فرنسواز جيلو تكشف عن الوجه «المعتم» لعبقرية بيكاسو

وصفه أراغون بالمراهق الدائم وغير الناضج في علاقته بالنساء

فرانسواز جيلو مع بيكاسو
فرانسواز جيلو مع بيكاسو
TT

فرنسواز جيلو تكشف عن الوجه «المعتم» لعبقرية بيكاسو

فرانسواز جيلو مع بيكاسو
فرانسواز جيلو مع بيكاسو

لم تكن المكانة الفريدة التي احتلها الفنان الإسباني الشهير بابلو بيكاسو، في ذاكرة الأجيال المتعاقبة، وليدة الصدفة المجردة أو التسويق الدعائي والإعلامي، بل كانت محصلة طبيعية لتضافر موهبته الفطرية النادرة مع الاشتغال الشاق واليومي على تطوير نفسه وصقل أدواته التعبيرية، بما يتناسب مع روح العصر وتحولاته المتسارعة. وقد تكون تجربة صاحب «الغرنيكا» في مجال الرسم وفنون التشكيل هي النموذج الأبلغ للهوية الإبداعية القلقة، التي لم تكف أبداً عن تجديد نفسها كلما أنست إلى طمأنينة أو يقين. فقد بدأ بيكاسو مسيرته الفنية الطويلة باختبار الألوان الصاخبة والقوية، التي حذا خلالها حذو بعض الانطباعيين من أمثال ديغا ورينوار، كما لوحات «بائعة الزهور» و«امرأة تتزين »، و«امرأة وكلبها»، قبل أن ينتقل إلى ما عرف بـ«المرحلة الزرقاء» ذات التدرجات اللونية الباهتة التي تصور عوالم الفقراء والعجزة والمشردين، ليدخل بعدها في الفضاء الرمزي المطعم بالأساطير وعوالم النحت الإغريقي، وصولاً إلى لوحته المميزة «آنسات أفينيون» التي رسم فيها نساء يعملن في إحدى الحانات، والتي وضعته في قلب التحولات التشكيلية الحداثية في مطالع القرن المنصرم.
بعد ذلك أسهم بيكاسو في تأسيس المدرسة التكعيبية في الفن، حيث بدأ بالانفصال عما يراه من ظواهر الأشياء والكائنات، متجهاً إلى التعبير عما يعرفه من حقيقتها وفق تبدل الزاوية والمنظور، مؤكداً على حقه في تقديم الوجوه كاملة، وفي إظهار بعدها الجانبي في الوقت ذاته. وهو لم يكف بعد ذلك عن اختبار كل أنواع الرسم ومسارات الخطوط ومقادير الألوان، جانحاً مرة باتجاه فن اللصق و«الكولاج»، ومرة أخرى باتجاه البورتريه واللوحات الكلاسيكية، ومرة ثالثة باتجاه السوريالية التي رأى فيها ما يعبر عن جهنمات رأسه وهذياناته الداخلية. على أن تلك العاصفة التشكيلية والرؤيوية التي اتخذت شكل رجل وهيئته وقوامه، لم تكن لتحافظ على اضطرامها إلا في ظل عاصفة موازية رفدتها حياته بكل ما يلزمها من أسباب النزق والاندفاع الجسدي.
أما السيرة الشخصية فلم تكن خافية على معاصريه، وهو الذي حظي منذ مغادرته بلده الأم إلى فرنسا باهتمام الكثير من النقاد والمتابعين والمهتمين، ومع ذلك فقد استطاعت فرنسواز جيلو، الزوجة الرابعة للفنان الإسباني، أن تقدم من خلال كتابها اللافت «حياتي مع بيكاسو» أحد أكثر فصول سيرته صدقاً وغرابة وصلة بالتناقضات، كما استطاعت بكفاءة عالية أن توائم بين رغبتها العميقة في تقديم بورتريه دقيق وشديد الجرأة وغني بالتفاصيل عن شخصية الفنان «الغرائبي»، الذي قاسمته حلو الحياة ومرها لعشر سنوات كاملة، وبين حرصها الشديد على تقديم مشهدية فنية حافلة عما شهده الثلث الثاني من القرن الفائت من تطورات دراماتيكية متسارعة على المستويات الفكرية والاجتماعية والفنية. هكذا بدا الكتاب نوعاً من جدارية سردية تضم خلائط ومقادير متفاوتة من وجوه الثقافة وتجليات التشكيل وتبدل الخرائط السياسية، وصولاً إلى ذبول الحب وترنحه المطرد تحت ضربات الرتابة والملل والأمزجة المتقلبة للمبدعين.
حين التقت فرنسواز جيلو ببيكاسو في باريس عام 1943 لم تكن تعلم حينها أن الصدفة التي جمعتهما عن طريق صديقة مشتركة كانت تهيئ لحياتها مساراً مختلفاً وغير متوقع. ففارق السن الكبير بين الفنانة الشابة التي لم يتجاوز عمرها الاثنين وعشرين عاماً، والعبقري الكهل الذي كان عمره يناهز الرابعة والستين، لم يمنع هذا الأخير من الانجذاب إلى الفتاة الذكية والجذابة، التي لم تتأخر كثيراً في مغادرة منزل جدتها الذي كانت قد لجأت إليه إثر خلاف مستحكم مع والديها المعترضيْن على سلوكياتها «المتهورة»، والانتقال إلى منزل بيكاسو بناء على إلحاح منه، بعد أن عثر كل منهما في الآخر على ما ينقصه ويحتاج إليه. ومع أن جيلو كانت قد تلمست منذ البداية وعورة الإقامة مع الفنان الذي طلب إليها أن تلازم إحدى الغرف العلوية في منزله، وأن لا يخرجا معاً إلا تحت جنح الظلام لكي لا يراها أحد سواه، إلا أن ذلك لم يمنعها من قبول المجازفة التي رأت فيها كفنانة ما يضعها إزاء أفق أرحب من التجريب والمغامرة الرؤيوية والأسلوبية. ذلك أن جيلو كانت تدرك تمام الإدراك أن الارتباط برجل كالذي اختارته هو نوع من الإقامة على التخوم الأخيرة للمغامرة الإنسانية التي تستنزف كل ما لديها من قوة العصب والقدرة على الاحتمال. لذلك فقد انقسم كتابها عن بيكاسو إلى شطرين متغايرين تماماً في المناخ والدلالة والأسلوب: الأول يتصل بالجانب الإبداعي الخلاق من العلاقة، حيث نتتبع مسيرة بيكاسو وأعماله وآراءه المثيرة للجدل ومواقفه المناهضة للنازية، وصداقاته مع الكتاب والفلاسفة والفنانين، فيما نطل مع الثاني على نزق الفنان ومزاجه المتبدل وعلاقته المضطربة بزوجته، التي جنحت رغم بعض الفسحات الحميمة الهانئة، نحو نوع من التدهور المطرد وسوء التفاهم المرير.
في الشطر «المضيء» من علاقة جيلو ببيكاسو، يمكن لنا نحن القراء أن نطل من خلال المكانة المميزة التي انتزعها الفنان المتفرد، على كل ما شهده عصره المضطرب من حروب دامية واصطفافات سياسية وآيديولوجية حادة، ألقت بظلالها على كل شيء وخلقت ديناميات جديدة وغير مسبوقة في مجال الأدب والفلسفة والفن. ومع أن بيكاسو قد واجه بسبب مؤازرته للشيوعيين، الكثير من المضايقات من قبل النازيين زمن الاحتلال النازي لفرنسا، إلا أن هؤلاء لم يجرؤوا على إلحاق الأذى به بسبب شهرته الواسعة ومكانته المرموقة التي حولت منزله في باريس إلى محجة لكبار الشعراء والكتاب والفنانين، من أمثال أندريه مالرو وأراغون وإيلوار وهنري ماتيس وجورج براك وجان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وجان كوكتو وجاك بريفير وكثرٍ غيرهم. كما تحرص المؤلفة، على أن تنحي عاطفتها الشخصية جانباً، لتنقل بشكل موضوعي صورة دقيقة عن علاقات بيكاسو بهذه الكوكبة من المبدعين، مع كل ما يكتنفها من مودة صادقة حيناً، ومن شبهات الغيرة والتنافس العلني والضمني حيناً آخر. وفي هذا الإطار تتحدث جيلو، التي توقفت عن الرسم لثلاث سنوات كاملة كي تتخلص من تأثيرات زوجها، عن ارتياح بيكاسو لرسوم ماتيس ومناخاته المفعمة بالفرح والمحتفية بالحياة، في مقابل عدم ارتياحه لتجربة بونار التي رأى فيها شكلاً من أشكال التسطيح والانطباعية «المنحطة». أما عن خوان ميرو، مواطنه وزميله السوريالي، فيقول بيكاسو بأنه «كان يتدحرج داخل طوق مغلق مرتدياً بذلة ولد صغير». ورغم المنافسة الحادة بين بيكاسو وشاغال، فإن جيلو تنقل عن زوجها إعجابه الشديد بالحساسية العالية لصديقه «اللدود» إزاء الضوء، وكيف أنه يعتبره بعد ماتيس الأكثر جدارة بتقدير قيمة الألوان. وإذ تتحدث عن علاقته الوثيقة ببول إيلوار، تشير من جهة ثانية إلى علاقته السيئة بأندريه بروتون، مضيفة أن علاقة زوجها بأراغون كانت تتراوح بين الحب والكراهية، حيث كان الأول يغبط الثاني على قناعته العاطفية واكتفائه بامرأة واحدة، في حين كان صاحب «مجنون إيلزا» يأخذ على بيكاسو مراهقته الدائمة وافتقاره إلى النضج في علاقته بالنساء.
على أن التناغم الفني والفكري بين الزوجين لم يكن يكفي وحده لرفد حياتهما المشتركة بما يلزمها من عوامل الطمأنينة والتفاهم والحنو المتبادل. فبعد فترة قليلة من الزواج لم يتأخر بيكاسو في الكشف عن نرجسيته الفاقعة، وعن نزوعه المرَضي إلى التملك والاستحواذ، فضلاً عن سقوطه السريع في براثن الرتابة والملل والحاجة إلى التغيير. صحيح أنه أظهر لجيلو منذ البداية بعض الإشارات الدالة على توجسه من الروتين العاطفي «المبيد» للافتتان، كقوله لها في فترة التعارف «ينبغي ألا نلتقي كثيراً، إذ لو أردتِ أن تبقى أجنحة الفراشة لامعة، فعليك ألا تلمسيها»، فهي لم تكن لتصدق أن حضورها النضر سيفقد وهجه بالنسبة للفنان الشهير بعد حين من الزمن، وأن فارق السن الهائل بين الطرفين لن يفلح في كبح جماح بيكاسو، أو تغيير مسار العلاقة الانحداري. وما يؤكد عزم الزوجة الشابة على دفع الأثمان المترتبة على مغامرتها تلك، هو معرفتها المسبقة بالسيرة العاطفية المعقدة لزوجها المهووس بالنساء. كما أنها لم تعر بالاً يُذكر لزوجاته الثلاث السابقات، أولغا وماري تيريز ودورا مار، اللواتي ظللن يطاردنه من مكان إلى مكان، أملاً في استعادته من جديد.
والواقع أن بيكاسو لم يكن ليأبه لأي شيء خارج محترفه الفني. لذلك فهو لم يُقم أي وزن يُذكر للمجاملات الشخصية أو للأخلاق بمعناها الاجتماعي الشائع. وليس بالأمر المستغرب أن تقول له دورا مار: «ربما كنت رساماً خارقاً، ولكنك لا شيء من الوجهة الأخلاقية»، إذ كانت الأخلاق بالنسبة له متصلة بكل ما يهيئ له سبل الإبداع والتجاوز الدائم، وكان هو تبعاً لذلك على جهوزية تامة لتدمير كل من يعتبر أنهم يقفون عائقاً بينه وبين فنه، حتى لو كان هذا العائق هو سعادته بالذات. وهو ما عبرت عنه والدة بيكاسو بوضوح، حين قالت لزوجته الأولى أولغا أثناء زيارتها لها في إسبانيا: «أيتها البائسة، هل تعرفين أي مأساة تنتظرك؟ إن ابني لا يحب سوى لوحاته، ولن تَجِدي لديه ما يمنحك إياه». ولم تثبت السنوات اللاحقة صحة نظرة الأم إلى ابنها الممسوس بالألوان فحسب، بل إنه تمادى في سلوكه المزاجي إلى حد تحريض زوجتيه الثانية والثالثة، ماري تيريز ودورا مار، على أن تتعاركا جسدياً أمامه، فيما اكتفى من ناحيته بالضحك، معبراً عن سعادته لأن امرأتين جميلتين تتصارعان من أجله. وإذ تكرر الموقف نفسه بين جيلو وأولغا فيما بعد، كرر بيكاسو بلا مبالاة ردة فعله الساخرة على الحدث، وتركهما تتصارعان حتى الانهاك، قبل أن يأخذ على زوجته الشابة ترهلها المبكر ويتهمها بالتنغيص عليه وإفساد حياته.
«كيف تستطيعين العيش مع وحش كهذا؟»، قالت جنفييف لصديقتها فرنسواز، بعد معاينتها الدقيقة لتقلبات بيكاسو وردود فعله وسلوكياته «الغرائبية». على أن جيلو التي لم تتفوه بأي كلمة تذكرت قول بيكاسو لها في إحدى المناسبات «إن الرسم بالنسبة لي هو اللحظة التي ينسلخ فيها الكون عن ذاته، ليلتقي بخرابه الخاص»، كما تذكرت قوله في مناسبة أخرى «كل الأشياء القيمة كالإبداع، لا بد أن تتخللها مساحة معتمة، حيث إن عبقرية أينشتاين هي التي أدت إلى هيروشيما». ولذلك كان لا بد لها من أن تترك الحلبة قبل فوات الأوان، لأنها كانت تدرك تمام الإدراك بأن أكثر ما كان يبهج بيكاسو المفتون بمصارعة الثيران، هو مشاركة القاتل نشوة الفوز، غير آبه على الإطلاق بالمصير المأساوي للطرف المقتول.



لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس
TT

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» (La Grande Librairie) على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدباء منذ أرسطو إلى يومنا هذا عاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي في هذه المرحلة تحديداً، وكأن الزمن يُلحّ عليه من جديد، حيث لم يعد الضحك من الذات والعالم ترفاً ثقافياً، بل بات شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة في عصر القلق الجماعي والأزمات السياسية والاجتماعية.

رابليه

استقبل المقدّم أوغوستان ترابنار في برنامج «المكتبة الكبرى» نخبةً من الكتّاب والروائيين، وعلى رأسهم ديفيد فونيكينوس الحاصل على جائزة «رونودو»، الذي قدّم روايته الجديدة «أنا مضحك» (Je suis drôle)، (دار غاليمار). وأول ما لفت الانتباه هو شعار الإهداء الذي اختاره الكاتب وهي مقولة صموئيل بيكيت: «لا شيء أكثر إضحاكاً من الشقاء». هذه الجملة، على وجازتها، تلخّص فلسفة كاملة في الضحك: إنه ليس نقيض الألم، بل هو أحياناً وجهه الآخر، وقناعه القابل للارتداء. وقد أكد فونيكينوس في حواراته حول الرواية أن للضحك اليوم «قيمة تشبه الملاذ، لا غنى عنها»، وأن العصر الذي نعيشه، بكثافته وتوتراته، يجعل الفكاهة «أقصر الطرق لخلق المشاعر ولتوثيق الروابط بين البشر».

غير أن هذا السؤال لم ينتظر فونيكينوس ليُطرح. فقد تأمله رابليه في القرن السادس عشر حين صاغ عبارته الخالدة في مقدمة «غارغانتوا»: «الضحك خاصية الإنسان»، معلناً بذلك ثورة جمالية ومعرفية تجاوزت حدود الفكاهة لتمسّ صميم التعريف الإنساني، ولم يكن رابليه يقرّر ظاهرةً بيولوجية، بل كان يُعلن موقفاً فلسفياً وهي أن قدرة الإنسان على الضحك تفصله عن الحيوان، وهي الدليل على حريته في مواجهة الضرورة. في رواية «غارغانتوا» لا يضحك الملك العملاق غارغانتوا لمجرد التسلية، بل يكشف بسخريته الشعبية الصاخبة التناقضات الاجتماعية والفلسفية لعصره. ولهذا عدّ ميلان كونديرا الروائي الفرنسي التشيكي المعروف أن تاريخ الرواية الأوروبية بأسره قد بدأ مع ضحك رابليه، عادّاً بأنه «لحظة استثنائية في ميلاد فن جديد». أما جورج برنارد شو، الكاتب الآيرلندي المعروف فقد جعل من السخرية سلاحه الأدبي الأبرز، حيث استخدمهما لفضح المجتمع البرجوازي ومؤسساته. في مسرحيته «بيجماليون»، يستخدم السخرية ليبين كيف تُصنع الفردية والقيمة الإنسانية من قبل المجتمع، فالبروفسور هيغينز يحول الفتاة الفقيرة إلى «سيدة» ليس بسبب مواهبها الخاصة، بل بأدوات المجتمع وقيمه المصطنعة، والضحك هنا يكشف النفاق الاجتماعي وأثره. أما في «السلاح والرجل»، فيستخدم الفكاهة الحادة ليناقش موضوع الخير والشر، من خلال قصّة مصنع السلاح الذي يصبح أكثر فاعلية في مكافحة الفقر من جميع المؤسسات الخيرية، وهنا تصبح السخرية أداة لتشخيص مرض الحضارة المعاصرة. هذه الرؤية تحمل تناقضها الداخلي: الضحك يحرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار. وقبل برنارد شو، كان بودلير قد تناول في مقالة نقدية بالغة الأهمية بعنوان «جوهر الضحك»، (Essence du rire) أنواع الضحك التي يراها إما: «كوميديا معنوية» أخلاقية تنقد المجتمع، وإما «كوميديا مطلقة» تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود بعيداً عن أي مصلحة في الإصلاح. وهذا التمييز البودليري يُضيء لنا سرّ الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا إلى إضحاك أحد: إنهم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله.

جورج برناردشو

وفي التراث العربي، خطّ المتنبي عبارته التي تختزل الأدب الساخر برمّته في بيته الشهير: «وكم ذا بمصر من المضحكات... ولكنه ضحك كالبكاء» فالضحك العربي، في أعمق تجلياته الأدبية، لم يكن يوماً ضحك الراضي ولا ضحك المنتصر، بل كان في الغالب ضحك المجروح الذي وجد في السخرية طريقه الوحيد للتعبير عن وجعه دون أن ينكسر. وقد أدرك الجاحظ، الذي يعدّه كثير من النقاد مؤسسَ الأدب الساخر في العربية، هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»، ذلك العمل الذي يبدو في سطحه سرداً فكاهياً لحياة البخلاء ونفسياتهم، لكنه في جوهره تشريح اجتماعي دقيق للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع والوهم. كما وظّف نجيب محفوظ الفكاهة الاجتماعية في أعماله بوصفها عدسةً كاشفة للفوارق الاجتماعية والطبقية في المجتمع المصري، حتى إن السخرية في «ميرامار» أو «اللص والكلاب» تبلغ أحياناً حدّ المأساة، وتُذكّرنا بأن الحدّ الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا في الأدب الكبير في أوقات كثيرة ما يكون وهمياً.

بودلير

والواقع أن الكاتب الذي يلجأ إلى الضحك لا يفعل ذلك لأنه فوق الجرح أو بمنأى عنه. بل إنه في أحيان كثيرة يلجأ إليه لأنه غارق في الجرح إلى الحدّ الذي لا يرى معه مخرجاً سوى تحويل الوجع إلى لغة قابلة للتداول. وهذا ما لاحظه فونيكينوس حين قال في حواره مع برنامج «المكتبة الكبرى»: «كثيراً ما يربط الظرفاء بين طفولتهم القاسية والرغبة في إضحاك الآخرين. وكأن الضحك هو وسيلة لشفاء الأحزان وملء غياب ما...». فبطل رواية فونيكينوس طفل يتيمٌ في الخامسة من عمره، يكتشف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة وإلى الاعتراف، لكنه يكتشف أيضاً، بعد سنوات من المحاولة، أن الضحك حين يصبح مهنةً وهويةً يتحوّل إلى فخّ يلتصق بصاحبه كالقناع بالوجه، يستحيل خلعه. وهذه الصورة ليست اختراعاً روائياً خالصاً، فتاريخ الكوميديا الكبرى مليء بالكتّاب الذين عاشوا هذا التناقض بأجسادهم: من موليير الذي كتب «المريض بالوهم» وهو يحتضر فعلاً على الخشبة، إلى تشيخوف الذي تناول الأوضاع الاجتماعية بالسخرية في قصصه القصيرة، وصولاً إلى بيكيت الذي قرّر في مسرحياته أن الشقاء نفسه هو المادة الكوميدية الأكثر خصوبة، فأبطال مسرحيته الشهيرة «في انتظار غودو» يضحكون لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ويضحكون لأن الضحك أهوَن على النفس من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي.

العصر الذي نعيشه وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لتوثيق الروابط بين البشر

فونيكينوس

وما يُلاحظه المتابعون لصناعة الأدب في السنوات الأخيرة هو ارتفاع حادّ في الأعمال التي تتخذ من الفكاهة والتهكم أدواتٍ رئيسية، في مرحلة يصفها كثيرون بأنها من أشدّ مراحل القلق الجماعي وتراجع الثقة بالمستقبل. وهذا ليس مصادفةً؛ إذ أشار الفيلسوف الأميركي سايمون كريتشلي في كتابه «حول الفكاهة» (On Humour) إلى أن الفكاهة الحقيقية تنطوي دائماً على اعتراف بالهشاشة، وأنها تُنشئ مسافةً بين الذات والواقع، لكي تجعل الواقع قابلاً للاحتمال دون إلغائه. بيد أن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بنكاتها السريعة، لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية. إنه يسأل عن التكلفة، وعن الثمن، وعما يُخفيه الضحك وما يُفصح عنه في الآن ذاته. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تُلطّف الجرح بل تُضيئه.


«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب
TT

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة الذي يحيل إليها بجلاء، وكذا تبرز هذه الحرب في بعض القصص، لكن الأهم على مدار معظم النصوص هو الحرب بوصفها فكرة، ومن ثم يمكن إزاحة الدلالات من كونها تخص حرباً محددة، إلى فكرة إبادة الإنسان للإنسان، منذ بدء الخليقة إلى الآن، فضلاً عن آليات مقاومة الفناء، ومجابهة الموت، فقد استطاع الكاتب أن يوسع الفكرة، ويضفي عليها أبعاداً فلسفية ووجودية، عن الحق والخير والجمال، الوجود والعدم، الحرب والسلام، الجلاد والضحية، الشر والخير، وفي سعيه لهذا التوسع الدلالي، لم يحدد مدينة بعينها، بل كان حريصاً على أن تكون الفضاءات المكانية بلا اسم، كأن يقول المدينة أو القرية، لتنسحب الأحداث على أي مدينة تشهد حروباً وقصفاً يصيب أطفالاً ونساء عُزلاً، ولا قدرة لهم على خوض حرب، بل لم يستشرهم أحد في إشعال فتيلها، لكنهم أول من يكتوي بنيرانها.

كل أبطال قصص المجموعة تقريباً يعيشون على التخوم بين الحياة والموت، يمارسون حياتهم على حافة الخطر، في انتظار رصاصة طائشة أو شظية، بينما الموتى حاضرون رغم غياب أجسادهم، فثمة تبادل واضح للحضور والغياب يتبدى في أكثر من نص قصصي. ففي ثنايا السرد يتمكن الموتى وضحايا الحروب من الكلام، من التعبير، من الغناء حتى في قبورهم، في مقابل أن الأحياء يلتحفون الصمت المشحون بالخوف والرهبة، وتوقع الانتقال العبثي إلى الضفة الأخرى من الوجود، دون ذنب اقترفوه، يرحلون بوصفهم ضحايا لصراعات أكبر منهم، وحياتهم مثقلة بالتوتر.

المجموعة صادرة عن دار «روافد» للنشر والتوزيع في القاهرة، وتتكون من خمس وعشرين قصة قصيرة متراوحة الطول والعوالم. تبدأ بقصة «لن تموت جوعانَ»، التي يرويها طفل، مندهشاً من حرص أبيه على أن يطعمه هو وأخوته كل ليلة طعام العشاء، حتى لو كان قطعاً من الخبز الناشف، يقول الطفل: «أنا لا أفهم، كل شيء في هذه المدينة بلا معنى: الموت، القنابل، البرد، الأخبار، صمت الأمم. فلماذا يصر أبي على أن نأكل كل مساء؟»، هذا التساؤل الاستنكاري من الطفل، الذي لا يفهم حكمة تصرف الأب إلا حين يصيب القصف بيتهم، ويموت أبوه، ويخرج هو من تحت الركام وفي يده قطعة خبز، فيعرف حرص الأب على أن يحمي أولاده، على الأقل من الجوع، ما دام أنه لا يستطيع أن يحميهم من الموت، فعلى الأقل لا يموتون وهم جوعى.

وفي إطار التوسع الدلالي، تأتي قصص أخرى بعيداً عن الحرب، لكنها لا تخلو من دلالات القهر والعسف، ومنها قصة «أرض بلا ظل»، التي تأخذ منحى أقرب إلى العوالم الغرائبية، عبر فكرة فانتازية، مع ترك المكان دون تحديد، عن مدينة لا أحد فيها يملك ظلاً، فأهلها جميعاً بلا ظلال، رغم أن الشمس فيها لا تغيب، لكنها تسقط عليهم عمودية فوق الرؤوس، لكن في يوم غائم شهدت المدينة مولد طفل خرج من رحم أمه، وحين رأته القابلة وجدته يحمل ظلاً، وعاش حياته وظله لا يفارقه، فصار منبوذاً بوصفه خارجاً على قواعد المدينة، وخضع لتحقيقات من السلطات التي اعتبرته خطراً؛ لأن ظله يربك السكان، ويجعلهم يتذكرون ما لا يجب تذكره، وفي نهاية التحقيقات «طلبوا منه أن يتخلى عنه، أن يخلع ظله، كما يخلع الحذاء على العتبات، أن يسلّمه في كيس مختوم، ويعود نظيفاً. رفض فعوقب. نُفي إلى الجهة المظلمة من المدينة، حيث الشمس لا تشرق». في نقد واضح وتفكيك للأفكار الشمولية، التي تريد أن تسرق من الإنسان حتى ظله، وتحيله معنوياً إلى جثة في قبر، تميته وتقتل قدرته على الاختيار، فالجثث والموتى ليسوا نتيجة الحروب فقط، بل يمكن أن يكونوا نتيجة الظلم والقهر أيضاً.

تحفل المجموعة بكثير من القصص التي تتخذ مثل هذا المنحى الغرائبي، عبر أفكار مبتكرة وطازجة، وكلها تنحاز للإنسان، ومفعمة بالحمولات الرمزية، ومنها قصص «وردة في الحرب»، و«مدينة السعال»، و«الدرس الأخير في المدينة الأخيرة»، و«مهرب الضحك»، و«نشرة القصص»، و«الموتى يلعبون النرد» و«قتل الحواس»، وغيرها من القصص التي تتراوح بين ثنائية قتل المعاني والقيم الإنسانية، وصولاً إلى تصفية الإنسان وإفراغه من وجوده، مثل قتل حواسه في إحدى القصص، وهناك قصص أخرى تقدم معاني المجابهة، ومحاولة الحفاظ على هذه القيم، مثلما يتبدى في قصة «كتاب ما لم يحدث»، التي تروي حكاية عن مجموعة من الأطفال يكتبون وصاياهم الأخيرة، استعداداً للموت في أي لحظة، وكلها وصايا تليق بطفولتهم البريئة، مثل «لو مت خلوا بابا يضحك شوية، قولوا لأخويا إني مش زعلان منه، ادفنوني بالحذاء الأحمر، خلوا ماما تنام على سريري يوم بس»، فتنتشر في المدينة كتابة الأطفال لوصايا على هذا المنوال في أوراق وقصاصات صغيرة، وسرعان ما تتحول إلى الكتابة على الجدران، ثم تنتشر حمى كتابة الرسائل من الصغار إلى الكبار، وتنتهي القصة نهاية غرائبية كعادة قصص المجموعة، لكنها شديدة الاتصال بالواقع وقضاياه، يقول الراوي: «وفي صباح خريفي رمادي، استيقظ الجميع على صوت في السماء، طيور من ورق، ملونة، تحمل في مناقيرها القصيرة قصاصات صغيرة... واحدة فقط سقطت على رأسي. فتحتها، فوجدت مكتوباً بخط رفيع جداً: لو مت اكتبوا لنا نهاية غير دي».

