شاشة الناقد

شاشة الناقد

الجمعة - 8 ذو القعدة 1442 هـ - 18 يونيو 2021 مـ رقم العدد [ 15543]
مالا إيمد في «وغداً العالم بأسره»‬

يوم بلا غد ***
> إخراج: محمد سويد
• لبنان | تسجيلي (2021)
يطلب المخرج محمد سويد من أربع شخصيات يتحدّث إليها في هذا الفيلم سرد حكايات تساعده على النوم. ثلاثة منهم يستجيبون. الشخصية الرابعة لا تعرف حكاية نوم (أو تنويم) مناسبة. لكن سبب السؤال ينطلق من حاجة المخرج (كما يقول) للتغلّب على حالة أرق (إنسمونيا) يعاركها من دون نجاح. لأجلها صنع هذا الفيلم.
يُقابل المخرج العديد من الشخصيات الأخرى التي لا يطرح عليها طلبه. مقابلاته هي لفتح نافذة تعبير أو ذكرى أو مجرد رأي لتلك الشخصيات التي يقابلها. إذا لم يكن المشاهد يعرف من هي هذه الشخصيات، فعليه أن ينتظر لورود أسمائها في نهاية الفيلم، لكن من يعرف، ولو بعضاً منها، سيقترب أكثر من الفيلم ويقاربه. من الشخصيات سهلة التعرّف الممثل الجيد فادي أبو سمرة والناقد نديم جرجورة والمخرج المصري تامر السعيد.
في حين يقوم أبو سمرة بمهمّة المعلّق أيضاً، بلسان المخرج ذاته، متناولاً حشداً من آرائه ومفاهيمه، يتحدث جرجورة عن بيروت التي فقدت هويّتها والمثلّث الذي يعيش بداخله. زمن المقابلة كانت في الفترة التي عمل فيها الزميل في صحيفة «السفير» (المقفلة منذ نحو عقد) قبل انتقاله إلى «العربي الجديد»، وكان مقرّها قريباً من شقّته في منطقة الحمرا، كذلك المقهى والحانة، لذلك سمّى الوضع بالعيش داخل هذا المثلّث. أما تامر السعيد، مخرج الفيلم الإنساني الشفّاف «آخر أيام المدينة» فيتحدّث عن لقاءاته مع الممثلة الراحلة سعاد حسني وما يصفه رقيق وفي أحد المشاهد يقترب المتحدّث من البكاء.
يتابع المرء هذا الشأن بابتسامة عريضة واهتمام، ذلك لأن محمد سويد متيّم بسعاد حسني إلى اليوم. يقابل دكتورة في علم النفس ويسألها إذا كان حبّه لسعاد حسني الدائم مرض. وتوفّر ميرنا شبارو حديثاً ينتقل من وضعها اليوم إلى حال البلد، ويعود إلى ما تعايشه من ظروف. وصلتها فيزا كندية لكنها لم تعد ترغب في ترك لبنان ولا تعرف لهذا سبباً محدداً.
بعض هذه المقابلات تفيض طولاً ولا تضيف جديداً. لمعة المقابلة في فيلم مليء بالمقابلات أن تفضي بزبدة الكلام والموقف وتلتزم، ولو قليلاً، باختصار الحديث كي لا يتكرر الكلام أو يختل الإيقاع من مقابلة لأخرى.
مثل أفلام سويد السابقة، نبرة الفيلم حزينة وفي حزنها قيمة. هو لبناني أحب المدينة ثم هاجر منها كما فعلنا جميعاً من دون أن نترك العلاقة بين الوطن الأول والوطن البديل (إذا كان بديلاً بالفعل) تنضمر. هنا يُضيف لحزنه سعة البحث عن الذات والذكريات. فيلم جيد على ما تحدثه تنوّع المقابلات والشؤون المطروحة من بعض التشتت. يستخدم المخرج أصواتاً من مشاهد أفلام يحبها المخرج في أماكن صحيحة تثري الفيلم وتقرّبه من سويد العاشق لفنون الأمس (من عروض مهرجان قابس بدءاً من غد).
And Tomorrow the Entire World **
• إخراج: جوليا فون هاينز
• ‪ألمانيا | دراما سياسية (2020)
العنوان الجذّاب لهذا الفيلم يكشف عن فيلم مثير كحرفة لكنه فارغ كمضمون. فيلم جوليا فون هاينز يتصدّى لموضوع مهم وكبير بحكاية تكاد تكون خالية من أي موقف فعلي حيال ما تعرضه. المنوال ذاته لفيلم سابق لها عنوانه «رحلة هانا» (2013).
في «وغداً العالم بأسره» تقدّم شخصية فتاة في العشرين من عمرها تنضم إلى جماعة معادية للنازيين الجدد. هدف المجموعة هو التصدّي للجيل الحاضر من العنصريين عبر وسائل سلمية تقبل بها بطلة الفيلم لويزا (مالا إيمدِ) الآتية من عائلة ثرية ومحافظة والتي درست القانون وإن لم تجد وظيفة تناسب دراستها بعد. لكن ميلها العاطفي صوب زميل لها اسمه ألفا (نوه سافدرا) يجعلها تقبل اعتقاده بأن الوسيلة المجدية هي مواجهة العنف بالعنف. هذا يقود لأحداث تغزلها المخرجة وزوجها الكاتب (جون كوستر) كفيلم تشويق أكثر منه كفيلم يطرح القضية ليتحدّث فيها.
تصوير بكاميرا محمولة مع توليف يتقاطع مع اللقطات على نحو يسير. الفيلم يمضي قُدُماً بحكايته وهذا ظاهرياً - ومع تمثيل جيد من معظم الواقفين أمام الكاميرا - جيد. لكنها جودة محدودة التأثير، ذلك لأن الفيلم يبتعد عن التدخل في هذا الطرح لاتخاذ موقف سياسي ما أو للتعمّق في المدلولات الاجتماعية الناتجة عن وجود التطرّف اليميني. حتى المجموعة المناهضة للنازيين الجدد لا تبدو متّفقة وأسباب انضمام لويزا إلى المجموعة غير واضحة. هل هو رفض لخلفية والديها المحافظة؟ هل لأنها تدرك فعلاً خطورة النازيين الجدد؟ (لا نسمع منها أي حوار حول ذلك) أو لأنها تمر بمرحلة بحث عن قضية تتبناها؟‬
بسبب انشغال الفيلم بعرض حكاية لويزا وما تقوم به من دون طرح مضمون يتجاوز توزيع المواقف بين نازيين وليبراليين، كان يمكن للفيلم أن يقلب القضية فإذا بلويزا تنخرط مع الجماعة النازية ضد الجماعة المناهضة طالما أن القضية ذاتها غائبة (عروض إنترنت).
**Peter Rabbit 2
‫> إخراج: وول غلاك
‫> بريطانيا: رسوم + حي (2021)‬‬


أتساءل بعد ساعة ونصف مهدورة في هذا الفيلم إذا ما كان يمكن ضمّه إلى قائمة أفلام البحث عن المكان والهوية وما شابه. كثيراً ما اعتدنا على هذه الأفلام من قبل «أليس لم تعد تعيش هنا» لمارتن سكورسيزي (1974) إلى ما بعد «نومادلاند» لكليو زاو (2020). لكن المختلف هذه المرّة أن «بيتر رابيت 2» يتحدّث، ولو في سرعة وفي بعض مشاغله فقط، عن أرنب عليه اتخاذ قرارات مهمّة تتعلق بانتماءاته «الاجتماعية».
بيتر رابيت أرنب مشاكس يعيش مع العائلة المكونة (حتى هذا الجزء على الأقل) من الزوج ماكروغر (دومنول غليسن) وزوجته بيا (روز بيرن) التي تؤلف كتباً رائجة عن مغامرات الأرانب التي تعيش في حديقة منزلها التي مسموح لها أن تأكل من المحاصيل باسثتناء شجرة بندورة. ناشر كتب بيا (ديفيد أويلاوو) يدعو الزوجين وأرانبهما إلى لندن. يريد أن يعرض عليها تحويل حكاياتها إلى استثمارات سينمائية وفنية مختلفة. بيتر يدرك أن مرامي الناشر استهلاكية ويرفض ضمناً، لكنه لا يستطيع التدخل للحد من جشع المحاولة فينضم إلى أرنب المدينة الذي هو صديق قديم لوالده. من هنا يدخل مرحلة يكاد أن ينقلب فيها إلى الشر.
بعض المشاهد أنجح من بعضها الآخر، وهذا طبيعي ينقذ الفيلم من الرداءة، لكنه لا يكفي لإنقاذه من الركاكة ومن تغليب التكلّف على السلاسة في الكتابة كما في التمثيل. كذلك تفتقر باقي الأرانب إلى الحياة. هي هنا لأنها مطلوبة عددياً ولتنفيذ بعض المشاهد، لكنها ليست مكتوبة لمنح كل منها شخصية خاصّة قد تُثري العمل في النهاية. وفي حين ينتقد الفيلم جشع الناشر ينشد لنفسه ما ينشده ذاك في كل الأحوال.
لا يتوقع أحد أن يشاهد عملاً خالداً في فيلم أرانب من صنع هذه الأيام. لكن من حقه أن يأمل بمستوى يرتفع ولو إلى حد عن أفلام بغز بَني القصيرة (عروض تجارية في الصالات)


سينما

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة