ما سبب الآثار الجانبية للقاحات «كورونا»... وهل يجب أن نقلق؟

رجل يتلقى جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كورونا» في برلين (رويترز)
رجل يتلقى جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كورونا» في برلين (رويترز)
TT

ما سبب الآثار الجانبية للقاحات «كورونا»... وهل يجب أن نقلق؟

رجل يتلقى جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كورونا» في برلين (رويترز)
رجل يتلقى جرعة من لقاح مضاد لفيروس «كورونا» في برلين (رويترز)

من الممكن أن تكون الآثار الجانبية رادعاً قوياً يمنع الناس من الحصول على التطعيم. لمعالجة هذه المشكلة، ابتكرت مجموعة من العلماء في مينيسوتا -في قسم شؤون المحاربين القدامى و«مايو كلينيك»، في عام 1991- تجربة لمعرفة مدى تكرار ردود الفعل غير السارة هذه.
شملت الدراسة أكثر من 300 من المحاربين القدامى الذين تزيد أعمارهم على 65 عاماً والذين تم إعطاؤهم إما لقاح الإنفلونزا تبعه بعد أسبوعين الحقن بدواء وهمي من الماء المالح، أو جرعة وهمية متبوعة بعد أسبوعين بلقاح حقيقي، وفقاً لموقع «ناشيونال جيوغرافيك».
يقول روبرت جاكوبسون، المدير الطبي لبرنامج علوم صحة السكان في «مايو كلينيك»، إنه عندما دقق الباحثون في الدراسة لمعرفة من الذي تلقى اللقاح الحقيقي مقابل الدواء الوهمي، انقسمت الآثار الجانبية بالتساوي بين المجموعتين.
ويضيف جاكوبسون: «قال نحو 5% إنهم أصبحوا أكثر مرضاً مما كانوا عليه في حياتهم كلها... لقد تلقى نصف هؤلاء الأشخاص الدواء الوهمي ومع ذلك فقد اشتكوا من أسوأ حالات الصداع أو أسوأ حمى في حياتهم».
ويقول جاكوبسون إن الرسالة التي يجب فهمها هي أنه «من السهل الخلط بين رد الفعل التحسسي والعصبية أو الانفعالات أو حتى اضطرابات المعدة بسبب القلق».
وتُظهر الدراسات الحديثة أن بعض الآثار الجانبية، حتى تلك الناتجة عن لقاحات «كوفيد - 19»، سببها الرئيسي مخاوفنا. وتابع جاكوبسون: «لقد رأينا هذا في الجيش، عند المجندين الشباب الذين يعتقدون أنهم يستطيعون تحمل أي شيء... يغمى عليهم عندما يحصلون على اللقاح لأن أجسادهم تبالغ في رد فعلها».
ويعد ذلك درساً قد يكون مفيداً للمهنيين الطبيين الذين يمكنهم طمأنة المرضى بأن معظم الآثار الجانبية طبيعية ويمكن التنبؤ بها -وقد لا تكون ناجمة عن اللقاح في حد ذاته. مثال على ذلك، في الدراسات التي أُجريت على لقاح «فايزر - بايونتيك»، اشتكى 23% من الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و55 عاماً والذين تلقوا الدواء الوهمي من التعب بعد الجرعة الثانية، ولاحظ 24% حدوث صداع.
وتشير الدراسات إلى أن ما يصل إلى سبعة من كل عشرة أشخاص يحصلون على الجرعة الثانية لديهم نوع من رد الفعل. يشعر البعض بألم في موقع تناول اللقاح، أي بذراعهم. قد يعانون من الحكة أو الشرى، أو مجموعة من الأعراض الشبيهة بالإنفلونزا، مثل القشعريرة والحمى، والصداع، أو التعب. ومع ذلك، من المهم وضع هذه الآثار الجانبية في نصابها، كما يقول جاكوبسون، «لأن هذه ردود أفعال خفيفة ومؤقتة وعابرة تختفي في غضون أيام قليلة».

* ما الذي يسبب ردود الفعل المناعية؟
في حالة لقاحات «كورونا» المصرّح بها «فايزر» و«موديرنا» و«جونسون آند جونسون»، تحتوي جميعها على مخطط جيني لتصنيع بروتينات سبايك، التي نجدها على سطح الفيروس التاجي وتمكّنه من إصابة الخلايا البشرية. عندما تتلقى الخلايا البشرية هذه التعليمات، فإنها تنتج نسخاً من بروتين سبايك. ولكن بما أن الخلايا تصنع فقط قطعة من الفيروس، وليس العامل المُمرِض بأكمله، فإننا لا نمرض، إلا أن ذلك ينشط استجابة مناعية من خطوتين - تماماً كما يفترض أن يحدث. ويحدث رد الفعل الجسدي الفوري للقاح «كورونا» بسبب الجهاز المناعي الفطري.
نتيجة لذلك، فإن الآثار الجانبية هي رد فعل طبيعي للتطعيم. هذه الاستجابة -التي تسمى «التفاعل»- تعني أن اللقاحات تحرّض على استجابة مناعية أولية قوية وتسبب مجموعة واسعة من الأعراض. من بين نحو 3 ملايين و600 ألف شخص تم تطعيمهم والذين شاركوا في استطلاع في فبراير (شباط)، أفاد نحو 70% بألم في موقع الحقن، و33% شعروا بالإرهاق، و29% عانوا من الصداع، و22% عانوا من آلام في العضلات، و11% تحدثوا عن قشعريرة وحمى.
وكانت الأعراض أكثر وضوحاً بعد الجرعة الثانية. ومع ذلك، فإن الاستجابة المناعية الفطرية قصيرة المدى، وتستمر بضعة أيام فقط.

* لماذا تختلف ردود الفعل على اللقاحات، وبماذا تخبرنا؟
لا يعاني الجميع من آثار جانبية بعد لقاح «كوفيد - 19». يقول سوجان شريستا، اختصاصي المناعة في مركز أبحاث الأمراض المعدية واللقاحات في معهد «لا جولا» لعلم المناعة في كاليفورنيا، إن العلماء لا يعرفون حقاً السبب.
وأضاف: «ولكن ليس من المستغرب أن يقوم كل شخص بتكوين الاستجابة المناعية بشكل مختلف».
ويمكن أن تسهم عدة عوامل في هذا الاختلاف الواسع. النساء، على سبيل المثال، عادةً ما يكون لديهن ردود فعل مناعية أقوى من الرجال، مما قد يكون جزءاً مما يجعلهن أكثر عرضة للمعاناة من الآثار الجانبية للقاحات.
يقول جون ويري، مدير معهد علم المناعة في جامعة بنسلفانيا في فيلادلفيا: «لدينا جميعاً نظام مناعي فردي خاص بنا... يشبه الأمر تقريباً بصمتنا المناعية التي تحرّكها الجينات والجنس والنظام الغذائي وبيئتنا وحتى تاريخ حياتنا، وهي الأشياء التي تعرض لها جهاز المناعة لدينا في الماضي وتم تدريبه على الاستجابة لها على مر السنين».

* الآثار الجانبية مقابل الأحداث الضائرة
يقول ويري: «لكن الآثار الجانبية لا تعد هي نفسها الأحداث السلبية... الآثار الجانبية شائعة جداً -ربما تحدث بنسبة 50 إلى 70% من الوقت. لكن الأحداث الضائرة نادرة وغير متوقعة، مثل التخثر».
بعد تناول اللقاح مباشرة، يعاني ما يقرب من شخصين إلى خمسة أشخاص من كل مليون من الحساسية المفرطة، وهو رد فعل تحسسي شديد يسبب انخفاضاً حاداً في ضغط الدم وصعوبة في التنفس. ولكن حتى هذا يمكن علاجه بسهولة باستخدام مضادات الهيستامين، ولهذا السبب يُطلب من الجميع البقاء لمدة 15 دقيقة في مركز التطعيم بعد أخذ اللقاح.
يمكن أن تكون الجلطات الدموية المرتبطة بلقاحات «جونسون آند جونسون»، والتي تحدث في غضون ستة إلى 13 يوماً من تلقي اللقاح، خطيرة وحتى مهدِّدة للحياة. لكن معدل الإصابة منخفض للغاية؛ هناك 23 حالة مؤكدة فقط من أصل 8.4 مليون جرعة من اللقاح.
يقول عوفر ليفي، مدير برنامج اللقاحات الدقيقة في مستشفى بوسطن للأطفال وأستاذ طب الأطفال في كلية الطب بجامعة هارفارد: «هذا نادر جداً... خطر الإصابة بـ(كورونا) واحتمال الوفاة منه أعلى بكثير من الحصول على جلطات دموية من اللقاحات».
ولكن، يوجد بعض القلق من أنه قد تكون هناك آثار سلبية أخرى لم يتم الإبلاغ عنها إلى حد كبير.


مقالات ذات صلة

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)

عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

ألوان الحياة في بيروت رغم الوحشية (أ.ب)
ألوان الحياة في بيروت رغم الوحشية (أ.ب)
TT

عيد الفطر هذا العام... بهجة متردِّدة وأملٌ لا ينطفئ

ألوان الحياة في بيروت رغم الوحشية (أ.ب)
ألوان الحياة في بيروت رغم الوحشية (أ.ب)

يحلُّ عيد الفطر على مدن أنهكتها الأخبار الثقيلة، ويجيء صباحه هذا العام مُحمَّلاً بتسارُع الأحداث في المنطقة، لكنه يفتح رغم ذلك نافذة على فسحة إنسانية تُحاول استعادة إيقاع الحياة. ووسط القلق من تقلُّبات المشهد الإقليمي، يجد كثيرون في العيد لحظة استراحة من وطأة الأيام، وإشارة إلى أنّ الفرح سيظلُّ ممكناً في تفاصيل صغيرة.

في مصر... بهجة العيد تغلب جميع الاحتمالات (أ.ب)

في يوم العيد يستريح الناس من التخبُّط بالقلق (أ.ب)

ففي أكثر من مدينة عربية، تعانقت مظاهر العبادة مع مَشاهد الفرح. وفي الساحات والمساجد، اصطفَّ المُصلّون منذ ساعات الفجر في مشهد جماعي يرفع الرجاء إلى السماء، ويأمَلُ بأيام أفضل. وفي الخارج، تحوَّلت الشوارع إلى مساحات للجَمْعة، فتلاقت العائلات، وارتفعت أصوات الأطفال، وتوزَّعت الألوان بين البالونات والألعاب، في محاولة لإعادة رسم ملامح يوم استثنائي.

زيارة قبور الموتى من طقوس العيد (رويترز)

ففي جدة بالمملكة العربية السعودية، حافظت «العيدية» على حضورها؛ فهي أحد أبرز طقوس العيد، حيث يحرص الأهالي على تقديمها للأطفال عقب صلاة العيد أو خلال الزيارات العائلية. وتتنوَّع بين مبالغ رمزية وهدايا بسيطة، وإنما أثرها يتجاوز قيمتها المادية؛ إذ تُشكّل لحظة انتظار سنوية بالنسبة إلى الصغار، وعنواناً للمحبّة داخل الأسرة وجسراً يُعيد وَصْل الأجيال عبر عادة مُتوارثة تستمرّ عاماً بعد عام.

مشهد مهيب في السعودية حيث الاحتفاء الخاص بالعيد (أ.ف.ب)

أما في لبنان حيث تتداخل أجواء العيد مع ظلال الحرب المُستمرّة، فاستعاد كثيرون بيت المتنبّي الشهير «عيدٌ بأية حال عدتَ يا عيدُ»، كأنه محاكاة لوجدان مُثقَل بالتساؤلات. ومع ذلك، برزت محاولات، خصوصاً على مستوى كثير من العائلات، لإبقاء العيد حاضراً في وجدان الأطفال، عبر طقوس بسيطة تُبقي على الحدّ الأدنى من البهجة وتمنح الصغار شعوراً بأنّ الحياة قادرة على الاستمرار رغم كلّ شيء.

الحلويات جزء من المشهد (إ.ب.أ)

ومن لبنان إلى تونس، كما في عواصم عربية أخرى منها القاهرة، فقد استقبلت المدن صباح العيد بأجواء روحانية، وتعالت تكبيرات المساجد مُترافقةً مع دويّ مدفع العيد، في تقليد لا يزال يحتفظ بمكانته الرمزية. ومع الساعات الأولى، ازدحمت البيوت بالزيارات العائلية وتبادُل التهاني وزيارة قبور الموتى، في حين امتلأت الأجواء برائحة القهوة والبخور، لتُضفي على اليوم طابعاً احتفالياً دافئاً. وعلى موائد الغداء، حضرت الأطباق التقليدية التي تحرص العائلات على إعدادها في هذه المناسبة، بينما تصدَّرت الحلويات المشهد الصباحي؛ فهي جزء من ذاكرة جماعية مُتوارثة تعكس غنى المطبخ التونسي وحضوره في الحياة اليومية.

الصلاة الجماعية ورجاء بأيام أفضل (رويترز)

وتتكرَّر هذه المَشاهد بصيغ مختلفة في مدن أخرى، حيث تتحوَّل الساحات إلى أماكن للفرح المشترك؛ فمن صلاة جماعية في فضاء مفتوح، إلى مائدة تجمع العائلة، وصولاً إلى هدية تُدخل السرور إلى قلب طفل، تتشكَّل صورة العيد من عناصر متفرّقة، لكنها جميعها تتقاطع عند الرغبة في التمسُّك بالحياة.

لا يكتمل جوّ العيد من دون طعم الحلوى المُشتَهى (د.ب.أ)

إذن، يبدو العيد في ظلّ هذه الظروف مثل مساحة رمزية لإعادة التوازن ولو مؤقتاً بين ثقل الواقع وإمكانية تجاوزه. ويعلم المحتفلون به أنه لا يلغي ما يدور في محيطه، لكنه يفصلهم قليلاً عن قلقهم، ويمنحهم لحظة يلتقطون فيها أنفاسهم، على أمل ألا تطول الأيام الصعبة، وتبقى لحظات الفرح قادرة على الاستمرار.


أحمد داود لـ«الشرق الأوسط»: لا أستهدف إبكاء المشاهد أو إضحاكه

الفنان المصري أحمد داود (حسابه على فيسبوك)
الفنان المصري أحمد داود (حسابه على فيسبوك)
TT

أحمد داود لـ«الشرق الأوسط»: لا أستهدف إبكاء المشاهد أو إضحاكه

الفنان المصري أحمد داود (حسابه على فيسبوك)
الفنان المصري أحمد داود (حسابه على فيسبوك)

قال الفنان المصري أحمد داود إن مناقشة مسلسله «بابا وماما» لتأثيرات الطلاق بشكل واقعي كانت سبب حماسه لخوض تجربة العمل الذي عرض في النصف الثاني من رمضان، مؤكداً أن الأمر لم يكن مرتبطاً فقط بكونه يجسد شخصية أب، ففكرة الأبوة في حد ذاتها واسعة جداً، ومعظم من هم في مرحلته العمرية أصبحوا آباء بالفعل.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن المسلسل اعتمد مواقف يومية يعيشها كثيرون، لكن عبر إطار خفيف لا يبتعد عن الحقيقة، لاعتماد المعالجة الدرامية على العلاقة بين الرجل والمرأة بعد الطلاق، وكيف يمكن تقديمها بشكل خفيف الظل وقريب من الناس من دون افتعال.

وتحدَّث داود عن تحضيراته للشخصية، قائلاً إن الاستعداد لأي دور يختلف باختلاف طبيعته، فهناك أمور تُناقش وتُبنى مسبقاً مع المخرج، وهناك تفاصيل أخرى تتشكل أثناء التصوير نفسه، موضحاً أن الأعمال «اللايت» تحديداً لا تحتمل المبالغة في الأداء أو تحميلها ما لا تحتمل، لأن ذلك قد يفقدها خفتها ويجعلها مفتعلة، مع اقتناعه بأن كل مشروع له طاقته الخاصة التي تفرض أسلوب التعامل معه.

وأشار داود إلى أن شخصية الأب في العمل ليست مجرد توصيف تقليدي لرجل لديه أبناء، بل هي شخصية تمر بتجربة إنسانية مرتبطة بمرحلة ما بعد الانفصال، بما تحمله من تعقيدات وتفاصيل صغيرة تؤثر في العلاقة بين الطرفين، وفي نفسية الأبناء أيضاً، لافتا إلى أن التحدي كان في تقديم هذه التفاصيل بصدق ومن دون خطابة أو مباشرة، بحيث يشعر المشاهد أن ما يراه يشبه ما يحدث في بيوت كثيرة.

داود مع الفنان محمد محمود في كواليس التصوير (الشرق الأوسط)

وعن بعض التفاصيل المهنية المرتبطة بالشخصية، أوضح داود أن هناك جوانب دقيقة تم الاهتمام بها، خاصة في المشاهد التي تتطلب معلومات متخصصة، لافتاً إلى أن فريق العمل كان حريصاً على وجود مختصين في موقع التصوير لضبط أي تفاصيل قد تبدو صغيرة لكنها مهمة في مصداقية المشهد مع تقديمه لشخصية الطبيب الصيدلي حتى مع محدودية المشاهد التي تظهر فيها طبيعة عمله، مع اهتمامه بهذه التفاصيل لأن المشاهد قد لا ينتبه لها بشكل مباشر، لكنها تؤثر في إحساسه العام بواقعية العمل.

وتطرق داود إلى تعاونه مع الفنانة ميرنا جميل، مؤكداً أن الكيمياء بينهما كانت حاضرة منذ تعاونهما السابق في فيلم «الكراش»، الذي أخرجه محمود كريم وسيعرض في وقت لاحق من العام الحالي معرباً عن سعادته بتجدد الشراكة في هذا المسلسل.

وأضاف أن مساحة التفاعل داخل المشهد أمر أساسي بالنسبة له كممثل، لأن الارتجال لا يكون هدفاً في حد ذاته، وإنما نتيجة طبيعية للتفاعل مع المكان والممثلين وإيقاع المشهد، مشيراً إلى أنه يظل متورطاً في تفاصيل المشهد حتى آخر لحظة، ولا يشعر بأن العمل عليه انتهى إلا بعد الانتهاء تماماً من تصويره والانتقال لما يليه، لأن كل إعادة قد تفتح باباً لتفصيل جديد أو إحساس مختلف

في مشهد من مسلسل «بابا وماما» (الشرق الأوسط)

.

وعن وجود مشكلات وأزمات داخل الأحداث رغم بساطة الفكرة، قال داود إنه يحب هذا النوع من الدراما التي تنطلق من مواقف عادية لكنها حقيقية، مشدِّداً على أن أهم ما يسعى إليه هو أن يصدقه الجمهور، وليس أن يضحكهم أو يبكيهم بشكل متعمد، لأن الضحك أو التأثر يجب أن يكونا نتيجة طبيعية لصدق الموقف.

وأضاف أنه دائماً يعود بالسؤال إلى الواقع، لو كنت أعيش هذا الموقف فعلاً، هل سأقول هذا الكلام؟ هل سأتصرف بهذه الطريقة؟ وإذا كانت الإجابة لا، فلا بد من إعادة النظر، مؤكداً أن هذا الحرص على الحقيقة هو ما يجعل المشاهد يرى نفسه أو أحد أفراد عائلته في الشخصيات، فيشعر بالقرب منها.

وأشار داود إلى أن العمل لم يركز فقط على العلاقة بين الأب والأم، بل يمتد إلى تفاعلات الأجداد والأبناء، لافتاً إلى وجود أجيال مختلفة داخل الأحداث، مما منح المسلسل بعداً اجتماعياً أوسع.

داود في كواليس المسلسل (الشرق الأوسط)

وفيما يتعلق بعدد الحلقات مع تقديم المسلسل في 15 حلقة، أوضح داود أن الأمر لا يخضع لرغبة شخصية بقدر ما يرتبط بطبيعة الموضوع نفسه، فهناك أفكار تحتمل 30 حلقة بأكثر من خط درامي وشخصيات متعددة، بينما تناسب أفكار أخرى المعالجة المكثفة في 15 حلقة، بينما يميل هو شخصياً للإيقاع الأسرع، خصوصاً مع تغيّر طبيعة المشاهدة وتسارع إيقاع الحياة.

وأشار إلى أن مسلسلات الـ30 حلقة كانت في السابق تعتمد على تعدد الخطوط الدرامية ووجود عدد كبير من النجوم، مما يجعل المشاهد مشدوداً طوال الوقت، أما إذا كان العمل قائماً على خط واحد أو بطل واحد فقط، فقد تكون الـ15 حلقة أكثر ملائمة موضحاً أنه لا يمانع تقديم عمل من 30 حلقة إذا كانت الفكرة تحتمل ذلك فعلاً وتستدعي تعدد الشخصيات والأحداث، لأن الأهم في النهاية هو خروج العمل متماسكاً ومعبّراً عن فكرته من دون مطّ أو إطالة.


ثعلب يتحدَّى الذئاب: افتراسٌ يُوثَّق للمرَّة الأولى

انقلاب في ميزان المفترسات (أ.ف.ب)
انقلاب في ميزان المفترسات (أ.ف.ب)
TT

ثعلب يتحدَّى الذئاب: افتراسٌ يُوثَّق للمرَّة الأولى

انقلاب في ميزان المفترسات (أ.ف.ب)
انقلاب في ميزان المفترسات (أ.ف.ب)

في واقعة تُعدّ الأولى من نوعها علمياً، وثَّق باحثون سلوكاً غير مسبوق لثعلب أحمر يفترس جروَ ذئب، في مشهد يقلب تصوّرات راسخةً بشأن ترتيب الهيمنة بين هذين النوعين المرتبطين.

ورغم الفارق الواضح في الحجم لمصلحة الذئاب، التي عُرفت أحياناً بقتل الثعالب، فإنّ تسجيل العكس ظلَّ غائباً عن الرصد العلمي. وإنما لقطات التُقطت داخل محميَّة طبيعية في إيطاليا أظهرت ثعلباً أحمر وهو يهاجم جروَ ذئب داخل عرينه.

وكان باحثون من جامعة ساساري الإيطالية يدرسون أنماط حركة الذئاب في محمية «كاستيلبورزيانو» الرئاسية، وهي منطقة محمية تقع على أطراف روما، حيث نصبوا كاميرات تعمل بالحركة عند أحد الجحور لمراقبة كيفية تربية الذئاب لصغارها.

وفي إحدى الليالي، التقطت إحدى الكاميرات ثعلباً أحمر يقترب من مدخل الجحر ويتفحّصه، قبل أن يتغذَّى على بقايا طعام غير معروفة. ثم ما لبث أن تسلَّل إلى الداخل ليُخرج جرواً حياً من الجحر.

وتمكن الجرو في البداية من الإفلات والعودة إلى الداخل، وإنما الثعلب عاد مجدداً ودخل الجحر مرةً ثانية، قبل أن يُشاهد وهو يحمل الجرو بعيداً.

ورجَّح الباحثون أنّ الثعلب قتل الجرو والتهمه، إذ لم يظهر مجدداً في اللقطات اللاحقة.

وكتبوا في دراسة نشرتها مجلة «كارنت زولوجي» ونقلتها «الإندبندنت»: «نقدّم في هذا العمل أول دليل موثَّق بالفيديو على مهاجمة متكرّرة لثعلب أحمر، وربما افتراس، لجروَ ذئب يبلغ نحو شهر داخل موقع الجحر، وهو ما يمثّل ملاحظة جديدة لتفاعل افتراسي مباشر بين النوعين».

وأضافوا: «لم يُرصد لاحقاً سوى جرو واحد في عدد أكبر بكثير من التسجيلات، ممّا يدعم بشكل غير مباشر فرضية افتراس الثعلب».

عقب الحادثة، هجرت مجموعة الذئاب الجحر بشكل دائم، على الأرجح لكونه موقعاً غير آمن.

وأعرب العلماء عن دهشتهم من هذا السلوك، لا سيما أنّ الثعلب كان يعيش في بيئة غنية بالموارد الغذائية، من بينها صغار الغزلان، مرجّحين أن الواقعة تُعد مثالاً على «الاستراتيجية الانتهازية القصوى في التغذية» لدى الثعالب الحمراء.

وأشاروا إلى أنّ «هذه الملاحظة توسّع نطاق التفاعلات العدائية المعروفة التي تؤثّر في صغار الذئاب، وتُظهر أن حتى الحيوانات اللاحمة متوسّطة الحجم يمكن أن تمارس ضغطاً مباشراً على الأداء التكاثري لهذا المفترس القمّي».

وختموا: «تقدّم هذه الواقعة المفردة فهماً جديداً لطبيعة التفاعل بين الثعالب والذئاب، وتبرز أهمية المراقبة الميدانية في رصد سلوكيات غير متوقَّعة تستحق مزيداً من البحث».