مذكرات نيرودا الكاملة... حين يتفوق الشاعر على الإنسان

ليس أكثر من خدعة لتسويق كتاب نشرت ترجمته الإنجليزية قبل 44 عاماً

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

مذكرات نيرودا الكاملة... حين يتفوق الشاعر على الإنسان

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

يستحيل ألا تشعر ببهجة الترقب عند فتح «المذكرات الكاملة» لبابلو نيرودا. لكن ما إن يكتشف القارئ ما على صفحات الكتاب حتى يبدو ادعاء الاكتمال - بما يتضمنه ذلك من استعادات مثيرة للشهية وامتلاك لفصول مفقودة منذ أمد بعيد حول الشاعر التشيلي الكبير - ليس أكثر من خدعة للتسويق مرة أخرى لكتاب نشر في ترجمة إنجليزية لأول مرة قبل أربعة وأربعين عاماً.
تتضمن «ملاحظة تحريرية» في نهاية الكتاب قائمة بكل الإضافات التي تمت لـ«المذكرات الكاملة» لبابلو نيرودا الأصلية - مع أنها حذفت أرقام الصفحات بما لا يعين القارئ على الانتقال إلى ما استجد على الكتاب. لقد أضيف 19 نصاً تتراوح في الطول ما بين الست صفحات من الكلمات التي لم تنشر سابقاً والشظايا البالغة الهشاشة. هنا مثال لتلك الشظايا، كما يتباهى بها المحررون: «إننا ننشر هنا، ولأول مرة، النسخة الوحيدة المعروفة من هذه العبارة: (ما هو شعري؟ لا أدري. سيكون من الأسهل أن أسأل شعري من أنا)». القراء الذين يعرفون نيروداهم سيقولون إن إضافة نصية واحدة فقط - تلك التي تشير صراحة إلى مثلية الشاعر الإسباني فيديريكو لوركا - هي التي تضيف قيمة.
وهو أمر جيد بطبيعة الحال، لأن النسخة الأصلية - ولكن لنتفادى تسميتها بـ«غير المكتملة» – سرد يخدم ذات الشاعر ويصف على نحو سافر حياته، قصص عشقه، كراهيته، احتقاره وآيديولوجيته. إنه غرور مذهل في بعض المواضع، ومع ذلك فهو جميل دائماً وقراءته اليوم - في عصرنا المقيدة ذكوريته كثيراً - تثير أسئلة أخلاقية مزعجة. كيف ننظر إلى رجل شهواني على مزاجه لا يتردد مطلقاً في استعمال سلطته - بوصفه شاعراً أو دبلوماسياً لدفع النساء (اللاتي كن في الغالب ضعيفات) إلى فراشه؟
اختار نيرودا أن يكون عنوان كتابه «أعترف أنني عشت» – (Confieso Que He Vivido) في النص الإسباني الأصلي. نشر الكتاب عام 1974. بعد عام من إصابته بالسرطان وتحطم قلبه، كما يود البعض أن يضيف، التحطم الذي نتج عن انتحار رئيس تشيلي سلفادور أيندي قبل أيام فقط من وفاة نيرودا نفسه. كان أيندي صديقاً عزيزاً ورفيقاً يسارياً، وكان نيرودا قد تخلى عن طموحاته الرئاسية - كان مرشح الحزب الشيوعي لأعلى منصب في تشيلي - وذلك لكي يرهن مستقبله بمستقبل الاشتراكي أيندي. عين الأخير نيرودا سفيراً لتشيلي في باريس عام 1971 - السنة التي فاز فيها الشاعر بجائزة نوبل للأدب.
استعمل نيرودا كلمة «مذكرات» عنواناً جانبياً ومن المحزن أن تكون هذه الكلمة الوحيدة عنواناً للنص الإنجليزي عام 1977. إنها وصف غير مناسب لسلسلة من التأملات غير المترابطة - هي فقط متسلسلة بصورة غير واضحة - التي تتركز على حياة نيرودا المضطربة، سياسياته الستالينية، ولحظات إلهامه الأدبية والروحية. أنجز الترجمة هاردي سانت مارتن الذي توفي عام 2007 والنص الإنجليزي في هذه الطبعة الأحدث المحشوة ما يزال من ترجمته - مع ترجمة للإضافات قام بها أدريان نيثان ويست.
مع أن مذكرات نيرودا نشرت لأول مرة عام 1974، فإن الكثير مما تتضمنه كان قد طبع عام 1972 في عشر حلقات لمجلة «أو كروزيرو» البرازيلية. ومع اضمحلال صحته في السنة الأخيرة من حياته، سارع نيرودا إلى إنهاء قصته، الأمر الذي يمنح الفصول الأخيرة من كتابه طابع القفز والتشظي. السطور الأولى من نصه الأصلي، في واقع الأمر، تحذر القراء بأن أفكاره في الكتاب مشتتة، بل غير مترابطة، نتيجة للتوترات الأدبية - كما رآها - داخل نفسه: «ما يتذكره كاتب المذكرات ليس تماماً ما يتذكره الشاعر».
لو تُرجمت تلك العبارة من إسبانية نيرودا بدقة أكبر فقد تقرأ على أنها: «مذكرات كاتب المذكرات ليست مذكرات الشاعر». المترجم، سانت مارتن، يفلت منه الاختزال اللاذع في العبارة. ومع ذلك فإن الخلل في ترجمة سانت مارتن أقل بكثير من الضرر الذي أحدثه المترجمون الشعريون في تشيلي والذين يتوفرون بعدد أكثر من اللازم. سحق النثر أصعب بكثير من سحق الشعر.
قراء شعر نيرودا في ترجماته الإنجليزية سيجدونه يتحدث بأصوات متباينة. كتب مايكل وود، أستاذ النقد الأدبي (في جامعة هارفرد)، أن ترجمات شعر نيرودا إلى الإنجليزية «ليست في الغالب جيدة جداً». فقط روبرت بلاي وأنتوني كيريغان، كما يقول، «يجعلان نيرودا ينطق بالإنجليزية كما لو كان شاعراً جيداً بالإسبانية».
أبرز ما في «المذكرات الكاملة» هي الأقسام الثانوية التي نجد فيها غارسيا لوركا، والتي تحدد عشيقاً كان نيرودا يلتقيه مع الشاعر الإسباني حين عرفه أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين. تشير ملاحظة من المحرر أن الدافع وراء عدم نشر هذه النصوص تعود إلى سؤال طرحه نيرودا على زوجته، ماتيلدا أوروتيا: «هل الجمهور متحرر من التحيز بما يكفي لكي يقبل مثلية فيديركو دون أن يؤثر ذلك على مكانته؟» أوروتيا التي ترملت وأشرفت على نشر المذكرات بعد موت نيرودا عبرت علناً عن ذلك التردد في مذكرة مكتوبة بخط اليد: «كانت لدي شكوك شبيهة ولم أضمنها المذكرات».
