استطلاع يكشف تراجع شعبية حزب إردوغان... وزعيم مافيا يتهم مقربين منه بالفساد

أكبر المنافسين على الرئاسة بعد إطلاق حزبه الجديد: سنغيّر تركيا

محرم إنجه رئيس حزب «البلد» وزوجته أولكو خلال مهرجان للحزب الجديد في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
محرم إنجه رئيس حزب «البلد» وزوجته أولكو خلال مهرجان للحزب الجديد في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
TT

استطلاع يكشف تراجع شعبية حزب إردوغان... وزعيم مافيا يتهم مقربين منه بالفساد

محرم إنجه رئيس حزب «البلد» وزوجته أولكو خلال مهرجان للحزب الجديد في أنقرة أمس (أ.ف.ب)
محرم إنجه رئيس حزب «البلد» وزوجته أولكو خلال مهرجان للحزب الجديد في أنقرة أمس (أ.ف.ب)

قال محرم إنجه، رئيس حزب «البلد»، أحدث الأحزاب السياسية في تركيا وأكبر منافسي الرئيس رجب طيب إردوغان في الانتخابات الرئاسية عام 2018، إن السلطة الحالية لا يمكن الوثوق بها أو بقدرتها على تقديم حلول لمشاكل البلاد، بينما أظهر استطلاع للرأي تراجع شعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم.
في الوقت ذاته، فجّر أحد زعماء المافيا جدلاً واسعاً بعدما كشف عن وقائع فساد تورط فيها وزراء ومقربون من إردوغان.
ودشن إنجه حزبه الجديد رسمياً في تجمع عقده في الهواء الطلق في أنقرة أمس بحضور مؤسسي وأعضاء الحزب الذي أطلق عليه اسم «حزب البلد» نسبة إلى «حركة البلد» التي دشنها العام الماضي في مسعى لجمع التأييد لخوضه الانتخابات الرئاسية مجددا عام 2023.
واتهم إنجه، في كلمة أمام التجمع، حكومة إردوغان بـ«نهب» الدولة، قائلاً «سوف نغيّر تركيا». وأضاف، أنه «لا يمكن الوثوق بالسلطات الحالية في تقديم حل واحد لمشكلات بلدنا».
وعقد مؤسسو الحزب، أول من أمس، الاجتماع الأول لهم، وانتخبوا إنجه رئيساً، بحسب ما أعلنت المتحدثة باسم الحزب غايا أوليصار، النائب البرلمانية التي استقالت الأسبوع الماضي من حزب الشعب الجمهوري. وأعلن إنجه، في 8 فبراير (شباط) الماضي، استقالته رسمياً من «الشعب الجمهوري»، وتأسيس حزب جديد، متعهداً بالفوز بالرئاسة التركية في الانتخابات المقبلة عام 2023. وقال، عقب استقالته، إن حزب الشعب الجمهوري أصبح لا قيمة له الآن، ويعاني من انحرافات آيديولوجية، وإن القائمين عليه تركوا نهج مصطفى كمال أتاتورك ويتوسلون الديمقراطية من أميركا.
وترشح إنجه (56 عاماً) عن حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، وحصل على نحو 30.8 في المائة من الأصوات وخسر أمام إردوغان الذي نال 52.6 في المائة، بعد أن تمكن من تشكيل قاعدة مؤيدين قوية رغم الإعلان عن الانتخابات المبكرة عام 2018 قبل أشهر قليلة على تنظيمها، لكنه اختلف مع قادة حزبه وخسر معركة قيادته أمام رئيسه كمال كيليشدار أوغلو. ولم يخف إنجه طموحاته السياسية منذ أدائه القوي في انتخابات 2018، وروج لنموذجه العلماني القومي في جولة في أنحاء البلاد أطلق عليها «حركة الوطن في 1000 يوم» أطلقها في 4 سبتمبر (أيلول) 2020.
ويكتسب المنافسون السياسيون لإردوغان شعبية بين الناخبين قبل الانتخابات الرئاسية المرتقبة في عام 2023، وفقاً لاستطلاع رأي أجرى الأسبوع الماضي، وأعلنت نتائجه أمس.
وأظهر الاستطلاع، الذي أجرته جمعية «إسطنبول الاقتصادية»، حصول رئيس بلدية أنقرة، المنتمي إلى حزب الشعب الجمهوري، منصور ياواش بنسبة 52.5 في المائة من الناخبين مقارنة بـ38.1 في المائة لصالح إردوغان، بينما حصل رئيس بلدية إسطنبول المنتمي إلى الحزب ذاته، أكرم إمام أوغلو، على دعم 51.4 في المائة مقابل 39.9 في المائة.
كما انخفض الدعم الشعبي لـ«تحالف الشعب» المكون من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية إلى نحو 32 في المائة، وقال 26.6 في المائة فقط، إنهم سيصوتون لصالح حزب العدالة والتنمية برئاسة إردوغان إذا أجريت الانتخابات في مايو (أيار) الحالي، بينما أيّد 6 في المائة فقط حزب الحركة القومية، الشريك الانتخابي لإردوغان.
وفاز «تحالف الشعب» بنسبة 54 في المائة من الأصوات في الانتخابات العامة لعام 2018، بنحو 43 في المائة و11 في المائة على التوالي.
وكشف مجموع استطلاعات الرأي في وقت سابق من العام الحالي عن انخفاض ثابت في دعم «تحالف الشعب» في الأشهر الثلاثة الأولى من العام، كما أظهرت أن الأداء الاقتصادي الضعيف ومزاعم سوء الإدارة المالية والفشل في التعامل مع وباء كورونا كانت من بين العوامل التي قوضت الثقة في الحكومة.
على صعيد آخر، فجّر زعيم المافيا التركي، سادات بكير، جدلاً واسعاً بعد نشره 5 تسجيلات مصورة عبر قناته في «يوتيوب»، وجه فيه اتهامات «مثيرة للجدل» لوزراء ومقربين من إردوغان بالوقوف وراء أعمال غير قانونية، وأخرى تتعلق بانتهاكات وممارسات غير مشروعة.
وتحدث زعيم المافيا البارز، الهارب خارج تركيا والذي كان مقرباً في السابق من حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، عن كشف «خفايا لا يعرفها المواطنون». وقال بكير، المطلوب أمنياً بنشرة حمراء عمّمتها السلطات التركية منذ أكثر من عام بتهم تتعلق بـ«الجريمة المنظمة» وتجارة وتهريب المخدرات، بالإضافة إلى استهداف شخصيات أكاديمية ومدنية، إنه سيعرض الأشخاص الذين يستهدفهم إلى «هزيمة نكراء».
واستهدف بكير، للمرة الأولى، شخصيات بارزة، من بينها وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو وجهات إعلامية مثل «مجموعة البجع»، أو كما تسمى باللغة التركية «مجموعة بليكان» المقربة من حزب العدالة والتنمية، والتي تدير جيشه الإلكتروني.
كما استهدف بكير باتهاماته برات البيراق، صهر إردوغان، وشقيقه سرهات، مالك مجموعة «تركواز» الإعلامية، ووزير الداخلية الأسبق محمد أغار ونجله النائب في حزب العدالة والتنمية طولجا أغار.
وأقدم بكير على هذه الخطوة بعد عملية أمنية واسعة للسلطات التركية في التاسع من أبريل (نيسان) الماضي استهدفت العشرات من الأشخاص المتهمين بالتبعية له في ولايات متفرقة، وبالأخص في ولاية إسطنبول، وتم خلالها مداهمة فيلا مملوكة له، وتم خلال العملية اعتقال 52 شخصاً في العديد من المحافظات، واتهمتهم السلطات بالارتباط به.
وفي السنوات التي سبقت هربه من تركيا، في فبراير 2020، عرف زعيم بكير بقربه من الأوساط الحاكمة، سواء حزب العدالة والتنمية أو حليفه حزب الحركة القومية، وهو ما بدا في تصريحات متفرقة له، إلى جانب صور وثقت دعمه لهذين الحزبين. حيث كان يرفع بيده اليمنى شعار «بوزكورت» للذئب الرمادي الذي تتبناه الحركات اليمينية القومية وبيده اليسرى «شعار رابعة» الذي تتبناه أوساط «العدالة والتنمية».
وزعم بكير أن العلاقات مع عائلته هي التي ساعدت الوزير سليمان صويلو على الصعود في صفوف حزب «الطريق القويم» اليميني، قبل أن ينضم إلى «العدالة والتنمية» في عام 2012، وقال، إن «صويلو ساعدني في تجنب ملاحقة الشرطة لي من خلال إخطاره بأنه يجري التحضير للتحقيق معي» وأن صويلو أخبر الناس سابقاً أنه «يحبه».
ورد صويلو، الذي ذكر بالاسم في التسجيلات الخمسة، ببيان عبر «تويتر» قال فيه «ليثبت مزاعمه، وأنا جاهز لكرسي الإعدام». كما قدم شكوى إلى مكتب المدعي العام في أنقرة من خلال محاميه، بدعوى «الإهانة والافتراء».
ووصفت وزارة الداخلية المزاعم التي أثارها بكير في مقاطع الفيديو بأنها «تشهير واتهام». وقالت إن «الافتراءات والاتهامات التي وجهها للشخص المذكور في المنشورات التي أصدرها على مواقع التواصل الاجتماعي من الخارج تعتبر نشاطاً إجرامياً جديداً ضد قواتنا الأمنية ودولتنا».
وعلق رئيس حزب الشعب الجمهوري، كمال كليتشدار أوغلو، بأن تهديدات بكير تعبر عن «أزمة إدارة»، متهماً حكومة إردوغان بالتسليم والخضوع لإملاءات بعض الأطراف.
وقالت رئيسة حزب «الجيد»، ميرال أكشنار، إن «الادعاءات التي يسوقها سادات بكير فظيعة ووخيمة للغاية... الفضائح التي ظهرت وصمة عار بكل معنى الكلمة. لا يمكن أن تكون هناك دولة عميقة وأخرى ضحلة... الدولة لا يمكن أن تخرج عن الإطار القانوني».
ورأى زعيم حزب «الديمقراطية والتقدم»، علي باباجان، أن «المشهد الذي أظهرته تصريحات بكير تذكر بتسعينات القرن الماضي، حيث كانت العلاقات بين الدولة والسياسة والمافيا متشابكة جداً»، قائلاً إن «تكرار هذه الأحداث بعد 4 عقود من الزمان أمر باعث على الحزن والأسى».
وقال رئيس حزب «المستقبل»، أحمد داود أوغلو، إن «علاقات المافيا السياسية ظاهرة تقوض الدولة. إننا نشهد شبكة علاقات مماثلة دمرت كرامة مؤسسات دولتنا وسياستها في التسعينات».
وحظي سادات بكير في أثناء وجوده داخل الأراضي التركية وعقب هربه منها بـ«شعبية»، حتى أنه لقب لفترات طويلة بـ«الرئيس سادات بكير»، وفي يونيو (حزيران) 2020 نشر مجموعة من الجنود تسجيلاً مصوراً من ثكناتهم على موقع «تويتر»، هنأوا فيه بكير بعيد ميلاده، قائلين «عيد ميلاد سعيد يا رئيس. نقبل يديك... اليوم هو عيد ميلاد قائدنا سادات بكير، عيد ميلاد سعيد يا قائدنا، نتمنى لك حياة هانئة».
ونشرت أخبار وصور عبر وسائل إعلام تركية، في ربيع عام 2018، حول تقديم بكير عدداً من سيارات الدفع الرباعي ودروع واقية من الرصاص للفصائل السورية التي تدعمها تركيا في ريف حلب الشمالي، لقاء ما قدموه في عمليتي «درع الفرات» و«غصن الزيتون».
وبكير من مواليد ولاية سكاريا (غرب) عام 1971، ودخل السجن وخرج منه مرات عدة أعوام 1971، و2005، و2007، و2017. وبرّأته محكمة تركية مؤخراً من تهمة تهديد مجموعة أكاديميين بالقتل، بسبب دعوتهم للتفاوض وإيجاد حل سلمي لملف الأزمة الكردية.



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.