القصيدة مصيدة العالم

القصيدة مصيدة العالم

الشاعر أسامة الحداد في ديوانه «أن تكون شبحًا»
الخميس - 15 جمادى الأولى 1436 هـ - 05 مارس 2015 مـ
غلاف المجموعة

يتمرد الشاعر أسامة الحداد على فكرة الوجود المادي الماثل للعيان، في ديوانه «أن تصبح شبحا»، ويرى أنه وجود ناقص ومشوه ومبتور، كل يوم يكرر نفسه، ويحاصره بحزمة لا تنتهي من الذنوب المستعارة، تكبل طاقته العاطفية والروحية، وتجعلها مجرد قشرة هشة حائرة في منعطفات واقع لا يكف عن اجترار ذاته، في حلقة لا تنتهي من الاضطراب والعبث، سياسيا واجتماعيا وثقافيا.. وعلى شتى المستويات.

في مواجهة كل هذا، يلجأ الشاعر في ديوانه هذا الصادر حديثا عن دار «إيزيس» بالقاهرة إلى ارتداء قناع الشبح، ويوهم به عبر قصائد الديوان، في مغامرة جديدة، تناوش فكرة الخلاص من شرور العالم والواقع المعيش، ومحاولة إيجاد معني مغاير لها، بعيدا عن تراتب الحياة المنطقي وتداعيات الأشياء التي لا تبرح ظلا لها، السقيمة الباردة. فالعيش تحت سقف هذا القناع يوفر للذات مساحة خصبة، غير مرئية، لتبادل الأفكار والأدوار وتنويع أشكال اللعب في النص، وأيضا الهروب من وطأة الزمن بثقله المادي المباشر، وعقده السميكة القابعة في قاع اللاوعي. كما يوفر هذا اللعب القدرة للخيال على النفاذ بحيوية فيما وراء العناصر والأشياء، وتفكيك وحداتها وعلائقها السرية، حسب ما يقتضي النص الشعري من ضرورة فنية. فكأن النص محاولة مستميتة، ليست فقط لإعادة تريب العالم جماليا، وإنما أساسا محاولة للانتصار على الواقع الذي يعيش فيه، ورفض مظاهر التكيف والخنوع الكاذبة. وهو ما يطالعنا به الشاعر في أولى قصائد الديوان، التي يحتفي خلالها بالوحدة بديلا لافتقاد الآخر، حيث تصبح القصيدة بمثابة شبكة أو خطة لترتيب الواقع، أو على الأقل جعله مقبولا، يسير الهضم شعريا، حتى بمراياه المهشمة، كما تهجس به القصيدة حيث تقول:

«خطة مقبولة للأمس

لأيام أعيشها من جديد

أرتب خلالها المواعيد

التي هربت في الحافلات العامة

وأحدد أعمالا أكثر روعة من أشجار بلاستيكية

أختار ملامح مغايرة لي

وأشكالا متناسقة للخونة واللصوص

بحيث يمكننا العمل مع على إخفاء الهواء».

تنوع القصيدة مفردات وحدتها وعالمها الجديد التي توهم به، فهو خال من الأضداد، له وجه واحد، لا مسافة فيه بين الحلم واليقظة في سياقهما الخارجي والداخلي، وأيضا بين المعرفة والخلاص.. بين الوجود وطيفه، تحت قناع الشبح نفسه؛ حيث «الكلمات لا حواف لها/ والأسماء متطابقة، وعاجزة عن التداول، والمناخ لا يمكن الشعور به، وعادة يمر بلا ضجيج مفتعل». ومن ثم تكثف الذات الشاعرة كل نشاطها للوصول إلى نقطة مركزية عليا، تطمح أن تختصر من خلالها العالم وتهيمن عليه، وفي الوقت نفسه تحقق حريتها كاملة بلا شروط أو قيود، أو رقابة ما.. إنها نقطة الاستواء الطبيعية، الخالية من أي مفاجآت مزعجة، وهي نقطة تنساب ببساطة وتلقائية في عمقها العادي المألوف، بعيدا عن الرتوش والزوائد الفجة.. فأن تكون شبحا، يعني، وكما يقول الشاعر، أن «تغدو كل الأشياء عادية، لا لزوم لها، ويكون من العبث البحث عن قارة غارقة في كوكب بعيد، أو ارتياد أماكن محددة».. ومن ثم تمثل هذه النقطة العليا، وطرق الأنا في الوصول إليها ذروة الصراع دراميا في الديوان، لذلك لا تكف النصوص عن البحث عنها، بل مساءلتها واصطيادها من زوايا كثيرة، وبتراوحات متباينة دلاليا وفنيا في القصائد، لكن يظل الانفلات من تخوم الوعي شرطا جوهريا لتحقق هذا الوجود الجديد المغاير؛ فالحلم بالحرية لا ينفصل عن الحلم بواقع مغاير، كما أنهما وعيان يتصارعان من أجل حرية القصيدة في النهاية، والوعي بأنها النقطة المركزية للذات في الوصول إلى ذروة تمردها في رفض فجاجة وقبح ولا معقولية هذا العالم.. واللافت أن هذه النقطة ليست مسالمة تماما، فهي أحيانا تشبه اللعنة، لكنها لعنة تكتسب مسحة تطهيرية، كما تصفها إحدى القصائد، مشيرة إلى أن عدم العدوى بها يفضي إلى التعاسة.. «كم هو تعيس من لا تصيبه اللعنة، ومن يفشل الوباء في مرافقة عظامه، دون علامة تعجب قاسية».

ومن ثم، ففي هذا المناخ الذي تتبادل فيه الذات والوجود قناع الشبح.. لا فواصل بين الأشياء، بل لا يفضي النقيض إلى ضده، وإنما يتعايش معه، ويتبادلان الأدوار بمحبة حانية، في لعبة: الأصل/ الظل، النور/ العتمة، الحب/ الكره.. فالظل هو الأصل معا، والعكس صحيح أيضا. وتنعكس هذه الدلالة «الاتصال/ الانفصال»، على الحياة نفسها، فهي مرئية ومخفية في الوقت نفسه.. هي قديمة وجديدة معا.

لكن، في هذه الرؤية الشيقة الشائكة التي يطرحها الديوان: هل اختلط النزع السريالي هنا بالعبث وأصبح قرينا له؟ وهل حافة الغموض، هي نفسها حافة الوضوح؟ أتصور أن الأمر يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فالعصب السريالي في هذا الديوان - وهو محور مركزي في كل أعمال أسامة الحداد الشعرية - يتخذ من هذه الحيل والأشكال، وسيلة للتحرر؛ التحرر حتى من شكل الكتابة، ونمطيتها الشائعة، للوصول إلى ملمح شعري خاص، وهو ما بدأ يتأكد بقوة في أعماله الشعرية، التي لا تفصل ولا تحصر اختبار الحقيقة في الوجود الخارجي للأشياء، وإنما أيضا في الوجود الداخلي للنفس البشرية، بكل ما ينطوي عليه من تعارضات الجسد والروح؛ فالأحلام لا تنفصل عن شطح ونزق الخيال، ولا معنى للخطيئة بمعزل عن براءة الإثم، بل لا معنى للعتمة بعيدا عن بياض العتمة نفسها.. لا معنى للوجود بعيدا عن الإحساس الدائم بالعدم والفناء.

كل هذا الأجواء، تتجلى في القصيدة المركزية التي وسمت عنوان الديوان «أن تكون شبحا»، وهي الأكبر؛ حيث تحتل نحو ثلث صفحات الديوان السبعين. واللافت أنها توسع من قناع الشبح وتنوع مجالات إدراكه شعريا، بالطواف في آفاق إنسانية جمة، تتناسل في القصيدة في شكل مشاعر وعواطف كثيرة، وأزمنة ومشاهد وحالات إنسانية، يتقاطع ويتلاقح فيها اليقين باللايقين.. النفي بالإثبات.. الماضي بالحاضر.. الأسطورة بالواقع.. الخيانة بالرغبة في الثأر.

ويتبدى كل هذا، في نسيج شعري، يتخفف كثيرا من حمولة المجاز التقليدية، ويعتمد على نسق لغوي يميل إلى التجريد، والبعد عن الحشو والاجترار والتكرار، فهي لغة بنت النص، تفيض عنه وتعيش فيه، مهما تفاوتت مرجعيتها الدلالية والفكرية.

في هذا الطواف الذي لا يخلو أحيانا من الإيهام بلعبة التقمص، تتحول القصيدة إلى.. مصيدة للعالم، إلى ما يشبه منصة مسرح، مفتوحة على النهايات والبدايات، لحوار الشاعر مع ذاته، والعالم والأشياء، مجسدا في الوقت نفسه، تفاهة الإنسان وانطواءه ومخاوفه وأوهامه وشعوره بالاضطهاد، وكذلك عذاباته وارتباكه إزاء كل صغيرة أو كبيرة من شؤون الحياة اليومية، وفي نفس شعري لاهث مسكون بالحيرة إلى حد المتاهة والخرافة.. وكما تقول هذه القصيدة:

«سوف أحلِّق حولكم

لست سوبرمان

ولا صاحب بساط سحري

يصنع حواديت الأمهات

رغبتي لا نهاية لها

وذاكرتي لا تحفل بالطيبين

والبخار الذي اقتنصته

لم يكن لشجرة وديعة على نهر غائب

فلا تصدقوا الأساطير

عن أشباح ثلاثية الأعين

أو سداسية الرؤوس

فالمعادلات الهندسية عدو خائب».

فهكذا، يسعي الشاعر إلى خلق منطقة من التضايف الحميم، تعيش فيها الأشياء، بكل تبايناتها.. تبحث عن شهوتها الأولى، وحريتها الأولى، بلا خوف من أن تصطدم الحقيقة بالشك في الفرد والمجتمع والوجود معا.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة