موسكو تنشّط تحركاتها في مواجهة «اختبار القوة» في مجلس الأمن

تلويح بالفيتو ضد المساعدات ومبادرة جديدة في جولة آستانة

مساعدات إنسانية من منظمة الغذاء العالمي إلى شمال سوريا عبر معبر باب الهوى (د.ب.أ)
مساعدات إنسانية من منظمة الغذاء العالمي إلى شمال سوريا عبر معبر باب الهوى (د.ب.أ)
TT

موسكو تنشّط تحركاتها في مواجهة «اختبار القوة» في مجلس الأمن

مساعدات إنسانية من منظمة الغذاء العالمي إلى شمال سوريا عبر معبر باب الهوى (د.ب.أ)
مساعدات إنسانية من منظمة الغذاء العالمي إلى شمال سوريا عبر معبر باب الهوى (د.ب.أ)

نشطت موسكو تحركاتها تمهيداً لما وصف «اختبار القوة» في مجلس الأمن، في العاشر من يوليو (تموز) الحالي عند مناقشة تمديد التفويض الدولي حول المساعدات الإنسانية إلى سوريا.
وعمدت موسكو إلى إطلاق إشارات عدة في مواجهة التحركات الأميركية التي ركزت على حشد تأييد واسع لمواقف واشنطن كما برز في اجتماع روما أخيراً، ولغة التحذير التي وجهتها الولايات المتحدة لموسكو من استخدام حق النقض في مجلس الأمن لإفشال مشروع قرار غربي يقضي بتمديد آلية إدخال المساعدات الإنسانية لعام إضافي، وتوسيعها بعدم الاكتفاء بمعبر باب الهوى الذي يعمل حالياً.
وشكل التلويح الروسي باستخدام الفيتو ضد أي محاولة لتوسيع آلية إدخال المساعدات، رسالة رد قوية على الشرط الذي طرحته واشنطن، الذي وضع احتمال توسيع قنوات الحوار مع روسيا حول الشأن السوري بإبداء موسكو مرونة واضحة في ملف المساعدات الإنسانية.
وشكل هذا الموضوع نقطة خلافية ليس مع واشنطن وحدها، بل ومع الجانب التركي الذي يعارض توجه موسكو لإغلاق معبر باب الهوى، وهو ما حمل وزير الخارجية سيرغي لافروف إلى زيارة أنطاليا أول من أمس، لإقناع الجانب التركي بضرورة تأييد الموقف الروسي. ويعد هذا التحرك استباقياً لإنجاح جولة مفاوضات آستانة التي أعلنت موسكو عن تنظيمها في السادس من الشهر الحالي في العاصمة الكازاخية نور سلطان، بهدف «ضبط الساعات» والتوصل إلى تفاهمات كاملة مع إيران وتركيا قبل حلول موعد انعقاد جلسة مجلس الأمن.
وجاءت زيارة المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلى سوريا ألكسندر لافرنتييف إلى دمشق، أمس، لتصب في مسار التحركات الواسعة التي تقوم بها موسكو، تحضيراً لجولة آستانة وفي مواجهة تصعيد النقاش الدولي حول ملف المساعدات.
وأفادت الرئاسة السورية، أمس، بأن لقاء الرئيس بشار الأسد مع لافرنتييف والوفد المرافق في دمشق، تمحور حول العلاقات الاستراتيجية بين البلدين ومجالات التعاون الثنائي، وأضافت أنه «تم التأكيد على الاهتمام المشترك والأولويّة التي يعطيها الجانبان لتوسيع هذا التعاون في كل المجالات التي تسهم في تحقيق مصالح الشعبين الصديقين».
وأوضحت، أنه تم التركيز على «آخر التطورات على المسار السياسي، سواء من خلال اجتماعات آستانة أو اجتماعات لجنة مناقشة الدستور»، وقالت، إن لافرنتييف «عرض للرئيس الأسد التحضيرات الجارية لعقد الاجتماع المقبل بصيغة مسار آستانة، وتم التأكيد على ضرورة استمرار العمل على هذا المسار دون أي تدخلات خارجية تعرقل الوصول إلى نتائج إيجابية من خلال هذه الاجتماعات».
وفي أنطاليا تحدث لافروف بلهجة حازمة؛ إذ شدد على معارضة موسكو مشروع قرار جديد تم طرحه في مجلس الأمن الدولي بشأن فتح ممر ثان لنقل المساعدات عبر الحدود إلى سوريا.
وقال خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره التركي مولود جاويش أوغلو «إذا كنا قلقين من المشاكل الإنسانية التي يعاني منها الشعب السوري فينبغي النظر إلى مجمل الأسباب التي أسفرت عن ظهور هذه المشاكل، ابتداءً من العقوبات، بما فيها قانون القيصر الخانق وغير الإنساني الذي تبنته إدارة (الرئيس الأميركي السابق دونالد) ترمب، والاستيلاء غير المشروع على الأصول السورية في المصارف الغربية بطلب من واشنطن، ما لا يمكن وصفه إلا بأنه عملية نهب، ورفض شركائنا ضمان تقديم المساعدات الإنسانية بوساطة المنظمات الدولية عبر دمشق، وعبر خطوط التماس إلى جميع المناطق التي لا تزال خارج سيطرة الحكومة حتى الآن».
وكان مشروع القرار الغربي الذي وزّعته على أعضاء المجلس الجمعة النرويج وإيرلندا، يقضي بتمديد عمل ممر باب الهوى عند حدود تركيا وسوريا وإعادة فتح ممر اليعربية بين العراق وسوريا الذي تم إغلاقه في يناير (كانون الثاني) 2020، كما ينص مشروع القرار على استئناف التفويض لمدة عام بدلا عن التفويض لمدة ستة أشهر، الذي أصرت عليه روسيا عند مناقشة الملف العام الماضي.
لكن مندوبة الولايات المتحدة لدى مجلس الأمن، ليندا توماس غرينفيلد، أعربت عن عدم ارتياح واشنطن للاقتراح الجديد، مصرّة على ضرورة إعادة فتح معبر ثالث أيضاً، وهو معبر باب السلام عند حدود تركيا الذي توقف عن العمل في يوليو 2020.
في المقابل، وجّه لافروف رسالة شفهية إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، تضمنت اتهام تنظيم «هيئة تحرير الشام» الذي تشكل «جبهة النصرة» السابقة عموده الفقري، بمنع القوافل الإنسانية من عبور الحدود إلى سوريا، مع أشارته إلى تغاضي أنقرة عن هذا الأمر.
كما حمّل لافروف، المانحين الغربيين المسؤولية عن «الابتزاز من خلال التهديد بقطع التمويل الإنساني عن سوريا، في حال عدم تمديد تفويض ممر باب الهوى»، مشدداً على «ضرورة التصدي لمثل هذا السلوك».
وأبلغ دبلوماسي روسي، «الشرق الأوسط»، أن موسكو «سوف تستخدم بالتأكيد حق النقض في مجلس الأمن، إذا أصرت البلدان الغربية على تقديم مشروع القرار بالصيغة التي تم توزيعها». وشدد على أن أي حديث عن المساعدات الإنسانية «لا يمكن أن يتجاوز مفهوم احترام سيادة ووحدة الأراضي السورية» وزاد «لن تسمح روسيا بتوفير سابقة من هذا النوع». لافتاً إلى أن موضوع «المعابر الإنسانية يدخل في صلب مبدأ السيادة»، مضيفاً أن هذا يعني بشكل مباشر أن أي توجه لفتح معابر جديدة أو تمديد التفويض الدولي يجب أن ينطلق بالتنسيق والتفاهم مع الحكومة الشرعية في دمشق. ورأى الدبلوماسي الروسي، أن الحديث عن «تعنت روسي في هذا الأمر هو محاولة لتشويه الواقع والانطلاق من مزاعم تتعارض مع القوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن التي أكدت كلها على أهمية احترام السيادة السورية».
ولفت الدبلوماسي الروسي إلى أن «الغرب لا يقول كل الحقيقة عندما يزعم أن المساعدات الإنسانية تشكل الحل للأزمة الحالية في سوريا؛ لأن المشكلة الأكبر تكمن حالياً في الوضع المعيشي الاقتصادي والعقوبات الغربية هي السبب الأساسي لتفاقم هذا الوضع؛ كونها تحولت إلى عقاب جماعي للشعب للسوري وتعرقل أن مسعى لتحسين أحواله».
في الإطار ذاته، وبعد زيارة لافروف إلى تركيا لتنسيق المواقف تحضيراً لاجتماع آستانة، قال الدبلوماسي الروسي، إن «التنسيق قائم ومستمر مع أنقرة وطهران في إطار مجموعة آستانة، وملف المساعدات الإنسانية مطروح على طاولة محادثات الأطراف»، لافتاً إلى أن «الحل الممكن أمام الغرب إذا كان حريصاً بالفعل على تحسين الوضع الإنساني، هو التعاون مع مجموعة آستانة التي لديها التنسيق الكامل مع حكومة دمشق في ترتيب آليات إدخال المساعدات الإنسانية وتوزيعها على المناطق السورية».
وكشف الدبلوماسي عما وصفه «مبادرة جديدة» قد يطلقها اجتماع آستانة المقبل تتعلق بملف المساعدات الإنسانية وتتمحور حول إعلان استعداد المجموعة لإيجاد الصيغ المناسبة لترتيب دخول المساعدات الإنسانية بالتعاون مع دمشق. وقال، إن أولويات الاجتماع المقبل سوف تركز على هذه النقطة مع الملفات المطروحة أساساً على أجندة «ضامني وقف النار وهي «تثبيت التهدئة ووضع آليات محددة لتنفيذ القرارات السابقة حول إدلب بما فيها تكريس المنطقة منزوعة السلاح وسحب أسلحة المقاتلين الثقيلة وفتح الطرق الدولية. والبند الثاني يتعلق بتسوية أوضاع المقاتلين الذين سلموا أسلحتهم أو وعدوا بتسليمها وضمان عدم تعرضهم لملاحقات أو تضييقات.
وكان مسؤول عسكري روسي بارز تحدث قبل أيام عن «تحركات نشطة» تجريها موسكو لإنجاح الجولة المقبلة وسط توقعات بحضور أميركي بعدما قاطعت واشنطن هذا المسار منذ الجولة الرابعة للمفاوضات التي عقدت في مايو (أيار) 2017.
وقال المسؤول في هيئة الأركان العامة للجيش الروسي ياروسلاف موسكاليك، إن اتفاقاً تم التوصل إليه بين الأطراف الضامنة لوقف النار في سوريا (روسيا وتركيا وإيران) على إجراء جولة جديدة من «مفاوضات آستانة» الخاصة بسوريا، بين يومي 6 و8 يوليو المقبل.
وكان نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، قال قبل أسبوعين، إن موسكو تبذل جهوداً لعقد جولة جديدة من مفاوضات آستانة «في وقت قريب» وبدا أن روسيا سعت لعقد الجولة الجديدة في نهاية الشهر الحالي، لكن المشاورات مع تركيا وإيران أسفرت عن تأخير الموعد نحو أسبوع.
وأطلق بوغدانوف في حينها تصريحات لافتة عندما أشار إلى احتمال إجراء انتخابات رئاسية مبكرة في سوريا في حال تم التوصل إلى آلية لدفع عمل اللجنة الدستورية السورية.
وأضاف، أنه في حال «توصلت الأطراف السورية إلى اتفاق في إطار نشاط اللجنة الدستورية، فإنه سيتم تثبيت نتائج عملها، ومن الممكن إجراء انتخابات وفقا للدستور الجديد أو الإصلاح الدستوري».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.