صواريخ جنوب لبنان لن تهدد «قواعد الاشتباك» بين إسرائيل و«حزب الله»

من مخلفات الحرب ولا قدرة تدميرية لها

جنود من الجيش اللبناني قرب الموقع الذي أُطلقت منه الصواريخ (أ.ف.ب)
جنود من الجيش اللبناني قرب الموقع الذي أُطلقت منه الصواريخ (أ.ف.ب)
TT

صواريخ جنوب لبنان لن تهدد «قواعد الاشتباك» بين إسرائيل و«حزب الله»

جنود من الجيش اللبناني قرب الموقع الذي أُطلقت منه الصواريخ (أ.ف.ب)
جنود من الجيش اللبناني قرب الموقع الذي أُطلقت منه الصواريخ (أ.ف.ب)

تتعامل القوى السياسية المحلية والجهات الرسمية اللبنانية والدولية الممثّلة بقوات «يونيفيل» العاملة في جنوب لبنان مع الصواريخ التي أُطلقت مساء أول من أمس من خراج بلدة القليلة في قضاء صور باتجاه إسرائيل على أنها تبقى في حدود تمرير رسالة تضامن فلسطينية مع الفصائل الفلسطينية في المواجهة مع الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، وبالتالي لن تكون لها مفاعيل أمنية وعسكرية يمكن أن تهدد قواعد الاشتباك المعمول بها في الجنوب بين «حزب الله» وإسرائيل وصولاً إلى تعديلها ما دامت محكومة حتى إشعار آخر بتوازن الرعب بين الطرفين.
فالصواريخ التي أُطلقت من القليلة وسقطت في البحر قبالة الشاطئ في إسرائيل هي من نوع «غراد» عيار 122 ملم وتعد من مخلفات الحرب، وكانت تُستخدم في الحروب الداخلية في لبنان ولا تُحدث أضراراً جسيمة إلا في حال أن عددها تجاوز ثلاثة صواريخ تلك التي استهدفت الداخل الإسرائيلي وأُطلقت من منصّات خشبية كتلك التي كانت تُطلق منها في السابق مع أن إصاباتها ليست دقيقة.
وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر أمنية لبنانية أن وحدات من الجيش اللبناني التابعة للواء الخامس المنتشرة في المنطقة التي أُطلقت منها الصواريخ عثرت في أثناء قيامها بتمشيط المنطقة بحثاً عن المنصات التي استُخدمت لإطلاقها على ثلاثة صواريخ من العيار نفسه في محيط مخيم «الرشيدية» للاجئين الفلسطينيين، كانت مجهّزة للإطلاق على مقربة من المكان الذي أُطلقت منه الصواريخ الثلاثة.
وكشفت المصادر الأمنية أن وحدات الجيش عثرت أيضاً على المنصّات التي تُستخدم لإطلاقها، وقالت إن مداها يصل إلى 18 كيلومتراً وإن أضرارها في حال انفجارها تبقى محدودة.
وفي هذا السياق، قالت مصادر سياسية لـ«الشرق الأوسط» إن الجهة الفلسطينية التي أطلقت الصواريخ مع عدم إعلان أي طرف فلسطيني مسؤوليته عن إطلاقها تدرك أن إصابات هذه الصواريخ تبقى محدودة وتنمّ عن رغبتها في توجيه رسالة تضامن مع قطاع غزة وأن «حزب الله» لا يمانع في إطلاقها، وربما لديه معلومات تتيح له لاحقاً تحديد الجهة التي تقف وراء إطلاقها، وعزت السبب إلى الحضور الأمني والشعبي للحزب في هذه المنطقة، وأن أحداً لا يستطيع أن يحرّك ساكناً ما لم يقرّر غض النظر عن إطلاقها.
وأكدت المصادر نفسها أن الحزب وإن كان لا يمانع، فإنه قرر أن يلوذ بالصمت لرصد رد فعل إسرائيل التي يبدو أنها ليست في وارد نقل المعركة من قطاع غزة إلى جنوب لبنان في مقابل قيام اللواء الخامس بحملات تمشيط واسعة قوبلت بارتياح من قيادة «يونيفيل» التي سارعت إلى الاتصال بالأطراف المعنية بالوضع في الجنوب وشملت قيادتي الجيش اللبناني و«حزب الله» والجانب الإسرائيلي التي أجمعت بناءً على رغبة القوات الدولية على ضرورة ضبط الوضع وعدم الانجرار إلى ردود فعل يمكن أن تؤدي إلى اندلاع مناوشات بين إسرائيل و«حزب الله».
ولفتت إلى أن قيادة «يونيفيل» مرتاحة لتجاوب الأطراف مع ضبط النفس بعد أن أحجمت إسرائيل عن الرد ربما لأنها ليست في وارد الدخول في مواجهة مع الحزب الذي يمارس ضبط النفس، رغم أنه لا يزال في حالة استنفار منذ مساء السبت الماضي، أي عشية قيام إسرائيل بإجراء مناورات عسكرية واسعة على طول حدودها مع لبنان.
ورأت أن قيام إسرائيل باستهداف شاحنة سورية بمحاذاة الحدود السورية مع منطقة الهرمل البقاعية يقع في سياق تمرير رسالة لمن يعنيهم الأمر بأن المواجهات الجارية في قطاع غزة لن تثنيها عن مراقبة ما يمكن أن يجري على الجبهات الأخرى، وبالتالي توخّت منها إعلام دمشق بأن عيونها شاخصة وتفرض رقابة مشدّدة، وهذا ما يبرّر استهدافها للشاحنة، رغم أنها بعيدة عن مواقع المواجهة الحدودية بينها وبين سوريا.
لذلك فإن ما يميز «حزب الله» عن معظم الأطراف المحلية يكمن في أنه يتعاطى مع أزمة تشكيل الحكومة والتطورات العسكرية التي يمكن أن يشهدها جنوب لبنان من زاوية إقليمية بخلاف الآخرين الذين يتعاطون مع الأحداث الجارية من زاوية محلية.
وبكلام آخر، يتعامل الحزب مع كل التطورات والأزمات على إيقاع المفاوضات الجارية في فيينا بين إيران والولايات المتحدة حول الملف النووي برعاية أوروبية.
فـ«حزب الله» -كما تقول المصادر- لن يفرّط بأوراق القوة التي لا يزال يمسك بها، لأن فائض القوة الذي يتمتع به يجب أن يُصرف في مكانه الصحيح بخلاف ما يعتقد رئيس الجمهورية ميشال عون، ورئيس «التيار الوطني الحر» النائب جبران باسيل، أنه يراعيهما إلى أقصى الحدود ويحرص على تحالفه معهما، مع أن إصراره على تبادل «الخدمات السياسية» مع حليفيه يكمن في قطع الطريق على من يراهن على أن الحزب لا يمانع في أن يحرق ورقته اللبنانية لإراحة حليفيه.
وعدّت المصادر السياسية أن الحزب يتلطى وراء تصلّب عون وباسيل، فيما يرصد ما يدور على جبهة المفاوضات في فيينا ليقرر في ضوء ما سيترتب عليها من نتائج الموقف الذي سيتخذه لتمكين حليفته إيران من تسييل الورقة اللبنانية لتحسين شروطه.
وقالت إن إيران ليست بمنأى عن المواجهات الجارية في قطاع غزة وهي تنتظر من واشنطن أن تبادر للاتصال بها، وربما بطريقة غير مباشرة، والطلب منها أن تُسهم في التهدئة في القطاع لما لها من «مونة» على حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» اللتين تتصدران المواجهات ضد إسرائيل، ولفتت إلى أن إيران تراهن على الدخول كطرف في مفاوضات التهدئة وضبط النفس بوصفها الطرف الأكثر تأثيراً في القطاع.
وعليه، فإن «حزب الله» -حسب المصادر نفسها- يكتفي حالياً بالتضامن الإعلامي والسياسي مع «حماس» و«الجهاد الإسلامي» من دون أن يرفع من منسوب تضامنه باتجاه إعادة تحريك الجبهة الجنوبية التي ارتبطت أخيراً بجبهة المقاومة المرابطة حالياً على تخوم الجولان السوري المحتل وباتت متلازمة معها من الوجهة العسكرية.
كما أن الحزب يمارس أقصى درجات ضبط النفس، ما دامت إسرائيل ليست في وارد تحريك جبهة الجنوب ليس لانشغالها في قطاع غزة فحسب، وإنما لتقديرها للقوة الصاروخية للحزب، خصوصاً أن ما تملكه «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في القطاع ما هو إلا عيّنة صاروخية محدودة قياساً على ما بحوزة الحزب من صواريخ دقيقة.
ولفتت المصادر إلى أن جبهة الجنوب محكومة بالإبقاء على قواعد الاشتباك التي ما زالت سارية المفعول بين «حزب الله» وإسرائيل بعد حرب يوليو (تموز) 2006 وبمراقبة دقيقة من «يونيفيل»، وهذا ما ثبت من المناوشات الساخنة التي حصلت بينهما في أعقاب صدور القرار 1701 والتي لم تبدّل من واقع الحال على الأرض.
ناهيك بأن قواعد الاشتباك هذه محمية بتوازن الرعب بين الطرفين، إضافةً إلى أن الحزب ليس في وارد التفريط بورقة الجنوب وبالأخرى المتعلقة بأزمة تشكيل الحكومة ما ادم يراهن على صرفها في مفاوضات فيينا، خصوصاً أن الظروف الصعبة وغير المسبوقة التي يمر بها لبنان تفرض عليه ضبط النفس ما دامت المواجهة في قطاع غزة تبقى تحت السيطرة الدولية، لذلك لن تتفرع عنها مواجهات على الجبهات الأخرى، إضافة إلى أن الوضع الداخلي لم يعد يَحتمل الدخول في مواجهة مفتوحة نظراً لعدم قدرة الحزب على تغطية كلفتها المالية في ظل الحصار المفروض على لبنان وتراجع المزاج الشعبي الذي أخذه الانهيار المالي والاقتصادي إلى مكان آخر ولم تعد لديه هموم أخرى غير تأمين لقمة العيش لأكثر من نصف اللبنانيين الذين ينتظرون من الحكومة المستقيلة أن تؤمّن لهم البطاقة التموينية لسد احتياجاتهم بعد أن أخذ الجوع يدق أبوابهم، بينما تلوذ المنظومة السياسية بالصمت وتتصرف كأنها غائبة عن السمع.



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.