منظمة الصحة العالمية... في عصر التحديات الوبائية والحسابات السياسية

تجربة تأثرت بـ«الحرب الباردة» وتستشرف اليوم التعايش مع الصعود الصيني

منظمة الصحة العالمية... في عصر التحديات الوبائية والحسابات السياسية
TT

منظمة الصحة العالمية... في عصر التحديات الوبائية والحسابات السياسية

منظمة الصحة العالمية... في عصر التحديات الوبائية والحسابات السياسية

ثمّة تماثيل ترفعها الدول تخليداً لذكرى أبطالها في الحروب ولإنجازات روّادها في الفكر والفن والسياسة. لكن التمثال الذي يطالع الزائر عند مدخل المقرّ الرئيسي لمنظمة الصحة العالمية في مدينة جنيف السويسرية «مختلف»... مع أنه يخلّد مأثرة تاريخية لا تنقصها البطولة أو الريادة. إنه تمثال يجمع بين رجل وامرأة، وطفل يتناول لقاحاً على يد طبيب أو ممرّض، تذكيراً بواحد من أهمّ الإنجازات في تاريخ الصحة العالمية... عندما أعلنت هذه المنظمة أواخر سبعينات القرن الماضي القضاء نهائياً على مرض الجدري. ذلك المرض الوبائي الذي أوقع ما يزيد على 300 مليون ضحية في أقلّ من سبعة عقود في العالم.
إلا أن ما لا يقوله التمثال على مدخل المنظمة الدولية هو أن الجدري كان المرض الساري الوحيد الذي تمكّنت البشريّة من استئصاله على مر التاريخ، في مأثرة ما زالت حتى اليوم تشكّل ذروة النجاحات التي حققتها المنظمة، ولم تتكرّر حتى الآن. لقد تحقق ذلك الإنجاز بفضل التعاون بين الدول الكبرى في عزّ «الحرب الباردة»، وكان مثالاً على فاعلية النظام المتعدد الأطراف والمؤسسات المنبثقة عنه عندما تتضافر جهود الدول الأعضاء لتحقيق هدف سامٍ مشترك.

اليوم يستبعد الخبراء أن نرى ذات يوم تمثالاً للتذكير بالقضاء على فيروس كوفيد - 19، إذ يرجّح الخبراء أنه حتى في حال السيطرة على جائحته، لن يتمكّن العالم من إعلان النصر النهائي على الفيروس كما حصل في 8 مايو (أيّار) عام 1980 عندما اعتمد القرار التاريخي الذي أعلن تحرير العالم من مرض الجدري بشكل نهائي. وحقاً، لا تزال تلك اللحظة تشكّل منعطفاً في مسار التعاون الدولي الأوسع من المجال الصحي وحده. ذلك أن منظمة الصحة العالمية، رغم سلطاتها المحدودة وكونها وكالة فنية وغير سياسية، لعبت دوراً مركزياً في التطور الصحي والاجتماعي للبشرية، وكانت مرآة انعكست فيها دائماً المعارك السياسية والعقائدية منذ أواسط القرن الماضي إلى اليوم.
يوم 11 مارس (آذار) من العام الماضي أعلن المدير العام للمنظمة الإثيوبي الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس أن كوفيد - 19 غدت «جائحة عالمية» أوقعت حتى اليوم ما يزيد على 3.5 مليون ضحية في شتّى أرجاء العالم، وتسبّبت في ركود غير مسبوق بعدما دخل الاقتصاد العالمي في شبه غيبوبة.

- بدايات التعاون الدولي
قبل نصف قرن كانت العلاقات الدولية أسيرة الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، أما اليوم فهي تتشكّل على وقع صعود «المارد الصيني» والنزعات القومية الحادة والتيارات الشعبوية وأزمة النظام المتعدد الأطراف الذي تشكل منظمة الصحة إحدى مؤسساته الرئيسية.
ومع تحوّل الجائحة، منذ مراحلها الأولى إلى أزمة اقتصادية عالمية الأبعاد، كان من الطبيعي أن تنتقل الصراعات الجيو - سياسية إلى المنظمة الوحيدة المكلّفة تنسيق الجهود الدولية لاحتواء تفشي الفيروس والتصدّي لهذه الجائحة، التي يرى فيها العديد من الخبراء بداية لأزمات أخرى - صحية وبيئية - ما زال العالم غير مستعدّ لها... رغم أن المحاولات لإبرام اتفاقات صحية دولية تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر.
أول المؤتمرات الصحية الدولية انعقد عام 1851 بهدف حماية أوروبا الغربية من الكوليرا الآتية من الشرق. وفي حينه تقرّر فرض حجر صحي بحري لمنع دخول الوباء إلى القارة الأوروبية. وتمّ الاتفاق على إنشاء «نظام للإنذار وتبادل المعلومات»، إذ أدركت الدول أن وقف دخول الكوليرا إلى بلد معيّن لن يجدي نفعاً إذا بقي الوباء يسري في البلدان المجاورة. لكن مع ذلك أصرّت الحكومات على الاحتفاظ بكامل صلاحياتها الصحية، رافضة تقاسمها تحت إدارة مشتركة.
وبنهاية الحرب العالمية الأولى كانت توجد أربع مؤسسات دولية تعنى بتنسيق السياسات الصحية، هي: المكتب الدولي للصحة العامة ومقرّه في باريس، ومنظمة الصحة التابعة لعصبة الأمم في جنيف، ومنظمة الصحة للبلدان الأميركية، ومعهد تطوير الصحة في مؤسسة روكفلر. هذه المؤسسات الأربع كانت النواة التي تشكّل منها لاحقاً النظام الصحي العالمي الراهن الذي يقوم على التوزيع الإقليمي للمهام الصحية الدولية، وتعدد الهيئات المعنية بإدارته وتنسيقه، والنفوذ القوي الذي يمارسه القطاع الخاص، والذي تنامى بشدّة في العقود الثلاثة المنصرمة. يومها كانت مؤسسة روكفلر في الواجهة، أما اليوم، فتعد مؤسسة بيل وميليندا غيتس المساهم الأول، بعد الولايات المتحدة، في تمويل أنشطة منظمة الصحة العالمية.
ومن رماد الحرب العالمية الثانية قامت ركائز النظام الدولي المتعدد الأطراف، الذي ما زال قائما إلى اليوم. وهو يضم مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظومة الأمم المتحدة، التي تشكّل منظمة الصحة إحدى وكالاتها المتخصصة، والتي تنصّ ديباجة دستورها التأسيسي على «أن صحة البشر جميعاً أساسية من أجل تحقيق السلم والأمن في العالم». وأن تحقيق هذا الهدف «يتوقّف على التعاون بين الأفراد والدول».

- ولادة المنظمة
في المرحلة التأسيسية، ساهم التوافق الذي ساد بين الدول المنتصرة على ألمانيا النازيّة في إنشاء منظمة الصحة العالمية، التي جنحت خلال السنوات الأولى مع رياح السياسة الخارجية الأميركية بتأثير كبير من مؤسسة روكفل... وهو ما أدّى الى انسحاب الاتحاد السوفياتي منها عام 1949 إلى جانب تسع دول من الكتلة الاشتراكية.
يومذاك قال الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين إن بلدان أوروبا الشرقية لم تحصل على المساعدات الموعودة من «خطة مارشال»، واعتبر أن المنظمة «خاضعة للهيمنة الأميركية»، مثلما أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في يوليو (تمّوز) من العام الماضي أن منظمة الصحة «تقع تحت سيطرة بكّين» ليبرّر انسحاب الولايات المتحدة منها. وحقاً، ظل الاتحاد السوفياتي خارج المنظمة حتى عام 1956 عندما عاد بعد وفاة ستالين وتولي نيكيتا خروتشوف السلطة في موسكو.
بذا، بدأت منظمة الصحة العالمية تتحوّل إلى ميدان لمعارك «الحرب الباردة». وأصبحت الصحة أداة تضفي على الدول هالة أخلاقية وإنسانية لا تختلف كثيراً عن الجهود التي تبذلها اليوم الصين وروسيا لتصدير لقاحاتها إلى الدول الفقيرة تحت عنوان الرعاية والحماية. وأدركت الدول أن إرسال الأطباء والخبراء إلى البلدان النامية، والمساعدة على الحد من الوفيّات الناجمة عن الأمراض وانعدام العناية الصحية، أكثر فاعلية من عمليات التجسس والانقلابات العسكرية و«حروب العصابات» لنقل بلد معيّن من دائرة نفوذ إلى أخرى.

- «حرب باردة» صحية
أواسط خمسينات القرن الماضي، في عز «الحرب الباردة» بين واشنطن وموسكو، وقف أحد النواب في الكونغرس الأميركي ليقول «الأمراض تولّد الفقر، والفقر يولّد المرض، وكلاهما أرض خصبة للشيوعية». في تلك الفترة كانت وزارة الخارجية الأميركية تماثل بين الملاريا والشيوعية، وتعتبر الاثنتين من الآفات التي تؤدي إلى استعباد الدول النامية، وبالتالي، لا بد من استئصالها.
في تلك الفترة فشلت الجهود الدولية التي كانت تقودها واشنطن لاستئصال الملاريا، فبادرت موسكو إلى إطلاق حملة للقضاء على الجدري، انضمّت إليها الولايات المتحدة وانتهت بالقضاء نهائياً على هذا الوباء عام 1980. وللعلم، خلال العقود الأولى من تاريخ منظمة الصحة العالمية كانت «الحرب الباردة» هي المعادلة التي تحكم إدارتها المشهد الصحي العالمي، بيد أنها منذ تأسيسها إلى اليوم ما زالت أسيرة المفاضلة الدائمة بين مدرستين مختلفتين في مقاربة المشاكل الصحية: الأولى قوامها التكنولوجيا الحديثة للسيطرة على البؤر الوبائية في مواقع ظهورها وانتشارها. والثانية تقوم على اعتبار الصحة الدولية وسيلة لتحسين ظروف حياة الناس والبنى التحتية الأساسية والنظم الصحية الوطنية من دون التركيز حصراً على أمراض أو أوبئة معيّنة.
من هنا، تحتاج قراءة التوترات التي تعيشها المنظمة منذ سنة ونصف السنة بسبب طبيعة استجابتها لكوفيد - 19 إلى العودة لتجاربها في مواجهات الأزمات الصحية التي تعاقبت على العالم منذ بداية هذا القرن.
في فبراير (شباط) عام 2003 كانت على رأس المنظمة رئيسة الوزراء النرويجية السابقة غرو هارلم بروندتلاند، وهي طبيبة اشتراكية وسياسية مخضرمة تحظى باحترام واسع في الأوساط الدولية، عندما ظهرت في الصين أول بؤرة لفيروس «سارس» الذي سرعان ما تفشّى في عدة بلدان مجاورة وتسبّب في وفاة ما يزيد على 800 شخص قبل احتوائه.
تلك كانت أول مرة تجمع فيها المنظمة البيانات مباشرة من مصادرها وتوزّعها عبر الإنترنت، إلا أنها كانت أيضاً المرة الأولى التي انتقدت فيها رئيسة المنظمة الصين علناً لتقاعسها عن إعطاء المعلومات حول الوباء عندما صرّحت قائلة «في المرة المقبلة عندما تلاحظون أمراً غريباً وجديداً على العالم، دعونا نأت بسرعة لنتبيّن ما يحصل».
وعام 2009 تباطأت المنظمة مجدداً في جهودها لمواجهة إنفلونزا H1N1 التي تسبّبت في فرض إجراءات حظر على تصدير بعض اللحوم. وأيضاً في عام 2014 تعثّرت استجابتها لفيروس «إيبولا» عندما كانت تديرها الصينية مارغاريت تشان ما أدّى إلى وقوع عدد كبير من الضحايا في كارثة كان من الممكن تفاديها.

- استخلاص العبر
المنظمة تقول اليوم إنها استخلصت العبر من تجارب الماضي عندما استجابت بسرعة لأزمة كوفيد - 19 وحذرت الأسرة الدولية وحددت تدابير الوقاية والاحتواء. غير أن مسار الجائحة حتى الآن، والخسائر البشرية والمادية التي أوقعتها، والآفاق المتلبّدة التي ما زالت أمامها، أمور تبقي معظم التساؤلات المطروحة بلا أجوبة واضحة ونهائية: فهل تحرّكت المنظمة فعلا بالسرعة اللازمة عند ظهور الفيروس في مدينة ووهان أواخر العام 2019؟ وهل كان المدير العام متساهلاً مع الصين؟ وهل كان يملك صلاحيات ليقوم بأكثر مما قام به؟ وما هي المسؤولية التي تتحملها المنظمة في تفشي الجائحة؟
في اليوم الأخير من عام 2019 بُلّغت منظمة الصحة العالمية من الصين أنها رصدت «حالات التهاب صدري مجهولة السبب». وبعد أسبوعين من ذلك التاريخ أعلنت المنظمة عبر تويتر «أن البحوث الأولية التي أجرتها السلطات الصينية لم تسفر عن قرائن واضحة على أن الفيروس الذي تمّ تحديده في ووهان يسري بين البشر». ولكن سرعان ما تبيّن أن تلك المعلومة غير صحيحة. وفي اليوم ذاته، صرّحت المسؤولة عن الأمراض الناشئة في المنظمة الدكتورة ماريّا فان كيركوفي بـ«أنه من الممكن جداً وجود سريان محدود للفيروس بين البشر»، ودعت مستشفيات العالم إلى التأهب.
بعدها، في نهاية يناير (كانون الثاني) من ذلك العام أعلنت المنظمة أعلى درجات الإنذار المعتمدة بوصفها الوباء «حالة طوارئ صحية دولية»، بينما كان المدير العام الدكتور غيبريسوس يُغدق المدائح على الصين «لسرعة رصدها الفيروس، وعزله وتحليل تسلسله الوراثي وتقاسم المعلومات المتوفرة بشأنه». ولكن تبيّن بعد ذلك أن المنظمة كانت تملك المؤشرات الكافية لتوجيه الإنذار قبل نهاية عام 2019، وهنا يقول الخبير الفرنسي فرنسوا غوديمون، من معهد باستور في باريس، «ذلك التأخير كان حاسماً في مسار الجائحة، والمسؤولية هنا مشتركة بين الصين ومنظمة الصحة العالمية. إلا أن ما حصل بعد ذلك تقع مسؤوليته على الدول الغربية، لأن المنظمة كانت توجّه توصيات واضحة ودقيقة... تجاهلت الحكومات معظمها تحت وطأة ضغط الرأي العام والتجاذبات السياسية». ويجدر التذكير بأن تدابير الإقفال في أوروبا والولايات المتحدة لم تبدأ حتى أواسط مارس (آذار) من العام الماضي. إلا أن تأخر الصين في تسليم المعلومات خلال المرحلة الأولى، مضافاً إلى الموقف المتساهل للمدير العام تجاه سلوك بكين، هو الذي وفّر الوقود لحملة دونالد ترمب على المنظمة، وانسحابه منه لاحقاً.

- أسئلة وجيهة ومهمة
يبقى السؤال الأهمّ الذي ما زالت الأوساط العلمية تحاول الإجابة عنه بعيداً تحسّباً للجائحات المقبلة وبعيداً عن الاعتبارات السياسية: ما الذي كان تغيّر لو أن الصين أبلغت على الفور بوجود الفيروس أو باحتمالات وجحوده وسريانه بين البشر؟
تقول الباحثة في علوم الأجناس البشرية جنيفر كول «حتى لو أن منظمة الصحة العالمية كانت أعلنت أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2019 أن ثمّة حالات مشتبه بها في الصين، وأنه من المستحسن الانتباه والتأهب لما قد يحصل، لا أعتقد أن الولايات المتحدة كانت ستعلن الإقفال العام». وتتابع متسائلة «ماذا كانت تفعل البلدان خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الماضي عندما كانت بحوزتها كل المعلومات حول ما كان يحصل في الصين؟ ولماذا انتظرت هذه الدول حتى نهاية مارس لتعلن الإقفال التام؟ هذا هو السؤال الذي يجب طرحه وليس ما الذي فعلته الصين ومنظمة الصحة العالمية».
ختاماً، كان المدير العام للمنظمة قد تساءل أخيراً في إحدى إطلالاته الدورية أمام وسائل الإعلام «لماذا تجاوبت بعض الدول مع تحذيراتنا وأسرعت في اتخاذ التدابير، بينما تباطأت دول أخرى عدة أسابيع قبل اتخاذها؟». لكنه عاد ليقول قبل أسبوعين إنه لا بد من إجراء المزيد من البحوث قبل استبعاد فرضيّة تسرّب الفيروس من أحد المختبرات، منتقداً بكين لعدم تعاونها في تسهيل التحقيقات الدولية حول منشأ الفيروس.


مقالات ذات صلة

«منظمة الصحة»: المستلزمات الطبية ستنفد في بعض مستشفيات لبنان خلال أيام

المشرق العربي تظهر الصورة المباني المتضررة نتيجة غارة عسكرية إسرائيلية بالقرب من مستشفى رفيق الحريري الجامعي بمنطقة الجناح في بيروت بلبنان يوم 22 أكتوبر 2024 (إ.ب.أ)

«منظمة الصحة»: المستلزمات الطبية ستنفد في بعض مستشفيات لبنان خلال أيام

قالت «منظمة الصحة العالمية»، اليوم (الخميس)، إن بعض المستشفيات في لبنان قد تنفد لديها مستلزمات الإسعافات ‌الأولية المنقذة ‌للحياة خلال ‌أيام

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الخليج تقدم السعودية الرعاية الصحية للمحتاجين وللمتضررين بغض النظر عن جنسهم أو عرقهم أو لونهم (واس)

جهود السعودية الإنسانية... نموذج مضيء في مساعدة الإنسان أينما كان

نفَّذت السعودية 2.247 مشروعاً تنموياً وإنسانياً وتطوعياً بقطاع الصحة في العديد من الدول حول العالم، بقيمة تجاوزت 6 مليارات و488 مليون دولار أميركي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي جنازة فلسطينيين قُتلوا بغارة إسرائيلية في مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة (رويترز)

«الصحة العالمية» تعلّق عمليات الإجلاء الطبي من غزة بعد مقتل متعاقد معها

علّقت منظمة الصحة العالمية عمليات الإجلاء الطبي من قطاع غزة إلى مصر على خلفية «حادث أمني» أدى إلى مقتل أحد المتعاقدين معها.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي شاحنات الإغاثة خلال عبورها معبر رفح البري (الهلال الأحمر المصري)

«الصحة العالمية»: مقتل متعاقد خلال واقعة أمنية في قطاع غزة

قال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم جيبريسوس إن شخصا متعاقدا لتقديم خدمات للمنظمة في غزة قُتل اليوم الاثنين خلال واقعة أمنية.

شؤون إقليمية صورة نشرها المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية لمعهد باستور بعد استهدافه p-circle

«الصحة العالمية» تحذّر من هجمات على قطاع الصحة في إيران

حذّرت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، من «هجمات عدة على قطاع الصحة» في إيران خلال الأيام الماضية، وأسفت لإصابة معهد باستور في العاصمة طهران بأضرار جراء غارة.

«الشرق الأوسط» (باريس)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.