راغب علامة: أحن إلى زمن الـ«سي دي» و«شريط الكاسيت»

قال إنه مستعد لإجراء مناظرة سياسية مع أحد الرؤساء اللبنانيين الثلاثة

الفنان اللبناني راغب علامة
الفنان اللبناني راغب علامة
TT

راغب علامة: أحن إلى زمن الـ«سي دي» و«شريط الكاسيت»

الفنان اللبناني راغب علامة
الفنان اللبناني راغب علامة

الحديث مع الفنان راغب علامة متعة بحد ذاتها؛ لما يتخلله من عفوية وبساطة وغنى في تناول الأفكار والموضوعات. فهو على الرغم من شهرته الواسعة وتحقيقه النجاح تلو الآخر، وحصده لقب الـ«سوبر ستار» في عالم الغناء، لم يفقد حسه الإنساني ولا تواضعه. صفات من النادر مصادفتها في هذا الزمن، عند فنان بهذا المستوى لا يزال يتربع على الساحة بعد مرور 40 عاماً على مسيرته الغنائية.
مؤخراً، أحيا علامة في مصر حفلة من العمر كما وصفها «كان من المفترض إقامتها قبل 9 أشهر، ولكن انتشار الوباء حال دون ذلك. التقيت جمهوري المصري وأنا تواق لذلك، وغنيت له (وترجع ليالينا) للإشارة إلى متعة اللقاء. فلقد كنت مشتاقاً لوقفتي على المسرح من جديد، وأحلم بهذه الساعة».
مليء بالشباب والطاقة الإيجابية التي ينشرها أينما حل، يعترف راغب علامة بأنه أثناء التوقف القسري لنشاطاته خلال الجائحة، كانت تراوده أسئلة كثيرة حول هذا الموضوع «كنت أقول لنفسي هل ستعود تلك الأيام الملاح؟ هل سأسمع تصفيق الجمهور من جديد؟ متى سيعود الفرح يلوّن ليالينا؟ كلها أسئلة طرحتها على نفسي؛ لأن الجائحة وضعتنا أمام مصير غامض. فالعالم أصيب بشلل تام، فكان الوضع مهيباً ومرعباً. ولكننا تجاوزنا اليوم مرحلة الخطر، وعدنا إلى حد ما إلى حياتنا الطبيعية بفضل اللقاح، وإجراءات الوقاية المتبعة».
يكرر راغب علامة في غالبية أحاديثه أن فيروس «كوفيد - 19» لم يصلنا بالصدفة، بل هي مؤامرة من صنع الأشرار. كما أن هذه الوقفة القسرية التي طبقتها الكرة الأرضية بأكملها شكّلت وقفة مع الذات. «هو في رأيي غضب من رب العالمين على ما يجري من ممارسة مستفحلة للشر. فالإنسان مارس شره على أخيه الإنسان وعلى الطبيعة وفي السياسة والاقتصاد، وحتى باسم الرفق بالحيوان. لقد فقد الرحمة ونسيها فتوقفت الدنيا عن الحركة، بانتظار إعادة حساباته. إنها برأيي نتيجة صراعات تخوضها الدول العظمى بين بعضها بعضاً، وحروب تمارسها في الخفاء وفي العلن».
خاض راغب علامة تجربة الإصابة بـ«كورونا» ويعلق في حديث لـ«الشرق الأوسط»، «كانت تجربة صعبة تجاوزتها بفضل العلم والطب، ولكني حزين لفقداني أكثر من صديق على الساحة بسبب هذا الوباء. هي خسارة كبيرة نلمسها على جميع الصعد، لكن الإنسان كان الخاسر الأكبر فيها. من بين هؤلاء الصديق والأخ الملحن طارق عاكف، الذي ما زلت حتى اليوم أعيش نجاحات فنية بأغان لحنها لي. وكذلك حزنت لخسارتنا أحباباً وأصدقاء أمثال جان صليبا وإلياس الرحباني وأحمد موسى وروني نجيم، وغيرهم». وعما علمته إياه فترة الجائحة، يقول «تعلمت منها الكثير، وكنت أردد كلمة ليت، بسبب أمور كثيرة لم أكن أعرف قيمتها. اليوم كل ما افتقدته في تلك المرحلة أحققه وأستمتع بنكهة الحياة الحقيقية».
وعلى المقلب الثاني، يستعد راغب علامة لإصدار أغنية جديدة، تحكي عن الحب. ويقول في سياق حديثه «عنوانها (فورا غرام)؛ لأن أجمل ما في هذه الدنيا هو الحب، هكذا تقول كلمات الأغنية، وهو لحن عراقي تتخلله بعض الكلمات العراقية. الأغنية من كلمات تراث نمير وألحان علي سالم، جرى تسجيلها في استوديوهات ناصر الأسعد، سترى النور منتصف الشهر الحالي، وبعدها سأصدر أغنيات تفصل بينها مدة أسبوعين». وهل هي أغنية إيقاعية أم تنسجم مع موسم الصيف؟ يرد «لست من الأشخاص الذين يعملون حسب المواسم، فالحب لا موسم له، والأغنية تبقى أغنية في أي زمان ومكاناً ولدت فيه».
خاض علامة خلال موسم رمضان الفائت تجربة إعلانية تروج لمجمع «مدينتي» المصري. «لقد كنت مشتاقاً لإطلالة على الجمهور، وعندما طلبها مني صديقي هشام طلعت وافقت. اشتغلتها بفرح مع أنها كانت مجرد إعلان مصور. وكنا يومها في حاجة إلى السعادة فأصبت عصفورين بحجر واحد».
في رأي راغب علامة، لم يعد هناك من ساحة فنية تابعة لبلد واحد، ويقول «أصبح اليوم هناك ساحة عربية شاملة، وكل الشباب يندفع لصنع الأغنيات. الجميع مشتاق للغناء، ولم يعد الأمر يقتصر مثلاً على الساحة اللبنانية فقط. نلمس اليوم انفتاحاً فنياً ملحوظاً تترجمه أغانٍ ناجحة تنتشر على الساحة العربية. أنا شخصياً حضرت 10 أغنيات خلال الحجر المنزلي، لم أستطع أن أطرحها يومها. قلت في نفسي، ولِمَ لا ترتاح الأغاني هي أيضاً إلى حين عودة الحياة على الساحة؟ وهكذا حصل، عدنا اليوم والعود أحمد».
تتوزع نشاطات وحفلات راغب علامة في الصيف على عدد من البلدان العربية. فمحبوه على موعد معه في دار الأوبرا في دبي في 15 و16 الحالي. وكذلك، لديه حفلات سيقيمها في مصر. ولكن ماذا عن حفلاته في المملكة العربية السعودية؟ يرد «مشتاق لجمهوري السعودي، وقد سبق والتقيته أكثر من مرة بينها في الرياض وجدة. أنا معتاد على هذا الجمهور منذ بداياتي في الثمانينات. وبالنسبة لي، فإن المملكة علمتنا بأن لا شيء مستحيل. فالانفتاح الذي تمارسه اليوم بإرادة القيّمين عليها حوّلها إلى نموذج للتطور».

وعن العالم الرقمي الذي بات يشكل انطلاقة حتمية لأي فنان، يقول راغب علامة «أصبحنا اليوم في مرحلة تختلف اختلافاً كبيراً عن سابقاتها. التواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي بات ضرورة، وهو سوق من نوع آخر تروج للفنان. شقيقي خضر هو من يهتم بهذه الناحية في عملي. ولكني شخصياً ما زلت أحب زمن الفن القديم المترجم بالـ(سي دي) وشريط الكاسيت. ما زلت أصنع أغانيّ بالنفس نفسه، ولكني أفتقد أدوات ترويجية كنا نعتمدها في الماضي القريب. كل شيء كان ملموساً وحسياً، كنت أشعر بالفرح وأنا أوقّع الألبوم الغنائي في حفل خاص. ويتهافت الناس على شراء الـ(سي دي) أو الشريط التسجيلي لهذا الفنان أو ذاك. اليوم كل شيء تحول إلى رقمي، حتى أن الفلوس اتخذت شكلاً مختلفاً بهذا العالم».
وهل تخبر أولادك عن ذلك الزمن الجميل؟ يرد «إنهما اليوم بمثابة صديقين لي أخبرهما وأروي لهما أشياء كثيرة عن ذكرياتي أحياناً. لم أكن أعلم أن علاقتنا مع أولادنا تتحرر من القيود في مرحلة معينة. فهم ينفصلون عنا فيزيائياً ويتوجهون إلى بناء حياتهم ويختارون طرقاتهم. هناك علاقة مميزة تربطنا ببعضنا بعضاً، وأحياناً أحس أنهما أخوان لي. وعلى فكرة أولادي محافظون، رجال بكل ما للكلمة من معنى أفتخر بهما».
وبمن يتباهى اليوم الـ«سوبر ستار» راغب علامة؟ يجاوب «أتباهى باسمي؛ فالحفاظ على الاسم بهذا الشكل هو إنجاز بحد ذاته. هناك جهد وتعب بذلتهما لرسم هذه الهالة حول اسمي. فالاستمرارية في الفن، يلزمها تفكير وشغف، وكذلك تربية صالحة. فلولا أهلي، لما كنت على ما أنا عليه اليوم. فهما من علماني الانفتاح على الغير وعدم التعصب. أشفق اليوم على من يتعاطى مع الآخر بفوقية وعنصرية. لولا الاصطفاف الطائفي الموجود في بلادنا، لما كنا نعاني من جميع هذه المشاكل. والتربية هنا تلعب دوراً أساسياً لولادة جيل منفتح لا يتأثر بالمذهبية، فيبني وطناً سليماً».
لا يمكن أن تتحدث مع راغب علامة من دون أن تتطرق معه إلى الوضع السياسي في لبنان. فهو ناشط بهذه الموضوعات على وسائل التواصل الاجتماعي. يغرد وينتقد ويصوّب بجرأة نحو رجال السياسة في لبنان من دون استثناء. لا يتحدث في هذه الموضوعات من باب التعصب، بل بشعور وطني نلحظه عنده بامتياز. وهو بذلك يزعج كثيرين من أهل السياسة ويواجه تعليقات شرسة من قبل الذباب الإلكتروني. ويعلق في سياق حديثه لـ«الشرق الأوسط»، «إنهم ينعتونني بأوصاف كثيرة ويشيرون إلى أن من أنتقدهم من سياسيين هم أصدقاء لي. حملات كثيرة تعلن ضدي وأعرف تماماً أنها من صنع التابعية السياسية ومن يقف وراءها. هدفهم هو استفزازي عبر حسابات وهمية. ولكني صرت معتاداً على نباحهم، ويسعدني بأنهم منزعجون من انتقادي لهم. فهذه الاتهامات الباطلة التي يلصقونها بي أعتبرها نوعاً من النباح الذي يسعدني. وأحياناً كثيرة يستفزون متابعي على هذه الوسائل بحيث يكونون حاضرين لإشعال حرب ضدهم. ولكني أحاول تهدئة الحالة وأتوجه إليهم بالقول (انبحوا انبحوا، فإن نباحكم لا يزعجني)». ويتابع «أنا مستعد لخوض مناظرة سياسية مع أحد الرؤساء الثلاثة، للجمهورية والحكومة ومجلس النواب. فما دام من أحاوره ليس مجرد حساب وهمي، بل موجود بالصوت والصورة، فأنا مستعد لمناقشته ومحاورته».
وأسأل راغب علامة إلى ماذا أنت مشتاق اليوم؟ يرد «مشتاق إلى الأمن في بلادي، إلى ازدهاره وعودته منارة الشرق. أنا مستاء وحزين لما وصل إليه لبنان بفضل زعمائه، والطائفية برأي هي المسبب الأول لخرابه. صحيح أن عائلتي تستقر في دبي، ولكني أنا شخصياً لا أبارح لبنان. اخترت الإمارات العربية لأولادي لأيماني بأن قياداتها تشبه أحلامنا وأحلام العالم الذي نصبو إليه. لدينا في لبنان جميع القدرات اللازمة لصنع وطن رائع. أعرف أصدقاء كُثراً قدموا عروضاً لمساعدة الدولة، ولكن المسؤولين فيها رفضوها علناً لأنهم يريدوننا أن نعيش بهذه الدوامة، ومصالحهم تتقدم على مصلحة شعبهم. أحن إلى مجتمع دولي يشرف على بناء لبنان الجديد. مشتاق لرؤية فسيفساء الجنسيات العربية تلون بلادي وتسوح في مناطقه. لا أطيق رؤية مواكب سياسية تقفل الطرقات على الناس لمجرد مرورها. وصدقاً فيما لو التقيت بواحد من هذه المواكب السياسية لأقفلت الطريق عليها بسيارتي ومنعتها من إكمال طريقها. فتقليد تسيير المواكب لأمن السياسيين لا يسري إلا في لبنان. وهم يخافون على أنفسهم لأنهم يعرفون ماذا يقترفون بحق شعبهم. لماذا في دولة الإمارات التقي أكثر من مرة بحاكمها يجلس في مطعم بين الناس ويسير بسيارته بطبيعية على الطرقات؟ لأن لديه كل الثقة بمحبة الناس ولا حاجة إلى وضع حواجز بينه وبينهم. متشائم أنا من هذا الطاقم السياسي في لبنان وبقائه في الحكم. ولكني واثق بأن التغيير آت لا محالة، وعلى اللبناني أن يخلع تبعيته للزعيم إلى غير رجعة، لبناء دولة جديدة مبنية على الكفاءات والإنسانية».



رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».