مذكرات نيرودا الكاملة... حين يتفوق الشاعر على الإنسان

ليس أكثر من خدعة لتسويق كتاب نشرت ترجمته الإنجليزية قبل 44 عاماً

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

مذكرات نيرودا الكاملة... حين يتفوق الشاعر على الإنسان

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

يستحيل ألا تشعر ببهجة الترقب عند فتح «المذكرات الكاملة» لبابلو نيرودا. لكن ما إن يكتشف القارئ ما على صفحات الكتاب حتى يبدو ادعاء الاكتمال - بما يتضمنه ذلك من استعادات مثيرة للشهية وامتلاك لفصول مفقودة منذ أمد بعيد حول الشاعر التشيلي الكبير - ليس أكثر من خدعة للتسويق مرة أخرى لكتاب نشر في ترجمة إنجليزية لأول مرة قبل أربعة وأربعين عاماً.
تتضمن «ملاحظة تحريرية» في نهاية الكتاب قائمة بكل الإضافات التي تمت لـ«المذكرات الكاملة» لبابلو نيرودا الأصلية - مع أنها حذفت أرقام الصفحات بما لا يعين القارئ على الانتقال إلى ما استجد على الكتاب. لقد أضيف 19 نصاً تتراوح في الطول ما بين الست صفحات من الكلمات التي لم تنشر سابقاً والشظايا البالغة الهشاشة. هنا مثال لتلك الشظايا، كما يتباهى بها المحررون: «إننا ننشر هنا، ولأول مرة، النسخة الوحيدة المعروفة من هذه العبارة: (ما هو شعري؟ لا أدري. سيكون من الأسهل أن أسأل شعري من أنا)». القراء الذين يعرفون نيروداهم سيقولون إن إضافة نصية واحدة فقط - تلك التي تشير صراحة إلى مثلية الشاعر الإسباني فيديريكو لوركا - هي التي تضيف قيمة.
وهو أمر جيد بطبيعة الحال، لأن النسخة الأصلية - ولكن لنتفادى تسميتها بـ«غير المكتملة» – سرد يخدم ذات الشاعر ويصف على نحو سافر حياته، قصص عشقه، كراهيته، احتقاره وآيديولوجيته. إنه غرور مذهل في بعض المواضع، ومع ذلك فهو جميل دائماً وقراءته اليوم - في عصرنا المقيدة ذكوريته كثيراً - تثير أسئلة أخلاقية مزعجة. كيف ننظر إلى رجل شهواني على مزاجه لا يتردد مطلقاً في استعمال سلطته - بوصفه شاعراً أو دبلوماسياً لدفع النساء (اللاتي كن في الغالب ضعيفات) إلى فراشه؟
اختار نيرودا أن يكون عنوان كتابه «أعترف أنني عشت» – (Confieso Que He Vivido) في النص الإسباني الأصلي. نشر الكتاب عام 1974. بعد عام من إصابته بالسرطان وتحطم قلبه، كما يود البعض أن يضيف، التحطم الذي نتج عن انتحار رئيس تشيلي سلفادور أيندي قبل أيام فقط من وفاة نيرودا نفسه. كان أيندي صديقاً عزيزاً ورفيقاً يسارياً، وكان نيرودا قد تخلى عن طموحاته الرئاسية - كان مرشح الحزب الشيوعي لأعلى منصب في تشيلي - وذلك لكي يرهن مستقبله بمستقبل الاشتراكي أيندي. عين الأخير نيرودا سفيراً لتشيلي في باريس عام 1971 - السنة التي فاز فيها الشاعر بجائزة نوبل للأدب.
استعمل نيرودا كلمة «مذكرات» عنواناً جانبياً ومن المحزن أن تكون هذه الكلمة الوحيدة عنواناً للنص الإنجليزي عام 1977. إنها وصف غير مناسب لسلسلة من التأملات غير المترابطة - هي فقط متسلسلة بصورة غير واضحة - التي تتركز على حياة نيرودا المضطربة، سياسياته الستالينية، ولحظات إلهامه الأدبية والروحية. أنجز الترجمة هاردي سانت مارتن الذي توفي عام 2007 والنص الإنجليزي في هذه الطبعة الأحدث المحشوة ما يزال من ترجمته - مع ترجمة للإضافات قام بها أدريان نيثان ويست.
مع أن مذكرات نيرودا نشرت لأول مرة عام 1974، فإن الكثير مما تتضمنه كان قد طبع عام 1972 في عشر حلقات لمجلة «أو كروزيرو» البرازيلية. ومع اضمحلال صحته في السنة الأخيرة من حياته، سارع نيرودا إلى إنهاء قصته، الأمر الذي يمنح الفصول الأخيرة من كتابه طابع القفز والتشظي. السطور الأولى من نصه الأصلي، في واقع الأمر، تحذر القراء بأن أفكاره في الكتاب مشتتة، بل غير مترابطة، نتيجة للتوترات الأدبية - كما رآها - داخل نفسه: «ما يتذكره كاتب المذكرات ليس تماماً ما يتذكره الشاعر».
لو تُرجمت تلك العبارة من إسبانية نيرودا بدقة أكبر فقد تقرأ على أنها: «مذكرات كاتب المذكرات ليست مذكرات الشاعر». المترجم، سانت مارتن، يفلت منه الاختزال اللاذع في العبارة. ومع ذلك فإن الخلل في ترجمة سانت مارتن أقل بكثير من الضرر الذي أحدثه المترجمون الشعريون في تشيلي والذين يتوفرون بعدد أكثر من اللازم. سحق النثر أصعب بكثير من سحق الشعر.
قراء شعر نيرودا في ترجماته الإنجليزية سيجدونه يتحدث بأصوات متباينة. كتب مايكل وود، أستاذ النقد الأدبي (في جامعة هارفرد)، أن ترجمات شعر نيرودا إلى الإنجليزية «ليست في الغالب جيدة جداً». فقط روبرت بلاي وأنتوني كيريغان، كما يقول، «يجعلان نيرودا ينطق بالإنجليزية كما لو كان شاعراً جيداً بالإسبانية».
أبرز ما في «المذكرات الكاملة» هي الأقسام الثانوية التي نجد فيها غارسيا لوركا، والتي تحدد عشيقاً كان نيرودا يلتقيه مع الشاعر الإسباني حين عرفه أوائل الثلاثينيات من القرن العشرين. تشير ملاحظة من المحرر أن الدافع وراء عدم نشر هذه النصوص تعود إلى سؤال طرحه نيرودا على زوجته، ماتيلدا أوروتيا: «هل الجمهور متحرر من التحيز بما يكفي لكي يقبل مثلية فيديركو دون أن يؤثر ذلك على مكانته؟» أوروتيا التي ترملت وأشرفت على نشر المذكرات بعد موت نيرودا عبرت علناً عن ذلك التردد في مذكرة مكتوبة بخط اليد: «كانت لدي شكوك شبيهة ولم أضمنها المذكرات».
إن من بالغ الدلالة، في مقابل ذلك، أنه لا هي ولا نيرودا كانت لديهما مشاعر من الحيرة تجاه تضمُّن المذكرات حادثة تعود إلى الفترة التي قضاها الشاعر قنصلاً شرفياً في كولومبو في سيلان التي كانت تحت الحكم البريطاني عام 1929. صار النص الآن بين النصوص الأبرز في السمعة (السيئة) (in famous) في الكتاب. فيه يصف كيف أنه حين كان دبلوماسياً في الخامسة والعشرين فرض نفسه جنسياً على خادمة تنظيف من التاميل كانت تفرّغ المرحاض في منزله يومياً. لم تحتل المواجهة أكثر من أربع فقرات، ومع ذلك فإن هذه الكلمات القليلة تبعث برائحة نتنة على مذكراته يصعب تجاهلها.
كانت المرأة «تمثالاً داكناً»، «أجمل امرأة رأيتها حتى ذلك الحين في سيلان». كانت «حيوان غابة خجول». ظل لعدة أيام يعطيها الهدايا - قطعة من الحرير، بعض الفاكهة. ثم في أحد الصباحات «أمسك رسغها بقوة» وأخذها إلى سريره. تلا ذلك «اجتماع رجل وتمثال». بينما كان يمارس الجنس معها «أبقت عينيها مفتوحتين طوال الوقت، غير مستجيبة له». لقد اغتصبها نيرودا - مع أنه لا يستعمل ذلك التعبير لوصف المواجهة. لكنه يشير إلى أنها «كانت محقة في احتقاري».
لقد عادت تلك الأسطر لتسيء إلى ذكرى نيرودا. قبل ثلاثة أعوام عارضت النسويات تحركاً لإعادة تسمية مطار سانتياغو باسمه. وجدن الفكرة غير مهضومة. لكن نيرودا يواصل كونه شاعراً محبوباً. مهما أردنا أن نظن أن غابرييل غارسيا ماركيز يبالغ حين سماه «أعظم شعراء القرن العشرين - في أي لغة»، علينا أن نعترف بأنه بين أكثر شعراء العشق سحراً في العصر الحديث. يندر العثور على شاب يتحدث الإسبانية (دون أن يكون جلفاً) ولم يقرأ كتاب نيرودا «عشرون قصيدة حب وأغنية لليأس»، أحد أكثر الكتب ترجمة في العالم.
كانت مواقف نيرودا السياسية كريهة، بل مقززة - كان معجباً بستالين، يراه «رجلاً طيباً وذو مبادئ، متزناً مثل ناسك». يكتب في مذكراته أن «الفاشيين والرجعيين وصفوه بأنه مفسر غنائي لستالين. إنني لا أنزعج من هذا الوصف».
ومع ذلك فإن نيرودا يُبَجَّل بوصفه شاعراً وليس من حيث هو صاحب آيديولوجيا - وهذا هو الصحيح. لا يضارعه أحد في إعادة صياغته للغة الإسبانية - «لغة جميلة ورثناها من الفاتحين الشرسين» - وفي دمج روح وتاريخ أميركا اللاتينية في شعره.
كانت غابات جنوب تشيلي أعظم ملهميه. للكاتب الأرجنتيني الحكيم خورخي لويس بورخيس الكلمة الأخيرة. لقد نظر إلى نيرودا بوصفه شاعراً جيداً - بين الأجود، في الحقيقة. لكن بورخيس أضاف تعديلاً: «لكني لست معجباً به من حيث هو إنسان».
* ترجمة لمراجعة نشرتها
«وول ستريت جورنال»



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended