مجاهد العزب يواصل «حفريات العاشق» في معرضه بالقاهرة

مجاهد العزب يواصل «حفريات العاشق» في معرضه بالقاهرة

معزوفة بصرية تجمع إيقاع الرسم والحفر والنحت على سطح الصورة
الخميس - 8 جمادى الأولى 1436 هـ - 26 فبراير 2015 مـ

بتقنيته الفنية الفريدة التي تجمع على مسطح الصورة إيقاع الحفر والنحت والرسم معا، بحيث يصعب التمييز بينها، يواصل الفنان مجاهد العزب مشواره الفني مع التشكيل، كاشفا عن زوايا جمالية جديدة في معرضه «من حفريات العاشق» المقام حاليا بأتيلييه القاهرة للفنون والآداب. لا يتخلى الفنان عن الأحبار خامته الأثيرة، لكنه في هذا المعرض يطعمها بغلالات رقيقة من ألوان الزيت، تتراءى على شكل علامات وخربشات وومضات خطية متنوعة في الخلفية، أو في شكل صبغة خفيفة تتناثر كغلاف رهيف على جسد التكوين، وهو ما جعل أشكال الرسم تبدو أكثر تكثيفا في اللوحات، وامتلاء بفتات الوجود اليومي، كما تنوعت حالات البشر في مسارب هذا الوجود الذي يشبه المتاهة، وأصبحت الأشكال تحلق بحيوية في فضاء سرمدي يغمرها الضوء من مساقط مباغتة، وفي الوقت نفسه، لا تخضع لنسب وقياسات فنية محددة، فهي مسكونة برغبات مبهمة عارمة، وأحلام مكبوتة تشدها للحياة.

ويهيمن جو من مناخ الطفولة في لوحات المعرض، يتباين في مقاربات فنية شيقة، فثمة خيط من ذكريات ما، يومض في حركة الشخوص، ويشكل مفتاحا سريا لملامحها وتكويناتها الظلية المهشرة، حتى إن الشخوص تبدو في الكثير من الأعمال وكأنها تفتش عن هذا المفتاح في فضاء اللوحة، وأيضا عن حوار مكتوم فقدت تراتبه المنطقي في الخارج.

ويتفاوت إيقاع هذا المناخ، فيتسع صداه في شكل نشيد جماعي في اللوحات ذات الحجوم الكبيرة التي تغص بالشخوص المتراصة والمتشابهة، ويتكثف في نبرة تأمل حادة تنعكس على مرآة الوجه في لوحات «البورتريه»، كما يتحول إلى نجوى خاصة في اللوحات التي تحتفي بثنائية الشخوص، مثل اللوحة التي تجسد أمًا ترافق طفلها بحنو، كما يلعب هذا الإيقاع على تيمة شخص واحد منفرد، لكن صورته تتعدد في تداعيات الظل، وجدل النور والعتمة في الخلفية، وكأن الظل مرآة عاكسة متعددة الأبعاد. ورغم تنوع إيقاع مناخات الطفولة في الحجم والفضاء، فإنه يظل بمثابة حارس لحرية وأزمنة هاربة من حياة الشخوص، تتنفس هواءها بجمالية جذابة في نسيج اللوحات. يركز الفنان على كل هذا بطريقة تلقائية، لا إرادية أحيانا، لكنه بتراكم الخبرة والتجربة، وطزاجة المخيلة، يضع دائما نقطة التوازن الحاسمة بصورة غير متوقعة، لتحكم بتناغم شفيف المسار بين اللون والحركة والفراغ، وتشد تداعياتها لمنطق اللوحة الداخلي، وهو منطق ينهض - فيما يبدو لي - على إشباع فعل الرسم أولا، وكيفية الانطلاق منه والبناء على الكتلة ووضعها في الزاوية والمكان الفاعلين على مسطح اللوحة، وكذلك خلق شبكة من العلاقات الحية بينها وشتى عناصر التكوين، تنضج وتنمي الكتلة، وتجعل الشكل يستوي جماليا على مسطح الصورة بشكل طبيعي، من دون تعسف أو مبالغة لإحداث ربكة بصرية فاترة خالية من أي معني حقيقي. وهو ما ينعكس على رسوم الوجه (البورتريه)، حيث يقبض الفنان على الملامح بإيحائية تميل إلى الغموض، الذي يبدو وكأنه صدى لانفعال أعمق، يكمن في عمق الرسم، وما يضمره الوجه من حقائق ودلالات أكثر تعقيدا وجمالا، تنبئ بها المظاهر والرتوش الخارجية للرسم نفسه.. إنه ينفعل بالوجه كحالة من حالات الحوار، تقف دائما على حافة الوضوح والغموض معا.

وفي اللوحات التي تتعدد فيها الشخوص، تنكسر حافة الوضوح والغموض، وتتخلص من إيقاعها المفرد في لوحات البورتريه، ونصبح إزاء حالة أخرى من التعاضد الفني، تتسم بقدر أكبر من الحميمية اللافتة، سواء في علاقة الفنان نفسه باللوحة، أو في علاقة الشخوص بفضائها الرجراج والصلد أيضا. يبرز هذا على نحو مغاير في إحدى لوحات المعرض، حيث تتراص مجموعة من الشخوص المتشابهة في البنية الجسدية، والمظهر الخارجي، لكن زوايا نظرها تتنوع ما بين الأعلى والأسفل، اليمين واليسار، بينما يقبع في الخلفية جدار داكن، يمتص ظلالها في صمت، لكن مع الاقتراب والبعد تحس بأن ثمة خروشة ما، تنبعث من هذه الظلال، وكأنها معادل بصري، يحفز العين لتتوغل أكثر فيما وراء الشخوص والجدار، لنواجه بصرخة وجود مستميتة ومكتومة تعبر عنها نظرات الشخوص الشاردة هنا وهناك، وكأننا إزاء مظاهرة جماعية لممارسة نوع من التطهير النفسي، في مواجهة واقع اختلط فيه الوهم بالحقيقة حتى أصبح التمييز بينهما بمثابة ضرب من الجنون.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة