بايدن يواجه تيارات قوية ومتداخلة بخصوص سياسته تجاه إيران

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ف.ب)
TT

بايدن يواجه تيارات قوية ومتداخلة بخصوص سياسته تجاه إيران

الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي جو بايدن (أ.ف.ب)

كشف قرار الرئيس الأميركي جو بايدن توجيه ضربة عسكرية لميليشيا مدعومة من إيران في العراق وسوريا في وقت مبكر من يوم (الاثنين) الماضي، التوازن الدقيق الذي يقوم عليه توجهه إزاء طهران، فمن ناحية يجب عليه إظهار استعداده لاستخدام القوة للدفاع عن المصالح الأميركية، ومن ناحية أخرى يتعين عليه إبقاء خط تواصل دبلوماسي هش مع إيران في خضم محاولات البلدين إحياء اتفاق عام 2015 الذي يفرض قيوداً على البرنامج النووي الإيراني.
على الصعيد المعلن، شدد مسؤولون بالإدارة الأميركية على أن القضيتين منفصلتان.
وصرح بايدن، الاثنين، بأنه تصرف تبعاً لسلطته الدستورية التي تخول له الدفاع عن القوات الأميركية من خلال شن ضربات جوية ضد مواقع تُستخدم في تنفيذ هجمات بطائرات «درون» ضد القوات الأميركية في العراق. وقال مسؤولون بالإدارة إن هذا الأمر لا ينبغي له التداخل مع الجهود الرامية لإعادة الولايات المتحدة وإيران إلى مسار الالتزام بالاتفاق النووي.
إلا أنه في الواقع، هناك تشابك عميق بين القضيتين.
فيما يخص الإيرانيين، فإن المساعي نحو امتلاك القدرة على بناء سلاح نووي شكلت جزءاً من الجهود لإظهار إيران كقوة يُحسب لها ألف حساب داخل الشرق الأوسط وما وراءه. واليوم، جرى تعزيز قوة إيران من خلال ترسانة جديدة من طائرات «الدرون» عالية الدقة وصواريخ طويلة المدى وأسلحة سيبرانية معقدة على نحو متزايد، يقوم بعضها على تقنيات بدت خارج حدود قدرة إيران عندما كانت تتفاوض بخصوص الاتفاق النووي عام 2015.
ويتمثل أحد الأهداف من وراء محاولات بايدن في إحياء الاتفاق النووي في استغلال ذلك كخطوة أولى نحو الضغط على إيران لتناول قضايا أخرى، منها دعم طهران لجماعات إرهابية في المنطقة وترسانتها الممتدة. على هذا الصعيد، من المتوقع أن الهجمات التي جرى تنفيذها (الاثنين) من جانب قاذفات أميركية لن تشكل سوى مجرد انتكاسة مؤقتة لإيران.
إضافة لذلك، هناك خطر حدوث تصعيد.
جدير بالذكر أنه في وقت لاحق (الاثنين)، أطلقت ميليشيات مدعومة من إيران صواريخ ضد قوات أميركية في سوريا، حسبما أفاد المتحدث العسكري الأميركي، الكولونيل واين ماروتو. وأفادت وسائل إعلام كردية - سورية بأن الأهداف كانت قوات أميركية بالقرب من أحد حقول النفط.
وحتى إذا ما نجحت الإدارة في إعادة تفعيل الاتفاق النووي، سيواجه بايدن تحدياً كبيراً يتمثل في إيجاد سبيل لكبح جماح الإيرانيين بدرجة أكبر، خطوة قال الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي إنه لن يوافق عليها أبداً.
ومن هذا المنظور، تسلط الضربات الجوية الأميركية الأخيرة الضوء على حجم التيارات المتداخلة والمتعارضة التي يواجهها بايدن في خضم محاولته صياغة سياسة متناغمة تجاه إيران.
جدير بالذكر أن بايدن يواجه ضغوطاً من جانب اتجاهات متنوعة من الكونغرس وحلفاء، ناهيك عن حكومة طهران الجديدة والمتشددة بقيادة رئيسي الذي فرضت وزارة الخزانة الأميركية ضده عقوبات عام 2019 وذلك بعدما خلصت إلى «مشاركته فيما أطلق عليه (لجنة الموت) التي أصدرت أوامرها بتنفيذ إعدامات خارج إطار القانون بحق آلاف السجناء السياسيين» منذ أكثر من 30 عاماً ماضية.
داخل الكونغرس، ينظر البعض إلى الضربات العسكرية التي أمر بها بايدن باعتبارها استمراراً في نهج المبالغة الرئاسية في استغلال سلطات الحرب دونما استشارة الكونغرس أو موافقته. في هذا السياق، أثار السيناتور كريستوفر إس. ميرفي، الديمقراطي من كونيتيكت، التساؤلات حول ما إذا كانت الهجمات الإيرانية المتكررة من خلال عملائها في العراق ترقى لما يوصف بأنه «حرب منخفضة الحدة».
وقال: «لا يمكنك تفعيل سلطات المادة الثانية مراراً وتكراراً دون الوصول إلى نقطة معينة تستحث فيها سلطات الكونغرس لإعلان الحرب».
في المقابل، تدور الحجة التي يطرحها بايدن حول فكرة أن الضربات المستهدفة المتكررة وإعادة الانضمام للاتفاق النووي الذي انسحب منه الرئيس دونالد ترمب منذ ثلاث سنوات تدور جميعها حول تجنب الحرب. وأعلن مسؤولون بالبيت الأبيض أنه لا نية لديهم للسعي وراء استصدار إعلان حرب ضد إيران ومن يعملون بالوكالة عنها.
من جهته، وصف وزير الخارجية أنتوني بلينكن، أثناء زيارته أوروبا، الضربات بأنها «ضرورية ومناسبة وتمثل عملاً متعمداً يرمي للحد من مخاطرة التصعيد، لكنها تبعث في الوقت ذاته برسالة ردع واضحة لا لبس فيها».
إلا أنه في الوقت ذاته، تشكل مثل هذه الضربات جزءاً من رد بايدن على الجمهوريين في الداخل، والذين عارضوا بأغلبية ساحقة الاتفاق النووي عام 2015 ويسعون لرسم صورة للرئيس باعتباره يقف ضعيفاً في مواجهة عدوان إيراني.
وداخل البيت الأبيض، قالت جين ساكي، السكرتيرة الصحافية إن المنطق القائم وراء هذه الضربات بسيط «يجب وقف الهجمات ضد قواتنا، ولذلك أمر الرئيس بالعملية التي جرى تنفيذها والتي تأتي في إطار الدفاع عن النفس وعن قواتنا».
وأشارت كذلك إلى أن من يعملون عن إيران بالوكالة شنوا خمس هجمات بطائرات «درون» ضد قوات أميركية منذ أبريل (نيسان)، وحان الوقت للتصدي بحزم لهذا الأمر.
فيما يخص بايدن، يبدو الكونغرس مجرد جزء واحد من التعقيدات المحيطة بمسألة التعامل مع إيران. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة أعربت عن تحفظاتها العميقة والمستمرة حيال استئناف اتفاق عام 2015. ما يعكس ذات الموقف الذي اتخذه رئيس الوزراء السابق بنيامين نتنياهو عندما شن حملة ضغوط ضد الاتفاق الأصلي.
ومع شروع مسؤولي الإدارة في إخطار الحلفاء والكونغرس بخصوص الهجوم الأخير، التقى بايدن الرئيس الإسرائيلي رؤوفين ريفلين. وكان اللقاء في الجزء الأكبر منه بمثابة احتفالية لتوجيه الشكر لريفلين عن سنوات تعاونه مع الولايات المتحدة، ومنها سبع سنوات أثناء توليه منصب رئيس إسرائيل، وذلك قبل أن يتنحى عن منصبه.
واستغل بايدن اللقاء الذي جرى داخل المكتب البيضاوي ليؤكد من جديد على تعهده بأن «إيران لن تحصل أبداً على سلاح نووي خلال رئاستي». وكان الهدف من ذلك إرسال إشارة مفادها أن إسرائيل والولايات المتحدة تتشاركان الهدف ذاته، حتى إن تباينت وجهتا نظرهما بخصوص السبيل الأمثل لنزع تسليح الإيرانيين.
ومع ذلك، فإن ثمة اختلافات كبيرة واضحة بين الجانبين حول نمط الاتفاق النووي المطلوب الآن، بعد 6 سنوات من بدء سريان الاتفاق الأول. جدير بالذكر أن القدرات الإيرانية، وتقدمها على صعيد بناء منظومات أسلحة أخرى، قطعا شوطاً كبيراً منذ بدء سريان الاتفاق الأصلي.
من جهتهم، اعترف مسؤولون بارزون في إدارة بايدن، من بلينكن إلى ما دونه، بأنه من بين مثالب الاتفاق النووي القديم أنه بحاجة لأن يكون «أطول أمداً وأقوى»، بجانب أنه يتعين عليه تناول برنامج تطوير الصواريخ ومسألة دعم الإرهاب.
واليوم، تبدو الفجوة بين الجانبين في اتساع مستمر. كما يبدو من الواضح أن أي اتفاق شامل يتناول المخاوف الأميركية العديدة المتعلقة بالسلوك الإيراني، يجب أن يغطي نطاقاً واسعاً من الأسلحة الجديدة التي كانت القوات الإيرانية في بداية محاولة تجريبها فقط منذ 6 سنوات.
واليوم، يجري استخدام مثل هذه النوعية من الأسلحة، ومنها طائرات «درون» قادرة على حمل سلاح تقليدي وإطلاقه بدقة عالية ضد قوات أميركية، وصواريخ قادرة على استهداف جميع أرجاء الشرق الأوسط وأطراف أوروبا، وأسلحة سيبرانية جرى استخدامها ضد مؤسسات مالية أميركية، بصورة منتظمة من جانب إيران.
تجدر الإشارة هنا إلى أن اتفاق عام 2015 لم يتناول أياً من هذه الأسلحة رغم وجود اتفاق آخر منفصل ومتزامن أقره مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة وتجاهلته إيران بدرجة كبيرة. وثمة إدراك متزايد بأنه من أجل أن يفي بلينكن بتعهده بإقرار اتفاق «أطول وأقوى»، فإن عليه أن يضم في ثنايا الاتفاق الكثير من هذه الأسلحة، وليس الصواريخ فحسب.
التساؤل الأبرز هنا يدور حول ما إذا كان من الممكن جذب إيران للمشاركة في اتفاق يغطي هذه التقنيات بعد استعادة لب اتفاق 2015، بافتراض إنجاز ذلك الأمر.
من ناحيتهم، أشار مساعدو بايدن إلى أن ذلك هو هدفهم. وأنهم سيتحركون من موقف قوة بالنظر إلى رغبة إيران في التمتع بقدرة أكبر على الوصول إلى أنظمة الصرافة الغربية من مبيعاتها من النفط.
مع ذلك، لم تُختبر حتى الآن النظرية القائلة بإمكانية دخول واشنطن في مفاوضات مع الحكومة الإيرانية الجديدة المتشددة. وتبقى هناك بعض المؤشرات المثيرة للقلق على هذا الصعيد.
يتمثل واحد من هذه المؤشرات في رفض إيران، دونما تفسير، تمديد الاتفاق مع مفتشين نوويين دوليين، والذي توقف سريانه، الخميس، مع إبقائها كاميرات المراقبة الأمنية ومجسات أخرى مثبتة على مخزونات البلاد من الوقود النووي رغم عدم السماح بدخول مفتشين للمنشآت الإيرانية أثناء المفاوضات.
ويحمل هذا الأمر أهمية حيوية للإدارة الأميركية التي سيتعين عليها إقناع الكونغرس والحلفاء بأنه لم يجر تحويل مسار بعض المواد النووية الإيرانية سراً إلى مشروعات لتصنيع قنبلة نووية أثناء سريان المفاوضات.
وبينما أعلن مسؤولون أميركيون، الاثنين، أنه ليس لديهم سبب يدعوهم للاعتقاد بأن الكاميرات جرى إيقافها، من الواضح أن المسؤولين الإيرانيين يحاولون زيادة الضغوط من خلال التلميح بأنه من دون التوصل لاتفاق تبعاً لشروطهم، فإن الغرب قد يصبح عاجزاً عن إدراك ما يجري في المخزونات النووية الإيرانية.
وحال تفجر هذا الوضع وتحوله إلى أزمة كاملة، فإن هذا قد يعرض الاتفاق النووي للخطر، ويلقي بالإدارة الأميركية إلى دائرة من التصعيد، ذات الأمر على وجه التحديد الذي ترغب الإدارة في تجنبه.

* خدمة «نيويورك تايمز»



الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».