«جو» جدة جذب خمسة آلاف زائر في ليلة افتتاحه.. وتحول إلى تظاهرة على مواقع التواصل

أسبوع الفن في جدة يطلق فعالياته ويستضيف فنانين محليين وعالميين

عمل للفنان نجا مهداوي (تصوير: منية زقزوق)
عمل للفنان نجا مهداوي (تصوير: منية زقزوق)
TT

«جو» جدة جذب خمسة آلاف زائر في ليلة افتتاحه.. وتحول إلى تظاهرة على مواقع التواصل

عمل للفنان نجا مهداوي (تصوير: منية زقزوق)
عمل للفنان نجا مهداوي (تصوير: منية زقزوق)

شهدت مدينة جدة انطلاقة أسبوعها للفن «جو» باحتفالية ضخمة وحضور عدد كبير من الفنانين والمهتمين بالفنون والجمهور. بمجرد أن تطأ قدماك أرض مدخل المعرض في نادي الفروسية ستجد أنك في وسط أعداد من الجمهور ربما لم تعتد على رؤيتها بهذا الحجم في المناسبات الفنية المحلية، عدد الزوار «تخطى الخمسة آلاف زائر» بحسب ما ذكر لنا أحد المسؤولين عن تنظيم الحفل. الجو العام كان غنيا بالحركة والحماس والسعادة، في بعض الأحيان ستحس أنك في مناسبة اجتماعية حيث انشغل الحاضرون بالتعرف على الآخرين ولقاء الأصدقاء، ولكن ظل هناك الاهتمام بالأعمال المعروضة في القاعات المختلفة، والاهتمام بالحديث مع الفنانين المشاركين.
البداية كانت مع معرض دار سوذبي للفن المعاصر والذي يقام في جدة ضمن جولة في المنطقة قبيل انعقاد مزاد الفن المعاصر في الدوحة في شهر أبريل (نيسان) المقبل، تستقبلك لوحة ضخمة للفنان أيمن بعلبكي، توقف عندها الكثيرون وأصبحت نجمة موقع «إنستاغرام». المدهش هو أن الحاضرين شاركوا العالم خارج الاحتفالية بلقطات من المعارض والأعمال الفنية عبر «تويتر» و«فيس بوك» و«إنستاغرام»، وهو ما خلق موجة إضافية من التألق على الليلة.
ومن أيمن بعلبكي إلى بقية الأعمال في معرض سوذبي، نجد نفسنا في مواجهة لوحة ضخمة للفنان البريطاني داميان هيرست «الفراشات» وهي المرة الأولى التي يعرض فيها عمل له في السعودية، أيضا نجد لوحة الفنان الإيراني علي بني صدر «المطاردة» التي تخطف الانتباه. تتوالى الأعمال ونرى لوحة مدهشة للفنانة الإيرانية هاف خارمان بعنوان «الكي» ونرى فيها تأثر الفنانة بالفن الياباني التقليدي والمنمنمات الفارسية، امرأة حزينة تبدو كدمية متحركة مشدودة بخيوط من الأعلى كأنما توجهها لكي قطعة من القماش أمامها. تعبيرات وجه المرأة الرقيقة تبدو ساهمة وحزينة، وتبدو اللوحة كتعليق بليغ على أوضاع النساء في منطقة الشرق الأوسط.
هناك أيضا لوحة «الأشقاء الثلاثة» للفنانة الإيرانية المعاصرة مونير فارمافارميان التي تحمل مزيجا من الفن الكلاسيكي الفارسي والتقنيات الحرفية الإيرانية. ويمتاز أسلوبها الفريد بمزج العناصر الفنية الكلاسيكية مع الحديثة، إذ قامت بإعادة تبني ونشر الرسم العكسي على الزجاج والتطعيم على الخشب والفسيفساء المرآة مكونة زخارف جذّابة اشتهرت بها البيوت والقصور الفارسية.
ومن اللوحات العالمية التي تقدمها سوذبي نمضي لمعرض قريب أكثر من الجمهور السعودي حيث نرى أعمال الفنانة السعودية الجميلة مها الملوح التي يقدم لها «غاليري سلمى فرياني» معرض «أشياء متفرقة»، تجذبنا لأول وهلة عبر استخدام عناصر تقليدية من البيوت السعودية القديمة مثل أواني الطهي الملونة تخلق منها أعمدة تماثل العمائر المتناثرة على مساحة أرض المعرض، ومنها نرى تنويعة على تيمة استخدمتها الملوح من قبل في عمل «غذاء للفكر»، ونرى هنا استخدامها لأشرطة المواعظ الدينية والخطب التي تباع في الأسواق لتكون منها كلمات تعكس بها تأثير تيار معين على فكر الشباب.
وهناك أيضا المعرض الفردي الأول للفنان السعودي خالد زاهد والفنانة وسمة منصور. هناك أيضا معرض للفنان السعودي المعروف عبد العزيز عاشور الذي تصفه لينا لزار جميل، المشرفة على المعرض ومؤسسة «جو» جدة، بأنه «أحد الأساتذة المعاصرين».
تشمل فعاليات الأسبوع أيضا عروضا مشاركة من «غاليري أيام» الذي يقدم «المملكة المعاصرة: ثلاثة أجيال من الفنانين السعوديين»، و«غاليري روشان» الذي يقدم «مهرجان اللوحات الصغيرة»، و«غاليري العالمية» الذي يقدم احتفالية الفن السعودي المعاصر، ومركز الفن السعودي، و«داما آرت» ومشروعات «إدج أوف آرابيا».

* «كيكابانغ».. صور جدة بعيون فلبينية
* في معرض تقيمه مجموعة من المصورين الفلبينيين في جدة، هناك جو مختلف، صور فوتوغرافية مكبرة أخذها مصورون فلبينيون من العاملين في المدينة. تتنوع الموضوعات ولكنها تركز على اللقطات الجمالية لمنطقة البلد تحديدا وهي منطقة لها شعبية خاصة للجاليات في جدة، فهي تحمل سحرا تاريخيا وأيضا تجاريا حيث تجتمع المراكز التجارية التقليدية.
نتحدث مع المصور أرنيل من مجموعة «فوكس» لتصوير جدة، الذي يشرح لنا معنى اسم المعرض «كيكابانغ جدة»: «العنوان يعني (جدة الفريدة)»، ويشير إلى الصور المعروضة «هذا المعرض يعكس للزائر رؤيتنا لمدينة جدة عبر الصور المختلفة» ويلفت نظرنا نحو الأعمدة الخراسانية حولنا قائلا: «عرضنا على كل عمود مجموعة من الصور الصغيرة التي تعكس ارتباط الجالية الفلبينية بالمجتمع السعودي». يقدم المعرض أعمالا لثلاثة وعشرين مصورا. يشير أرنيل إلى تفاعل إيجابي من الجمهور الذي أبدى إعجابا كبيرا بالصور وأضاف: «البعض كان يتوقف أمام الصور ليتساءل (أين هذا الشارع، أو أين هذا المكان)». يقول: إن المصورين الفلبينيين كونوا مجموعات مختلفة في مدن المملكة ويضيف «آخر معرض لمجموعة التصوير في الرياض كان تحت رعاية وزارة الثقافة والإعلام».

* نجا مهداوي.. الإبداع بلا حدود
* في معرض الفنانين نجا مهداوي وخالد بن سليمان نرى جماليات الخط تتراقص على الحائط وتحط ساكنة بين ثنايا الخطوط أو تمثل أشكالا هندسية متقاطعة وفي بعض الأحيان تستقر على قاعدة حجرية لتتحول إلى منحوتة ذهبية تصبح نقطة محورية في المعرض. الفنان نجا مهداوي يستقبل الزائرين لمعرضه، يقف للتصوير معهم ويجيب على أسئلتهم، يقول ردا على سؤال لإحدى الحاضرات «لم أرسم أفضل لوحاتي بعد». يقول لنا «أعجبتني فكرة مهرجان (جو) وجئت لعرض أعمالي هنا لتأييد هذه الفكرة. فكل مشروع فيه تفكير ووعي للجماعة أنا مساند له».

* إل سييد يحول عمارة سكنية إلى لوحة فنية

* في مشهد فريد من نوعه شهد أحد شوارع منطقة البلد في وسط جدة إبداعا فنيا حيا، حيث قام الفنان العالمي إل سييد بتحويل جدار بناية قديمة إلى لوحة فنية ملونة، مضيفا معلما جديدا إلى معالم المنطقة التاريخية.
المشهد كان جديدا وحماسيا، وجدنا مساحة أعدت للجمهور أمام البناية التي انشغل فيها فنان «الكالغرافيتي» (يجمع بين فن الخط وفن الرسم على الحائط) الشهير بالرسم عليها من رافعة ضخمة حملته وفريق عمله. مراقبة الفنان كانت تجربة ممتعة، نرى أمامنا تشكل الحروف العربية المتشابكة باللونين الأسود والزهري، حولنا توافد عدد كبير من الجمهور والمهتمين بالفنون وخبراء عالميين مثل إدوار غيبز رئيس «سوذبي» في الشرق الأوسط وماثيو ويغمان الخبير بالدار. تقف لينا لزار جميل منسقة أسبوع «الفن |جو» لاستقبال القادمين، تقول: «أليس هذا مدهشا؟». لسان حالي يقول: «هو أشبه بالحلم».
عندما يتوقف الفنان قليلا للراحة يتوافد عليه الحاضرون للسلام عليه وتهنئته والتقاط الصور معه، وللحديث معنا يضطر إلى عبور الشارع إلى بقعة أكثر هدوءا. يقول لنا إن الزيارة ليست الأولى له في جدة، حيث إنه حضر أكثر من مناسبة فنية في الخبر وفي جدة من قبل، لكنه يضيف: «هذه المرة الأولى التي أقوم فيها بعمل جدارية في جدة». يشير إلى أنه سعيد بالجمهور وبالترحيب بوجوده: «شكرا على استضافتكم لي وعلى الترحيب والضيافة. أعتقد أن هذا الحدث مفيد للمجتمع، أن نحضر فن الغرافيتي (فن الشارع) إلى هنا وأن أستطيع أن أجذب الشباب المحب لفن الجداريات إلى عالمي هو شيء جميل بالفعل. قمت بتنفيذ هذه الجدارية لكني أيضا أشرفت على جدارية أخرى يرسمها مجموعة من الشباب السعودي، وكل مرة أذهب لرؤية تطور عملهم أختار أحدهم ليرافقني في تنفيذ جداريتي ليرى طريقة عملي». ويشير إلى أنه مطلع على الحركة الفنية في السعودية تحديدا فن الغرافيتي ويلفت إلى أنه اختار خمسة من الفنانين الشباب في هذا التنوع من الفن لمشاركته في معرض في باريس. ويضيف: «يجب أن يمنح فنانو الغرافيتي هنا مساحة لعرض إبداعهم، لديكم فنانون مبدعون يخلقون أعمالا (مجنونة)، فيجب منحهم مساحة للتعبير عن أنفسهم».
إل سييد يقول إنه لم يدرس فن الخط: «أردت تعلم فن الخط ولكني لم أجد معلما، وقررت أن أجرب بنفسي وطورت أسلوبا خاصا بي».
المتابع للفنان يتذكر عمله الرائع في الرسم على منارة مسجد في تونس، بالمقارنة مع ذلك العمل الذي استغرق منه ثلاثة أسابيع للانتهاء منه، يقول إن واجهة البناية في جدة استغرقت منه 17 ساعة عمل لمدة ثلاثة أيام. يشرح لنا أن رسوماته المتشابكة بدلال وجمال بديع تحمل معنى جميلا أيضا: «جانب جزء من قصيدة بدوية تقول (الإنسان الذي لا أثر له لا حياة له)، وقمت بتكرار تلك الكلمات على البناية».



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».