظل هناك الاهتمام بالأعمال المعروضة في القاعات المختلفة، والاهتمام بالحديث مع الفنانين المشاركين.
البداية كانت مع معرض دار سوذبي للفن المعاصر والذي يقام في جدة ضمن جولة في المنطقة قبيل انعقاد مزاد الفن المعاصر في الدوحة في شهر أبريل (نيسان) المقبل، تستقبلك لوحة ضخمة للفنان أيمن بعلبكي، توقف عندها الكثيرون وأصبحت نجمة موقع «إنستاغرام». المدهش هو أن الحاضرين شاركوا العالم خارج الاحتفالية بلقطات من المعارض والأعمال الفنية عبر «تويتر» و«فيس بوك» و«إنستاغرام»، وهو ما خلق موجة إضافية من التألق على الليلة.
ومن أيمن بعلبكي إلى بقية الأعمال في معرض سوذبي، نجد نفسنا في مواجهة لوحة ضخمة للفنان البريطاني داميان هيرست «الفراشات» وهي المرة الأولى التي يعرض فيها عمل له في السعودية، أيضا نجد لوحة الفنان الإيراني علي بني صدر «المطاردة» التي تخطف الانتباه. تتوالى الأعمال ونرى لوحة مدهشة للفنانة الإيرانية هاف خارمان بعنوان «الكي» ونرى فيها تأثر الفنانة بالفن الياباني التقليدي والمنمنمات الفارسية، امرأة حزينة تبدو كدمية متحركة مشدودة بخيوط من الأعلى كأنما توجهها لكي قطعة من القماش أمامها. تعبيرات وجه المرأة الرقيقة تبدو ساهمة وحزينة، وتبدو اللوحة كتعليق بليغ على أوضاع النساء في منطقة الشرق الأوسط.
هناك أيضا لوحة «الأشقاء الثلاثة» للفنانة الإيرانية المعاصرة مونير فارمافارميان التي تحمل مزيجا من الفن الكلاسيكي الفارسي والتقنيات الحرفية الإيرانية. ويمتاز أسلوبها الفريد بمزج العناصر الفنية الكلاسيكية مع الحديثة، إذ قامت بإعادة تبني ونشر الرسم العكسي على الزجاج والتطعيم على الخشب والفسيفساء المرآة مكونة زخارف جذّابة اشتهرت بها البيوت والقصور الفارسية.
ومن اللوحات العالمية التي تقدمها سوذبي نمضي لمعرض قريب أكثر من الجمهور السعودي حيث نرى أعمال الفنانة السعودية الجميلة مها الملوح التي يقدم لها «غاليري سلمى فرياني» معرض «أشياء متفرقة»، تجذبنا لأول وهلة عبر استخدام عناصر تقليدية من البيوت السعودية القديمة مثل أواني الطهي الملونة تخلق منها أعمدة تماثل العمائر المتناثرة على مساحة أرض المعرض، ومنها نرى تنويعة على تيمة استخدمتها الملوح من قبل في عمل «غذاء للفكر»، ونرى هنا استخدامها لأشرطة المواعظ الدينية والخطب التي تباع في الأسواق لتكون منها كلمات تعكس بها تأثير تيار معين على فكر الشباب.
وهناك أيضا المعرض الفردي الأول للفنان السعودي خالد زاهد والفنانة وسمة منصور. هناك أيضا معرض للفنان السعودي المعروف عبد العزيز عاشور الذي تصفه لينا لزار جميل، المشرفة على المعرض ومؤسسة «جو» جدة، بأنه «أحد الأساتذة المعاصرين».
تشمل فعاليات الأسبوع أيضا عروضا مشاركة من «غاليري أيام» الذي يقدم «المملكة المعاصرة: ثلاثة أجيال من الفنانين السعوديين»، و«غاليري روشان» الذي يقدم «مهرجان اللوحات الصغيرة»، و«غاليري العالمية» الذي يقدم احتفالية الفن السعودي المعاصر، ومركز الفن السعودي، و«داما آرت» ومشروعات «إدج أوف آرابيا».
* «كيكابانغ».. صور جدة بعيون فلبينية
* في معرض تقيمه مجموعة من المصورين الفلبينيين في جدة، هناك جو مختلف، صور فوتوغرافية مكبرة أخذها مصورون فلبينيون من العاملين في المدينة. تتنوع الموضوعات ولكنها تركز على اللقطات الجمالية لمنطقة البلد تحديدا وهي منطقة لها شعبية خاصة للجاليات في جدة، فهي تحمل سحرا تاريخيا وأيضا تجاريا حيث تجتمع المراكز التجارية التقليدية.
نتحدث مع المصور أرنيل من مجموعة «فوكس» لتصوير جدة، الذي يشرح لنا معنى اسم المعرض «كيكابانغ جدة»: «العنوان يعني (جدة الفريدة)»، ويشير إلى الصور المعروضة «هذا المعرض يعكس للزائر رؤيتنا لمدينة جدة عبر الصور المختلفة» ويلفت نظرنا نحو الأعمدة الخراسانية حولنا قائلا: «عرضنا على كل عمود مجموعة من الصور الصغيرة التي تعكس ارتباط الجالية الفلبينية بالمجتمع السعودي». يقدم المعرض أعمالا لثلاثة وعشرين مصورا. يشير أرنيل إلى تفاعل إيجابي من الجمهور الذي أبدى إعجابا كبيرا بالصور وأضاف: «البعض كان يتوقف أمام الصور ليتساءل (أين هذا الشارع، أو أين هذا المكان)». يقول: إن المصورين الفلبينيين كونوا مجموعات مختلفة في مدن المملكة ويضيف «آخر معرض لمجموعة التصوير في الرياض كان تحت رعاية وزارة الثقافة والإعلام».
* نجا مهداوي.. الإبداع بلا حدود
* في معرض الفنانين نجا مهداوي وخالد بن سليمان نرى جماليات الخط تتراقص على الحائط وتحط ساكنة بين ثنايا الخطوط أو تمثل أشكالا هندسية متقاطعة وفي بعض الأحيان تستقر على قاعدة حجرية لتتحول إلى منحوتة ذهبية تصبح نقطة محورية في المعرض. الفنان نجا مهداوي يستقبل الزائرين لمعرضه، يقف للتصوير معهم ويجيب على أسئلتهم، يقول ردا على سؤال لإحدى الحاضرات «لم أرسم أفضل لوحاتي بعد». يقول لنا «أعجبتني فكرة مهرجان (جو) وجئت لعرض أعمالي هنا لتأييد هذه الفكرة. فكل مشروع فيه تفكير ووعي للجماعة أنا مساند له».
* إل سييد يحول عمارة سكنية إلى لوحة فنية
* في مشهد فريد من نوعه شهد أحد شوارع منطقة البلد في وسط جدة إبداعا فنيا حيا، حيث قام الفنان العالمي إل سييد بتحويل جدار بناية قديمة إلى لوحة فنية ملونة، مضيفا معلما جديدا إلى معالم المنطقة التاريخية.
المشهد كان جديدا وحماسيا، وجدنا مساحة أعدت للجمهور أمام البناية التي انشغل فيها فنان «الكالغرافيتي» (يجمع بين فن الخط وفن الرسم على الحائط) الشهير بالرسم عليها من رافعة ضخمة حملته وفريق عمله. مراقبة الفنان كانت تجربة ممتعة، نرى أمامنا تشكل الحروف العربية المتشابكة باللونين الأسود والزهري، حولنا توافد عدد كبير من الجمهور والمهتمين بالفنون وخبراء عالميين مثل إدوار غيبز رئيس «سوذبي» في الشرق الأوسط وماثيو ويغمان الخبير بالدار. تقف لينا لزار جميل منسقة أسبوع «الفن |جو» لاستقبال القادمين، تقول: «أليس هذا مدهشا؟». لسان حالي يقول: «هو أشبه بالحلم».
عندما يتوقف الفنان قليلا للراحة يتوافد عليه الحاضرون للسلام عليه وتهنئته والتقاط الصور معه، وللحديث معنا يضطر إلى عبور الشارع إلى بقعة أكثر هدوءا. يقول لنا إن الزيارة ليست الأولى له في جدة، حيث إنه حضر أكثر من مناسبة فنية في الخبر وفي جدة من قبل، لكنه يضيف: «هذه المرة الأولى التي أقوم فيها بعمل جدارية في جدة». يشير إلى أنه سعيد بالجمهور وبالترحيب بوجوده: «شكرا على استضافتكم لي وعلى الترحيب والضيافة. أعتقد أن هذا الحدث مفيد للمجتمع، أن نحضر فن الغرافيتي (فن الشارع) إلى هنا وأن أستطيع أن أجذب الشباب المحب لفن الجداريات إلى عالمي هو شيء جميل بالفعل. قمت بتنفيذ هذه الجدارية لكني أيضا أشرفت على جدارية أخرى يرسمها مجموعة من الشباب السعودي، وكل مرة أذهب لرؤية تطور عملهم أختار أحدهم ليرافقني في تنفيذ جداريتي ليرى طريقة عملي». ويشير إلى أنه مطلع على الحركة الفنية في السعودية تحديدا فن الغرافيتي ويلفت إلى أنه اختار خمسة من الفنانين الشباب في هذا التنوع من الفن لمشاركته في معرض في باريس. ويضيف: «يجب أن يمنح فنانو الغرافيتي هنا مساحة لعرض إبداعهم، لديكم فنانون مبدعون يخلقون أعمالا (مجنونة)، فيجب منحهم مساحة للتعبير عن أنفسهم».
إل سييد يقول إنه لم يدرس فن الخط: «أردت تعلم فن الخط ولكني لم أجد معلما، وقررت أن أجرب بنفسي وطورت أسلوبا خاصا بي».
المتابع للفنان يتذكر عمله الرائع في الرسم على منارة مسجد في تونس، بالمقارنة مع ذلك العمل الذي استغرق منه ثلاثة أسابيع للانتهاء منه، يقول إن واجهة البناية في جدة استغرقت منه 17 ساعة عمل لمدة ثلاثة أيام. يشرح لنا أن رسوماته المتشابكة بدلال وجمال بديع تحمل معنى جميلا أيضا: «جانب جزء من قصيدة بدوية تقول (الإنسان الذي لا أثر له لا حياة له)، وقمت بتكرار تلك الكلمات على البناية».