إلى جنب الغرائبية، نهضت المجموعة على قدر كبير من عدم التحديد، فإذا كان المكان عائماً وغير متعين في الأغلب، فإن الزمان أيضاً بدا غير محدد، باستثناء الزمن الفلكي من صباح ومساء ونهار وليل، لكن لا يوجد زمن تاريخي مرجعي محدد، يمكن أن يستدل منه القارئ على حقبة زمنية بعينها، كما أن الشخوص أيضاً تبدو في كثير من النصوص بلا أسماء، بل أقرب إلى أدوار وظيفية أو دوال رمزية، أطفال أو كبار، أو شخصيات تعرف بأعمالها ووظائفها، أو جثث غير مسماة. وهذا النزوع نحو عدم التحديد المكاني والزماني، وكذا في الشخصيات المروي عنها، يجعل الدلالة غير محددة بحادثة واحدة ولا حرب بعينها، بل أقرب إلى نقد وتفكيك فكرة الحرب والدمار ذاتها، انحيازاً للإنسان وحياته في كل مكان وزمان.


الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين
TT

الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يرى فيها أداة لتخريب البلدان والحضارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس.

ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيام» تأثر في ذلك بمجريات الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودماء سالت حتى كادت تغطى كوكب الأرض، فعبر عن نفوره منه عبر روايته «أحلام شهرزاد»، والتي ساق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة».

تسعى تلك الشخصية حثيثاً إلى تجنب الحرب مع أعدائها كما صورها، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومدن أعدائها حفاظاً على حضاراتها وعمرانها بل إنه أجرى على لسانها أنها «لن تغزو أحداً في مستقره، ولكنها ستغزوهم حول هذه المدينة».

ويواصل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحاً على أن دور الجيوش ليس التحطيم والتهديم، بل البناء والتشييد، ذلك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور.

تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفإن جُنبتم الحرب وضُمنت لكم السلامة تضجون وتعجبون؟ من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده».

هكذا أضحت شخصية «فاتنة» التي بعثها طه حسين إبان الحرب العالمية الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الذي لا يقي شعبه ويلات الحروب، وهي بمواقفها هذه تعلمه الرفق بالناس، وتدعوه إلى نبذ المغامرات العسكرية التي تزينها له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموماً.

وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول:

«ولكن الملوك أثاروا حرباً ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة، ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة».

ولعل المؤلف يشير ضمنياً بكلام «فاتنة» إلى قادة النازية وقادة الفاشية الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خدمة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الدمار بالكون كله، وأضروا بالفكر والحضارة، فكانوا شبيهين بالذين اتحدوا لحرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلى مدنهم، ولكنها رغم ما أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها.

دعت البطلة الروائية إلى حماية الشيوخ والأطفال والنساء من تبعات الحرب، ولا يكون ذلك ممكناً في رأيها إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والقفار وتركوا المدن الآهلة بالسكان مطمئنة، وفي هذه الدعوة دون شك نقد بأسلوب الرمز لقصف الطائرات الألمانية للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفاً في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان.

واعتبر طه حسين هذا القصف عملاً حريباً يضر أشد الضرر بحضارة مصر، وخاصة بآثارها؛ لذلك أصر على أن ينال مقترفه عقاباً رادعاً، فجعل «فاتنة» تقترح على أبيها وعلى قائد جيشها إنزال أشد العقوبات بالحاكم الذي يزج بشعبه في حرب لا طائل من ورائها تضر بعمرانه وحضارته.

تقول «فاتنة» لقائد جيشها: «فإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بين الموت أو بين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرّعه كأسها وأيهم اختار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه».

وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمز في مقال له، عنوانه «مستقبل الديمقراطية»، دعا فيه إلى اقتحام حدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقاباً لهم على ما اقترفوه من آثام في حق البشرية، فهم في رأيه قد خربوا العمران وأضروا بالحضارات.