المغربي سباطة: الكتابة وسيلتي الوحيدة للهروب من قسوة الواقع وربما تفاهته

روايته «الملف 42» تنافست بقوة على جائزة بوكر العربية

عبد المجيد سباطة
عبد المجيد سباطة
TT

المغربي سباطة: الكتابة وسيلتي الوحيدة للهروب من قسوة الواقع وربما تفاهته

عبد المجيد سباطة
عبد المجيد سباطة

يتحدث الروائي المغربي عبد المجيد سباطة في هذا الحوار عن العلاقة المعقدة، كما يسميها، بين الحياة والرواية، مشيراً إلى أن مهمة الروائي تتلخص في طرح الأسئلة، حول الماضي والحاضر، وأحياناً المستقبل، مشيراً إلى سعادته بصدور أي عمل مغربي جديد، سواء كان مؤلفه شاباً أو من جيل الرواد، باعتباره «حجراً يلقى في بركة المشهد الثقافي المغربي». من دون أن يخفي أن «هناك من اعتقد، وما زال يعتقد، أنه قادر على محاربة» جيل الشباب، وذلك «باستخدام الأدوات نفسها التي كانت فعالة في عقدي السبعينات والثمانينات من القرن الماضي». وفيما يلي نص الحوار:

> فزت، وأنت في سن الثلاثين، بجائزة المغرب للكتاب في صنف السرد عن رواية «ساعة الصفر». وبعد سنتين من فوزك بأهم جائزة مغربية، تنافست بقوة على جائزة (البوكر) برواية «الملف 42»، التي كانت قد اختيرت ضمن القائمة القصيرة... كيف حققت مثل هذا «التألق» المبكر؟
- الرهان على جدوى الكتابة وقدرتها على التغيير، رغم إصرار كل الظروف على إثبات العكس، والمطالعة المستمرة والانفتاح على التجارب السردية المتنوعة من مختلف أنحاء العالم، والعمل الدؤوب من خلال الاستفادة من التجارب السابقة وتصحيح أخطائها وتجاوز نقاط ضعفها، ثم الإيمان بأن القادم سيكون دائماً أفضل، ما دمنا قادرين على الكتابة.
> على ذكر الجوائز، كيف ترى علاقة الكاتب بها؟ هل هي مقياس صائب للحكم على عمله؟ وكيف يمكن ألا تتحول إلى هدف وغاية بالنسبة له؟
- كما هو معلوم، فإن معدلات القراءة في المغرب والمنطقة بشكل عام ما زالت بعيدة كل البعد عن المأمول، وإن كان الزخم الحالي يبشر بمستقبل أفضل. تقريباً لا وجود لأي كاتب مغربي أو عربي يعيش من إيرادات كتبه، وبالتالي، جاءت الجوائز الأدبية لسد هذه الفجوة، خصوصاً مع التغطية الإعلامية التي تواكبها، بما يسهم في التعريف بعدد من الأعمال وتقريبها من القارئ وسط طوفان النشر الحالي، كما أن الجوائز تخلق جواً من المنافسة - يفترض بها أن تكون شريفة طبعاً - بين الكتاب، المتحفزين لتطوير أساليبهم والدفع بخيالهم الإبداعي نحو عوالم جديدة، ولكن هذا لا يعني السقوط في فخ «الكتابة للجوائز». يكتب المبدع ويسعى للوصول إلى عقل القارئ ووجدانه، ثم يأتي الاعتراف والتتويج بالجوائز بعد ذلك، عاجلاً أم آجلاً. روعة الإبداع، وربما مشكلته، تكمن في نسبيته، وبالتالي فإن جدل التمييز سيبقى حاضراً دوماً، وهو في نظري نقاش صحي يبث الحياة في المشهد الثقافي المغربي والعربي ويسهم في الحفاظ على نشاطه بشكل دائم.
> نقرأ في «ساعة الصفر» أن «وطن الإنسان أصله» وأن «وطناً بلا حب مجرد أرض قاحلة خالية وإن فاض ماؤها وكثر ناسها»، فيما نقرأ لك على ظهر غلاف «الملف 42»: «لست رجل سياسة يكذب على جماهيره لإخفاء الحقيقة، أنا كاتب يكذب ليكشف لقرائه الحقيقة»... لماذا اختيار الكتابة تحت سقف الرواية، أنت الذي اقتحمت عالمها قادماً من تخصص في الهندسة المدنية؟
- لطالما كانت علاقتي بالرواية قوية منذ سنوات طفولتي، كانت الرواية وسيلتي الوحيدة للهروب من قسوة الواقع وربما تفاهته، قرأت القصة القصيرة والشعر والمسرح بطبيعة الحال، لكنني وجدتني مشدوداً أكثر للرواية، باعتبارها – من وجهة نظر شخصية - الفضاء القادر على استيعاب كل ما يستهويني: تعدد الشخصيات والفضاءات والأزمنة وتفرع الأحداث وتعقيد الحبكة (أو حتى بساطتها في بعض الأحيان)، وهو ما لن توفره لي أجناس أدبية أخرى.
> الكتابة والهندسة عالمان يرتبطان بالبناء والعمارة. أيهما أسهل وأجدى: بناء رواية أم تشييد قنطرة أو عمارة؟
- صحيح، الكتابة والهندسة يرتبطان بالبناء، وهو ما أشرت إليه في الصفحات الأولى من رواية «الملف 42»، عندما اعتبرت أن اختلال جزئية واحدة في البناء الروائي قد يؤدي لانهياره بالكامل. إذا انطلقنا من هذا التعريف، فسأقول إن مهمة المهندس تتوقف عند تشييد البناء - لنعتبره عمارة مثلاً - وتقوية أساساته والتأكد من متانتها، أما الروائي فمطالب ببث الحياة في هذه العمارة، بخلق الشخصيات والأحداث وتأثيث الفضاء بعلاقات وصراعات وخيانات، في إطار حبكة جامعة ومتوازنة، ما يجعل مهمته أصعب من مهمة المهندس بمراحل.
> في «ساعة الصفر» و«الملف 42» تستعيد عدداً من المحطات والأحداث التي طبعت التاريخ المغربي المعاصر، هل يتعلق الأمر بـ«نضال» بالكتابة، أنت الذي تقول إنك انتقلت في العملين من «سؤال الهوية» إلى «سؤال الكرامة»؟
- معقدة هي تلك العلاقة بين الحياة والرواية. افتتحت رواية «الملف 42» باقتباس للكاتب اللبناني ربيع جابر: «الحياة فقط تقلد الروايات»، كما ورد في رواية «ساعة الصفر» أن «الحياة مجموعة أسئلة نقضي أعمارنا باحثين عن إجاباتها». مهمة الروائي طرح الأسئلة، حول الماضي والحاضر، وأحياناً المستقبل، اليوم «سؤال الهوية» و«سؤال الكرامة»، وغداً ربما «سؤال الذاكرة» أو أسئلة أخرى، من يدري؟، وعلى القراء البحث عن إجابات، قد تختلف بين قارئ وآخر. هنا تتجلى نسبية الأدب وانفتاحه على كل الاحتمالات.
> حدثنا عن قراءاتك...من من الروائيين كان لهم تأثير أكبر على تطوير تجربتك الإبداعية، واختيار الكتابة تحت «سقف» الرواية؟
- من البديهي اعتبار القراءة حجر زاوية أي مشروعاً روائياً، لا يمكن لمن لا يقرأ أن يكتب، أو على الأقل أن يواصل الكتابة بالزخم ذاته. أتعامل مع قراءة كل كتاب جديد كتجربة مختلفة تؤثر في بطريقة ما. ربما أظهرت رواية «الملف 42» ميلي للتجارب السردية التجريبية والحداثية، وما كتبه كالفينو وبيريك وأوستر وكورثاسار ودون ديليلو وغيرهم، ولكن هذا لا يعني تجاهل الأدب الكلاسيكي، الذي أعتبره قاعدة للانطلاق، من دوستويفسكي ودوماً إلى همنغواي وزفايغ، مروراً بكافكا ووايلد وكونان دويل، وينطبق هذا أيضاً على اهتمامي الأدبي العربي، من أشعار المتنبي ومقامات الحريري، إلى روايات محفوظ ومنيف ومينه وجابر وزفزاف، والقائمة طويلة بطبيعة الحال!
> استحضرتَ محمد زفزاف دون غيره من الروائيين المغاربة...
- أعتقد أن زفزاف من بين الكتاب المغاربة القلائل الذين يستحقون لقب الكاتب الكبير، وعن جدارة. آمن زفزاف بجدوى الكتابة رغم تكالب الظروف وإصرار البعض على محاربة تجربته ودفعه للانزواء بعيداً عن المشهد الثقافي المغربي والعربي، لكنه قاوم حتى النهاية، وما زالت أعماله تقرأ حتى الآن، بعد مرور سنوات طويلة على وفاته. انحاز زفزاف للهامش فعلياً، ما دام منتمياً له، عكس من اعتبروا الكتابة عن الهامش موضة لا بد من ركوب موجتها في وقت معين. أعتز بقراءتي للأعمال القصصية والروائية الكاملة لزفزاف، وأعتبر استحضاره في رواية «الملف 42» عرفاناً رمزياً بسيطاً ببصمته في الأدب المغربي.
> يلاحظ المتتبع للمشهد الروائي المغربي بروز أسماء شابة بثت روحاً جديدة في الرواية، شكلاً ومضموناً. وقد سبق لك أن قلت إن هذه الأسماء حفزت جيل الرواد على «تطوير أدواته والخروج من «منطقة راحته»».هل ترى أن الجيل الحالي «تفوق» على جيل الرواد، على مستوى الكتابة والحضور؟
- الحديث عن تفوق جيل على آخر يوحي بوجود صراع معين، وهو ما أرفضه شخصياً، العلاقة بين الأجيال علاقة تكامل لا تنافر، يستفيد الشباب من الرواد، ويؤمن الرواد بحق الشباب في التعبير عن أنفسهم بالطريقة والشكل الذي يرونه مناسباً، ففي الإبداع لا سلطة لأحد على أحد. أنا أقرأ وأسعى باستمرار لتطوير أسلوبي وكتابة وترجمة أعمال أفضل من سابقتها، وأسعد بصدور أي عمل مغربي جديد، سواء كان مؤلفه شاباً أو من جيل الرواد، باعتباره حجراً يلقى في بركة المشهد الثقافي المغربي. هناك من اعتقد، وما زال يعتقد، أنه قادر على محاربة جيلنا باستخدام الأدوات نفسها التي كانت فعالة في السبعينات والثمانينات. هذا رهان خاطئ طبعاً، وقد أثبتت الأيام ذلك.
> قمت بترجمة عملين روائيين إلى العربية. بماذا «تنصح»، أو لنقل: ماذا تنتظر من مترجم يرغب في «نقل» إحدى رواياتك إلى لغة أخرى؟
- أقول دائما إن تجربة الترجمة كانت وستبقى مفيدة جداً بالنسبة لي، فقد مكنتني من الانفتاح على الآداب العالمية، وساعدتني على تجويد لغة الكتابة، واعتماد ما يمكن تسميتها بالصرامة المنهجية في التعامل مع كل مشروع روائي جديد. خضت، ولأول مرة، تجربة التعامل مع مترجم بارز ومحترف، هو البريطاني جوناثان رايت، عندما اشتغل على ترجمة فصل من رواية «الملف 42» إلى الإنجليزية، في إطار ترجمة فصول من الروايات المرشحة ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر)، حيث طرح مجموعة من الأسئلة المتعلقة بفهم أدق تفاصيل الرواية، سعياً منه لصياغة ترجمة أمينة، فكنت مرتاحاً ومطمئناً لعمله، وبالفعل كانت ترجمته للفصل الذي صدر فيما بعد ممتازة للغاية. لا أنتظر من مترجم إحدى رواياتي مستقبلاً سوى أن يعامل النص مثلما أعامل أنا أي نص أترجمه، تحري أقصى درجات الأمانة، وإن كانت الأمانة المطلقة في الترجمة أمراً بعيد المنال، نظرياً على الأقل، وصرامة البحث والتنقيب والتدقيق في التعامل مع أدق التفاصيل، خصوصاً تلك التي قد تكون إلى حد ما بعيدة عن ثقافة المترجم.



مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
TT

مهرجان «كان» يعلن جوائزه في ليلة ختام الدورة 79

كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)
كرستيان مونجيو (إ.ب.أ)

في حفلة عامرة بالنجوم والوفود وصانعي السينما من كل حقل وميدان، أنهى مهرجان «كان» السينمائي دورته التاسعة والسبعين، موزّعاً جوائزه على نحو فاجأ معظم المتابعين.

وفاز بـ«السعفة الذهبية»، التي هي أعلى جائزة يمنحها المهرجان الفرنسي، فيلم «Fjord» للمخرج الروماني كرستيان مونجيو، وبذلك يدخل المخرج قائمة المخرجين الذين أُتيح لهم الفوز بـ«السعفة» أكثر من مرّة.

وتم منح «الجائزة الكبرى» لفيلم «مينوتور» للروسي أندري زفياغنتسف، وهو الفيلم الأول له منذ ثماني سنوات، وتم إنتاجه خارج روسيا.

جائزة أفضل مخرج تم منحها لمخرجين هما بافل بالفليكوفسكي عن «وطن»، وجايفييه كالفو عن «لا بولا نيغرا». كذلك خرجت الممثلة الفرنسية فرجيني إلفيرا بجائزة أفضل ممثلة عن «على حين غرّة» (All of a Sudden)، وتقاسمتها مع زميلتها في البطولة اليابانية تاو أوكاموتو.

كذلك، وعلى نحو مشابه، توزّعت جائزة أفضل ممثل على اثنين قادا بطولة فيلم واحد هما إيمانويل ماكيا وفلانتين كامبيون عن فيلم «زحام».


منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان
TT

منيرة العيدان: الهجرات شكلت نظرة الخليجيين للحياة

 منيرة العيدان
منيرة العيدان

في الطريق الصحراوي الذي يربط نجد في وسط الجزيرة العربية بالكويت في خاصرة الخليج، تستعيد الروائية الكويتية منيرة العيدان ذاكرة الرمل، ومعاناة الرحيل، كما توثق الهجرات من نجد إلى الكويت خصوصاً، في روايتها الجديدة «جلوات سدير»، التي صدرت أخيراً عن «الفكر العربي للنشر والتوزيع»، بغلاف لافت بريشة الفنان البحريني حسن سالم، يعكس سينوغرافيا بصرية لشبان يعتلون الإبل بالزي التراثي عابرين متاهات القفار.

ومنيرة عبد الرحمن العيدان؛ كاتبة وروائية كويتية من مواليد عام 1982، وخريجة الجامعة الأميركية في الكويت (تخصص آداب اللغة الإنجليزية).

بدأت مسيرتها الأدبية بالاهتمام بالتراث الكويتي وأدب الطفل، وصدر لها في هذا الحقل عدة مؤلفات بارزة، منها: «نورة وأحذيتها السحرية» (2014)، «سلمت للمجد» (2015)، «قطار الأحلام» (2016)، «أرض الذهب» (2018).

وفي حقل الرواية: «بين المجمعة والمرقاب» (2017)، «لعوب شرق» (2021)، «درب الفنطاس» (2025)، لتتوج هذا العطاء الممتد بروايتها الأخيرة «جلوات سدير» (2026).

هنا حوار معها عن روايتها الجديد، ومجمل أعمالها...

> كيف عالجت أعمالك تأثير التاريخ والحكاية الشعبية والتراث المحلي في صياغة الهوية المشتركة في الخليج...؟

- ما يجمع هذه الأعمال هو اهتمامي بالإنسان الخليجي وسط التحولات الكبيرة التي مرت بها المنطقة، أكثر من اهتمامي بالتاريخ كتوثيق مباشر. الهجرات القديمة، والتنقل بين نجد والكويت، والحكايات الشعبية، وشكل البيوت، والعلاقات العائلية، حتى طريقة الكلام... كلها بالنسبة لي ليست مجرد تراث، بل أشياء صنعت الناس أنفسهم، وصنعت نظرتهم للحياة والخوف والانتماء. وفي جانب آخر، أنا مهتمة أيضاً بسيكولوجية المرأة داخل هذه التحولات، وكيف انعكست التغيرات الاجتماعية عليها وعلى علاقتها بالمكان والعائلة والذاكرة. لكن في الحقيقة، متى ما وجدت قصة أشعر أنها تستحق التوثيق، أسبق نفسي إلى كتابتها. وكل هذه الموضوعات، الهجرة، الذاكرة، المرأة، التحولات الاجتماعية، تطرق باب اهتمامي في النهاية.

> كيف تبلورت فكرة لرواية «جلوات سدير»؟

- جاءت هذه الرواية بعد حديث مطول لوالدي عن طفولته بأدق التفاصيل، وهجرة أهله من نجد إلى الكويت، وفقدانه لوالدته في طفولته. كما شرح لي كثيراً من الأمور العائلية الخاصة، التي بيّنت لي أبعاد وسيكولوجية صبيٍّ في سن أبطال الرواية. حتى وأنا أكتب الرواية، كنت أرى وجه أبي في أرواح الأبطال. ثم بدأ اهتمامي بالهجرات، ما دفع كثيراً من المهتمين للتواصل معي ومشاركة قصص أهلهم بكرم بالغ، ورأيت في تلك القصص ثروة تستحق أن تُوثَّق.

> ما أثر «الجلوة» تحديداً؟ هل هي تحمل دلالة «الارتحال» وترك الديار طلباً للرزق؟

- هي مشتقة من الجلاء، أي ترك البلاد قسراً أو الارتحال عنها، وكانت تُسمى قديماً «الجلوات»، أي الرحلات التي يترك فيها الناس ديارهم طلباً للرزق أو النجاة. كما وردت الكلمة في بعض القصائد والأشعار القديمة، فيُقال: «جلا فلان»، أي غادر البلاد وارتحل عنها. وقد وددت إحياء هذه الكلمة القديمة جداً، لما تحمله من انعكاسات قريبة من أحلام أبطال الرواية ورحلتهم النفسية والجغرافية.

> الرواية استندت إلى رواة شفهيين ومؤرخين من السعودية والكويت. كيف استطعتِ «فك» التناقضات بين الروايات الشفهية والمدونات التاريخية الرسمية؟

- العمل على ربط ذلك كان ممتعاً للغاية، خصوصاً مع وجود مصادر عديدة ومختلفة هذه المرة عمّا كتبته سابقاً، بسبب تواصلي مع مؤرخين من المملكة العربية السعودية ورواة شفهيين من السعودية والكويت. في بعض الأحيان، كنت أواجه عائقاً اجتماعياً أو طقساً معيناً لا أجد له مستنداً واضحاً في المراجع التاريخية، فأبحث عنه لدى الرواة الشفهيين، أو أعيد صياغة الحدث بما يتوافق مع ما هو موثق وثابت تاريخياً.

> ذكرت في «التمهيد» أن الأحداث صيغت تخيلياً لخدمة البناء الروائي رغم السياق التاريخي الحقيقي. أين تنتهي الحقيقة التاريخية في «جلوات سدير»؟ وأين يبدأ الخيال الروائي لمنيرة العيدان؟

- هي مبنية في أغلبها على قصص حقيقية، ولكني غيّرت الظروف والأحوال كي لا آخذ أو أحرّف أو أزلّ في نقل حياة أحد. وكما ذكرت، فأنا أستمع من الرواة للقصص بشغف، وتأتي بعض القصص تباعاً للأحداث، حتى تصبح النتيجة أحياناً متوقعة من كثرة تشابه التجارب الإنسانية في تلك المرحلة. الجميل أن العديد من القرّاء، خاصة في الرياض، ربطوا القصة بقصص أهلهم، بل إن بعضهم جزم بأنها القصة نفسها بحذافيرها. وفي الرواية مثل نجدي قديم أخذته من أحد الرواة الشفهيين، وهو مثل يُقال للأطفال، وقد اتصل بي أحد الأشخاص فرحاً قائلاً: «لقد ذكّرتِني بهذا المثل الذي كانت تردده والدتي المتوفاة، وقد ظللت أبحث عنه أو عن مصدره لسنوات، ووجدته الآن!».

> تمثل «الروضة» في الرواية فضاءً طارداً ومأزوماً طبقياً واجتماعياً للأبطال، بينما تلوح «الكويت» كأرض الخلاص. كيف وظفتِ ثنائية «الضيق/ الاتساع» و«السجن/ الحرية» جغرافياً ونفسياً؟

- لم تكن الروضة مكاناً سيئاً بقدر ما كانت مكاناً ضيقاً على أحلام بعض الأبطال، خصوصاً مع الفقر والطبقية وقسوة الظروف الاجتماعية آنذاك. لذلك بدت لهم الكويت، رغم مشقتها، كنافذة أوسع للحياة والرزق وتغيير المصير. كنت مهتمة بأن يكون الانتقال جغرافياً ونفسياً في الوقت ذاته؛ فكلما اتسعت الطرق أمامهم، اتسعت معها أحلامهم، وكلما ضاقت البيئات والعلاقات من حولهم، شعروا بالاختناق أو العجز. لكنني أيضاً لم أرد للكويت أن تبدو كمدينة مثالية أو جنة كاملة، بل مكاناً يحمل الأمل والخوف معاً، لأن الرحلة نفسها كانت قاسية ومليئة بالمجهول.

أنا مهتمة بسيكولوجية المرأة داخل تلك التحولات العاصفة التي مرت بالمنطقة

منيرة العيدان

الصحراء والعبودية

> عَبَر الأبطال فضاء الصحراء وعاشوا مخاطر العطش والسراب وطعنات الغدر. هل كانت الصحراء في روايتكِ مجرد طريق جغرافي، أم اختباراً سيكولوجياً لتطهير الشخوص من انكساراتهم؟

- للصحراء رمزية كبيرة في القصة؛ فهي تمثل المجهول والخوف والأمل، وفي نهايتها تقع أرض أحلام الأبطال. كما أنها تمثل المصير، وتحتل جزءاً واسعاً من شبه الجزيرة العربية. وكما كان يقول السُّفّارة: الطريق فيها مثل الزئبق، الإمساك بطرفه صعب، وقد تخونك أحياناً بانعدام معالمها، تماماً مثل البحر، فتغدر بك وتضلّ الطريق، والضلالة هنا تعني الموت. بعد تلك الرواية، بدأت أنظر إلى الصحراء بشكل مختلف، وأراها أجمل وأوسع وأحنّ مما عهدتها سابقاً.

> طرحتِ قضايا حساسة جداً ترتبط بتلك الحقبة، مثل اختطاف الأطفال، وتجارة البشر، والظلم الاجتماعي... ما الرسالة الفكرية والاجتماعية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا السرد؟

- منذ وُجد الإنسان، وُجد الظلم والقهر، كما وُجدت الرحمة والرأفة، وكل تلك القصص حدثت منذ بدايات الخليقة. نحن نحب الماضي لأنه امتداد لما نحن عليه اليوم، لكن علينا نقله بمسؤولية كبيرة، وأن نحكي الواقع المرّ والمؤلم والظالم أحياناً كما كان، لا كما نتمنى أن يكون. لكن الجميل أن تلك التجارب القاسية خلقت من أبطال الرواية بشراً أفضل، فتجنبوا أن يعرّضوا غيرهم لما تعرضوا له من ظلم واضطهاد، وسأكمل قصص الفتية في الجزء الثاني. بمعنى آخر، تلك المحطات المؤلمة صنعت في نهايتها إنساناً أكثر اكتمالاً من ناحية الإنسانية، ومن رحم كل ما نكرهه أحياناً، يكون في الطرف الآخر من الحكاية شخص محظوظ بتلك الأقدار التي بدت في وقتها قاسية وغريبة.

> على صعيد اللغة، أدخلتِ في النص لغة فصحى جزلة تتناغم مع أهازيج وحكايات بلغة شعبية، كيف وازنتِ بين المحافظة على فصاحة السرد وإضفاء الموروث الشعبي والهوية البيئية النجدية على الحوارات؟

- كما أوضحت، لقد أدمنت ربط الخيوط معاً. تجنبت أن يكون الحوار باللهجة النجدية أو لهجة أهل سدير كي لا يصعب فهمه على بقية القراء، رغم رغبتي الكبيرة في الاحتفاظ بها كما هي. لكنني في المقابل لم أتنازل عن تطعيم الرواية ببعض الأهازيج، كي تكون لها هوية طاغية، والأمثال والحكايات الشعبية التي تمنح النص طعماً أكثر هوية وخصوصية، خاصة عند أبناء جلدتها.

> ينتهي الجزء الأول من الرواية عند أسوار الكويت وبمجموعة من «الهواجس والأسئلة المفتوحة» حول مصير الأبطال (مقبل، محمد، علي، ناصر، حمد). هل هذه الأسئلة هي تمهيد حتمي لجزء ثانٍ من الرواية؟ وما الذي ينتظر القارئ في «أرض اللؤلؤ»؟

- نعم، وقد أنهيت مهمتي في الجزء الأول تماماً، لأن الرحلة نفسها كانت مضنية جداً بالنسبة لي على المستوى النفسي والكتابي. وقد نصحني بعض النقاد بكتابة الجزأين في رواية واحدة، إلا أن ذلك لا يناسب رسالتي تماماً، فأنا أردت فصل الرحلة الصحراوية عن رحلة الرزق، ولا أريد للثانية، بتفاصيلها ومحطاتها، أن تطفئ بريق الأولى. نعم، هناك جزء ثانٍ، وسيرى القارئ كيف أن كل تلك الأقدار قد صُممت من قبل العزيز الحكيم لصالح هؤلاء الفتية، بمن فيهم «علي» المخطوف، وكيف كانت كل تلك المحطات تمهيداً لما سيمرون به لاحقاً، وكيف أن المستقبل كفيل بجمع شملهم مرة أخرى.


يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر
TT

يوميات مخرج صربي في مصر

يوميات مخرج صربي في مصر

اختار المخرج والسيناريست الصربي البارز بوريس ميليكوفيتش عنواناً لافتاً ليومياته في مصر، تحديداً حي الزمالك بالقاهرة، وهو «شاي في الزمالك»، حيث عاش فترة معتبرة مديراً بشركة «ساتشي وساتشي» للإعلانات الشهيرة، وجاء العنوان ليعكس طبيعة العمل الذي يتسم بالبساطة والحميمية كشذرات تلمع في الذاكرة وكأنه يتحدث بعفوية إلى صديق أثناء احتساء كوب من الشاي.

المدهش أن اليوميات لا تخلو من النقد الذاتي الحاد، ويعترف المؤلف بسقوطه أحياناً ضحية لفخ العنصرية الغربية تجاه الشرق ووهم تفوق العرق الأبيض وما يصاحبه من استعلاء وغرور، لكنها تقدم في المقابل صورةً صادقةً للمجتمعات من منظور أجنبي وحيد يعيش بحي راق في العاصمة المصرية، حيث ينام تحت مروحة السقف البطيئة غارقاً في عرقه، خائفاً من أن يفتح نافذة غرفته، ويرغب بشدة في أكل المانجو.

ولا تخلو اليوميات من لحظات إنسانية متنوعة، أبرزها الوحدة في حياة شخص تقدم به العمر والوقوع أسيراً لأزمة إدمان الكحول، مع الأزمات الصحية المتفرقة، أيضاً مع مواقف مبهجة في المقابل تتعلق بمحاولات اكتشاف الثقافة المصرية من خلال الطعام والمزاح والتعاون مع جهات رسمية في إنجاز مواد بصرية تتعلق بالترويج للسياحة في البلاد بطرق غير تقليدية.

وُلد بوريس ميليكوفيتسش في 3 أبريل (نيسان) 1956، وهو أيضاً كاتب روائي وأكاديمي درّس فنون الإخراج السينمائي بكلية الفنون المسرحية في بلغراد في التسعينات، كما عمل مديراً إبداعياً لكبريات شركات الدعاية والإعلان، كما ظل مديراً إبداعياً في راديو وتلفزيون صربيا لسنوات عديدة.

ومن أجواء الكتاب نقرأ:

«كان اسم خادمتي (محفوظة) وهو الاسم الأنثوي من (محفوظ ) مثل نجيب محفوظ، اعتاد ابني الصغير على مناداتها (كوكا)، بعدها ظل كل العرب الذين يقيمون بالحي ينادونها بالاسم الجديد في طقس مبهج ضاحك.

كانت (كوكا) من حي إمبابة الشعبي ولا أعرف كيف سمعت عني ولا أظن أن أحداً قد رشحها لي أو أي شيء من هذا القبيل، لكن ما أعرفه هو أنني رأيتها لأول مرة في صباح أحد أيام شهر أبريل وأنا أعاني من صداع وعطش شديد وعاصفة من عواصف الخماسين تضرب البلد.

كانت ترتدي فستاناً صيفياً، نحيفة يغطيها العرق وخصلات قصيرة من شعرها الرمادي ملتصقة بجبهتها. أمسكت بيدها طبقاً به رمان نصفه مفصص والنصف الثاني كما هو، وبابتسامة وضعت الطبق إلى جانب كوب مغطى من عصير البرتقال الطازج.

فكرتُ يومها في أن (كوكا) قد رأت كثرين في حياتها ممن عانوا من صداع ما بعد الثمالة ويشعرون بالحرج، حيث قدمت لي المشروب البارد وهى تقول وكأنها تحاول تجنب فتح الموضوع:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

أجبتها:

- نعم، شكرا لك... أحسن رمان... شكراً على الرمان!

بعد عدة سنوات كنا على وشك مغادرة القاهرة، جاءت ابنة (كوكا) مع أطفالها بمفردها بدون الأم ونظفت البيت كما كانت والدتها بنفس الترتيب، تزيح السجاد وتمسح الأرض بخرقة مبللة ثم تنفض السجاد في الشرفة. ذات مرة عندما حان موعد القهوة ربما في الحادية عشرة صباحاً قالت لي:

- ماتت كوكا... لن تعود مرة أخرى!

ثم توقفت عن الكلام والتفتت تجاه المكيف القديم ذي الصوت العالي وأضافت قائلة:

- الحر... الرطوبة يا أستاذ!

ثم ناولتني العصير وطبق الرمان».