إن من بالغ الدلالة، في مقابل ذلك، أنه لا هي ولا نيرودا كانت لديهما مشاعر من الحيرة تجاه تضمُّن المذكرات حادثة تعود إلى الفترة التي قضاها الشاعر قنصلاً شرفياً في كولومبو في سيلان التي كانت تحت الحكم البريطاني عام 1929. صار النص الآن بين النصوص الأبرز في السمعة (السيئة) (in famous) في الكتاب. فيه يصف كيف أنه حين كان دبلوماسياً في الخامسة والعشرين فرض نفسه جنسياً على خادمة تنظيف من التاميل كانت تفرّغ المرحاض في منزله يومياً. لم تحتل المواجهة أكثر من أربع فقرات، ومع ذلك فإن هذه الكلمات القليلة تبعث برائحة نتنة على مذكراته يصعب تجاهلها.
كانت المرأة «تمثالاً داكناً»، «أجمل امرأة رأيتها حتى ذلك الحين في سيلان». كانت «حيوان غابة خجول». ظل لعدة أيام يعطيها الهدايا - قطعة من الحرير، بعض الفاكهة. ثم في أحد الصباحات «أمسك رسغها بقوة» وأخذها إلى سريره. تلا ذلك «اجتماع رجل وتمثال». بينما كان يمارس الجنس معها «أبقت عينيها مفتوحتين طوال الوقت، غير مستجيبة له». لقد اغتصبها نيرودا - مع أنه لا يستعمل ذلك التعبير لوصف المواجهة. لكنه يشير إلى أنها «كانت محقة في احتقاري».
لقد عادت تلك الأسطر لتسيء إلى ذكرى نيرودا. قبل ثلاثة أعوام عارضت النسويات تحركاً لإعادة تسمية مطار سانتياغو باسمه. وجدن الفكرة غير مهضومة. لكن نيرودا يواصل كونه شاعراً محبوباً. مهما أردنا أن نظن أن غابرييل غارسيا ماركيز يبالغ حين سماه «أعظم شعراء القرن العشرين - في أي لغة»، علينا أن نعترف بأنه بين أكثر شعراء العشق سحراً في العصر الحديث. يندر العثور على شاب يتحدث الإسبانية (دون أن يكون جلفاً) ولم يقرأ كتاب نيرودا «عشرون قصيدة حب وأغنية لليأس»، أحد أكثر الكتب ترجمة في العالم.
كانت مواقف نيرودا السياسية كريهة، بل مقززة - كان معجباً بستالين، يراه «رجلاً طيباً وذو مبادئ، متزناً مثل ناسك». يكتب في مذكراته أن «الفاشيين والرجعيين وصفوه بأنه مفسر غنائي لستالين. إنني لا أنزعج من هذا الوصف».
ومع ذلك فإن نيرودا يُبَجَّل بوصفه شاعراً وليس من حيث هو صاحب آيديولوجيا - وهذا هو الصحيح. لا يضارعه أحد في إعادة صياغته للغة الإسبانية - «لغة جميلة ورثناها من الفاتحين الشرسين» - وفي دمج روح وتاريخ أميركا اللاتينية في شعره.
كانت غابات جنوب تشيلي أعظم ملهميه. للكاتب الأرجنتيني الحكيم خورخي لويس بورخيس الكلمة الأخيرة. لقد نظر إلى نيرودا بوصفه شاعراً جيداً - بين الأجود، في الحقيقة. لكن بورخيس أضاف تعديلاً: «لكني لست معجباً به من حيث هو إنسان».
* ترجمة لمراجعة نشرتها
«وول ستريت جورنال»



حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت
TT

حين كان ديكارت على حافة الجنون

 ديكارت
ديكارت

قد نتوهم أحياناً أن الفلاسفة يتوصلون إلى الحقيقة بشكل جاهز، سهل، وهم جالسون في برجهم العاجي مرتاحين مسرورين لا هم لهم ولا غم. ولكن الواقع مختلف تماماً. فالحقيقة لا تتجلى لهم إلا بعد معاناة داخلية طويلة وبعد تجاوز الأسلاك الشائكة وتخطيها. من بين هؤلاء بالطبع بل وعلى رأسهم ديكارت.

من المعلوم أنه ترك بلاده فرنسا، لأن الظلامية الأصولية كانت مخيمةً عليها في ذلك الزمان. وكانت ترعب المثقفين وتخنق أنفاسهم خنقاً في كل أنحاء أوروبا. الدليل على ذلك ترويع غاليليو وحرق جيوردانو برينو بعد أن قطعوا لسانه في أقبية الفاتيكان المظلمة. بالتالي فمن الصعب على أي مثقف أن يفكر بشكل طبيعي في مثل هذا الجو الخانق المرعب. ويبدو أن أصدقاءه الباريسيين هم الذين نصحوه بمغادرة البلاد بعد أن توسموا فيه أمارات النبوغ والعبقرية. قالوا له ما معناه: أنت وحدك القادر على كشف الحقيقة. بالتالي لم تعد ملكاً لنفسك فقط، إنما أصبحت ملكاً للبشرية جمعاء. في الواقع إنهم خافوا عليه من المخابرات الأصولية التي كانت تهيمن آنذاك على باريس وفرنسا كلها. وهي مخابرات فوق بشرية، أي أخطر أنواع المخابرات. وأدركوا أنها ستبطش به لا محالة بمجرد أن تعرف من هو بالضبط، وماذا يعتمل في داخله من أفكار وتفاعلات خارج الإطار المسموح به. فبالنسبة للأصوليين لا داعي للبحث عن الحقيقة لأنها موجودة جاهزة في كتب القدماء. فلماذا تتعب نفسك أيها الجاهل المغرور؟ لماذا تضيع وقتك؟ لهذا السبب غادر ديكارت فرنسا وعاش معظم حياته خارجها. في ذلك الوقت كان هناك بلدان يتمتعان بهامش كبير من الحرية هما إنجلترا وهولندا. بالتالي فمعظم مفكري فرنسا كانوا يهربون إلى لندن أو أمستردام كما كان يفعل المثقفون العرب مع بيروت في الخمسينات والستينات. لهذا السبب فإن ديكارت نشر معظم مؤلفاته في هولندا. ثم كانت تدخل سراً تحت المعطف إلى فرنسا. لقد غادر بلاده لكي يتنفس الهواء الطلق في الخارج. من يصدق الآن أن فرنسا كانت محكومةً يوماً ما بأصولية ظلامية مطبقة خانقة تشبه «طالبان» في أفغانستان؟ لقد غادرها وهو يشعر بأن هناك شيئاً ما يختلج في داخله: شيء مبهم غامض يكاد يتفجر تفجراً. لكنه لا يعرف كنهه ولا سره كما يحصل لمعظم العباقرة:

يقولون لي من أنت في كل بلدة

وما تبتغي ما أبتغي جل أن يسمى

(المتنبي)

وعلى دروب التجوال والترحال في مختلف أنحاء أوروبا راح ديكارت «يقرأ العالم ككتاب مفتوح على مصراعيه». لاحظوا ما أجمل هذه العبارة. لاحظوا شحنة الحرية الهائلة التي تنطوي عليها. فمتى سيلتقي ديكارت بالحقيقة المخبوءة، بالحقيقة المطموسة الضائعة؟ آه أيتها الحقيقة يا أحلى عشيقة في التاريخ. متى سألقاك؟ متى سأكحل عيني بمرآك؟ ولكنه لن يلقاها ولن يكحل عينه بمرآها إلا بعد أن يتعذب ويتمرمر ويموت ألف موتة. فالحقيقة لا تعطي نفسها بسهولة. الحقيقة بخيلة جداً وقد تتمنع عليك تمنعاً. وهي على أي حال لن تعطي نفسها لك إلا بعد أن تدفع ثمنها عداً ونقداً. الحقيقة نادرة ومهرها غال:

فيا دارها بالحَزْن إن مزارها

قريبٌ ولكن دون ذلك أهوال

(المعري)

ثم اشتدت الأزمة الداخلية في أعماق ديكارت وتفاقمت واستفحلت. ثم نهشه جحيم الشك نهشاً حتى لم يعد يستقر على حال. ولم يعد يستطيع التوصل إلى يقين ثابت أو أرض صلبة يقف عليها. وكاد أن يجن. ومعلوم أن الشك سلاح ذو حدين. فهناك الشك الذي يعمر وهناك الشك الذي يدمر. هناك الشك الإيجابي المبدع الخلاق، وهناك الشك العدمي العقيم القاتل. وما أدراك ما جحيم الشك؟ ثم نزل عليه برد اليقين في آخر لحظة. البعض يقول: نزل عليه الإلهام الصاعق فأنقذه قبل أن يحصل ما لا تحمد عقباه. متى حصل ذلك؟ في ليلة 10 نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 1619، أي قبل 400 سنة من الآن. وتقول لنا الأخبار أيضاً: لولا عفو الله لقضى ديكارت نحبه في تلك الليلة الليلاء، حيث رأى ثلاثة أحلام مرعبة هزته هزاً. فاستيقظ مذعوراً مرعوباً وراح يرتجف كريشة في مهب الرياح. لكنها انتهت على خير لحسن الحظ. وتمخضت في نهاية المطاف عن الحدث الأعظم: انعتاق الروح وانكشاف الحقيقة. وهذا هو معنى الوحي الفلسفي أو الإلهام الصاعق الذي لا ينزل إلا على كبار العباقرة. عندئذ تجلت له الحقيقة التي لا تعطي نفسها إلا للعظماء. فخر راكعاً، ساجداً، شاكراً. وأقسم يميناً بالله أنه سيحج إلى مزار السيدة العذراء في بلدة لوريتو بإيطاليا سيراً على الأقدام. وهي من أهم مزارات الحج الكاثوليكية في العالم. وفى بنذره فعلاً عام 1623. هكذا نجد أن مؤسس العقلانية الفلسفية في الغرب لم يكن عقلانياً إلى الحد الذي نتصوره. أو قل كان عقلانياً تماماً فيما يخص الشؤون البشرية والأرضية واكتشاف قوانين الطبيعة والكون. لكنه كان يعرف أن هناك أشياء عُلوية سماوية تتجاوز أفهامنا وعقولنا. وربما كان يشعر ضمناً بأن العناية الإلهية تعرف من هو بالضبط. ربما كان يشعر في قرارة نفسه بأنها تطل عليه من فوق: تحرسه وتحميه. وذلك ريثما يكون قد أدى مهمته وحقق الاكتشافات الكبرى التي أضاءت للبشرية عتمات الطريق.

على أي حال لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته على المكشوف. لذلك وصفه هيغل بأنه «البطل المقدام للفكر». بعدئذ استطاع أن يتوصل إلى طمأنينته الشخصية وحقيقته الجوهرية. وقد تحدث عن ذلك بشكل ذاتي مؤثر في كتابه الشهير «مقال في المنهج». وهو الكتاب الذي نتجت عنه كل الحضارة الحديثة التي نعرفها اليوم: أي سيطرة الإنسان على الطبيعة وانتصاره عليها بواسطة العلم والتكنولوجيا. قال في اعترافاته الشخصية ما معناه: «كنت كمن يتقدم وحيداً في بحر من الظلمات. كنت كمن يمشي على خيط رفيع جداً جداً، ويكاد أن يسقط في أي لحظة. كنت على وشك السقوط في هاوية سحيقة، ولا قرار...»، لكنه لم يسقط إنما وصل إلى بر الأمان. أخيراً وصل رينيه ديكارت.

بعد أن انكشفت له الحقيقة ساطعة كقرن الشمس، بعد أن تغلب على شكوكه وهواجسه الجنونية، بعد أن حقق أكبر انتصار على مجهول المجاهيل، قرر ديكارت أن يقطع مع أفكاره السابقة التي تلقاها من العائلة والمدرسة والكنيسة. في تلك اللحظة قرر أن يقوم بأكبر انقلاب في تاريخ الفلسفة. في تلك اللحظة قرر أن يطوي صفحة ألف سنة من تاريخ الفلسفة: أي كل فلسفة القرون الوسطى اللاهوتية الكهنوتية التكرارية الاجترارية. ومن تلك اللحظة ابتدأت الفلسفة الحديثة: أي الفلسفة الديكارتية التي طالما سحرت طه حسين عندما كان في باريس وأشعلت شرارة التنوير العربي. يقول ديكارت بالحرف الواحد في كتابه العظيم «التأملات الديكارتية» أو «التأملات الميتافيزيقية»:

«كنت قد اكتشفت منذ زمن طويل أني كنت قد تلقيت مجموعة كبيرة من الأفكار الخاطئة في سنوات عمري الأولى. لقد تلقيتها على أساس أنها صحيحة تماماً ولا يرقى إليها الشك. ولكني اكتشفت فيما بعد أن كل ما أسسته على هذه المبادئ الهشة المهتزة لا يمكن إلا أن يكون مشبوهاً جداً ولا يقين فيه. وبالتالي فقد قررت أن أدمر كل أفكاري السابقة».

لاحظوا مدى خطورة هذه العبارة الأخيرة التي يكاد يرتجف أمامها المثقف العربي ارتجافاً. من يستطيع أن يلفظ عبارة كهذه: «قررت أن أدمر كل أفكاري التراثية والماضوية والرجعية السابقة. من يستطيع أن يقول مثلاً: قررت التخلي عن كل الأفكار الطائفية والمذهبية القديمة التي تربيت عليها منذ نعومة أظفاري وتشربتها مع حليب الطفولة؟ وهي أفكار تكفر الآخرين وتبيح دمهم شرعاً. سوف يتهمونه فوراً بالخروج على ثوابت الأمة ومقدساتها. وهذا ما حصل بالفعل لديكارت. فقد وضع الفاتيكان مؤلفاته على لائحة الكتب المحرمة قراءتها على المؤمنين (أي المتدينين المسيحيين). وكذلك فعل مع تلميذه سبينوزا الذي ذهب بعيداً أكثر في تفكيك العقائد التراثية التكفيرية. على هذا النحو أشرقت علينا أنوار العصور الحديثة فبددت ظلمات العصور الوسطى.

أخيراً كان ديكارت يقول هذه العبارة الشهيرة: «الفيلسوف يتقدم مقنعاً على مسرح التاريخ»، وكان يقصد بذلك أنه لا يستطيع الكشف عن وجهه الحقيقي منذ البداية خشية أن يقتلوه أو يغتالوه قبل أن يضع مؤلفاته الأساسية ويضرب ضربته الكبرى.

لم يستطع ديكارت التوصل إلى الحقيقة إلا بعد أن خاض المعركة مع ذاته ولذلك وصفه هيغل بـ«البطل المقدام للفكر»


الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية
TT

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

الكاتب الآيرلندي جون كونولي بالعربية

في روايته «كل شيء ميت»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة محمد عبد العزيز، يتقن الكاتب الآيرلندي جون كونولي رسم ملامح شخصية المحقق السابق في شرطة نيويورك تشارلي باركر الذي يجد نفسه على حافة الجنون؛ إذ تعذبه فكرة أنه لم يتوصل بعد إلى قاتل زوجته وابنته الصغيرة، فيمتزج إحساسه بالذنب والندم مع الرغبة في الانتقام.

وعندما يطلب منه شريكه السابق تعقب أثر فتاة مفقودة، يجد باركر نفسه وقد عاد مرة أخرى إلى عالم يملأه القتل والدماء، ووسط كل هذا يجد خيطاً ربما يدله على قاتل زوجته وابنته بعد أن عاد للظهور من جديد.

هكذا بمساعدة عالمة نفس شابة واثنين من المجرمين المحترفين، ينطلق باركر باحثاً عن الحقيقة، متورطاً في عالم لم يتخيل أنه دخله من قبل؛ إذ يسعى إلى مواجهة نهائية ووحشية مع رجل تجاوز جميع مفاهيم الإنسانية، ليفتح أبواب الجحيم على القاتل المتسلسل المعروف باسم «الرجل المسافر»، في نص مليء بالإثارة ومشحون بالتوتر عبر حبكة متقنة تحفل بشخصيات استثنائية.

ورغم أجواء التشويق، فإن المؤلف يمنح الجانب النفسي العاطفي في الشخصيات اهتماماً واضحاً، من خلال استكشاف قصص الحب المستحيلة والإخفاق العاطفي وذكريات المشاعر القديمة التي يظن أصحابها أنها اختفت إلى الأبد، غير أنها سرعان ما تندلع في لحظة هاربة من الزمن والمنطق والعقلانية.

ورغم التماسك الظاهري للشخصيات وما تُظهره من صلابة، يستكشف النص تلك الحالة من الهشاشة الداخلية التي تنتاب الجميع، وتظهر في مواقف بعينها في إطار عام من الخيبة والخذلان.

وُلد جون كونولي في 31 مايو (أيار) عام 1968، واشتُهر بسلسلة رواياته من بطولة المحقق الخاص «تشارلي باركر». درس اللغة الإنجليزية وآدابها في كلية «ترنينتي» في دبلن، كما درس الصحافة، لكنه سرعان ما أحس بالإحباط من عمله كصحافي، وبدأ في التفرغ للكتابة الأدبية.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«وصلت منزل والتر بعد التاسعة بقليل، فتح لي الباب بنفسه وأدخلني. لو كنت شخصاً متوسط التعليم لسميت المكان وكراً، لكن هذا اللفظ ما كان ليصف حقيقة المكان، فالمكتبة صغيرة تحوي كتباً جمعها والتر كقارئ نهم على مدار نصف قرن. كان بإمكانك أن ترى كتباً تحوي سير كتاب وشعراء مثل كيتس وسانت إكسبري جنباً إلى جنب مع كتب عن الطب الشرعي والجرائم الجنسية وعلم نفس الجريمة، إلى جانب كتب بورخيس وهيمنجواي.

رأيت أيضاً جهاز كمبيوتر من نوع (ماكنتوش باوربوك) فوق مكتب غطت قمته طبقة من الجلد، وإلى جانب المكتب اصطفت ثلاث خزائن لوضع الملفات. كانت الحوائط مزينة بلوحات بعض الفنانين المحليين، وفي أحد الأركان وقفت خزانة ذات واجهة زجاجية تحوي جوائز حصل عليها والتر في الرماية، وقد وُضعت الجوائز دون تنسيق وكأنه شعر بالحرج جراء افتخاره بقدراته. كان النصف الأعلى من النافذة مفتوحاً، فانسابت من الخارج روائح الحشائش المقصوصة للتو، وأصوات أطفال يلعبون هوكي الشارع في المساء الدافئ.

دخلت زوجته لي إلى الوكر عبر الباب، مضى على زواجها بوالتر أربعة وعشرين عاماً، وخلال هذه المدة امتازت حياتهما معاً باللين والتسامح بشكل لم أستطع أنا وسوزان أن نحققه حتى في أفضل مراحل علاقتنا. ارتدت لي قميصاً أبيض وجينز أسود أظهرا قواماً لم يتأثر بإنجاب طفلين، ولا بولع والتر بالمطبخ الشرقي. كان شعرها الأسود الذي لاحت فيه بعض الخصلات البيضاء كقمر وسط المياه المظلمة مرفوعاً...».


«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية
TT

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

«الزمن البرّي»...استعادة الذاكرة السورية

صدرت حديثاً عن منشورات «رامينا» في لندن، رواية «الزمن البرّي» للروائيّ والقاصّ السوريّ حسين سليمان، المقيم في الولايات المتحدة الأميركية. وتقدّم الرواية عالماً روائياً مشبعاً بالذاكرة والحنين والأسئلة الوجودية التي تتقاطع فيها مصائر الأفراد مع تحولات المكان والزمن.

منذ الصفحات الأولى، يضع حسين سليمان قارئه داخل فضاء روائي تتداخل فيه الواقعية مع التأمل، وتتجاور فيه الحياة اليومية مع طبقات عميقة من الذاكرة الفردية والجماعية. تدور الأحداث في بلدة سورية تبدو مألوفة في ظاهرها، غير أنّها تتحول تدريجياً إلى مسرح واسع لاستكشاف العلاقات الإنسانية، وأثر الزمن في البشر والأمكنة، والكيفية التي تتوارث بها العائلات حكاياتها وأسرارها وأوجاعها عبر الأجيال.

تتمحور الرواية حول شخصية «كندة» التي تتحرك بين البيت والسطوح والطرقات والنهر والبراري، حاملةً أسئلة تتجاوز عمرها وتجربتها المباشرة. ومن خلال هذه الشخصية، ينسج الكاتب شبكة واسعة من العلاقات التي تضم الآباء والأمهات والأجداد والأقارب، فتغدو الحكاية رحلة داخل الذاكرة العائلية بقدر ما هي رحلة في الجغرافيا الداخلية للإنسان.

ويمنح حسين سليمان للمكان حضوراً استثنائياً في الرواية؛ فالبلدة ليست خلفية للأحداث، وإنما كائن حي ينبض بالتاريخ والذكريات والرموز. السطوح والأزقة والبيوت القديمة والنهر والبراري تشارك جميعها في تشكيل المعنى، وتتحول إلى عناصر فاعلة في السرد، تحمل آثار من مرّوا بها وتحتفظ بأصداء أصواتهم وحكاياتهم.

ومن أبرز ملامح العمل انشغاله بفكرة الزمن، الذي يتحرك في اتجاهات متعددة، ويستدعي الماضي باستمرار داخل الحاضر، ويجعل الشخصيات تعيش بين ما حدث وما يمكن أن يحدث. لذلك تبدو الرواية أقرب إلى محاولة لفهم أثر السنوات في الوعي الإنساني، وفي العلاقات العائلية، وفي صورة الإنسان عن نفسه وعن العالم المحيط به.

ويتوقف النص طويلاً عند موضوع الحب بمستوياته المختلفة؛ حب العائلة، وحب الأرض، وحب الإنسان للآخر، وحب الحياة ذاتها. وتأتي هذه الثيمة ضمن سياق تأملي يربط العاطفة بالذاكرة والإيمان والبحث الدائم عن المعنى. لذلك تكتسب الشخصيات أبعاداً إنسانية تتجاوز أدوارها المباشرة داخل الحبكة، وتتحول إلى أصوات تعبّر عن رؤى وتجارب متباينة للحياة.

يعتمد حسين سليمان على لغة سردية كثيفة ومشحونة بالتأملات والصور والاستعادات الزمنية. وتميل الجمل إلى التوسع والتدفق، مع حضور واضح للنبرة الفلسفية والوجدانية التي تمنح النص طابعه الخاص. كما تتكئ الرواية على حوارات داخلية وأسئلة مفتوحة تمنح القارئ مساحة واسعة للمشاركة في إنتاج المعنى وتأويل الأحداث.

وتكشف الرواية عن اهتمام واضح بالعالم الداخلي للشخصيات، حيث تتجاور الهواجس الفردية مع التحولات الاجتماعية، وتتشابك الرغبات الشخصية مع الموروث العائلي والثقافي. ومن خلال هذا التشابك تنجح الرواية في بناء عالم متعدد الطبقات، يفتح أبواباً واسعة للتأمل في الإنسان ومصيره وعلاقته بالماضي والحاضر.

بهذا العمل يواصل حسين سليمان مشروعه الروائي القائم على استنطاق الذاكرة السورية، والبحث في مصائر البشر تحت تأثير الزمن والتحولات الكبرى، عبر نص يزاوج بين السرد والتأمل، ويعيد طرح أسئلة الهوية والانتماء والعائلة والحب ضمن رؤية إنسانية واسعة الأفق.

تقع الرواية تقع في 277 صفحة من القطع الوسط.

وكان المؤلف قد أصدر عدداً من الروايات، ومنها: «صدى الزور البعيد»، و«ينزلون من الرحبة» و«الضجيج»، ومجموعة قصصية بعنوان «رموز العربة».