السفر توأم المجاز وجسد الحياة الآخر

قواسم كثيرة مشتركة بين هجرة البشر وهجرة الكلمات

السفر توأم المجاز وجسد الحياة الآخر
TT

السفر توأم المجاز وجسد الحياة الآخر

السفر توأم المجاز وجسد الحياة الآخر

قليلة هي المفردات التي تثير داخل النفس البشرية ما تثيره مفردة «السفَر» من أصداء وظلال وترجيعات، ربما لأن هذه المفردة تتصل بطبيعة الوجود ذاته، حيث الخالق وحده هو الثابت، فيما الكائنات على اختلاف طبيعتها محكومة بالتحول والصيرورة والسفر المتواصل نحو مآلاتها. فالحركة، لا السكون، هي مبدأ العالم، ومقولة هيراقليطس حول الصورة المتبدلة للأنهار، وحول عدم قدرتنا على السباحة مرتين اثنتين في المياه نفسها، ما تزال صالحة لإضاءة التاريخ البشري من غير وجه وزاوية للنظر.
وليس مستغرباً تبعاً لذلك أن يتماهى المبدعون من البشر مع صورة النهر في سفره الدائم وصورته المتبدلة، كما فعل بوذا في ذروة تأملاته، لأن المستنقعات على الطرف الآخر من المشهد لا تؤدي إلا إلى تأسن الروح، كما إلى التعفن السريع للغات والمصائر.
وثمة في المعاجم العربية ما يفتح لفظة «السفر» على تأويلات متعددة تصل أحياناً إلى درجة التباين والمغايرة. وإذا كان الشكل صدى للمعنى، على ما يقول الشاعر الفرنسي بول فاليري، فإن هذه المفردة تنبثق من مجافاة كاملة للتشرنق والاستكانة الكاملة داخل رتابة المعنى، حيث لا ينتظر دودة القز سوى الموت في العتمة، ما لم تغادر شرنقتها المغلقة لكي يحولها ضوء الخارج إلى حرير.
وفي «لسان العرب» ترد عبارة «سفَر البيت سفْراً، أي كنسه، والمسفرة هي المكنسة». كما ترد اللفظة بمعنى الكشف، وما يسفر عنه الشيء بعد جملة من التحولات.
ويقال لما سقط من ورق الشجر أو العشب «سفير» لأن الريح تسفره وتكنسه. هكذا، يصبح السفر في بعض دلالاته نوعاً من الكشف والاستجلاء لما غمض من الأشياء أو المعاني من جهة، ويصبح كنْساً ضرورياً لما يجب أن نسقطه من حسباننا من جهة أخرى. ولأن الريح هي السفير غير المقيم للرغبات والأحلام غير المتحققة، فقد وجد فيها الشعراء كل ما يرمز إلى الحرية والتخييل والتمرد على السائد، وهو ما يفسر قول المتنبي:

على قلق كأن الريح تحتي
أحركها يميناً أو شمالا

كما يفسر استثمار هذه المفردة في كثير من عناوين الروايات والدواوين الشعرية، العربية والعالمية، من مثل «ذهب مع الريح» لمرغريت ميتشل، و«أوراق في الريح» لأدونيس، و«الناي والريح» لخليل حاوي، و«بحيرة وراء الريح» ليحيى يخلف.
والسفر في بُعده الأهم لا يكون باتجاه الخارج فحسب، بل باتجاه الداخل الذي تقبع فيه نواة الحقيقة ولآلئها الأثمن التي تلمع في الأعماق.
ولعل هذا النوع من السفر هو الذي عناه خليل حاوي في قصيدته المعروفة «رحلة السندباد الثامنة»، حيث الرحلات السبع، على ما كشفته من جغرافيا الأرض وجمالها المبهر، لم توفر للسندباد ما يحتاج إليه من الكشوف واللقى المعرفية والإنسانية، الأمر الذي دفعه إلى الإيغال في دهاليز نفسه وأغوارها للعثور على ضالته المنشودة، متصادياً بذلك مع مقولة سقراط الشهيرة «اعرف نفسك» التي لا تستقيم إلا عبر هذا النوع من الأسفار.
ينفتح السفر من بعض وجوهه على كثير من المفارقات، ويثير في دواخلنا كثيراً من المشاعر المتناقضة، فهو يجمع بين متعة المغامرة ووجع الانسلاخ عن الأرض الأم. فنحن حين نتهيأ للسفر، نشعر بأننا بدأنا نفقد العلاقة مع المكان الذي يخسر صلابته بالتدريج، ليتحول إلى منصة ملتبسة المعالم للانطلاق نحو مكان آخر لم تُتح لنا معاينته بعد. لكن هذا التمزق ما يلبث بعد بلوغ المكان المنشود أن يخلي مكانه لمتعة التنزه في مرابع الوجود البكر وعوالمه الطازجة.
وبسرعة قياسية، نشعر أننا بتنا منبتين تماماً عما نحمله من ذكريات الماضي، وأن اللحظات التي نعيشها خلال السفر هي الحقيقة الوحيدة التي نتلمسها بالحواس والرغبات.
هكذا نبدو كأننا نولد من جديد في كنف المجهول الذي يمدنا بكل ما نحتاج إلى افتراعه على أرض الرغبات الخالصة والتشهي الصرف لمستوطنات الجمال الطازج. يصبح السفر بهذا المعنى جسد الحياة الآخر، أو «مجاز» الحياة الموازي على المستوى الإبداعي لكل ما يقع في خانة الاستعارة والتورية، وغيرهما من ضروب البيان.
ليس الشعر، كما الفن، في عمقه النهائي سوى سفر رمزي في اللغة والتخييل. فالكلمات في إطارها المعجمي هي مجرد أشكال محنطة ثابتة الدلالة والقصد، أو هي أشبه بطيور مسجونة داخل الأقفاص، لا قيمة فعلية للأجنحة الممنوحة لها ما دامت غير قابلة للاستعمال.
وعلينا لكي نتمكن من التحليق أن نتنكب المجازفة اللازمة لإعطاء الدال مدلولات أخرى لم تكن له من قبل، وأن نجتاز بمهارة العتبة الفاصلة بين المعنى الأصلي الواضح والمعنى المستتر وراء الظنون والشبهات. وسواء سمي هذ الإنجاز مجازاً أو انزياحاً أو استعارة، فهو في جميع الحالات ضرب من ضروب السفر بعيداً عن المكان الأول أو الدلالة الأصلية للكلمات.
لم يكن الالتباس المفهومي الذي حكم العلاقة بين الشعر والنبوة في مطالع التاريخ الإسلامي سوى تعبير جلي عما بينهما من تقاطعات ومناطق متداخلة، على الرغم من الفروق الكثيرة التي تباعد بين الرسالتين والمفهومين. وأعتقد أن هجرة الأنبياء بعيداً عن المكان الأصلي هي في مقدمة هذه التقاطعات، وهو ما ينسحب على النبي إبراهيم في رحلته الطويلة الشاقة من أور في بلاد الرافدين وصولاً إلى الحجاز وفلسطين، كما على موسى الذي كان عليه إثر مغادرته مصر باتجاه فلسطين، أملاً في إنقاذ شعبه من الهلاك، أن يواجه على مدى سنوات طويلة كل أشكال المكابدة والجوع والتيه في الصحراء.
أما هجرة الرسول بحثاً عن ظهير صلب للدعوة الوليدة، فهي تبدو بمثابة المسافة الفاصلة بين الواقع الآسن والمتخيل المحلوم بتحققه، فيما هي على المستوى الإبداعي المسافة التي لا بد من قطعها بين «مكة» الشكل و«مدينة» المعنى. أما عودة الرسول إلى مكة مرة ثانية لإرساء أسس الدولة ومعالمها، فهي تعكس حنين اللغة المهاجرة إلى أصولها المعجمية والواقعية بعد أن ظفرت بنصيبها من التأويل.
وانسجاماً مع هذه القراءة، يمكن أن نضع قضية العنكبوت التي أتاحت للهجرة النبوية أن تحقق غايتها المنشودة، في سياق تأويلي مماثل، إذ إن ما فعله العنكبوت، بواسطة الخيوط الشبكية المتقنة التي وفرت للرسول وصاحبه ما يلزمهما من الاستتار والحماية، هو ذاته ما يفعله الشعراء والمبدعون حين يسدلون على المعنى ستاراً من الغموض أو الخفاء النسبي كي لا يقع الفن في قبضة الواقع المبتذل أو المباشرة الفجة، وهو نفسه ما عناه سعيد عقل حين وصف الشعر بالقميص الفاصل بين النجوم والناظرين إليها، قائلاً:
الشعر قبضٌ على الدنيا مشعشعة
كما وراء قميصٍ شعشعت نجُمُ
كل كتابة أو أثر فني وإبداعي، إذن، هما نوع من السفر الرمزي نحو ما لم نطأه بالأقدام أو نتلمسه بالحواس المجردة، بل عن طريق الحدس أو التخيل أو المعرفة العقلية، وهو ما ينسحب على المؤلف انسحابه على القارئ. صحيح أن الأول يتنكب القسم الأكبر من المشقات، حيث ينيط بنفسه مهمة الابتكار والتقصي المعرفي واستكشاف الطرق الموصلة إلى أرض المستقبل، لكن كل ذلك يصبح غير ذي جدوى ما لم يعثر المؤلف على قرائه الذين يشاطرونه، كل على طريقته، المغامرة نفسها والسفر إياه.
وإذا كان الجاحظ قد رأى إلى الكتب بصفتها نوعاً متميزاً من الحدائق والرياض التي توفر لقرائها متعة التنزه العقلي والروحي بين صفحاتها، فإنهم ليسوا بعيدين عن الحقيقة من جهة أخرى، أولئك الذين يرون في القارئ شريكاً حقيقياً في عملية الإبداع، حيث كل قراءة للنص هي سفر حقيقي إلى أغواره، وإعادة اختراع له عن طريق المساءلة والاكتشاف والتأويل.
ومن الصعب، أخيراً، أن نحيط بكل الأعمال والنصوص الإبداعية التي جعلت من فكرة الهجرة والسفر موضوعاً لها، لأن ذلك سيستلزم الاستشهاد بمعظم ما تركه البشر الخلاقون من ملاحم ودواوين وآثار أدبية وفنية. وإذا كان ثمة فوارق كثيرة بين الأساطير والملاحم وأدب الرحلات والشعر بأساليبه المختلفة، فإنها جميعاً تتقاطع عند فكرة السفر والرحيل بحثاً عما هو جديد ملغز غير موطوء؛ تتساوى في ذلك ملحمة قلقامش، وأوذيسة هوميروس، ورحلات ابن بطوطة وابن جبير وماركو بولو، ورحلات غوليفر لجوناثان سويفت، وأليس في بلاد العجائب للويس كارول، وكثير غيرها.
ومع أن الطبيعة «السائلة» للمكان العربي الصحراوي، خاصة في العصور الماضية، قد طبعت كثيراً من قصائد الشعراء بطابع الوقوف على الأطلال والحنين إلى الأماكن المفقودة، فإن ذلك لم يمنع شعراء وكتاباً آخرين من التطلع إلى السفر والرحيل، بما يمثلانه من تطلع عميق إلى الخروج من دائرة الحياة واللغة الرتيبتين، نحو فضاء المغامرة والتجدد والثراء المعجمي والتخييلي، وهو ما يؤكده قول الأمام الشافعي:

