هشام جعيط... المؤرخ التونسي الإسلامي التنويري

هشام جعيط... المؤرخ التونسي الإسلامي التنويري

رحل بعد صراع مع المرض عن عمر يناهز 86 عاماً
الخميس - 22 شوال 1442 هـ - 03 يونيو 2021 مـ رقم العدد [ 15528]

فقدت تونس والعالم العربي الثلاثاء الماضي هشام جعيط، أحد آخر المؤرخين لمرحلة التأسيس الإسلامي في سنواته الأولى، والذين قضوا حياتهم منشغلين بسؤال الحضارة الإسلامية، عن عمر يناهز 86 عاماً قضاها في البحث وتسنم المراكز العلمية، غادرنا الرجل الذي يكاد لا يتخرج طالب في اختصاصي الأدب العربي أو التاريخ إلا وقرأ جانباً من نتاجاته. ولا يمكن لباحث في الشأن الإسلامي إلا وأن يعود إلى مؤلفات جعيط، شأنه شأن محمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون، وقبلهم طه حسين، ممن ذهبوا ينبشون في الطبقات التاريخية، والخلفيات الذهنية من خلال التراث؛ لفهم مشكلات الحاضر. لكل أسلوبه والنقاط الرئيسية التي شكلت مركز الثقل في كتاباته، لكنهم مراجع في ميادينهم، وأساتذة لا يمكن الاستغناء عنهم، لمن يريد أن يفهم خلفيات معضلاتنا المعاصرة.

ولد هشام جعيط عام 1935 في العاصمة تونس، وهو سليل عائلة برجوازية من القضاة وكبار المسؤولين والمثقفين، جده الوزير الأكبر يوسف جعيط، وعمه العالم والشيخ محمد عبد العزيز جعيط. أما والده فكان من أبرز شيوخ جامع الزيتونة. هو نفسه تعلم في «المدرسة الصادقية»، التي خرّجت غالبية القيادات الإصلاحية التونسية المعروفة، وعلى رأسهم الرئيس الحبيب بورقيبة. وعُرفت هذه المدرسة بانفتاحها وبرامجها العصرية الحديثة وتعليمها اللغات الأجنبية؛ مما يفسر ربما توجهاته النقدية والعلمية المبكرة. ثم انتقل جعيط إلى فرنسا ليحصل على دكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة السوربون عام 1981، عن أطروحته حول نشأة مدينة الكوفة في القرن الأول الهجري، تحت إشراف المستشرق المعروف كلود كوهين. وسيرسم هذا الموضوع الذي اشتغل عليه في البداية، مساره اللاحق، متأثراً بالفكر الاستشراقي، راغباً في الاستمرار في الرد عليه، أو البحث عن تفنيد حججه، وربما الموافقة على بعضه. وهو يقول إنه أفاد من هذه الكتابات، وقرأها باهتمام. فالسنوات الثماني التي قضاها في فرنسا كان لها أكبر الأثر على تفكيره. كان طالباً، لكن عينه على الحركة المجتمعية والحياة السياسية. وحين عاد إلى بلاده، وكان الاستقلال قد تحقق، صُدم للفرق بين ما كان يراه من حرية عند الفرنسيين، ووصول نخبة صغيرة بعينها إلى السلطة في تونس، تصفق لها الناس وتحتفي بها رغم افتقارها لروح الديمقراطية، وفوح رائحة الديكتاتورية والتسلط. فقد تبدلت أحوال البلاد، ولم يعد والده شيخاً في الزيتونة، كما تغيرت الاعتبارات والمراتب، ولم ير أن الأحوال إلى انفراج.

صدرت له كتابات بالعربية والفرنسية، أسماء العديد منها تذكّر بعناوين طه حسين، مثل ثلاثيته «في السيرة النبوية» و«الفتنة: جدلية الدين والسياسة في الإسلام المبكر»، الذي عرف انتشاراً واسعاً بين القراء، وطُبع ثماني مرات. وكذلك كتاب «أزمة الثقافة الإسلامية»، و«أوروبا والإسلام: صدام الثقافة والحداثة»، و«تأسيس الغرب الإسلامي»، «الشخصية العربية الإسلامية والمصير العربي» وغيرها، من الكتب، صدرت غالبيتها عن «دار الطليعة» في بيروت. كان جلّ اهتمامه ينصبّ على تشكّل المدينة العربية، والرفاه العباسي الذي تحقق، وكيف تبلورت الحواضر الكبرى؟ وتمكن الإسلام من توسيع رقعة انتشاره في سنوات وجيزة، لم تتعد العقدين؟ وهو سؤال لا يزال يستحق دراسة مستفيضة؛ إذ إن عوامل هذا النجاح المدوي، رغم وجود إمبراطوريتين كبيرتين مجاورتين، هما الفارسية والبيزنطية في تلك الفترة، لم ينل البحث الكافي، لغاية اللحظة من المتخصصين في الميدان. واهتم جعيط بالناس الذين شكّلوا المجتمع الإسلامي، لا سيما القبائل العربية، ورصد حركتهم، ومسالكهم، أكثر مما اهتم بالبلاط والخلفاء، وعهودهم. وهو محق في ذلك؛ لأنه ذهب إلى المجال الذي لم يعن فيه كثيرون.

وبقي جعيط متمسكاً بالبحث العلمي، وباعتماده على الوثائق والمستندات، كما عُني بالثقافة الشفاهية وعملية التدوين، خاصة أنه كان منشغلاً أيضاً في كتاباته، بالثقافة الأفريقية وبلاد المغرب العربي.

لم يكن مؤرخاً يمكن أن يرضي الغالبية، أو مفكراً من الضروري أن تحصد نتائجه موافقة المفكرين التقليديين، خاصة أنه ابتعد عن النهج الإيماني في الكتابة، الذي رأى فيه شبيهاً بحفلات المديح. بقي منحازاً إلى منهجه التاريخي مستعيناً بالأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، وعلم الأديان والفلسفة، مريداً بذلك أن يعصرن الدراسات الإسلامية، ويخرجها من دائرة تهم التخلف التي وجّهت إليها، لكنه هو نفسه لم يسلم من النقد. ثمة من مدحه، واعتبره حديثاً، نجح في دراسة الإسلام من الداخل، أميناً على التراث، مستعيناً بالمناهج الجديدة، ومنهم من اتهمه بالتأثر بالمستشرقين، وتقليدهم في أساليبهم، وبدل أن يتمكن من الرد عليهم، وقع في أحابيلهم، وأنه في النهاية أطلق تخمينات وتأويلات، لم يتمكن هو نفسه أن يأمن إليها.

وفي كل الأحوال، الجدل حول كتابات هشام جعيط، يزيدها أهمية، ويشجع على مزيد من البحث حولها، والمراكمة عليها. فالرجل قامة علمية. إضافة إلى أنه كان أستاذاً فخرياً في جامعة تونس، كان قد تولى رئاسة المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون (بيت الحكمة) من سنة 2012 إلى 2015، وهو كذلك عضو في الأكاديمية الأوروبية للعلوم والفنون. عرفه محبوه والطلاب أستاذاً زائراً في عدد من الجامعات العربية والأوروبية، ومنها جامعة ماك غيل (مونتريال) وجامعة كاليفورنيا، بركلي، ومعهد فرنسا.

ويسجل لهشام جعيط، أنه مثقف مستقل، لم يهادن سلطة، أو يتملق. فلم يكن معجباً بالطريقة التي تدار بها البلاد، ولم يتوقف عن النقد والاعتراض والمجاهرة برأيه الحر. وهو ما استجرّ عليه غضب الرئيس بن علي أيام وجوده في الحكم، فلم يمنح ذاك الشرف الذي يعطى للمؤسسين الكبار في الجامعة التونسية، وأحيل على التقاعد بمجرد انتهاء فترة خدمته الرسمية ولم يمدد له؛ عقاباً له على آرائه الاعتراضية.


كتب

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة