أوليفييه بولج لـ («الشرق الأوسط»): أحب أن أؤلف قصصا متجددة في كل عطر

أوليفييه بولج لـ («الشرق الأوسط»): أحب أن أؤلف قصصا متجددة في كل عطر

عطار «شانيل» الجديد.. هذا الشبل من ذاك الأسد
الخميس - 15 جمادى الأولى 1436 هـ - 05 مارس 2015 مـ

سمها كما تشاء: محاباة أم محسوبية أم وفاء أم ضربة حظ، لكن عندما تجلس مع الشاب أوليفييه بولج وتتجاذب معه أطراف الحديث، تتبخر كل هذه الأفكار المسبقة، وتكتشف مدى حنكة وذكاء دار «شانيل» في اختيارها عطارا خاصا لها، خلفا لوالده جاك بولج. هذا الأخير ظل معها منذ عام 1978، لكنه هذا العام سلم المشعل لابنه الأربعيني، ما يشير إلى أهمية الاستمرارية بالنسبة للدار الفرنسية من جهة، وإلى تقديرها للعنصر العائلي من جهة ثانية.

لا بد من الإشارة هنا إلى أن والده، جاك، هو الذي أهدانا عطورا مميزة مثل «كوكو شانيل»، «تشانس»، و«ألور»، ما يجعل البعض يحضرون أنفسهم لعقد مقارنات بينهما. بعد الحديث مع أوليفييه، تشعر بأن أي مقارنة مضيعة للوقت، لأنه بالأساس لا يريد أن يعيش في جلباب أبيه، كما أنه هو الآخر حقق نجاحات لا يستهان بها، مثل «فلاوروبومب» لفيكتور أند رولف، العطر الذي حقق نجاحا تجاريا منقطع النظير، فضلا عن عطر «فلورابوتانيكا» لبالنسياجا وغيرهما. في مقابلة خاصة معه في مقر «شانيل» بباريس، كشف الستار عن أول عطر ابتكره للدار اسمه «ميسيا» Misia، سيدخل ضمن عطورها الخاصة والمتخصصة Les Exclusifs ليسجل من خلاله عهدا جديدا في تاريخ الدار وفي سيرته الذاتية على حد سواء. فوق طاولة زجاجية عريضة، وُضعت عينات من العطر، ما إن تفتحها حتى تنبعث منها رائحة ساحرة، هي مزيج من البودرة السائبة المعطرة والورد. في الجهة المقابلة، جلس أوليفييه، في مكان استراتيجي، واضعا رجلا على رجل، وكأنه يتعمد أن يراقب رد الفعل الأولي، وبابتسامة وديعة، تشك فيما إذا كانت تشي بالتواضع أم بالثقة والفخر، يجيب على كل الأسئلة بصوت هادئ وبتأنٍ شديد، وكأنه يفكر في كل كلمة عشر مرات، قبل أن يتفوه بها. ومع ذلك لا تشعر بأن إجاباته محسوبة أو تأتي من نص كتب له وملزم به، بل العكس. مع كل إجابة، يتأكد الإحساس بأنه يتميز بشخصية شفافة ورقيقة لا تأخذ نفسها محمل الجد، لكنها في الوقت ذاته تعرف ما تريد، تماما مثل «شانيل». وهذا ما ذكرني بالمثل العربي القديم «وافق شن طبقة». بأناقته ووسامته وهدوئه، يعكس صورة الدار ومبادئها إلى حد كبير. وهكذا تتبخر أي فكرة عن المحسوبية أو المحاباة، ويحل محلها يقين بأن تعيينه سيثمر على إنتاجات ستعطر العالم، وبأنه خير خلف لخير سلف. فليس هناك أجمل من شاب يتذوق الموسيقى ويعزف على البيانو، رغم أنه يعترف بأنه عازف غير جيد، ليبتكر عطورا تتراقص على نغمات كلاسيكية عصرية.



* يجب أن أعترف بأن عطرك من أجمل العطور التي شممتها في الآونة الأخيرة، وهي كثيرة جدا كما تعرف. بالنسبة لي كل من يستطيع ابتكار عطر مماثل لا بد أن يتمتع بشخصية حساسة والكثير من الحب للورود. في نفس الوقت قابلت عطارين يؤكدون أن المسألة ليست شاعرية بقدر ما هي حسابية، مثل الكيمياء، تعتمد على خلط مكونات بنسب معينة لا أكثر ولا أقل. إلى أي نوع من المدرستين تنتمي؟

- أعتقد أنني مزيج من الاثنين. فأنا من جهة أتمتع بشخصية حساسة بمعنى أنني أعرف ما هو المطلوب بإحساس فطري، ومن جهة ثانية، أدرك أن عملي يتطلب الدقة، حتى تأتي الوصفة متوازنة ومحسوبة

* أكيد أنك قمت بعدة تجارب واختبارات قبل أن تنتهي من مهمتك، متى شعرت بأنك توصلت إلى الخلطة المطلوبة وقلت مع نفسك: «وجدتها.. وجدتها»؟

- (مبتسما) من الصعب تحديد ذلك، لكنها مسألة إحساس فطري، وبالفعل هناك صوت داخلي يقول لك في لحظة ما، بأنك توصلت إلى ما تبتغيه وأن الوصفة اكتملت.

