وفاة الممثل روبرت دوفال نجم فيلم «العراب» عن 95 عاماً

الممثل ​الأميركي ‌روبرت ⁠دوفال (أ.ب)
الممثل ​الأميركي ‌روبرت ⁠دوفال (أ.ب)
TT

وفاة الممثل روبرت دوفال نجم فيلم «العراب» عن 95 عاماً

الممثل ​الأميركي ‌روبرت ⁠دوفال (أ.ب)
الممثل ​الأميركي ‌روبرت ⁠دوفال (أ.ب)

​قالت مجلة «فارايتي» الأميركية، اليوم (الاثنين)، ‌إن ‌الممثل ​الأميركي ‌روبرت ⁠دوفال ​الذي اشتهر ⁠بأدواره في أفلام مثل (⁠جاد ‌فاذر) ‌أو «​العراب» ‌و(أبوكاليبس ‌ناو) أو «القيامة الآن» ‌توفي عن عمر ⁠ناهز 95 عاماً.

ووفقاً لبيان صادر عن عائلته، فقد رحل الممثل الشهير بسلام في منزله بمدينة ميدلبيرغ بولاية فرجينيا، محاطاً بعائلته.

لم يرغب دوفال في إقامة مراسم تأبين رسمية؛ لذا شجعت عائلته محبيه على تكريم ذكراه من خلال «مشاهدة فيلم رائع، أو سرد قصة شيقة مع الأصدقاء، أو القيام بنزهة في الريف للاستمتاع بجمال الطبيعة».

في مسيرة فنية حافلة في هوليوود امتدت لما يقارب ستة عقود، تنقل دوفال ببراعة بين الأدوار الرئيسية والثانوية، مقدماً أداءً يجمع بين الغضب المكبوت والوقار الهادئ.

تقمص كل شخصية ببراعة.

رُشِّح لسبع جوائز أوسكار وسبع جوائز غولدن غلوب. وفاز بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل عام 1984 عن دوره في فيلم «Tender Mercies» للمخرج بروس بيريسفورد، حيث جسّد شخصية مغني الريف مدمن الكحول ماك سليدج.

وُلِدَ روبرت سيلدون دوفال في 5 يناير (كانون الثاني) 1931 في سان دييغو، لأمّه ميلدريد هارت، ووالده ويليام دوفال، وهو أميرال في البحرية الأميركية. نشأ في قواعد بحرية متفرقة في أنحاء البلاد، بما في ذلك الأكاديمية البحرية الأميركية في أنابوليس، ميريلاند، وتخرج من كلية برينسيبيا في إلسا، إلينوي، عام 1953.

خدم عامين في الجيش الأميركي خلال الحرب الكورية. بعد عودته إلى الولايات المتحدة، درس دوفال التمثيل على يد الأستاذ المرموق سانفورد مايسنر في مسرح نيبرهود بلاي هاوس في نيويورك، حيث كان من بين زملائه داستن هوفمان، وجين هاكمان، وجيمس كان.

في تلك السنوات، كسب دوفال رزقه من خلال العمل في وظائف متفرقة في نيويورك، وكان يسكن مع هوفمان وهاكمان. شارك في العديد من مسرحيات برودواي وخارجها، بما في ذلك مسرحيتا آرثر ميلر «البوتقة» و«نظرة من الجسر»، كما ظهر ضيف شرف في برامج تلفزيونية شهيرة مثل «منطقة الشفق».

لم يظهر لأول مرة في السينما إلا في سن الحادية والثلاثين، حيث لعب دوراً صغيراً لكنه محوري في فيلم «أن تقتل طائراً بريئاً» (1962) المقتبس عن رواية هاربر لي. وواصل بناء سمعته طوال الستينيات، مقدماً أداءً لا يُنسى في فيلم جون واين «الشجاعة الحقيقية» (1969) وفي فيلم فرانسيس فورد كوبولا «أهل المطر» (1969).

في السبعينيات، برز دوفال بوصفه إحدى الشخصيات الرئيسية في حركة «هوليوود الجديدة». تعاون بشكل متكرر مع مخرجين ذوي رؤية ثاقبة، وساهم في إعادة تشكيل ملامح النجومية في السينما الأميركية إلى جانب نجوم آخرين غير تقليديين، من بينهم آل باتشينو وروبرت دي نيرو وزميليه السابقين في السكن هوفمان وهاكمان.

كان عضواً بارزاً في طاقم الممثلين الضخم للمخرج روبرت ألتمان في فيلم «ماش» (1970)، وهو فيلم ساخر مناهض للحرب، حيث جسّد شخصية الرائد فرانك بيرنز، المتغطرس بشكلٍ كوميدي. كما لعب دور البطولة في فيلم «تي إتش إكس 1138» (1971)، وهو أول فيلم روائي طويل للمخرج جورج لوكاس، وهو فيلم خيال علمي وإثارة تدور أحداثه في عالم بائس، صدر قبل ست سنوات من فيلم «حرب النجوم» الأصلي.

بلغ دوفال ذروة شهرته بأدائه المميز لشخصية توم هاجن، محامي عائلة كورليوني الهادئ والحسابي، في فيلم «العراب» (1972) للمخرج كوبولا، الذي رشّحه لأول مرة لجائزة الأوسكار، وفي الجزء الثاني من الفيلم (1974)، الذي شهد توسيع دوره.

«دائماً ما يعود الأمر إلى فيلم (العراب). فالجزآن الأولان من أفضل الأفلام التي صُنعت على الإطلاق. وعندما قطعنا ربع الطريق تقريباً، أدركنا أننا أمام عمل مميز»، هكذا صرّح دوفال لصحيفة «سان فرانسيسكو كرونيكل» عام 2010.

لم يظهر في الجزء الثالث من سلسلة «العراب»، الذي صدر عام 1990 وحظي بتقييمات متباينة، ويُقال إن السبب هو عدم التوصل إلى اتفاق مع شركة «باراماونت بيكتشرز» بشأن أجره.

واصل دوفال، الذي وصفته مجلة «بيبول» ذات مرة بأنه «نجم هوليوود الأول والثاني»، تألقه في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات. ونال استحساناً كبيراً عن دوره في شخصية المقدم بول ميتشوم القاسية في فيلم «سانتيني العظيم» (1979)، المقتبس عن رواية تحمل الاسم نفسه للكاتب بات كونروي. في العام نفسه، جسّد دوفال شخصية المقدم كيلغور، المتحمس للرياضات المائية، في فيلم كوبولا الملحمي «القيامة الآن» الذي يتناول حرب فيتنام، حيث ألقى عبارة شهيرة من تحت حافة قبعة ستيتسون سوداء: «أحب رائحة النابالم في الصباح».

وقال دوفال لصحيفة «ديلي تلغراف» عام 2003: «لا أعرف كم من الناس اقتربوا مني على مر السنين ورددوا لي، كما لو كانوا يهمسون سراً، (أحب رائحة النابالم في الصباح). يتصرفون وكأننا وحدنا من نعرف هذه العبارة».

وأضاف: «لكن المضحك أنهم غالباً ما يحرفونها، فيستبدلون كلمة (بنزين) بكلمة (نابالم)، أو أي كلمة أخرى تخطر ببالهم... عقولهم».

بعد أربع سنوات من فيلم «نهاية العالم»، لعب دوفال دور البطولة في فيلم «رحمة رقيقة»، وهي قصة مؤثرة عن الإيمان والخلاص. غنى دوفال بنفسه في الفيلم، وحصل عن هذا الدور على أول جائزة أوسكار له.

ومن بين أدواره البارزة الأخرى في ثمانينيات القرن الماضي، دور كاتب رياضي في فيلم «الموهوب» (1984) للمخرج روبرت ريدفورد، وهو فيلم درامي عن البيسبول، ودور شرطي مخضرم في شرطة لوس أنجليس في فيلم «ألوان» (1988)، الذي شارك في بطولته شون بن. كما نال بعضاً من أروع الإشادات في مسيرته الفنية عن دوره كحارس سابق في شرطة تكساس في المسلسل القصير «لونسم دوف» (1989) المكون من أربعة أجزاء.

واصل دوفال العمل بثبات طوال التسعينيات، فظهر في مشاريع تجارية بارزة مثل «أيام الرعد» (1990)، و«الورقة» (1993)، و«السقوط» (1994)، و«الظاهرة» (1995)، و«التأثير العميق» (1998). وحصل على ترشيحه السادس لجائزة الأوسكار عن دوره كمحامٍ في فيلم «دعوى مدنية» (1998) من بطولة جون ترافولتا.

وفي العقد نفسه، حقق دوفال أحد مشاريعه الشغوفة: «الرسول»، وهو فيلم درامي متعدد الطبقات أخرجه وكتبه وموّله بخمسة ملايين دولار من ماله الخاص. وقد لعب فيه دور واعظ متحمس يسعى للخلاص الروحي في مستنقعات لويزيانا.

وقال دوفال لوكالة «أسوشييتد برس» عام 1997، واصفاً دوريه المزدوجين في موقع التصوير: «ظننت أنني سأضطر إلى وضع مرآة بطول كامل لأصرخ في وجه المخرج، لكنني لم أضطر إلى ذلك. لقد انتهينا من التصوير قبل الموعد المحدد بيوم. إنه فيلم أفتخر به».

في السنوات الأخيرة، حصد دوفال المزيد من الأدوار، وجسّد شخصيات رجال شرطة أفظاظ، ومرشدين حكماء، وشخصيات آباء رصينين.

أخرج دوفال أربعة أفلام روائية طويلة: «أنجيلو حبيبي» (1983)، و«الرسول»، و«تانغو الاغتيال» (2002)، و«الخيول الجامحة» (2015).

تُوفي دوفال تاركاً وراءه زوجته، الممثلة والمخرجة الأرجنتينية لوسيانا دوفال. وكان متزوجاً سابقاً من باربرا بنجامين ماركوس، وجيل يونغز، وشارون بروفي.



10 أفلام ميَّزت النصف الأول من العام الحالي

رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
TT

10 أفلام ميَّزت النصف الأول من العام الحالي

رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)
رايان غوسلينغ: «مشروع هايل ماري» (أمازون- أم جي أم)

حسبة سريعة لأفضل 10 أفلام (من وجهة نظر كاتب هذه السطور) تمّت مشاهدتها منذ مطلع العام. تكشف هذه القائمة، إلى حدٍّ ما، عن استمرار الثراء في تناول الموضوعات الهادفة بأساليب فنية تستحق التقدير، رغم تحديات الذكاء الاصطناعي وطغيان أفلام الأبطال الخارقين وأشكال الترفيه الخالية من القيمة.

الأب وابنه في «الجكارندا» (لو فيلم بيلبوكيه)

1- «الجاكراندا»

إخراج: حسن فرحاني (الجزائر)

رحلة وثائقية يقوم بها المخرج في ذاكرة وحياة والده الكاتب الجزائري أمزيان فرحاني. العنوان هو اسم تلك الأشجار الجميلة التي يحنّ إليها الأب ضمن ما يفتقده من عالم مضى في مدينة تغيّرت عمّا كانت عليه. ليس الفيلم نوستالجيا تكتفي بالمشاعر وتتجنّب العمق، بل هو مزج بين حياة الكاتب ومدينته، يحمل كلٌّ منهما تاريخه ويمضي في مساره.

2- «خروج آمن»

إخراج: محمد حمّاد (مصر)

دراما تدور حول شاب يعمل حارساً لمبنى سكني، محاطاً دوماً بالمشاغل والمشكلات التي يفرضها عليه محيطه. سمعان (يؤديه بإتقان مروان وليد) يعيش مخاوف ووحدة قاسيتين في واقع لا يقل قسوة. لا بطولات ولا انتصارات، ولا حتى إنجازات، في عالم صغير مغلق. يعتمد المخرج إيقاعاً لا يخون رتابة البيئة وطبيعتها، ويعالج بمهارة مخاوف بطله من البيئة الاجتماعية التي تثقل كاهله.

3- «لمن يجرؤ»

إخراج: دانيال عربيد (لبنان، فرنسا)

هذا أفضل فيلم أخرجته دانيال عربيد إلى اليوم. امرأة تنقذ شاباً سودانياً يصغرها بسنوات عدة من اعتداء بدني. تنمو العلاقة العاطفية بينهما سريعاً، إذ يحتاج كلٌّ منهما إلى الآخر في مواجهة رفض المجتمع من منطلق عنصري. هيام عبّاس ما زالت تقدّم جديداً جيداً مع كل دور تؤديه. هي امرأة قوية وعنيدة في مواجهة محيطها الاجتماعي.

فيكتوريا لوينغو وخافيير باردم في «المحبوبة» (كاباللو فيلمز)

4- The Beloved

إخراج: رودريغو سوروغويَن (إسبانيا)

دراما عن مخرج سينمائي صارم (خافيير باردم)، يطلب من ابنته الممثلة أداء بطولة فيلمه المقبل. تنتقل العلاقة المتوترة بينهما في الحياة إلى الفيلم داخل الفيلم الذي نشاهده. يحمل عمل المخرج سوروغويَن سمات موهبة بصرية لافتة؛ فمشاهده حادّة لكنها صادقة، وخافيير باردم يوفّر، بحد ذاته، متعة فنية جمّة.

5- Fatherland

إخراج: بافل بافليكوفسكي

جزء من سيرة حياة الروائي توماس مان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومحاولته الخروج من أزمات البحث عن الهوية والمكان معاً. يحيط الفيلم بالتوتر القائم بين مان (هانز زيشلر) وبين ابنته (ساندرا هولر). ‬ قد لا يصل الفيلم إلى مستوى أعمال بافليكوفسكي السابقة، لكنه يقترب منها.

6- Flies

إخراج: فرناندو إيميك (المكسيك)

دراسة لشخصية امرأة تجاوزت سن الشباب (ترستينا سانشير)، تعيش وحيدة وتعتمد على نفسها في كل شيء. تضطر إلى تأجير غرفة في منزلها لرجل ترقد زوجته في مستشفى قريب. وتشترط عدم وجود أطفال في الغرفة، لكن الرجل يضطر إلى جلب طفله معه. عندئذٍ تكتشف المرأة معنى لحياة افتقدتها طويلاً. حوار مقتصد وإخراج يعتمد أساساً على دلالات الصورة.

7- In Waves

إخراج: فيونغ ماي نغيووِن (فرنسا)

رسوم متحركة متقنة تقنياً وثريّة الألوان، تنساب بسلاسة لتحكي قصة شاب لا يجيد رياضة ركوب الأمواج، إلى أن تساعده فتاة على اكتسابها. تتغيّر حياته كما لو كان بحاجة إلى يد ترفعه من البراءة إلى الثقة بالنفس. يختلف الفيلم لا في حكايته فحسب، بل أيضاً في أسلوبه الموجّه إلى الراشدين.

تعكس القائمة تنوعاً جغرافياً وفنياً لافتاً يمتد من الجزائر إلى تشيلي

8- The Loneliest Man in Town

إخراج: راينر فريمل وتيزا فيكو (النمسا)

بطل هذا الفيلم رجل تأثر بأغاني «البلوز» التي أدمن سماعها، ويغني ما يحفظه منها في حانة صغيرة أمام جمهور محدود. يعيش وحيداً بلا عائلة ولا أهل ولا أصدقاء، إلى أن يقرر الهجرة إلى أميركا في نهاية الفيلم. إخراج مقتصد لمشاهد لا تؤلف حكاية متكاملة بقدر ما ترسم ملامح حياة رجل وحيد.

9-Project Hail Mary

إخراج: فيل لورد وكريستوفر ميلر

(الولايات المتحدة)

فيلم خيال علمي عن رحلة فضائية يقودها رايان غوسلينغ لمنع جرمٍ كوني يهدد بحجب أشعة الشمس عن الأرض. يجمع الفيلم بين التشويق والمؤثرات البصرية المتقنة وحكاية مؤثرة عن الصداقة، مقدّماً متعة لهواة الخيال العلمي ومعالجة قادرة على استقطاب جمهور أوسع.

10- The Red Hangar

إخراج: خوان بابلو سالاتو (تشيلي)

ضابط مشرف على حظيرة طائرات في تشيلي عام 1973، يجد نفسه تحت سلطة قيادة عسكرية تشن حملة اعتقالات واسعة إثر الانقلاب الذي أطاح بالسلطة السابقة. يتحوّل المكان إلى سجن ومركز للتعذيب، ما يضع الضابط أمام خيارات صعبة. يلتقط المخرج هذه اللحظة المفصلية ويبني عليها ما يدور في أعماق شخصيته.


شاشة الناقد: نقد لفيلمين مختلفين ورائعين

«الفتاة التي بكت لؤلؤاً» (كلايد هنري بروكشنز)
«الفتاة التي بكت لؤلؤاً» (كلايد هنري بروكشنز)
TT

شاشة الناقد: نقد لفيلمين مختلفين ورائعين

«الفتاة التي بكت لؤلؤاً» (كلايد هنري بروكشنز)
«الفتاة التي بكت لؤلؤاً» (كلايد هنري بروكشنز)

THE GIRL WHO CRIED PEARLS

★★★★★

إخراج: كريس لافيز، ماشيك شزربوفسكي

كندا (2025) | أوسكار أفضل

فيلم أنيميشن قصير

«الفتاة التي بكت لؤلؤاً» فيلم قصير آسر، يتمتع بقصة جميلة وغنية بالدلالات. تكتشف حفيدة صغيرة حبة لؤلؤ فوق مكتب جدّها، فيدخل الغرفة ويبدأ بسرد تاريخ تلك الجوهرة. ومن هنا ينطلق «فلاشباك» طويل (مع عودتين فقط إلى الحاضر؛ الأولى في منتصف الفيلم، والثانية في نهايته).

يروي الجد كيف ترعرع يتيماً في أزقة مونتريال القديمة. كان يبيت في كوخ مهجور، يفصل بينه وبين جيرانه جدار خشبي يسمع من خلاله بكاء فتاة صغيرة تعاني قسوة زوجة أبيها وعجز والدها. ذات يوم، تنهمر دموع الفتاة، لكنها ليست دموعاً من ماء، بل حبات لؤلؤ تتدحرج، فتصل اثنتان منها إلى غرفة الصبي. وفي اليوم التالي، يتجه إلى دكان للرهونات، فيستولي صاحبه على الحبتين ويعرضهما على تاجر تحف وأثريات، فيخبره الأخير بأن قيمتهما لا تُقدَّر بثمن. عندئذٍ يبدأ صاحب دكان الرهونات بشراء كل ما يستطيع الصبي جمعه من لآلئ مقابل مبالغ طائلة.

وفي أحد الأيام تختفي الفتاة، لننتقل إلى الزمن الحاضر، حيث ينهي الجد قصة حياته بموعظة مفادها أن «القصة أهم من الغرض الذي تقف وراءه».

القصة هنا بديعة؛ إنسانية وملهمة. لكن ما يجعل الفيلم نادراً كدموع اللؤلؤ هو العناية الفائقة بالحركة المتأنية المطابقة للواقع، والديكور شديد التفاصيل، وألوانه الموحية التي تنقل إحساساً بزمن قديم يكاد المشاهد يشم رائحته. الفيلم منفَّذ بتقنية Stop-Motion (تحريك كادرات الرسومات وجمعها معاً لتشكل الحركة التي نراها على الشاشة)، وهو سبب إضافي لتميّزه، بعيداً عن تقنيات الكمبيوتر والغرافيك المستخدمة على نطاق واسع.

KOKUHO ★★★★☆

إخراج: سانغ إل لي

اليابان (2026) | مثّل اليابان

في ترشيحات الأوسكار الأخيرة

ألا يجد المشاهد خطأً يُذكر في الفيلم الذي يشاهده، سوى بعض الهنات الطفيفة إذا أمعن النظر، أمر غير شائع. لكن هذا هو الحال مع «كوكوهو» («كنز وطني»)، الفيلم الثالث لمخرجه الياباني - الكوري سانغ إل لي. فعلى امتداد مدة عرضه (قرابة 3 ساعات)، يقدّم الفيلم إبهاراً بصرياً متواصلاً بفضل التصوير الذي تولاه التونسي سفيان الفاني، لوناً وإطاراً وإضاءة وضبطاً. كما يكشف عن إخراج متماسك لفنان يعرف قيمة ما يقدّمه ويثق بقدراته في مختلف نواحي عمله، خالقاً عملاً فنياً رفيعاً يماثل موضوعه الذي يدور حول فن مسرح الكابوكي وممثليه.

من «كنز وطني» (AMUSE)

يبدأ الفيلم عام 1964، ثم يسرد حكايته عبر 50 سنة تالية. في حفل لرأس السنة يقيمه زعيم من زعماء الياكوزا، يؤدي ابنه كيكو (ريو يوشيزاوا) عرضاً تمثيلياً يثير إعجاب الحاضرين، قبل أن يهاجم أفراد من عصابة منافسة الحفل ويقتلوا والده.

ويلي هذا المدخل المفاجئ تعريف مكتوب يوضح أنه في ذلك الحين كان الرجال يؤدون الأدوار النسائية على خشبة المسرح، لأن النساء كنّ ممنوعات من التمثيل. ويُعرف هذا الفن باسم «الكابوكي». وقد تناولته أفلام يابانية سابقة، من بينها An Actor's Revenge («انتقام ممثل»، 1963) للمخرج كن إتشيكاوا، وDouble Suicide («انتحار مزدوج»، 1969) للمخرج لماساهيرو شينودا، وNarayama («ناراياما»، 1958) للمخرج كيزوكي كينوشيتا وقد أبرزت هذه الأعمال فن الكابوكي بدراية واحترام. أما «كوكوهو» فينقل هذا الفن إلى مستوى سينمائي يجاور تلك الكلاسيكيات، إن لم يتجاوز بعضها.

بعد مقتل والده، يلجأ كيكو إلى ممثل كابوكي محترف يؤدي دوره (كن واتانابي)، فيضمه إلى فرقته المسرحية إلى جانب ابنه شونسوكي (ريوسي يوكوهاما). ومن هنا ينتقل الفيلم من مرحلة تاريخية إلى أخرى، متابعاً الصداقة التي تنشأ بين الشابين، كما المنافسة التي يشعر بها كل منهما تجاه الآخر. ومنذ تلك اللحظة وحتى النهاية، التي تقوم خلالها صحافية بالتقاط صور لكيكو قبل أن تكشف أنها ابنته، خلال اللقاء، الذي يتّسم بهدوء عائد إلى ممارسة كيكو فن الكابوكي بالغ الانضباط تتوالى مشاهد لآخر تمثيل مشترك بينه وبين شونسوكي الذي يسقط أرضاً نتيجة نزيف داخلي.

الانضباط الذي يميّز ممثلي فن الكابوكي هو نفسه الذي يميّز تمثيل ريو يوشيزاوا في دور كيكو كلما شاهدناه على المسرح. هذا الفن الصعب لا يعترف بالأداء المسرحي في أي مكان آخر، بل يتحرك ضمن فواصل وتفاصيل محددة وببطء شديد مع غناء صادح وفرقة من 5 أشخاص تعزف على الأوتار والطبولً.

وهو أيضاً انضباط المخرج وإدارته المركزة للعمل. فالكاميرا التي يديرها سفيان الفاني تقوم على مبدأ تحليل اللقطة والالتزام بشروطها ضمن الفيلم. وهناك نوعان من عناصر العمل، التصوير الخاص بالمشاهد المسرحية وذلك الذي يتم خارجها. لكن من عماد الصورة كذلك التصاميم الفنية بكاملها (الديكور والملابس وباقي التفاصيل الفنية للممثلين وما يحيط بهم من أثاث). لا شيء صارخاً في الحوار أو الألوانً، بل حكاية تمر بتفاصيلها الدقيقة والثرية ومن دون التباس أو تعقيد.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


التصوير بالأبيض والأسود يتحدى الزمن بجمالياته

«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)
«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)
TT

التصوير بالأبيض والأسود يتحدى الزمن بجمالياته

«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)
«حظيرة الطائرات الحمراء» (فيلانو فيلمز)

هناك جمهور كبير يبلغ تعداده بضعة ملايين حول العالم ينكبّون كل يوم على مشاهدة أفلام الأمس ذات اللونين الأبيض والأسود. وهؤلاء ليسوا فقط من المعمِّرين أو مِمَّن تجاوزوا سنّ الشباب؛ بل على العكس، فإن بين من هم دون الثلاثين من العمر عدداً كبيراً ممَّن يشاهدون أفلام الأبيض والأسود اليوم، مستمتعين بها وبقيمة فنِّ التصوير السينمائي الخالي من ألوان الحياة.

واقع مجرد من ألوانه

أن تشاهد «المواطن كاين» (Citizen Kane) لأورسن ويلز (1941)، أو «من الماضي» (Out of the Past) لجاك تورنور (1947)، أو «الساموراي» (Le Samouraï) لجان-بيير ملفيل (1967)، أو «سايكو» لألفرد هيتشكوك (1960)، ومئات سواها، يعني أنك تتواصل مع فنِّ السينما في مصادره وأشكاله الأولى، عندما كان التصوير بالأبيض والأسود خياراً فنياً قائماً بذاته ومقبولاً من ملايين رُوَّاد السينما من دون سؤال أو تساؤل.

التصوير باللونين وحدهما هو تجريد الواقع من ألوانه وإضفاء حالة فنية جديدة عليه. وتجريد الواقع هو إحالته إلى صورة تتلاءم مع العالم الخيالي الذي تدور السينما في محيطه الكبير. وقد بدا هذا التلاؤم لمئات ملايين الناس الذين كانوا يؤمُّون دور السينما في عشرينات القرن الماضي وما بعدها أمراً طبيعياً، رغم إدراكهم أن الواقع نفسه ليس كذلك. وحال خروجهم من الصالات كانوا يكتشفون مجدداً الألوان الطبيعية المنتشرة، من إشارات المرور إلى العمارات، ومن أضواء النيون وألوان الملابس والزهور إلى الإعلانات وواجهات المحال والفنادق.

من «سايكو» لألفرد هيتشكوك (يونيفرسال)

وعلى الرغم من ذلك، لم يشتكِ أحد من هذا التباين الكبير وغير «الواقعي». ولم يرفض أحد الفيلم الأبيض والأسود لأن الحياة ليست كذلك. فالفيلم، سواء أكان واقعياً في قصته، مثل «سارقو الدراجات» (Bicycle Thieves) لفيتوريو دي سيكا (1948)، أم خيالياً جامحاً مثل «تارانتولا» (Tarantula) لجاك أرنولد (1955)، يبقى حالة فنية متميزة بعدد من العناصر، في مقدّمتها اغترابه عن الواقع وألوانه المعيشة.

الاختلاف بين هذا الفن من التصوير وبين الألوان الطبيعية كبير. ومن أبرز هذه الاختلافات أن التعبير في أفلام الأبيض والأسود (الجيَّدة منها طبعاً) يوظِّف الإضاءة على نحو مختلف عن الأفلام الملوَّنة. فهناك قدر كبير من الفهم لتوظيف الضوء والتصوير في تلك الأفلام، بما يُبرز التباين بين جزءٍ وآخر من المشهد الواحد.

في فيلم بيلي وايلدر البوليسي «تأمين مزدوج»، هناك ذلك المشهد الذي نرى فيه باربرا ستانويك وفرد ماكموري ليلاً. فهي تقف تحت ضوء ساطع مرتدية رداءً أبيض، في حين يظهر هو ببذلة داكنة في جزء معتم من اللقطة. ولا شيء يُترك للصدفة مطلقاً في أي فيلم جيِّد. فهي تمثّل الضوء، وككل ضوء تبدو بالأبيض؛ لأنها الحافز إلى الجريمة، وهو القاتل المخدوع؛ ولذلك يظهر ببذلة سوداء تُناسب سوداوية الجريمة التي يُقدِم عليها.

جماليات ودلالات

في عام 1998، أعاد المخرج المستقل غَاس فان سانت صُنع فيلم ألفرد هيتشكوك «سايكو» بالألوان. واستخدم المشاهد نفسها وحسب ترتيب ورودها. وكانت النتيجة باهتة، وفي أفضل الأحوال غير ضرورية.

يستطيع المرء أن يستمتع بنسخة هيتشكوك في كل مرة يشاهد فيها هذا الفيلم، أما نسخة فان سانت فقد ماتت فنياً منذ عرضها في صالات السينما، بل منذ أسبوعها الأول.

وكمثال واحد، احتوى مشهد القتل في الحمَّام على لقطة لدماء تسيل إلى البالوعة (من دون أن نرى لقطات طعن لجسد الضحية). وفي فيلم هيتشكوك تبدو هذه الدماء سوداء اللون لأن الفيلم غير ملوَّن، لكن تأثيرها أقوى من اللقطة نفسها في فيلم فان سانت، حيث نرى الدم باللون الأحمر.

ستانويك وماكموري في «تأمين مزدوج» (باراماونت)

والسبب هو أن هيتشكوك ومدير تصويره جون ل. راسل اعتمدا على التأثير المفجع للمشهد بأكمله. وقد ساعدت طريقة تصوير المشهد والتوليف المستخدم فيه على بلورة شعور بالخوف بدلاً من الشعور بالاشمئزاز. فالدم في الأبيض والأسود يضع المشاهد في حالة سوريالية وكابوسية، أما تصوير المشهد بالألوان فأقصى ما استطاع الوصول إليه هو حالة عادية تتدرج نحو الشعور بالاشمئزاز.

ومن الأمور الثابتة أن يمنح التصوير غير الملوَّن الفيلم تركيبة ذات تعبير أعمق، شأنه في ذلك شأن مئات الأفلام المماثلة التي حققتها السينما في عقودها الأولى وحتى اليوم. وهو تعبير يمضي بعيداً في ثنايا الصورة من حيث جمالياتها وعمق دلالاتها الدرامية والنفسية.

ومن أحدث هذه الأفلام، ولن يكون آخرها، فيلم «حظيرة الطائرات الحمراء» (The Red Hangar) للمخرج التشيلي خوان بابلو سالاتو (جرى نقده في عدد 19/4/2026 من هذه الصفحة). وفي هذا الفيلم ينجح التصوير بالأبيض والأسود في التعبير ليس عن فترة ماضية فقط (مطلع السبعينات)، بل عن مجمل المشاعر التي ولَّدتها الأحداث داخل شخصية بطله، ضابط الطيران جورج (نيكولاس زاراتي): الحزن، والإحباط، والكبت، والخوف من قول الحقيقة.

وكما سبق القول، يمكن للفيلم الملوَّن أن يُوفِّر هذه المشاعر كلها، لكن الأبيض والأسود يوفِّرها بعمق أكبر ناتج من النسيج الفريد للمشاعر والمزاج العام والأجواء.

وكل ما سبق لا يعني وضع الأفلام الملوَّنة في خانة أدنى فنّاً أو تشكيلاً أو معنى. فهناك أفلام ملوَّنة عدَّة تجيد استخدام الألوان على مستوى فني رفيع. ولدينا أفلام ترنس مالك، وأفلام أندريه تاركوفسكي (أنجز أفلاماً من النوعين بجدارة لافتة)، وأفلام فرنسيس فورد كوبولا، ومارتن سكورسيزي، وديفيد لين، ومايكل أنجلو أنطونيوني، وعشرات المخرجين المبدعين. فلكلٍّ من هذين النمطين السينمائيين شروطه وعالمه الخاص ومتطلبات إنجازه المختلفة.