كاريس بشار في «هذا أنا»: النجومية هي الروح

كاريس بشار في «هذا أنا»: النجومية هي الروح

صراحتها ونضجها ودمعها كنز السنوات
الثلاثاء - 4 ذو الحجة 1442 هـ - 13 يوليو 2021 مـ رقم العدد [ 15568]

انتظرت كاريس بشار اكتمال خبرة الحياة وتراكم النضج، حتى تطل في مقابلة. 25 سنة هي شموع المسيرة، ولم تفح منها روائح كريهة أو نمنمات لا تليق. يعرفها الناس في أدوار وبصمات، لا في نشر الغسيل الملطّخ وجنون الردح الدارج. تحضر إلى استوديو برنامج «هذا أنا» عبر تلفزيون «أبوظبي» بالأبيض الأنيق، كأنه خلاصتها بعد اختمار التجارب، فيعكس دواخلها وقد أرادتها مترفّعة عن دناءات ومغريات، جرفت آخرين وصغّرتهم. تخبر مُحاوِرتها ندى الشيباني بأنّ الوقت حان لإفراغ المخزون. وقد راكمته شيئاً فشيئاً، مُتعمّدة الغياب عن الحوارات الطويلة لإحساس بأنها لا تملك ما تقوله والينابيع العميقة لم تتفجّر بعد. تطل بثقة لتؤكد بأنّ المرء يتغيّر والسنوات تصنع العجائب. الحياة ليست بعدد الأيام، بل بالوعي والرؤية وفلسفة الوجود.

لقاءُ صراحة، وهي فضيلة نادرة في زمن «الفايك». تنطلق محاورتها الهادئة من عمق الصخب: الإنسان وقيود مواقع التواصل. يبدو «غريباً» قرارُ تعامل النجمة مع الواقع الجديد. تأخذه نحوها عوض انجرافها نحوه. عندما سألها مقرّبون، وهم قلّة، أين أنتِ على «السوشيال ميديا»؟ أجابت ببراءة النيات: «لدي واتساب». «واتساب»؟! ماذا عن «فيسبوك»؟ «إنستغرام»، وما هو أشد جدلية: «تيك توك»؟ «فقط واتساب». إلى أن أنشأت حسابات لها هدف: «المشاركة عند الضرورة».

تفضّل ألا تكون «متوافرة» طوال الوقت. «حاضرة غائبة، فيشتاق الناس. ليس كسلاً، بل حُسن قراءة التوقيت. حين يكون لدي ما أقوله، أطلّ». تدرس حضورها وجدواه، وتتعمّد أن تعكس المرايا صورتها الصحيحة. تأتي لتسجيل المواقف، في الحياة والفن والأمومة والزمالة، ولا ترضى بأقل. الموقف الأول: «إن أراد منتج تقويمي وفق عدد المتابعين على السوشيال ميديا، متناسياً سيرتي الذاتية، فشكراً وإلى اللقاء». هكذا تردّ على معيار النجومية، تقريباً، اليوم. «وَلَوْ، بعد هالعُمر؟!»، تسخر بكِبر.

تبلغ المرأة مرتبة تقبّل الذات حين تعترف بأحد العذابات النفسية: تاريخ الميلاد. تشاء النجمة السورية ترك لمسة على الحوار. تريده عبرة للشابات والنساء وللحالمات. تساعدها مُحاورتها في الإصغاء واحترام آداب الحديث. لا مقاطعة ولا مباراة كباش مع الضيفة. تقدّر قدرَها وتمنحها حرية الإجابة. الخلاصة، لقاء حقيقي. لا تشنّج وتعكير أجواء. فالمُشاهد «مش ناقصه»، ونوع النجمة والمُحاوِرة لا يتناسب مع الصغائر.

رقمان يشكلان المنعطف: سن الـ34 وسن الـ42. في الأول، كان هناك خياران: إما العودة إلى المراهقة ومحاولة تعويض ما فات؛ وإما الاستقلال والنضج والاعتماد على النفس. «اخترتُ الاحتمال الثاني». ماذا عن المنعطف الآخر؟ «أصبحتُ أكثر وضوحاً مع خياراتي. أكثر مرونة وأقل عصبية».

ما الإنسان إن لم يترك عبرة في الآخرين ويلهمهم تحمّل الحياة؟ التسطيح تقريباً سمة العصر، وقلّما يبني نجومٌ فلسفة عيش؛ مفضّلين، أحياناً، بناء أبراج العاج. مَن لا يعرف كاريس بشار، يجهلها. أبعد من الممثلة النجمة، تقف المرأة. تتأمل، تعيد التفكير، وتفرمل الخطوات. هنا تُقدِم، وهنا تتراجع. وبينهما تتورّد، وتتنقّى، وتصبح درساً في فهم الذات والزمن.

على يدها وشم يختزل كل شيء: «Free» (حرّة)، فتفسّر أنه عكس الخجل الذي تشعر به، «وشوفي التناقض، كتير صعب»، تقول للشيباني. تتذكر بدايات الشهرة، بعد دور «أناغيم» في «العبابيد»، حين بدأ الناس يعرفونها في الشارع ويتهامسون مع ابتسامات. «كانت لحظة ساحرة». وتستعيد لعبة الصدفة، وهي تقودها إلى الضوء. تسألها ندى الشيباني عن الخطوة الأولى، وتكرّ الحكايات وصولاً إلى النجاحات. ما الجامع بين الذكريات؟ الوفاء. فقد تعلّمت من دريد لحام التواضع والالتزام واحترام الوقت، ومن النجوم الشباب معاني الصداقة والسند. تُعدّد خصال بعضهم، وتصف تيم حسن بـ«اللورد». ولو كانت لها أخت أو ابنة في سن الزواج، ولا بد للخيار أن يقع على نجم، فستختاره العريس الصهر. «فيه كل الصفات».

للتعب ملامح، منها الشعور بنفاد المخزون. ذات يوم في عام 2000 قرّرت ترك التمثيل والتفرّغ لتدريس التربية وعلم النفس. كانت تبحث عن «ريفرش» يعيد الشغف والدهشة. وللمناسبة، الأخيرة أيضاً مرتبطة بالسنوات. «تهمد مع الوقت. اليوم شبه منطفئة».

تحاورها الشيباني في ملف نقابة الفنانين السوريين وخلفيات «الحرب الباردة». مرة جديدة، صراحة وجرأة ورغبة في نفض الغبار. كصراحة موقفها من جراحات التجميل، وتساؤلاتها عن فلسفة الجمال، أهو حق الإنسان نفسه، أو الآخر الذي يراه؟ العبرة: المرونة تُجمّل، في بسيط الأحوال وتعقّد المسائل.

الجانب الأرقّ: الأمومة. تدمع وابنها في الفيديو، يفتخر بأمّه ويقول إنها رائعة. «يا للمفاجأة! كيف اقتنع؟ مجد (اسمه) لا يحب الصور والفيديوهات، ولا الحضور في السوشيال ميديا». ومن عمق التأثّر، تصفه بـ«إنجازي في الحياة. بشوف حالي فيه». «ألا تخافين عليه؟»، تسألها الشيباني بأناقة. فتجيب من خارج التوقعات: «لا. بعرف شو ربّيت». النجومية هي الروح. صراحتها ونضجها ودمعها كنز السنوات، فلا يُشترى بالمال ولا بأعداد الـ«Followers». بل يُصنع بالأخطاء والدروس، بالنهوض والإصرار. والأهم: بالحب. عبارة «كل الحب» هي ما تريد بقاءها بين البشر. هي الخلود بعد فناء الأجساد.


لبنان تلفزيون

اختيارات المحرر

فيديو