* هل يمكنك أن تقول لي بعض الشيء عن نفسك: كيف كبرت وعشت في مدينة غراس محاطا بالورود، وهل كانت صناعة العطور قدرك المحتوم؟

- أنا لم أكبر محاطا بالورود فحسب، بل ولدت في أسرة تتنفس العطور، بحكم عمل والدي. فقد كان يأتي دائما إلى البيت في آخر النهار محملا بالروائح المتنوعة، كما أن معظم أصدقائه ومعارفه يعملون في صناعة التعطير والتقطير. أتذكر كيف كانوا يتجاذبون في لقاءاتهم المسائية أطراف الحديث عن أنواع الزهور وأوقات قطافها وأحسن الطرق لتقطيرها وما شابه ذلك. عندما كنت صغيرا، كنت أعيش هذه الأجواء وأسمع كل ما يدور بينهم من أحاديث وتحاليل، ولم أكن أدري أن بداخلي شبه جهاز كومبيوتر يخزن هذه المعلومات، فكأي صبي في سن المراهقة، تمردت على أي شيء يمت للعائلة بصلة، ليس لسبب معقول سوى رغبة في التمرد وإثبات الذات، لهذا لم أفكر في هذه المهنة بتاتا. كان حلمي أن أترك غراس وأهاجر إلى مكان بعيد استكشف فيه أشياء جديدة. لكن كما ترين، انتهى بي المطاف إلى باريس ونفس مهنة والدي.

* هذا ليس أمرا سيئا على الإطلاق. متى انتهت فترة التمرد هذه؟

- عندما بلغت الـ20. كان التاريخ صيفا.. أذكر ذلك جيدا لأني قمت بدورة تدريبية في مختبر والدي، واكتشفت حينذاك كم هو ممتع العمل في هذا المجال، وكم هو واسع وخصب. بعد بضعة أشهر، أعربت لوالدي عن رغبتي في امتهان عمله، طالبا منه الدعم المعنوي والعون بتوفير دورات تدريبية.

* كيف انتابك هذا الشعور أول مرة، هل كنت في المختبر وفجأة اتضحت لك الصورة، أم هل كان لرائحة ما تأثيرها على نفسيتك وقرارك؟

- كل ما في الأمر أنني اكتشفت أن سعادة عارمة تنتابني وأنا أتعامل مع المكونات الأساسية والمواد الخام، من النباتات إلى الأزهار والأعشاب والأخشاب، وحتى تقنيات التقطير واستخراج الزيوت.. كل العملية كانت مثيرة بالنسبة لي خصوصا كيف يجتمع فيها غير الملموس عندما يكون مجرد فكرة وروائح طبيعية خاما، مع الملموس عندما تتحول إلى عطر في قارورة.

* هل يمكن القول بأنك تدين بما تعلمته الآن لوالدك؟

- في البداية لا، لأني لم أعمل معه، وهو ما أعتقد أنه صحي وجيد على المدى البعيد. صحيح أنه ساعدني في الحصول على فرص دورات تدريبية عندما كنت في العشرين من العمر، لكننا لم نعمل مع بعض، إذ سافرت مباشرة إلى نيويورك لأبدأ عملي هناك. في العام الماضي فقط، جاء أول تعاون بيننا. ربما لهذا السبب لا أشعر بثقل الإرث الذي خلفه والدي، من الناحية العملية.

* «ميسيا» أول عطر لك في دار «شانيل»، ولن يطرح كباقي العطور، بل هو جزء من عطورها الخاصة والمتخصصة جدا Les Exclusives De Chanel، هل وضعك هذا الأمر تحت الضغط، أم العكس لأنه ليس تجاريا؟

- من الناحية الإبداعية، فإن فكرة التعبير عن الدار من خلال منتج ملموس، أيا كان، عملية صعبة، أما من الناحية التقنية، فإنه من السهل صنع عطر ضمن مجموعة Les Exclusives لأن الرؤية واضحة ومكتوبة بوضوح من مسبقا، وكل ما يحتاجه العطار هنا، هو تطبيق منهج علمي. لكني لا بد من أن أعترف بأنني محظوظ، لأن الفكرة التي انطلقت منها هي ميسيا سيرت، صديقة عمر غابرييل شانيل، حيث التقتا في بداية العشرينات من القرن الماضي، حين كانت شانيل غير معروفة بعد. مع مرور الوقت، تغيرت حياة هذه الأخيرة ومسارها، لكن بقيت ميسيا دائما المرأة التي قدمتها لشخصيات مهمة وفنانين مؤثرين سابقين لعصرهم، مثل مارسيل بروست، كلود مونيه وغيرهما. لقد كانت امرأة ملهمة بكل المقاييس، وما قمت به أني تخيلت الأجواء التي كانت تعيش فيها، وما يحرك الفنانين الذين كانت تستضيفهم في صالونها، ما أوحى لي بالورد والبنفسج وخشب الصندل، بل وحتى البودرة المنبعثة من مستحضرات التجميل.

* هل كانت هذه فكرتك أم أنها الفكرة التي طُلب منك اعتمادها؟

- عندما وافقت على ابتكار عطر خاص، كان من المهم أن يأتي بطريقتي الخاصة، أن أتمتع فيه باستقلالية تامة.

- في هذه الحالة، مدهش كيف تراودك صورة مجردة تترجمها في عطر يحكي ألف حكاية وحكاية. كيف تنجح في تحويل النظري إلى شيء ملموس يحرك الحواس؟

- عملية التفكير لم تتوقف منذ اللحظة الأولى، فقد كانت الأفكار تتسارع في ذهني بشكل مذهل، حيث انطلقت من ميسيا وغابرييل شانيل، وبسرعة انتقلت منهما إلى العلاقة مع بودرة الماكياج وراقصات الباليه الروسيات خلف الكواليس وهن يحضرن أنفسهن للمسرح، لتتبلور الصورة.

* يعني أن ميسيا سيرت وراقصات الباليه كن نوعا من الترخيص الشاعري بالنسبة لك!

- أي عطار يمكن أن يقوم بنفس العملية، لكن كل واحد سيصب فيها جزءا من شخصيته وثقافته وخياله، أي سيقوم بها بأسلوبه الخاص، ما يجعل النتيجة مختلفة من واحد إلى آخر.

* ما هي بصمتك أو أسلوبك، في العمل والحياة على حد سواء؟

- الابتعاد عن التكرار. فهذا منهجي حتى في حياتي اليومية، لأنني أرى أن أسوأ شيء، أن يقضي الإنسان حياته بشكل روتيني، يقوم فيه بنفس الأشياء يوما بعد يوم. هذه القناعة في الحياة تنعكس على أسلوبي في العمل، فأنا أميل إلى أن أذهب فيه بعيدا حتى استكشف كل الجوانب والزوايا، ولا أتركها إلا بعد أن ألم بكل تفاصيلها. حينها فقط أنتقل لأستكشف شيئا آخر وجديدا. يمكنك القول: إنني أحب أن أؤلف قصصا متجددة في كل عطر، ولا أقبل أن أقف في مكاني مستكينا لشيء مضمون أعرفه جيدا. ما سأقدمه غدا يجب أن يكون مختلفا عما أقدمه اليوم.. هذه الفلسفة تحفزني وتعجبني.

* لكن لا بد أن تكون لك بصمة تعود إليها دائما، مثل مكون خاص أو وردة تفضلها؟

- نعم أفضل مجموعة من المكونات، مثل زهرة السوسن، فهي غنية بنفحات وردية وخشبية مع نغمات من البودرة. رغم أنني لم أستعملها في أي عطر بعد، إلا أنني أعرف أن لها وجوها متعددة.

* العمل مع دار كبيرة مثل «شانيل» فرصة عمر بالنسبة لأي شاب، لكنها أيضا قد تصيب بالرهبة، خصوصا أن تاريخها مع العطور غني، كيف تشعر بعد أن اخترقتها وأصبحت واحدا من أفرادها؟

- لم أتعامل مع الأمر على أنه مثير للرهبة بقدر ما تعاملت معه كسلاح قوي في يدي. فإن تدعمك دار كبيرة يعني أنها ستسندك وتلخص لك المسافات، أي أنك ستطير على بساط من الريح.

- فكرة العائلة راسخة في جينات «شانيل» بحكم أنها دار أزياء مملوكة عائليا، ما يجعلها غطاء أمان لمن يعملون فيها، وهو أمر ضروري للإبداع، أليس كذلك؟

- أتفق معك تماما، فأرشيفها غني وإرثها بحر، وهو ما يتيح الفرصة لكتابة فصل جديد من تاريخها، ليس من خلال عطر واحد فحسب بل من خلال سلسلة من العطور. صحيح أن المسألة تتضمن الكثير من التحدي لإثبات الذات، لكني اعتبر الأمر إيجابيا لابتكار الأفضل. وككل عطار، فإن حلمي أن أقدم عطورا تبقى راسخة في الذاكرة.

* هل ترى نفسك مع «شانيل» بعد 10 سنوات من الآن؟

- لم لا؟ ففلسفة الدار هي الاستمرارية باعتماد عطار خاص يبقى معها لسنوات. هذا ما حصل مع والدي، لأكثر من 30 سنة. على الأقل أتمنى أن أصمد مثله، ولو لبضع سنوات.

* كيف تقيم نجاح أي عطر؟ هل تأخذ بعين الاعتبار نجاحه التجاري أم نجاحه الفني؟

- الاثنين، لأن قوة أي عطر يجب أن تُقاس بتفاعل السوق معه، وبحجم الإقبال عليه وكيف يُنظر عليه.

* عندما تكون في المختبر تبتكر وتختبر خلطاتك، هل تتقمص شخصية الفنان أم التاجر؟ لأن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن عطرا لا يبيع هو عطر غير ناجح؟

- لكن في الوقت ذاته، فإن فكرة لا تُطبق وتبقى مركونة في الدرج خوفا من فشلها، فكرة لم تولد ولا توجد. من الصحي والعملي أن يصل المنتج إلى الناس، وإلا ما الفائدة من التفكير به والعمل عليه؟

* ما هو عطرك الرجالي المفضل؟

- لا أستعمل أي عطر على الإطلاق وأنا في العمل، لأنه يعيقني ويؤثر على حاسة الشم لدي، لكن في إجازات نهاية الأسبوع، أستعمل «بوغ موسيو» Pour Monsieur.

* كل مبدع، سواء كان أديبا أو فنانا أو عطارا، له طقوس معينة في العمل، ما هي طقوسك؟

- لا أدري إن كانت لدي أي طقوس، لكني أحب العمل في الصباح الباكر، لأنني أنتج أكثر.

* هل تعتقد أن العطور من الكماليات أم من الأساسيات؟

- أحب فكرة استعمال العطر بشكل واع ومدروس للتعبير عن الذات. فالعطر يكشف الكثير عن شخصيتنا وأهوائنا، كما يمكن أن يكون أداة للتعبير عن أنفسنا. أنا مثلا أتذكر الناس من روائحهم وأربط كل واحد من معارفي بعطر معين.

* ألا تعتقد أن هذه الفكرة خطيرة بالنسبة للعطار، لأنه في حال ظل كل واحد منا مخلصا لعطر واحد، فإننا لن نجرب أي عطر جديد، ولن نعطيه فرصته؟

- ضاحكا: أنا لم أقل العكس، فكرتي أنه لا بأس من تجربة عطور جديدة وتغييرها بين الفينة والأخرى، لكن يجب أن يكون التغيير دافع مهم وقوي.

* هل كنت تتمتع بهذه الميزة، أي التعرف على الأشخاص من رائحتهم من قبل، أم اكتسبتها بعد دخولك هذا المجال؟

- أعترف أنها أصبحت أكثر وضوحا بعد أن أصبحت عطارا.

* هذا يعني أن العملية مسألة تدريب ولا تولد بالضرورة مع الإنسان؟

- بالفعل، يمكن تدريب الأنف على التمييز بين الروائح مع الوقت.

* ما هو أقصى ما تأمله من عطرك الجديد، لأنه عندما يطلق في الأسواق سيُطلق معه اسم أوليفييه بولج للعالمية؟

- أقول لنفسي بأني قمت بكل ما في استطاعتي، وقدمت أحسن ما لدي، والآن بعد طرحه في السوق، ليس بيدي التحكم في ردود فعل الآخرين. إذا وجد العطر حياة خاصة به ونجح، فهذا سيسعدني، لكن الأمر بيد الله الآن.

* البعض يرى أن العطر ترف، ما هو ترفك في الحياة؟

- الوقت، أن يتوفر لي بشكل كافٍ لكي أقوم بكل هواياتي. أنا أعشق عملي لكني أحب أيضا أن أعزف على البيانو رغم أني لست عازفا جيدا.

* هل ترى نفسك عطارا أم فنانا يستعمل الأزهار والأعشاب بدل الريشة والألوان؟

- لا هذا ولا ذاك، أنا أرى نفسي حرفيا أولا وأخيرا.


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة