هل تدفع المنقوش ثمن مطالبتها بمغادرة المرتزقة ليبيا؟

وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش في مؤتمر صحافي بروما 22 أبريل الماضي (إ.ب.أ)
وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش في مؤتمر صحافي بروما 22 أبريل الماضي (إ.ب.أ)
TT

هل تدفع المنقوش ثمن مطالبتها بمغادرة المرتزقة ليبيا؟

وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش في مؤتمر صحافي بروما 22 أبريل الماضي (إ.ب.أ)
وزيرة الخارجية الليبية نجلاء المنقوش في مؤتمر صحافي بروما 22 أبريل الماضي (إ.ب.أ)

تصدّر اسم نجلاء المنقوش، وزيرة الخارجية الليبية، المشهد السياسي في البلاد خلال الأسابيع الماضية، على خلفية تمسكها بضرورة إخراج جميع «المرتزقة» والقوات الأجنبية من ليبيا، مما تسبب في إغضاب المقاتلين الموالين لتركيا في العاصمة طرابلس.
وبات قطاع واسع من الليبيين يتساءل عن مصير الوزيرة الشابة، وما إذا كانت مطالبتها بتطهير البلاد من جميع «المرتزقة» ستؤدي إلى إقالتها أو حتى دفعها للاستقالة.
وكيل وزارة الخارجية الأسبق بالحكومة المؤقتة، حسن الصغير، يرى أن من يملك هو رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة أو البرلمان، إلا أنه استبعد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» قيام الجهتين بهذه الخطوة التي وصفها بـ«المتهورة». وقال: «قصر مدة عمل الوزيرة وتكرار مطالبتها بخروج القوات الأجنبية سيضع مَن يفكر بإقالتها في حرج بالغ، وفي موضع اتهام من المجتمعين الليبي والدولي معاً».
وذهب إلى أن المنقوش لم تطالب بإخراج القوات الأجنبية و«المرتزقة» لكونها وزيرة ليبية تعبر عن الإرادة الوطنية، وإنما لتنفيذ القرار الصادر عن مجلس الأمن في منتصف مارس (آذار) الماضي، وتنفيذاً لما ورد بكل الاتفاقيات وخريطة الطريق السياسية للأزمة الليبية التي وضعتها ورَعَتها البعثة الأممية.
ويرى الصغير أنه بالإضافة إلى وكلاء تركيا بليبيا كتنظيم «الإخوان» والموالين من سياسيين أو الميليشيات، وجدت فئات أخرى شاركت في الهجمة الشرسة التي تتعرض لها الوزيرة منذ قرابة الشهر، متابعاً: «هناك المستهدفون بالتقليص والعودة ممن انتهت مدة عملهم بالسفارات الليبية بالخارج من موظفي وزارة الخارجية، وهناك أيضاً بعض الشخصيات النخبوية التي ترى نفسها أو أقاربها أحق بالموقع الوزاري مقارنةً بالمنقوش».
ورغم توصيفه للضغوط التي تتعرض لها الوزيرة بـ«الكبيرة والغوغائية»، استبعد الصغير «أن تدفع لتقديم استقالتها»، محذراً في الوقت نفسه من أن التهديد بإبعادها عن العاصمة «قد يدفع دولاً كانت قد اتخذت قراراً بإعادة فحت سفارتها للعاصمة بالتريث فيه، فكيف سيأمن هؤلاء على سفارتهم ووزيرة الخارجية مهدَّدة؟».
من جانبه، نفى المتحدث باسم المركز الإعلامي لعملية «بركان الغضب» مصطفى المجعي، وجود أي تهديد للوزيرة، وقال في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «الوزيرة موجودة وتمارس عملها بيننا في العاصمة، وقوات (بركان الغضب) رغم التزامها التام، إذا أرادت شيئاً ما ستشرع في تنفيذه فوراً ولن تلجأ للتهديد». واستدرك: «عليها أن تغيّر سياساتها وسحب تصريحاتها وأهلاً وسهلاً بها، لكن لا يمكن القبول بتوصيف المستشارين والمهندسين والفنيين الأتراك الموجودين في ليبيا والذين جاءوا وفقاً لمذكرة تفاهم عقدتها الدولة الليبية في العلن بكونهم (مرتزقة)، دون الإشارة إلى المرتزقة من الروس (فاغنر) و(الجنجويد) الذي استعان بهم الطرف الثاني». يُذكر أن المنقوش طالبت في مناسبات سياسية عدة بإخراج جميع «المرتزقة» من البلاد.
وتطرق المجعي إلى الألغام التي خلّفتها الحرب على طرابلس، وقال: «لدينا أولويات وهي الحصول على خرائط الألغام التي زرعها عناصر (فاغنر) في كلٍّ من سرت وجنوب العاصمة، ولا تزال إلى الآن تحصد الأرواح يومياً والجهة الرئيسية التي تساعد في تفكيكها هم المهندسون الأتراك والقوات المساندة لهم».
وانتقد المجعي توصيف البعض حادث «كورنثيا» في العاصمة بكونه اعتداءً مسلحاً، وقال: «بعد حفل إفطار جماعي لقادة (بركان الغضب) قرر هؤلاء التوجه إلى الفندق لتقديم رسالة اعتراض سلمي على سياسات المنقوش وعلى قرار تعيين حسين العائب رئيساً لجهاز الاستخبارات».
أما الكاتب والمحلل السياسي عبد الله الكبير، ورغم استبعاده صدور قرار بإقالة الوزيرة، فإنه توقّع أن يؤدي خروج المنقوش عن الموقف الحكومي وتصريحاتها التي وصفها بـ«غير المتوازنة» إلى حدوث أزمة بينها وبين رئيس الحكومة وكذلك مع الأطراف الأخرى النافذة بغرب البلاد. وقال الكبير في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن الجبهتين السياسية والعسكرية اللتين تصدّتا للهجوم على العاصمة في أبريل (نيسان) 2019 تريان في استمرار التعاون مع تركيا ضماناً لعدم تكرار العدوان على العاصمة، وبالتالي فإنهما لا تقبلان من الحكومة أو أحد وزرائها انتقاد الدور التركي، «خصوصاً قبل أن تتم إدانة المسؤولين عن هذا العدوان ومسؤوليه ممن جلبوا (المرتزقة) إلى البلاد». وتابع: «هؤلاء دفعوا حكومة (الوفاق الوطني) حينذاك لطلب العون من تركيا»، مقللاً في هذا الإطار من تحذيرات البعض من تفجر الأوضاع نظراً «لرغبة الجميع في تفادي عرقلة الحل السياسي مع قرب موعد الانتخابات».
أما عضو المجلس الأعلى للدولة أحمد لنقي، فعدّ في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الوضع الراهن ليس إلا انعكاساً لعدم التوافق بين الدول المتدخلة في ليبيا الليبي حول مصالحها، وقال: «هذا ما يعيق توحيد المؤسستين العسكرية والأمنية في ليبيا، ولا يسمح لها باستعادة هيبتها». وأضاف: «العامل الثاني والمحلي الذي يتوقف عليه تحسن الأحوال هو أن يتنبه الليبيون جيداً لكل ما يدور حولهم»، لافتاً إلى أن تصريحات المنقوش أبرزت حالة الجدل والتناقض والخلافات في المجتمع الذي للأسف لا يزال كثير من أبنائه يحصر تفكيره بتحقيق مصالحه سواء كانت حزبية أو جهوية أو قبلية، إضافةً إلى الخلافات بين قادة (ثوار فبراير- شباط) الذين لم يستوعبوا بعد ما يدور حولهم محلياً ودولياً».
كانت المنقوش قد كررت دعوتها إلى مغادرة كل القوات الأجنبية والمرتزقة للأراضي الليبية، خصوصاً في حضور وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، الذي زار ليبيا في الثالث من مايو (أيار) الجاري بصحبة وزير الدفاع خلوصي أكار.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.