منظمة الصحة العالمية... في عصر التحديات الوبائية والحسابات السياسية

تجربة تأثرت بـ«الحرب الباردة» وتستشرف اليوم التعايش مع الصعود الصيني

منظمة الصحة العالمية... في عصر التحديات الوبائية والحسابات السياسية
TT

منظمة الصحة العالمية... في عصر التحديات الوبائية والحسابات السياسية

منظمة الصحة العالمية... في عصر التحديات الوبائية والحسابات السياسية

ثمّة تماثيل ترفعها الدول تخليداً لذكرى أبطالها في الحروب ولإنجازات روّادها في الفكر والفن والسياسة. لكن التمثال الذي يطالع الزائر عند مدخل المقرّ الرئيسي لمنظمة الصحة العالمية في مدينة جنيف السويسرية «مختلف»... مع أنه يخلّد مأثرة تاريخية لا تنقصها البطولة أو الريادة. إنه تمثال يجمع بين رجل وامرأة، وطفل يتناول لقاحاً على يد طبيب أو ممرّض، تذكيراً بواحد من أهمّ الإنجازات في تاريخ الصحة العالمية... عندما أعلنت هذه المنظمة أواخر سبعينات القرن الماضي القضاء نهائياً على مرض الجدري. ذلك المرض الوبائي الذي أوقع ما يزيد على 300 مليون ضحية في أقلّ من سبعة عقود في العالم.
إلا أن ما لا يقوله التمثال على مدخل المنظمة الدولية هو أن الجدري كان المرض الساري الوحيد الذي تمكّنت البشريّة من استئصاله على مر التاريخ، في مأثرة ما زالت حتى اليوم تشكّل ذروة النجاحات التي حققتها المنظمة، ولم تتكرّر حتى الآن. لقد تحقق ذلك الإنجاز بفضل التعاون بين الدول الكبرى في عزّ «الحرب الباردة»، وكان مثالاً على فاعلية النظام المتعدد الأطراف والمؤسسات المنبثقة عنه عندما تتضافر جهود الدول الأعضاء لتحقيق هدف سامٍ مشترك.

اليوم يستبعد الخبراء أن نرى ذات يوم تمثالاً للتذكير بالقضاء على فيروس كوفيد - 19، إذ يرجّح الخبراء أنه حتى في حال السيطرة على جائحته، لن يتمكّن العالم من إعلان النصر النهائي على الفيروس كما حصل في 8 مايو (أيّار) عام 1980 عندما اعتمد القرار التاريخي الذي أعلن تحرير العالم من مرض الجدري بشكل نهائي. وحقاً، لا تزال تلك اللحظة تشكّل منعطفاً في مسار التعاون الدولي الأوسع من المجال الصحي وحده. ذلك أن منظمة الصحة العالمية، رغم سلطاتها المحدودة وكونها وكالة فنية وغير سياسية، لعبت دوراً مركزياً في التطور الصحي والاجتماعي للبشرية، وكانت مرآة انعكست فيها دائماً المعارك السياسية والعقائدية منذ أواسط القرن الماضي إلى اليوم.
يوم 11 مارس (آذار) من العام الماضي أعلن المدير العام للمنظمة الإثيوبي الدكتور تيدروس أدهانوم غيبريسوس أن كوفيد - 19 غدت «جائحة عالمية» أوقعت حتى اليوم ما يزيد على 3.5 مليون ضحية في شتّى أرجاء العالم، وتسبّبت في ركود غير مسبوق بعدما دخل الاقتصاد العالمي في شبه غيبوبة.

- بدايات التعاون الدولي
قبل نصف قرن كانت العلاقات الدولية أسيرة الصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، أما اليوم فهي تتشكّل على وقع صعود «المارد الصيني» والنزعات القومية الحادة والتيارات الشعبوية وأزمة النظام المتعدد الأطراف الذي تشكل منظمة الصحة إحدى مؤسساته الرئيسية.
ومع تحوّل الجائحة، منذ مراحلها الأولى إلى أزمة اقتصادية عالمية الأبعاد، كان من الطبيعي أن تنتقل الصراعات الجيو - سياسية إلى المنظمة الوحيدة المكلّفة تنسيق الجهود الدولية لاحتواء تفشي الفيروس والتصدّي لهذه الجائحة، التي يرى فيها العديد من الخبراء بداية لأزمات أخرى - صحية وبيئية - ما زال العالم غير مستعدّ لها... رغم أن المحاولات لإبرام اتفاقات صحية دولية تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر.
أول المؤتمرات الصحية الدولية انعقد عام 1851 بهدف حماية أوروبا الغربية من الكوليرا الآتية من الشرق. وفي حينه تقرّر فرض حجر صحي بحري لمنع دخول الوباء إلى القارة الأوروبية. وتمّ الاتفاق على إنشاء «نظام للإنذار وتبادل المعلومات»، إذ أدركت الدول أن وقف دخول الكوليرا إلى بلد معيّن لن يجدي نفعاً إذا بقي الوباء يسري في البلدان المجاورة. لكن مع ذلك أصرّت الحكومات على الاحتفاظ بكامل صلاحياتها الصحية، رافضة تقاسمها تحت إدارة مشتركة.
وبنهاية الحرب العالمية الأولى كانت توجد أربع مؤسسات دولية تعنى بتنسيق السياسات الصحية، هي: المكتب الدولي للصحة العامة ومقرّه في باريس، ومنظمة الصحة التابعة لعصبة الأمم في جنيف، ومنظمة الصحة للبلدان الأميركية، ومعهد تطوير الصحة في مؤسسة روكفلر. هذه المؤسسات الأربع كانت النواة التي تشكّل منها لاحقاً النظام الصحي العالمي الراهن الذي يقوم على التوزيع الإقليمي للمهام الصحية الدولية، وتعدد الهيئات المعنية بإدارته وتنسيقه، والنفوذ القوي الذي يمارسه القطاع الخاص، والذي تنامى بشدّة في العقود الثلاثة المنصرمة. يومها كانت مؤسسة روكفلر في الواجهة، أما اليوم، فتعد مؤسسة بيل وميليندا غيتس المساهم الأول، بعد الولايات المتحدة، في تمويل أنشطة منظمة الصحة العالمية.
ومن رماد الحرب العالمية الثانية قامت ركائز النظام الدولي المتعدد الأطراف، الذي ما زال قائما إلى اليوم. وهو يضم مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظومة الأمم المتحدة، التي تشكّل منظمة الصحة إحدى وكالاتها المتخصصة، والتي تنصّ ديباجة دستورها التأسيسي على «أن صحة البشر جميعاً أساسية من أجل تحقيق السلم والأمن في العالم». وأن تحقيق هذا الهدف «يتوقّف على التعاون بين الأفراد والدول».

- ولادة المنظمة
في المرحلة التأسيسية، ساهم التوافق الذي ساد بين الدول المنتصرة على ألمانيا النازيّة في إنشاء منظمة الصحة العالمية، التي جنحت خلال السنوات الأولى مع رياح السياسة الخارجية الأميركية بتأثير كبير من مؤسسة روكفل... وهو ما أدّى الى انسحاب الاتحاد السوفياتي منها عام 1949 إلى جانب تسع دول من الكتلة الاشتراكية.
يومذاك قال الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين إن بلدان أوروبا الشرقية لم تحصل على المساعدات الموعودة من «خطة مارشال»، واعتبر أن المنظمة «خاضعة للهيمنة الأميركية»، مثلما أعلن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب في يوليو (تمّوز) من العام الماضي أن منظمة الصحة «تقع تحت سيطرة بكّين» ليبرّر انسحاب الولايات المتحدة منها. وحقاً، ظل الاتحاد السوفياتي خارج المنظمة حتى عام 1956 عندما عاد بعد وفاة ستالين وتولي نيكيتا خروتشوف السلطة في موسكو.
بذا، بدأت منظمة الصحة العالمية تتحوّل إلى ميدان لمعارك «الحرب الباردة». وأصبحت الصحة أداة تضفي على الدول هالة أخلاقية وإنسانية لا تختلف كثيراً عن الجهود التي تبذلها اليوم الصين وروسيا لتصدير لقاحاتها إلى الدول الفقيرة تحت عنوان الرعاية والحماية. وأدركت الدول أن إرسال الأطباء والخبراء إلى البلدان النامية، والمساعدة على الحد من الوفيّات الناجمة عن الأمراض وانعدام العناية الصحية، أكثر فاعلية من عمليات التجسس والانقلابات العسكرية و«حروب العصابات» لنقل بلد معيّن من دائرة نفوذ إلى أخرى.

- «حرب باردة» صحية
أواسط خمسينات القرن الماضي، في عز «الحرب الباردة» بين واشنطن وموسكو، وقف أحد النواب في الكونغرس الأميركي ليقول «الأمراض تولّد الفقر، والفقر يولّد المرض، وكلاهما أرض خصبة للشيوعية». في تلك الفترة كانت وزارة الخارجية الأميركية تماثل بين الملاريا والشيوعية، وتعتبر الاثنتين من الآفات التي تؤدي إلى استعباد الدول النامية، وبالتالي، لا بد من استئصالها.
في تلك الفترة فشلت الجهود الدولية التي كانت تقودها واشنطن لاستئصال الملاريا، فبادرت موسكو إلى إطلاق حملة للقضاء على الجدري، انضمّت إليها الولايات المتحدة وانتهت بالقضاء نهائياً على هذا الوباء عام 1980. وللعلم، خلال العقود الأولى من تاريخ منظمة الصحة العالمية كانت «الحرب الباردة» هي المعادلة التي تحكم إدارتها المشهد الصحي العالمي، بيد أنها منذ تأسيسها إلى اليوم ما زالت أسيرة المفاضلة الدائمة بين مدرستين مختلفتين في مقاربة المشاكل الصحية: الأولى قوامها التكنولوجيا الحديثة للسيطرة على البؤر الوبائية في مواقع ظهورها وانتشارها. والثانية تقوم على اعتبار الصحة الدولية وسيلة لتحسين ظروف حياة الناس والبنى التحتية الأساسية والنظم الصحية الوطنية من دون التركيز حصراً على أمراض أو أوبئة معيّنة.
من هنا، تحتاج قراءة التوترات التي تعيشها المنظمة منذ سنة ونصف السنة بسبب طبيعة استجابتها لكوفيد - 19 إلى العودة لتجاربها في مواجهات الأزمات الصحية التي تعاقبت على العالم منذ بداية هذا القرن.
في فبراير (شباط) عام 2003 كانت على رأس المنظمة رئيسة الوزراء النرويجية السابقة غرو هارلم بروندتلاند، وهي طبيبة اشتراكية وسياسية مخضرمة تحظى باحترام واسع في الأوساط الدولية، عندما ظهرت في الصين أول بؤرة لفيروس «سارس» الذي سرعان ما تفشّى في عدة بلدان مجاورة وتسبّب في وفاة ما يزيد على 800 شخص قبل احتوائه.
تلك كانت أول مرة تجمع فيها المنظمة البيانات مباشرة من مصادرها وتوزّعها عبر الإنترنت، إلا أنها كانت أيضاً المرة الأولى التي انتقدت فيها رئيسة المنظمة الصين علناً لتقاعسها عن إعطاء المعلومات حول الوباء عندما صرّحت قائلة «في المرة المقبلة عندما تلاحظون أمراً غريباً وجديداً على العالم، دعونا نأت بسرعة لنتبيّن ما يحصل».
وعام 2009 تباطأت المنظمة مجدداً في جهودها لمواجهة إنفلونزا H1N1 التي تسبّبت في فرض إجراءات حظر على تصدير بعض اللحوم. وأيضاً في عام 2014 تعثّرت استجابتها لفيروس «إيبولا» عندما كانت تديرها الصينية مارغاريت تشان ما أدّى إلى وقوع عدد كبير من الضحايا في كارثة كان من الممكن تفاديها.

- استخلاص العبر
المنظمة تقول اليوم إنها استخلصت العبر من تجارب الماضي عندما استجابت بسرعة لأزمة كوفيد - 19 وحذرت الأسرة الدولية وحددت تدابير الوقاية والاحتواء. غير أن مسار الجائحة حتى الآن، والخسائر البشرية والمادية التي أوقعتها، والآفاق المتلبّدة التي ما زالت أمامها، أمور تبقي معظم التساؤلات المطروحة بلا أجوبة واضحة ونهائية: فهل تحرّكت المنظمة فعلا بالسرعة اللازمة عند ظهور الفيروس في مدينة ووهان أواخر العام 2019؟ وهل كان المدير العام متساهلاً مع الصين؟ وهل كان يملك صلاحيات ليقوم بأكثر مما قام به؟ وما هي المسؤولية التي تتحملها المنظمة في تفشي الجائحة؟
في اليوم الأخير من عام 2019 بُلّغت منظمة الصحة العالمية من الصين أنها رصدت «حالات التهاب صدري مجهولة السبب». وبعد أسبوعين من ذلك التاريخ أعلنت المنظمة عبر تويتر «أن البحوث الأولية التي أجرتها السلطات الصينية لم تسفر عن قرائن واضحة على أن الفيروس الذي تمّ تحديده في ووهان يسري بين البشر». ولكن سرعان ما تبيّن أن تلك المعلومة غير صحيحة. وفي اليوم ذاته، صرّحت المسؤولة عن الأمراض الناشئة في المنظمة الدكتورة ماريّا فان كيركوفي بـ«أنه من الممكن جداً وجود سريان محدود للفيروس بين البشر»، ودعت مستشفيات العالم إلى التأهب.
بعدها، في نهاية يناير (كانون الثاني) من ذلك العام أعلنت المنظمة أعلى درجات الإنذار المعتمدة بوصفها الوباء «حالة طوارئ صحية دولية»، بينما كان المدير العام الدكتور غيبريسوس يُغدق المدائح على الصين «لسرعة رصدها الفيروس، وعزله وتحليل تسلسله الوراثي وتقاسم المعلومات المتوفرة بشأنه». ولكن تبيّن بعد ذلك أن المنظمة كانت تملك المؤشرات الكافية لتوجيه الإنذار قبل نهاية عام 2019، وهنا يقول الخبير الفرنسي فرنسوا غوديمون، من معهد باستور في باريس، «ذلك التأخير كان حاسماً في مسار الجائحة، والمسؤولية هنا مشتركة بين الصين ومنظمة الصحة العالمية. إلا أن ما حصل بعد ذلك تقع مسؤوليته على الدول الغربية، لأن المنظمة كانت توجّه توصيات واضحة ودقيقة... تجاهلت الحكومات معظمها تحت وطأة ضغط الرأي العام والتجاذبات السياسية». ويجدر التذكير بأن تدابير الإقفال في أوروبا والولايات المتحدة لم تبدأ حتى أواسط مارس (آذار) من العام الماضي. إلا أن تأخر الصين في تسليم المعلومات خلال المرحلة الأولى، مضافاً إلى الموقف المتساهل للمدير العام تجاه سلوك بكين، هو الذي وفّر الوقود لحملة دونالد ترمب على المنظمة، وانسحابه منه لاحقاً.

- أسئلة وجيهة ومهمة
يبقى السؤال الأهمّ الذي ما زالت الأوساط العلمية تحاول الإجابة عنه بعيداً تحسّباً للجائحات المقبلة وبعيداً عن الاعتبارات السياسية: ما الذي كان تغيّر لو أن الصين أبلغت على الفور بوجود الفيروس أو باحتمالات وجحوده وسريانه بين البشر؟
تقول الباحثة في علوم الأجناس البشرية جنيفر كول «حتى لو أن منظمة الصحة العالمية كانت أعلنت أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2019 أن ثمّة حالات مشتبه بها في الصين، وأنه من المستحسن الانتباه والتأهب لما قد يحصل، لا أعتقد أن الولايات المتحدة كانت ستعلن الإقفال العام». وتتابع متسائلة «ماذا كانت تفعل البلدان خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام الماضي عندما كانت بحوزتها كل المعلومات حول ما كان يحصل في الصين؟ ولماذا انتظرت هذه الدول حتى نهاية مارس لتعلن الإقفال التام؟ هذا هو السؤال الذي يجب طرحه وليس ما الذي فعلته الصين ومنظمة الصحة العالمية».
ختاماً، كان المدير العام للمنظمة قد تساءل أخيراً في إحدى إطلالاته الدورية أمام وسائل الإعلام «لماذا تجاوبت بعض الدول مع تحذيراتنا وأسرعت في اتخاذ التدابير، بينما تباطأت دول أخرى عدة أسابيع قبل اتخاذها؟». لكنه عاد ليقول قبل أسبوعين إنه لا بد من إجراء المزيد من البحوث قبل استبعاد فرضيّة تسرّب الفيروس من أحد المختبرات، منتقداً بكين لعدم تعاونها في تسهيل التحقيقات الدولية حول منشأ الفيروس.


مقالات ذات صلة

«الصحة العالمية»: إخلاء 6 مستشفيات في إيران... والمنظومة الصحية صامدة

شؤون إقليمية خلال احتجاج لطاقم طبي إيراني أمام مستشفى غاندي المدمر في طهران... 7 مارس 2026 (أ.ف.ب) p-circle

«الصحة العالمية»: إخلاء 6 مستشفيات في إيران... والمنظومة الصحية صامدة

قالت مسؤولة في منظمة الصحة العالمية، الاثنين، إن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أدت إلى إخلاء ستة مستشفيات، لكن المنظومة الصحية ما زالت صامدة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي نازحون داخل خيمة في بيروت (إ.ب.أ)

«الصحة العالمية» تخصص مليونَي دولار للبنان والعراق وسوريا

ذكرت منظمة الصحة العالمية، اليوم (الأحد)، أنها خصصت مليونَي دولار من ​صندوق الطوارئ لدعم الاستجابة الصحية في لبنان والعراق وسوريا في ظل الأزمة المستمرة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد بعد غارة جوية في وسط طهران (إ.ب.أ)

«الصحة العالمية» تحذر من أخطار «المطر الأسود» في إيران

حذرت منظمة الصحة العالمية اليوم الثلاثاء من أن «المطر الأسود» المتساقط على إيران ​بعد الضربات الجوية التي استهدفت منشآت النفط ربما يسبب مشاكل تنفسية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي أطفال فلسطينيون نازحون أمام خيام في مدينة غزة (إ.ب.أ) p-circle

«الصحة العالمية»: مخزونات الأدوية في غزة «منخفضة للغاية»

قالت منظمة الصحة العالمية، اليوم الجمعة، إن الإمدادات الطبية في قطاع غزة تنفد بشكل خطير رغم إعادة إسرائيل فتح معبر رئيسي هذا الأسبوع.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الولايات المتحدة​ المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس (أ.ف.ب)

«الصحة العالمية» عن الحرب: على الأطراف احترام القانون الدولي

دعا «جميع الأطراف إلى احترام القانون الدولي، وحماية المرافق الصحية والعاملين في القطاع الصحي والمرضى».

«الشرق الأوسط» (جنيف)

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.


سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن


مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)
TT

سانشيز يضع مدريد في مواجهة مباشرة مع واشنطن


مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)
مظاهرة نسائية إسبانية ضد الحرب (أ.ف.ب)

عندما وقف رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز على مدخل مقر رئاسة الحكومة في الرابع من هذا الشهر ليقول إن موقف بلاده من الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران يتلخص بـ«لا للحرب» No a la Guerra، كان يعرف أنه يتكلّم باسم غالبية مواطنيه، وأيضاً غالبية الأوروبيين الذين ما زالت تحترق أصابعهم بنار الحرب الدائرة في أوكرانيا. وكان يعرف أيضاً أن خطوته تلك هي المجازفة الأكبر في مسيرته السياسية الحافلة بالمفاجآت والانعطافات المذهلة. لكنه لم يكن يتوقع أبداً، كما قال لنا أحد مساعديه المقربين، أنه قبل نهاية الأسبوع الثاني من هذه الحرب التي بدأت شظاياها الاقتصادية تتساقط على الاتحاد الأوروبي، سيبني شركاؤه الأوروبيون موقفهم المشترك استناداً إلى تلك الخطوة المتقدمة التي قام بها. «الشرق الأوسط» رافقت من كثب صيرورة هذا الموقف الإسباني، الذي استبق مواقف العواصم الأوروبية الكبرى من الحرب التي فتحت خامس أزمة بين واشنطن وبروكسل في غضون أقل من 14 شهراً منذ وصول دونالد ترمب إلى البيت الأبيض.

بعدما شكّل بيدرو سانشيز ثلاث حكومات متتالية وهو لا يزال دون منتصف العقد الخامس من العمر، يُعدّ رئيس الوزراء الإسباني الحالي الرئيس الأكثر تمرّساً وخبرة في الشؤون الخارجية، مقارنة بكل من سبقه منذ أن عادت الديمقراطية إلى إسبانيا.

سانشيز وصل إلى قيادة الحزب الاشتراكي الإسباني من الصفوف الخلفية، وضد إرادة القيادات التاريخية للحزب. واستطاع أن يكمل ولايتيه الأوليين ضد كل التوقّعات التي رجَّحت سقوطه غير مرة بسبب عوزه للدعم البرلماني الكافي وهشاشة تحالفاته. وها هو اليوم في طريقه لإكمال الولاية الثالثة مع أن حزبه خسر الانتخابات العامة الأخيرة لصالح الحزب الشعبي المحافظ، الذي فشل في جمع الغالبية البرلمانية اللازمة لتشكيل حكومة.

آخر يساريي أوروبا

يقود بيدرو سانشيز اليوم الحكومة اليسارية الوحيدة المتبقية في الاتحاد الأوروبي، والحكومة الوحيدة بين الدول الأعضاء التي رفعت الصوت بوجه إسرائيل خلال «حرب غزة» إلى أن سحبت أخيراً سفيرتها من تل أبيب. وهذا، بجانب كونها الوحيدة بين حكومات البلدان الوازنة في الاتحاد التي قالت «لا» للحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. وبهذا الموقف، جازفت وتجازف بمواجهة غير متكافئة على كل الصُّعد ضد «الحليف» الأميركي الذي سارع إلى التهديد بمعاقبتها، كذلك تخاطر بأن تبقى وحدها في أوروبا مبحرة بعكس الرياح الترمبية.

غير أن هذا الموقف الإسباني، الذي فاجأ بوضوحه وقوته القاصي والداني، جاء – كما يقول مراقبون – ثمرة دراسة متأنية للمشهدين الإقليمي والدولي، كما هو وليد خبرة سانشيز وحدسه السياسي، ورهانه الذي بدأت مؤشرات نجاحه تتبدّى في الأفق الأوروبي.

في الواقع، بعد ساعات قليلة من اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، صدرت عن رئيس الوزراء الإسباني مواقف قوية ومختلفة عن تلك التي صدرت عن نظرائه الأوروبيين الذين أحجموا في تصريحاتهم عن انتقاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. ولذا؛ بدا سانشيز وكأنه سيبقى وحيداً في الاعتراض على القرار الأميركي عندما قال: «نرفض العملية العسكرية الأحادية التي تقوم بها الولايات المتحدة وإسرائيل، مثلما نرفض أعمال النظام الإيراني و(الحرس الثوري). إننا لا يمكن أن نسمح بنشوب حرب أخرى مدمّرة في الشرق الأوسط». وجاء هذا الموقف من إسبانيا، بينما اختارت كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا الصمت أو إطلاق تصريحات خشبية للتعليق على القرار الأميركي - الإسرائيلي.

موقفان لليمين الإسباني

المعارضة اليمينية في إسبانيا سارعت إلى انتقاد سانشيز، وأبدت في البداية ارتياحها لقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، معتبرة أن رئيس الوزراء سانشيز «يغرّد وحده بعيداً عن السرب» الأوروبي. لكن مع مرور الساعات والأيام بدأ المشهد يتغّير، ونحت معظم العواصم الأوروبية، بما فيها روما التي تفاخر بعلاقات رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني الوثيقة مع ترمب، إلى الاقتراب من موقف سانشيز.

وحقاً، صباح الخميس من الأسبوع الماضي استيقظت رئيسة الوزراء الإيطالية اليمينية المتشددة على عناوين الصحف الكبرى منوّهة بموقف سانشيز الذي يتمتع بشعبية واسعة وتقدير في أوساط الرأي العام الإيطالي. وعلى الأثر قرّرت إرسال وزير دفاعها إلى البرلمان ليقول: «من البديهي أن هذه الحرب تجاهلت أحكام القانون الدولي والشرعية الدولية. وأما بالنسبة للقواعد الأميركية في إيطاليا، فإننا سنحذو حذو بيدرو سانشيز...». وفي أول مثول لها أمام البرلمان الإيطالي، قالت ميلوني إن بلادها ليست في وارد الدخول في هذه الحرب التي اندلعت خارج الشرعية الدولية.

وبعد أحد عشر يوماً على إعلان سانشيز قرار حكومته منع استخدام القواعد الأميركية في العمليات العسكرية ضد إيران - الأمر الذي استدعى تهديدات قاسية من لدن ترمب - بدأت الحرب تثير الرفض بين القيادات الأوروبية، وفي أوساط الرأي العام الأوروبي، كما أظهرت جميع الاستطلاعات. وهذا بينما كان الرأي العام الأميركي أيضاً يميل إلى رفضها.

أمام هذا التحول السريع، اندفعت المعارضة الإسبانية إلى القول بأنها لم تؤيد الحرب أبداً، محاولة النأي بنفسها عن القرار الذي اتخذه رئيس الوزراء الأسبق خوسيه ماريا آزنار بتأييد حرب جورج بوش على العراق عام 2003. ولكن كان من الصعب إبطال مفاعيل التصريحات الأولى التي أدلى بها قياديون بارزون في الحزب الشعبي تأييداً للحرب على إيران.

المعركة السياسية داخل إسبانيا

خارج إسبانيا، رسّخ موقف سانشيز صورته كعدو للرئيس الأميركي ورهان كبير لليسار الأوروبي المترنح منذ سنوات. لكن المعركة الحقيقية بالنسبة لسانشيز تدور رحاها في الداخل الإسباني، حيث تتراجع القوى اليسارية أمام اندفاع القوى اليمينية وصعودها المطّرد كما بيّنت الانتخابات الإقليمية الأخيرة.

أوساط الحزب الاشتراكي تقول إنه من السابق لأوانه معرفة ما إذا كان الموقف الرافض للحرب سيعكس هذا المنحى، كما حصل في عام 2003، عندما انقلب الرأي العام لصالح اليسار، وبالتالي خسر الحزب الشعبي رئاسة الحكومة بعدما مني بهزيمة قاسية في الانتخابات العامة.

وحالياً، يركّز سانشيز حملته الداخلية مستنداً إلى موقفه الرافض للحرب وشق المعاناة الاقتصادية التي ستتسبب فيها. إذ يقول: «هذه الحرب ستتسبب في المزيد من التضخم والمعاناة، ولذلك أيضاً؛ يجب أن نرفضها. والرفض هذا هو تأييد للسلم ودعم لشركاتنا وعمالنا وزراعتنا». ويتابع أن حكومته بدأت تستعد لتقديم الدعم إلى الأفراد والمؤسسات، مستفيدة من حسن أداء الاقتصاد الإسباني الذي يسجّل أعلى مستويات النمو في الاتحاد الأوروبي منذ ثلاث سنوات. ولقد جاءت تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس صباح الأربعاء؛ لتعزز التوجه نحو الاصطفاف الأوروبي بجانب سانشيز، عندما قال: «ليس من مصلحة أوروبا أن تستمر هذه الحرب التي لا نرى نهاية لها في الأفق».

أكثر من هذا، تذهب بعض الأوساط القريبة من سانشيز في تفاؤلها إلى حد ترجيح انقلاب المشهد السياسي الداخلي، وإقدام رئيس الوزراء على حل البرلمان والدعوة لإجراء انتخابات مسبقة.

لكن يبدو ان سانشيز ما زال يتريّث في اتخاذ هذا القرار وانتظار تحوّل أوضح في الموقف الأوروبي المشترك لناحية موقفه؛ إذ إنه يدرك جيداً مدى ضعفه في البرلمان، ويتفهّم الهزائم التي تعرّض لها حزبه أخيراً في الانتخابات الإقليمية. وهذا، فضلاً عن فضائح الفساد التي تطال قيادات بارزة في حزبه... والتي لم تصل بعد إلى خواتيمها القضائية.

الأبعاد والتداعيات الأوروبية

أما على الصعيد الأوروبي، فيتطلّع كثيرون إلى أن يؤدي هذا التحوّل إلى استعادة القوى «التقدمية» (الليبرالية والاشتراكية) تفاؤلها بكبح موجة اليمين المتطرف التي تجتاح العالم، مدعومة من الرئيس الأميركي، بعدما بدأت تتضّح تبعات بعض سياساته على العالم منذ وصوله إلى السلطة. ويعوّل هؤلاء على انحسار ما يسمونه «الإعصار الترمبي» بعد الانتخابات منتصف الولاية في الولايات المتحدة الخريف المقبل.

في هذه الأثناء، الدائرة الضيقة حول سانشيز، والتي تحدثت «الشرق الأوسط» إلى بعض أفرادها، تبدو على يقين من أن رئيس الوزراء الإسباني أصاب في قراءته المشهد السياسي منذ اللحظة الأولى، وأن خبرته في استباق الأحداث هي التي كانت وراء ذلك. إذ كشف أحد مساعديه عن أن سانشيز كان يتابع منذ أسابيع طويلة كل التطورات في المنطقة، وأيضاً الموقف الأميركي، على ضوء تصريحات ترمب. وبدأ، من ثم، يستعد لمثل «السيناريو» الراهن وخيارات الردّ عليه، ووفق هؤلاء، كان هذا الرد كان جاهزاً عندما بدأت العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية.

ثم أن الزعيم الإسباني، وفق هؤلاء المقرّبين، كان على تواصل دائم مع غالبية نظرائه الأوروبيين، وأيضاً بعض القيادات الوازنة في منطقتي الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية. وأن تنسيقه بعيداً عن الأضواء مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لعب دوراً حاسماً في اتخاذه الموقف الرافض للحرب. وكشفت مصادر أخرى عن أن ماكرون سارع إلى الاتصال بسانشيز والإعراب له عن تضامنه بعد تهديدات الرئيس الأميركي بقطع العلاقات التجارية مع إسبانيا لرفضها السماح باستخدام القواعد الأميركية الموجودة على أراضيها.

ومن معلومات مصدر مطّلع، أن سانشيز كان قد اتفق مع ماكرون على إرسال سفينة حربية إسبانية للمشاركة في تشكيل قوة أوروبية للدفاع عن قبرص، التي تتولى حالياً الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي. إلا أن مدريد قرّرت التريّث في الكشف عن ذلك الاتفاق للإيحاء بأنها تتردّد في اتخاذ هذا الموقف.

وفي سياق متّصل، فإن بعض الأوساط الأوروبية تتطلّع إلى أن يصبح الموقف الإسباني «نواة» للموقف المشترك من هذه الحرب، التي بدأت تظهر تداعياتها القوية في أوساط الرأي العام على مستوى القارة.

وحسب هذه الأوساط، ثمة ميل أوروبي واضح لرفض فكرة ظهور الولايات المتحدة كقوة استبدادية ومزاجية واعتباطية قادرة على المجازفة بشن حرب غير شرعية في أكثر مناطق العالم سخونة في غياب استراتيجية واضحة لها أو احتساب تداعياتها الاقتصادية والأمنية والإنسانية.

بالتوازي، يرى مراقبون، أن ما يعزّز موقف سانشيز، أنه يتطابق تماماً مع الموقف الذي اتخذته إسبانيا عندما نشبت الحرب في أوكرانيا، وأيضاً عندما شنت إسرائيل عدوانها الوحشي على غزة حين اكتفى رئيس الوزراء الإسباني بالدفاع عن القانون الدولي والشرعية المنبثقة من الأمم المتحدة، ليصبح الصوت الأوروبي الأعلى المناهض لإسرائيل، ومرجعاً لليسار على الصعيد الدولي. رئيس الوزراء الإسباني: «نرفض العملية العسكرية الأحادية التي تقوم بها الولايات المتحدة وإسرائيل

مثلما نرفض أعمال النظام الإيراني والحرس الثوري»