مجدي الشاعري: «داعش» لا يزال يلعب على الإبهار الإعلامي في توجيه رسائله

رئيس قناة «ليبيا تي في» قال لـ«الشرق الأوسط»: قلنا لمراسلينا في بنغازي وطرابلس ومصراته «ابقوا في بيوتكم»

مجدي الشاعري: «داعش» لا يزال يلعب على الإبهار الإعلامي في توجيه رسائله
TT

مجدي الشاعري: «داعش» لا يزال يلعب على الإبهار الإعلامي في توجيه رسائله

مجدي الشاعري: «داعش» لا يزال يلعب على الإبهار الإعلامي في توجيه رسائله

في ضاحية الرحاب بالقاهرة الجديدة (شرق العاصمة) المصرية، وبداخل أحد الاستوديوهات ينطلق بث «ليبيا تي في»، وهي إحدى القنوات الفضائية التي انطلقت عقب ثورة «17 فبراير» عام 2011 لتنقل البث الحي من داخل الأراضي الليبية.
وفي جو من الألفة الذي يجمع فريق عمل القناة التقت «الشرق الأوسط» رئيسها الإعلامي مجدي الشاعري، فأكد أنه «بشهادة الإعلاميين والسياسيين فإن قناته لم تقف إلا مع التيار الذي يخدم مصلحة لبيبا»، مضيفا: «لدى القناة استوديو في طرابلس وآخر في بنغازي لكنهما تحت الحصار.. وقلنا لمراسلينا في بنغازي وطرابلس ومصراتة (ابقوا في بيوتكم)، فالإعلامي في ليبيا مشروع شهيد».
ولفت الشاعري إلى أن الإعلام كان له الدور الأسوأ منذ ثورة «17 فبراير» عام 2011 وللأسف أجج الأحداث، موضحا أن «القناة بها مذيعات من مصر وسوريا والسعودية وهناك توجه للاستعانة باللبنانيات»، مؤكدا أن الإعلامي المهني يطرح الآراء كلها ويترك للمشاهد القرار. وإلى أهم ما جاء في الحوار..
* ما طبيعة عمل قناة «ليبيا تي في»؟
- «ليبيا تي في» من أوائل القنوات التي دشنت بعد ثورة «17 فبراير»، وكانت مواكبة للحدث الذي أطاح بحكم العقيد الراحل معمر القذافي، وكان الغرض منها دعم الثورة والوقوف مع الثوار.. والآن أصبح عمرها 4 سنوات، وأعتقد أنها أثرت جدا في الرأي العام، وكان لها دور كبير في توجيه الرأي العام للمصالحة والوحدة الوطنية وعدم تقسيم ليبيا.
* وماذا عن المحتوى الإعلامي الذي تقدمه القناة؟
- القناة موجهة إلى ليبيا ولدينا بعض المشاهدين من الوطن العربي، والليبيون خارج ليبيا متابعون للقناة.. عندما تم تحرير ليبيا بالكامل من النظام السابق (نظام القذافي)، شعرنا أن المواطن لا بد أن يحصل على راحة بعد الأحداث التي شهدتها البلاد، فاتجهنا للبرامج الترفيهية بدلا من أن يكون أغلب المحتوى سياسيا، وتم بالفعل تقديم عدد من البرامج كان لها صدى واسع.. وفي شهر رمضان عقب الثورة بدأنا في تقديم برنامج مسابقات على الهواء، واتجهنا إلى البرامج العامة التي فيها جرعة سياسية ورياضية وفنية ودينية كأي قناة معتدلة غير موجهة، أما من الناحية السياسية فإن القناة لم تقف إلا مع التيار الذي يخدم مصلحة ليبيا، وكنا في الوسط ما بين كل الآراء وأثبتنا ذلك بشهادة الإعلاميين والسياسيين الليبيين، ويحسب لنا في ظل صراع الفضائيات الكبير الذي حدث بعد الثورة والتي كانت أغلبها تحمل توجه تيار معين، أننا كنا في المنتصف رغم الضغوط التي مورست علينا خاصة المادية.
* وماذا عن برامج المنوعات والمسابقات والسياسة في القناة؟
- لدينا «كلام حواء»، وهو برنامج اجتماعي يقدم للمرأة، وبرنامج «الطبيب» ويتحدث في كل ما يخص الطب، و«الدين والناس» والذي يستضيف عالم دين للرد على استفسارات المشاهدين، وبرنامج «وينها»، و«الملك» وهو برنامج مسابقات بنفس فكرة برنامج «من سيربح المليون». وسياسيا، نقدم 4 برامج هواء شأن ليبي، وبرنامج «تغطية خاصة 1و2» وهو خاص بالأحداث التي تقع في الشرق والغرب، و«المشهد الليبي» ويضم جميع الأحداث في ليبيا، و«لمة خوت» وهو برنامج حواري لضيوف من ليبيا.
* ومن أين تبث القناة إرسالها الآن؟
- القناة لا تبث من ليبيا وتبث على القمر «نايل سات» ولدينا استوديو في طرابلس وآخر في بنغازي؛ لكنهما تحت الحصار.. وبالتالي نعمل من خارج ليبيا حتى نستمر وحتى الأمور تستقر، وفي بداية عمل القناة أنشأنا المركز الرئيسي في القاهرة لأسباب اتضحت للمشاهد بعد ذلك، بأن ليبيا أمامها فترة طويلة حتى تستقر، وبالتالي سنكون في مهب الريح لو وضعنا معدات القناة داخل الأراضي الليبية.
* وهل للقناة مراسلون في ليبيا الآن.. وما وضعهم؟
- نعم.. لدينا مراسلون في بنغازي وطرابلس ومصراتة، ووضعهم صعب جدا، لأننا مضطرون نقول لهم «ابقوا في بيوتكم»، حتى لا تتحمل القناة مسؤولية شخص يحدث له مكروه.
* حدثنا عن طبيعة عمل الإعلامي داخل الأراضي الليبية الآن؟
- أغلبية القنوات التي كانت تعمل في ليبيا تم إغلاقها عقب نهبها وحرقها من قبل المسلحين، فالإعلامي في ليبيا «مشروع شهيد» وليس مشروع إعلامي، لأن أي إعلامي يخرج ويتحدث للأسف لو أن كلامه لا يعجب أحد التيارات يتعرض للخطر، وعلى الأخص الخطر القادم من جماعة «فجر ليبيا» فهم مجموعة متطرفة دينيا لا يعجبهم أن يوجه لهم أي نقد، فأغلب الإعلاميين الآن خارج الوطن والمحطات التي أغلقت في الداخل تحاول أن تعمل من الخارج.. وهناك من استطاع أن يستمر في الأمر والآخر الذي لم يستطع، وخصوصا أن المحطات الآن ليس لديها موارد مالية، فالقناة لا بد أن يكون وراءها تيار سياسي معين لكي يدعمها وتستمر، بعكس القنوات التي تعتمد من الأساس على الإعلانات دون أي غطاء سياسي.
* وهل الإعلام عليه دور خلال هذه الفترة في ليبيا؟
- الإعلام كان له الدور الأسوأ منذ 17 فبراير عام 2011، فالإعلام الليبي للأسف أجج الأحداث، وكل تيار استولى على قناة معينة وفرض رأيه وتوجهاته فيها، والشعب مسكين في النهاية يصدق ما يأتيه من القنوات.. وللأسف جزء كبير من الإعلاميين شاركوا في المأساة التي تعيشها ليبيا الآن. فالإعلام المعتدل الذي كان من المفروض أن يوجه الناس لقبول الحوار والرأي الآخر، لم يكن موجودا.
* وما الذي ترجوه من الإعلاميين الليبيين؟
- أدعو الإعلاميين لجلسة هدوء مع النفس ليروا المكان الذي أوصلوا ليبيا إليه الآن. وبالنسبة لنا في قناة «ليبيا تي في» ورغم كل الضغوط التي واجهتنا وخصوصا من بعض التيارات التي حاولت تهديدنا وفجروا سيارات البث التي تمتلكها القناة، لم تُحِد القناة عن توضيح الصورة للمشاهد بطريقة مهنية محترمة دون إسفاف والدعوة إلى الحوار الهادف؛ وبعض القنوات الأخرى شاركتنا في ذلك وساروا في هذا الاتجاه أيضا؛ لكن لم يستمروا.
* تحدثت عن «حرب قنوات».. هل لازلت موجودة الآن؟
- موجودة؛ لكن ليس بكثرة مثل الفترة الأولى التي أعقبت الثورة.. الآن المشاهد بدأ يستوعب الذي يحدث وبدأ يتمسك بالقناة المعتدلة التي تتحدث عن الحوار، أكثر من التي تؤجج الفتن.
* وهل القناة بها مذيعات غير ليبيات؟
- نعم.. القناة بها مذيعات مصريات وسوريات ومذيعة واحدة سعودية.. أما اللبنانيات فهناك توجه للاستعانة بهن في المستقبل القريب.
* وهل العاملون في القناة ليبيون فقط؟
- الفنيون أغلبهم مصريون وهذا من أسباب نجاح القناة، لأن الفكر والرؤية مختلفة والخبرة أيضا، وهذا ليس تقليلا من شأن الليبيين؛ لكن الليبيين الآن صعب يقومون بهذا العمل في ظل ظروفهم الحالية.
* مشهد مقتل الـ21 قبطيا مصريا على يد «داعش».. تردد أن ما قام بتصويره إعلامي ليبي؟
- مع احترامي لكل الفنيين الليبيين؛ لكن معلوماتي أنهم ليسوا مصورين ليبيين؛ بل أجانب «بريطانيين».. وهذا المشهد أراه أكبر من أنه إرهابي؛ لكنه يضعنا أمام تساؤل كبير كيف لـ«داعش» وهو تنظيم لم يظهر إلا منذ فترة قصيرة، الاستفادة من الإبهار الإعلامي في توجيه رسائله وما زال يلعب على ذلك؟، في حين فشلت كثير من القنوات الليبية التي بدأت مع الثورة، أن تقدم أي إبهار إعلامي لمشاهديها.
* وماذا عن خطة القناة في المستقبل؟
- منذ فترة بدأنا في عمل «بروموهات» فنية وكلها تعتمد على لم الشمل والحوار والوحدة الوطنية، فالقناة كلها متجهة الآن للوحدة الوطنية ولم الشمل.. وهو الخطاب الذي سنظل مستمرين فيه حتى يلقى طريقه، لكن الأمر ليس سهلا.. فنحن نتحدث مع أشخاص معهم سلاح ويتعاملون بالدم.
* وكيف ترى الإعلام المصري والعربي بشكل عام؟
- الإعلاميون العرب يسيرون في الخط السليم ويسعون للحفاظ على الاستقرار في الوطن العربي ومحاربة الإرهاب والتطرف، وأذكر بالقفزة الكبيرة التي قفزتها المملكة العربية السعودية في العشرين عاما الماضية وهي طبعا تشهد للقائمين على هذا البلد، الذين أثروا في الرأي العام بطريقة معتدلة.. وهذا هو الذي يحتاجه المشاهد العربي.
* هل ترى أن المستقبل للإعلام الخاص في مصر والدول العربية؟
- التلفزيونات الحكومية سوف تظل على وتيرتها المعتادة، لأن القائم عليها موظف حكومي؛ والإعلام الآن يعتمد على الإبهار البصري، والموظف الحكومي لا يفعل ذلك لأنه لو تقدم بمقترح لرؤسائه بعمل ديكورات مبهرة سوف يتم رفضها؛ لكن الإعلام الخاص الإبهار شيء أساسي لديه، فالقنوات الخاصة مشروع تجاري عكس قنوات الدولة.
* بعض الإعلاميين تحولوا لمحللين سياسيين ونقاد.. كيف ترى ذلك؟
- لا يمكن أن يكون الإعلامي محللا، فالإعلامي المهني لا يطرح رأيه، وإنما يطرح الآراء كلها والمشاهد هو من يقرر، ففي بعض الدول وليس في مصر يكون المشاهد متعلقا بمذيع معين، فيتم استغلاله من بعض الأجهزة لتوصيل فكرة معينة أو رأي معين، وبالتالي التوصيل سيكون أسرع من استضافة ضيف ومحاورته.
* في تصورك.. أين «ليبيا تي في» من القنوات الليبية؟
- في جميع الاستفتاءات سواء داخل ليبيا أو من الدول المجاورة حصدنا المرتبة الأولى، فبسبب سياسة القناة المعتدلة أصبح لنا مصداقية عند المشاهد، وأصبح يلجأ لنا عندما يكون هناك خبر معين للتعرف على حقيقته.
* وهل الجمهور المصري متابع للقناة؟
- لا.. ليس بكثرة، لأن التوجه كان ليبيا فقط، ووضعنا المالي لا يسمح بمجارات القنوات الفضائية الأخرى في مصر، ماديا لا نستطيع عمل برامج أو نشتري أفلاما أو مسلسلات جديدة؛ لكن فنيا نستطيع. لكن عندما يريد المشاهد توضيح عن الشأن الليبي يترك القنوات المصرية ليأتي إلينا.
* يوجد قنوات متشددة في ليبيا الآن؛ لكن أنتم حاليا خارج ليبيا.. ألا ترى أنكم أخليتم الساحة لهم لنشر فكرهم المتشدد؟
- المشاهد لن يقول ذلك وخصوصا أنني أمنحه الحدث؛ لكن طريقة الطرح مختلفة والمشاهد أصبح يفهم ويعرف الأسباب.. وهذا ما نقوم به، نأتي بالطرفين وهذا ليس له علاقة بأنك داخل البلد أو خارجها.
* بالنسبة لقناة الجزيرة.. هل مارست نفس الأسلوب الذي مارسته مع القاهرة؟
- طبعا.. الجزيرة كانت واحدة من القنوات التي أفسدت وأشعلت الفتنة في ليبيا، الطرح لم يكن موضوعيا وتعاملها مع ليبيا لم يكن مهنيا.. وهي مستمرة إلى الآن فهي تسلك مسلك جماعة الإخوان المسلمين وبكل قوة.
* وماذا عن القنوات الرسمية في ليبيا؟
- هناك قناتان.. لكن أصبحا أربعة الآن 2 تبع المنقطة الشرقية و2 تبع الغربية.
* البعض طالب بخطاب إعلامي عربي للم الشمل.. كيف تراه؟
- نأمل في ذلك، وأعتقد أن المواطن العربي الآن أصبح أكثر نضجا من ذي قبل لكشف زيف المؤامرات على العالم العربي.. وأن المخطط أكبر منا جميعا.
* أنت شقيق المطرب حميد الشاعري.. لماذا لم يفكر في تقديم برنامج بالقناة؟
- حميد له جمهوره الخاص.. وأتمنى أن يقدم برنامجا لكشف المواهب في مجال الغناء والموسيقى في الوطن العربي؛ لكن هذا البرنامج والجميع يعرف يحتاج موارد كبيرة.
* ولماذا لم تلجأ القنوات الليبية للبحث عن ممولين؟
- جميع من يمولون لديهم توجهات؛ وفي قناة «ليبيا تي في» مثلا نرفض أي دعم يأخذنا لتوجهات سياسية.
* وهل تحلم بالعودة إلى ليبيا وبث القناة من أرضها؟
- مسألة الرجوع إلى ليبيا ليست الأهم.. أحلم بإعلام مهني يقدم الصورة المهنية الحقيقية، فبعد ثورة 17 فبراير شعرنا أن صورة الإعلام سوف تتغير؛ لكنها سارت من الأسوأ للأسوأ.. فإعلام القذافي كان فاشلا وموجها وكنت لا تستطيع متابعة أي قناة أكثر من 3 دقائق.. ولذلك أذكر رأيا بقول إن «الإعلام يبني دولا ويسقطها».



جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
TT

جدل «حظر النشر» لا ينقطع في مصر

مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)
مقر نقابة الصحافيين في مصر (أرشيفية - متداولة)

عادت قرارات «حظر النشر» لتتصدَّر المشهد الإعلامي في مصر، مثيرةً نقاشاً متصاعداً حول الحدود الفاصلة بين متطلبات العدالة وحق المجتمع في المعرفة، وبين ما يُكشَف للرأي العام وما يُحجَب عنه باسم «سرية التحقيقات». فكلما اشتعلت قضية في الفضاء العام، عاد السؤال ذاته ليفرض حضوره: أين تنتهي حرية النشر وتبدأ ضرورات الحماية القضائية؟

وانفتح الباب واسعاً أمام موجة جدل في مصر أعقبت قرار قضائي بـ«حظر النشر» في 3 قضايا أخيراً، وُصفت بأنها تمس «صورة المجتمع»، من بينها واقعة «انتحار سيدة في الإسكندرية»، وقضيتان تتعلقان بـ«اعتداءات جنسية على قُصّر من قبل أقارب»، في أحداث أعادت إلى الواجهة إشكاليات التناول الإعلامي للقضايا الحساسة، خصوصاً بعد تداول منصات إلكترونية مواد مكتوبة ومُصوَّرة عُدَّت صادمةً أو غير منضبطة مهنياً.

الإجراء السابق الذي اتخذته النيابة المصرية، الأسبوع الماضي، بـ«حظر النشر» عزته إلى «الحرص على حماية سير التحقيقات... ومنع تداول معلومات غير دقيقة أو غير مكتملة قد تؤثر في الرأي العام أو تمس خصوصية الضحايا وأسرهم».

غير أنَّ القرار، كما هي الحال في قرارات مماثلة خلال السنوات الأخيرة، لم يظل محصوراً في إطاره القانوني؛ بل تحوَّل إلى نقاش عام واسع امتد من غرف الأخبار إلى منصات التواصل. وبينما عدّ صحافيون في منصات رقمية إخبارية أن «حظر النشر» يضعهم أمام معضلة مهنية بين الالتزام القانوني من جهة، ومواكبة اهتمام الجمهور المتزايد من جهة أخرى، يرى برلمانيون وخبراء أنه يُعدُّ جزءاً من أدوات حماية التحقيقات في قضايا حساسة، وأنَّ «الهدف ليس حجب المعلومات عن المجتمع، وإنما ضبط توقيت نشرها».

نقيب الصحافيين المصريين، خالد البلشي، سارع إلى إعلان موقف قطعي «رافض لحظر النشر»، معتقداً أنه «لا يمكن أن يكون وسيلة للتعامل مع القضايا - مهما كانت تفاصيلها - في ظلِّ انتشار وسائل التواصل والتدفق الهائل والعابر للحدود للمعلومات». وإذ ذهب إلى اعتبار أن «المجتمعات تُحمَى بالحقائق لا بحجبها»، فإنَّه رأى أن «العلاج يكون دائماً بالنشر المهني الملتزم بالمعايير القانونية والمهنية».

وعلى مدار العقد الأخير شهدت مصر عدداً من قرارات «حظر النشر» في قضايا جنائية واجتماعية. ففي عام 2025 صدر قرار بـ«حظر النشر» في واقعة وفاة القاضي سمير بدر عبد السلام. وفي عام 2022 صدر قرار مماثل في قضية مقتل الإعلامية شيماء جمال على يد زوجها، كما طُبِّق «الحظر» في قضية مقتل الطالبة نيرة أشرف، وشمل الحظر أيضاً قضية «شقة الزمالك» الخاصة بحيازة آثار.

أما في سنوات سابقة، فقد امتد «حظر النشر» إلى قضايا ذات طابع أخلاقي وسياسي؛ ففي عام 2019 شمل قضية «الفيديوهات الفاضحة» المرتبطة بعدد من الفنانات ومخرج شهير. وفي عام 2015 فُرض الحظر في قضية مقتل ناشطة يسارية.

ويستند «حظر النشر» في مصر إلى مجموعة من النصوص التي تتيح لجهات التحقيق أو المحاكم «فرض السرية على بعض القضايا». ويجرِّم قانون العقوبات نشر تفاصيل التحقيقات في حال صدور قرار بالحظر، مع إمكانية توقيع عقوبات تصل إلى الحبس والغرامة.

رئيس «اللجنة التشريعية» بمجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان)، محمد عيد محجوب، قدَّم رؤيةً داعمةً لاستخدام «حظر النشر» في حدود معينة، عادّاً أنه «ضرورة إجرائية» في مراحل التحقيق الأولى، و«ليس بدعة مصرية». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف الأساسي هو حماية مجريات الاستدلال، ومنع التأثير على الشهود، أو توجيه الرأي العام قبل اكتمال الصورة، محذِّراً من أنَّ تداول المعلومات غير المكتملة قد يؤدي إلى «حالة من اللبس والبلبلة بالمجتمع».

ويشار إلى أنه في بريطانيا يقيّد «قانون ازدراء المحكمة» الصادر عام 1981 النشر المؤثر على العدالة وفق مبدأ المسؤولية الصارمة، ويمنح المحاكم «سلطة تأجيل أو تقييد نشر تفاصيل القضايا لحماية سير المحاكمة، مع السماح بالتغطية العادلة والدقيقة».

ورغم سريان قرارات النيابة المصرية بـ«حظر النشر» في القضايا الثلاث التي شغلت الرأي العام أخيراً، فإنَّ النيابة قد باشرت، الثلاثاء الماضي، التحقيق في وقائع انتهاك لهذا «الحظر». ويقول متابعون إن «أغلبها وقع عبر حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي».

عضو «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عبد المحسن سلامة، قال إن «(حظر النشر) هو الاستثناء وليس القاعدة، ويأتي لضرورات معينة ولصالح كل الأطراف، وبهدف حماية المجتمع وخصوصيات الضحايا وذويهم وأسرهم». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «لجان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام تتابع (بدقة) مدى التزام وسائل الإعلام المحلية، والأجنبية العاملة في مصر، بقرار النيابة بشأن (حظر النشر) في القضايا المنظورة أمام جهات التحقيق راهناً، وذلك من خلال لجنتَي (الرصد والشكاوى)».

ويوضِّح سلامة أن «أي خروقات يتم رصدها تُعرَض على المجلس لاتخاذ ما يراه مناسباً بحقِّ المؤسسات المخالفة»، ويشير إلى أن «نسبة هذه الخروقات، سواء في القرار الحالي أو في القرارات السابقة تبدو محدودةً وفي نطاق ضيق». وأكد أن «قرارات حظر النشر تهدف إلى الحيلولة دون تحويل تلك القضايا المنظورة أمام المحاكم إلى مادة للتكهنات والتحليلات التي قد تخالف المعايير والقيم المهنية الراسخة».

أستاذة الصحافة في جامعة القاهرة، الدكتورة ليلى عبد المجيد، ترى أن «حرية النشر تظل الأصل في العمل الإعلامي»، لكنها «حرية محكومة بضوابط مهنية وقانونية هدفها حماية الأفراد، وضمان عدم الإضرار بالمجتمع».

وتوضِّح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «بعض القضايا، خصوصاً ذات الطابع الإنساني الحاد أو المرتبط بالأمن، أو الجرائم الحساسة، تستدعي قدراً من التوازن في التغطية الإعلامية بما يمنع الانزلاق إلى الإثارة أو انتهاك الخصوصية». وتلفت إلى أنَّ الإفراط في التفاصيل أو تقديمها دون سياق مهني قد يؤدي إلى آثار اجتماعية سلبية، من بينها احتمالات التقليد لدى بعض الفئات الهشة، خصوصاً الشباب والمراهقين.

غير أنَّ نقيب الصحافيين المصريين، ومع تمسكه بموقفه الرافض لقرارات «حظر النشر» والذي أعاد تأكيده لـ«الشرق الأوسط»، دعا الصحافيين والإعلاميين إلى «مراعاة الدقة المهنية والمسؤولية المجتمعية». وجدَّد دعوته إلى ضرورة «إطلاق التزام مهني طوعي وجماعي داخل الوسط الصحافي لضبط الأداء، وتطوير مواثيق وأكواد التناول الإعلامي، إلى جانب التدريب والمساءلة المهنية النقابية»، مؤكداً أن «الصحافة المنضبطة قانونياً ومهنياً هي الضمان الحقيقي لحماية المجتمع وحقوق جميع الأطراف».

لكن د. ليلى عبد المجيد ترى أن «التحدي الأكبر خلال المرحلة الراهنة يتمثل في تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، التي غيرت جذرياً طبيعة تداول المعلومات، إذ لم يعد النشر مقتصراً على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح متاحاً للجميع؛ ما أدى إلى انتشار محتوى غير موثق يختلط فيه الخبر بالرأي والتكهن».

وتشير إلى أن «هذا الواقع الجديد يفرض تحديات إضافية على (حظر النشر) إذ لم يعد من السهل ضبط تدفق المعلومات عبر جهة واحدة، ما يطرح تساؤلات حول مدى فاعلية هذا الإجراء في العصر الرقمي».

ومن زاوية قانونية وحقوقية، يقدِّم المحامي والناشط المصري، طارق العوضي، مقاربةً وسطيةً، يتحدَّث فيها عن أن «(حظر النشر) يجب أن يُفهم بوصفه أداةً استثنائيةً لا قاعدة عامة». ويؤكد لـ«الشرق الأوسط» أنَّ «التوازن بين حرية الإعلام ومتطلبات العدالة التزام دستوري يتطلب استخدام هذا الإجراء بحذر شديد، بما يضمن عدم تحوله إلى وسيلة لحجب المعلومات عن الرأي العام بشكل دائم أو غير مُبرَّر».


«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
TT

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)

تعكف آسيا اليوم، على إعادة كتابة قواعد التلفزيون بهدوء. وفي خضم هذا التغيير، يتلاشى تدريجياً النمط القديم المتمثل في «تشغيل جهاز التلفزيون في تمام التاسعة مساءً لمتابعة الأخبار»، ليحل محله نبض رقمي، حيث يحدد الهاتف الذكي - وليس القناة - موعد وصول الأخبار. وبدلاً عن ضبط التلفزيون في وقت محدد، أصبح المشاهدون يتصفّحون وينقرون ويمررون الشاشة بأي وقت.

ومع انطلاقنا عبر عام 2026، باتت آسيا الساحة الرئيسة لعالم «ما بعد التلفزيون». وبفضل التحوّل المتواصل إلى منصات البث عبر الإنترنت (OTT) والطلب المتزايد على المعلومات «في أي وقت»، لم تعد آسيا مجرد مشارِكة في التحول العالمي نحو الاستهلاك عبر الهاتف المحمول، بل أصبحت تقوده.

إعادة هيكلة جذرية

في الواقع، إننا نعاين اليوم تحولاً هائلاً، وتشير التوقعات الصناعية الحديثة إلى أن انتشار منصات البث عبر الإنترنت في آسيا، سيصل إلى 62.5 في المائة بحلول عام 2029. في الوقت ذاته، نشهد في الوقت الراهن انتقال مئات الملايين من المشاهدين من أنظمة «الكايبل» والأقمار الاصطناعية التقليدية إلى البث عبر الإنترنت.

وكذلك، لا تقل التداعيات الاقتصادية المترتبة على هذا التحول ضخامة؛ ففي الوقت الذي تشير تقديرات إلى تراجع عائدات قنوات التلفزيون التقليدي في المنطقة بنحو 8 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، تشهد عائدات الفيديو عبر الإنترنت ارتفاعاً صاروخياً؛ إذ من المتوقع أن ترتفع من 70 مليار دولار عام 2025 إلى 89 مليار دولار بحلول نهاية العقد. ويكشف ذلك عن أن هذا ليس مجرد تغيير في الميول والتفضيلات، وإنما إعادة هيكلة شاملة لاقتصاد الإعلام. وحقاً، أصبح من النادر اليوم، أن تكون الشاشة التي يتابعها المشاهدون التلفزيون الكبير، بل أصبحت الجهاز الصغير الذي يحمله المرء باستمرار بيده. ومع أن محطات البث لا تزال حريصة على عرض نشرة الساعة التاسعة مساءً، فإنها تبدو بشكل متزايد وكأنها «ملف مصدر»، يجري تقسيمه إلى أجزاء صغيرة لتوزيعها عبر التطبيقات والموجزات ومنصات التواصل الاجتماعي.

البث عبر الإنترنت ونهاية الجداول الثابتة

من جهة ثانية، ما عادت منصات البث عبر الإنترنت مجرّد مستودعات للترفيه؛ بل تحوّلت هذه التطبيقات ساحات الأخبار الجديدة. ومع انحسار اعتماد المشاهدين على «الكايبل» التقليدي، استعاض المشاهدون عن التنقل بين القنوات، بالتصفح بين التطبيقات.

داخل الأسواق الناضجة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تُضاف خدمات البث عبر الإنترنت إلى أنظمة التلفزيون التقليدية. أما في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فيُمثل البث المباشر تجربة الفيديو المنظمة الأولى لملايين المشاهدين. ومن جانبها، تستجيب شركات الاتصالات وشركات تشغيل القنوات التلفزيونية، من خلال إعادة تسمية تطبيقاتهم لتصبح «مجمّعات OTT فائقة»، مع تجميع البث التلفزيوني المباشر والرياضة والأخبار في تطبيقات واحدة. ومع انتقال جميع قنوات المحتوى إلى تطبيقات الهواتف المحمولة، يبدأ مفهوم «وقت الذروة» في التلاشي.

التوجّه الرقمي أولاً

قادة قطاع الإعلام في جميع أنحاء القارة، يدركون اليوم أن المؤسسات التقليدية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكيف أو الزوال. في هذا الإطار، قال مانوج دوبال، الرئيس التنفيذي لشركة «ديش تي في الهند»، إن التلفزيون لن يبقى محورياً، إلا إذا اندمج تماماً مع منصات البث عبر الإنترنت والتطبيقات. وبالمثل، أعرب راسموس كليس نيلسن، مدير «معهد رويترز» والباحث الخبير، عن اعتقاده بأن الاعتماد على المنصات للاطلاع على الأخبار، يُقوّض بشكل جذري النماذج التقليدية المتمركزة حول التلفزيون.

وفي الوقت نفسه، تتردد أصداء هذا الرأي داخل الصين. وكمثال، ذكرت «جمعية الصحافيين لعموم الصين»، في تقريرها السنوي، أن قطاع الإعلام في طور التحول من نموذج البث التقليدي، إلى نموذج المنّصات، وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات تتولى صياغة عملية التوزيع.

وهكذا، أصبح لدى شركات عملاقة في مجال الإعلام، مثل «تنسنت فيديو» و«يوكو»، دور محوري في كيفية استهلاك الأجيال الشابة للأفلام الوثائقية والأخبار. وبات المشاهدون الصينيون يعتمدون على البث المباشر حسب الطلب، باعتباره شاشتهم الرئيسة، متجاهلين برامج التلفزيون الحكومية.

بل، واللافت أنه حتى في اليابان، حيث لطالما كانت ظلت سوقها الإعلامية محافظة، أفاد «معهد أبحاث الصحافة الياباني» بأن عدد الذين يطلعون على الأخبار عبر الإنترنت يومياً، بات يفوق عدد من يتابعونها عبر التلفزيون أو الصحف المطبوعة. مثلاً، في صحيفة «أساهي شيمبون الرقمية»، يصل أكثر من 70 في المائة من القراء إلى المحتوى عبر الهواتف الذكية؛ ما يُشير إلى نقطة تحول حاسمة في اعتماد استهلاك المحتوى عبر الهواتف المحمولة.

أمام المقر الرئيس لشركة تنسنت الصينية العملاقة (رويترز)

تكنولوجيا متطورة... واعتبارات اقتصادية

في الهند، كذلك، ثمة ثورة تعتمل في هدوء داخل الاستوديوهات على صعيد عملية الإنتاج. إذ لم يعد يجري التخطيط للتقارير لبثها في فقرة واحدة مدتها 30 دقيقة. بل بدلاً من ذلك، يُصمِّم المحرّرون المحتوى مع مراعاة «خيارات متعددة»: نسخة تلفزيونية أطول للأرشيف، مقطع فيديو مُختصر للهواتف المحمولة للاستهلاك السريع، فيديو عمودي لوسائل التواصل الاجتماعي، تنبيه نصي قصير لتطبيقات المراسلة، مثل «واتساب».

بالتالي، نحن نشهد راهناً ليس التخلي عن الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما نشهد ثورةً شاملة في الإيرادات تُغير وجه اقتصاديات الإعلام في جميع أنحاء آسيا. ومن المتوقع أن تنمو سوق خدمات الفيديو حسب الطلب (SVoD) من قرابة أربعة مليارات دولار أميركي إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2029. ومن المتوقع كذلك أن ترتفع سوق خدمات الفيديو حسب الطلب المدعومة بالإعلانات (AVoD)، من 9 مليارات دولار إلى 24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مع تحول المعلنين والمستهلكين على حدٍ سواء من التلفزيون التقليدي، إلى منصات تعتمد على الخوارزميات وتُركز على الهواتف المحمولة.

فيما مضى، كانت الهيمنة من نصيب قنوات البث من خلال بيع فترات بث ثابتة. أما اليوم، فتُقدم الأخبار والبرامج الترفيهية في الوقت الفعلي عبر محركات التوصيات، مدعومةً بانتشار الهواتف الذكية بنسبة 90 في المائة تقريباً في معظم أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وزيادة بنسبة 15 في المائة في وقت مشاهدة الفيديو عبر الهواتف المحمولة منذ عام 2023. ومن المنظور الاقتصادي، بالذات، يُعيد هذا التحول توجيه قيمة الإعلانات والاشتراكات من فترات البث التلفزيوني المجدولة، إلى أنظمة بيئية غنية بالبيانات تتمحور حول المنصات، حيث يمكن تتبع وقت النقر والتمرير والمشاهدة وتسعيرها وجني أرباح منه.

داخل سوق الإعلام الهندية المزدحمة، أصبحت شركة «ريلاينس جيو» نموذجاً لهذا التحول؛ فقد أدى اندماج «ريلاينس جيو» و«هوتستار» عام 2025، إلى ظهور عملاق في مجال البث المباشر يضم قرابة 300 مليون مشترك، ويحقق ما يقارب ملياري دولار أميركي سنوياً، من بث مباريات الكريكيت في الدوري الهندي الممتاز، والمسلسلات الدرامية الإقليمية، وخدمات الترفيه حسب الطلب. ويأتي ذلك في ظل توقّعات تشير إلى وصول الإيرادات إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2029.

في المقابل، نجد التحوّل داخل الصين أشد سطوعاً؛ حيث حوّلت شركات التكنولوجيا العملاقة في بكين منصات البث عبر الإنترنت، إلى منظومة إخبارية وترفيهية تُقدّر قيمتها بـ10 مليارات دولار، تجذب منصات مثل «تنسنت فيديو» وحدها قرابة 137 مليون مستخدم يومياً، يشاهدون المسلسلات القصيرة والبث المباشر ومقاطع الأخبار، ضمن بيئة تخضع لرقابة صارمة، لكنها تُراعي المحتوى المحلي. وتُضيف iQIYI أربعة مليارات دولار سنوياً من عائدات الاشتراكات والإعلانات، بفضل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تُقدّم «تحديثات فورية» تصل في الغالب إلى الجمهور قبل البث التلفزيوني التقليدي.

وبحلول عام 2029، يتوقع أن تستحوذ الصين على قرابة 39 في المائة من إيرادات خدمات البث عبر الإنترنت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مدعومةً بالمحتوى القصير، والأخبار المُعتمدة على الخوارزميات، والتوسع في تجارة البث المباشر التي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار أميركي، مع تحقيق الربح من كل مقطع فيديو جذاب عبر الإعلانات، أو الاشتراكات، أو عمليات الشراء المباشرة عبر الإنترنت.

في المقابل، يصاحب التحوّل في اليابان ضجيج أقل، لكنّه لا يقلّ أهمية. إذ تشير التوقعات إلى اتساع حجم سوق البثّ عبر الإنترنت في البلاد، من نحو 5 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2029، أي بنموّ سنويّ مركّب يبلغ قرابة 6.5 في المائة، في ظل تقديم منصّات مثل «أبيما تي في» نماذج هجينة تجمع بين البثّ المجانيّ والبثّ المباشر، والتي تحقق عائدات بنحو مليار دولار أميركيّ من الإعلانات عبر نشرات الأخبار السريعة، المصمّمة خصيصاً للهواتف المحمولة.

كما تُقدّم خدمة «دي تي في»، من «إن تي تي دوكومو»، باقةً من القنوات المميّزة وخدمات البثّ حسب الطلب ضمن نظام دفع واحد؛ ما يجذب قرابة 10 ملايين مشترك، ويُدمج تنبيهات فورية تُمكّن المستخدمين من متابعة الأخبار العاجلة فور حدوثها.

بالتالي، نجد في شتى أرجاء آسيا أن الأمر لم يعد مجرّد قصة تتعلّق بالتكنولوجيا أو الراحة؛ وإنما تتمحور القصة حول الإيرادات والبيانات والتحكم في دورة الأخبار اليومية، في وقت يُمثّل الهاتف الذكي محور نظام إعلامي وتجاري جديد.

وبالتزامن مع ذلك، غدت بيانات الهاتف المحمول في آسيا رخيصة للغاية؛ ففي الهند وجنوب شرق آسيا، تُقدّم شركات الاتصالات باقات بيانات متعددة الغيغابايت مقابل بضعة دولارات فقط؛ ما يجعل تشغيل تطبيقات متعددة أكثر اقتصادية، مقارنة بتكلفة صيانة جهاز استقبال الكايبل التقليدي.

المستقبل: عالم في حالة اتصال دائم

مع هذا، رغم كل ما سبق، من غير المرجح أن تختفي ساعة الأخبار المُجدولة بين عشية وضحاها؛ بل سيظل التلفزيون التقليدي عنصراً أساسياً بالنسبة لكبار السن وسكان المناطق الريفية. ولكن بمرور الوقت، سيصبح «وقت الأخبار» أقل ارتباطاً بالساعة وأكثر ارتباطاً بالهاتف المحمول. وبدلاً من التساؤل «ماذا ستعرض قناة الأخبار الساعة التاسعة؟»، سيفكر الناس «ماذا شاهدتُ بالفعل على هاتفي اليوم؟».

وأخيراً، فإن ريادة آسيا في هذا التحول ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج التركيبة السكانية الشابة، والتوسع السريع لشبكات الجيل الخامس، والطلب المتزايد على المحتوى المحلي المُخصّص. لم تختفِ «ساعة الأخبار»، بل امتدت لتشمل كل ساعة من ساعات اليوم. ولم يعُد التحكم حكراً على عدد قليل من المحطات، بل أصبح منتشراً عبر مليارات الشاشات والتطبيقات والمستخدمين. الآن، تُروى قصة آسيا في الوقت الفعلي، عبر تحديثات فورية.


تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».