ما في المُقام لذي علمٍ وذي أدبٍ
من راحة، فدع الأوطان واغتربِ
إني رأيت وقوف الماء يفسدهُ
إن سال طابَ وإن لم يجرِ لم يَطِبِ

وفي السياق ذاته، يقع قول أبي تمام:

وطولُ مقام المرء في الحي مُخْلق
لديباجتيهِ فاغتربْ تتجدّدِ

وصولاً إلى قول محمود درويش:
نسافر كالناس
لكننا لا نعود إلى أي شيءٍ
كأن السفرْ
طريق الغيومِ
دفنّا أحبتنا في ظلال الغيوم
وبين جذوع الشجرْ
وقلنا لزوجاتنا:
لدْن منا مئات السنين
لنكْمل هذا الرحيل
إلى ساعة من بلادٍ،
ومترٍ من المستحيلْ



خطة مصرية للمنافسة دولياً في «السياحة العلاجية»

الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر تطلق منصات للسياحة العلاجية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)
الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر تطلق منصات للسياحة العلاجية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)
TT

خطة مصرية للمنافسة دولياً في «السياحة العلاجية»

الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر تطلق منصات للسياحة العلاجية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)
الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر تطلق منصات للسياحة العلاجية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)

أعلنت الهيئة العامة للرعاية الصحية في مصر انطلاق منصات مشروع السياحة العلاجية، ضمن خطتها للمنافسة إقليمياً ودولياً في مجال السياحة العلاجية من خلال إبراز إمكانيات منظومة الرعاية الصحية في مصر.

وأطلقت الهيئة منصات مشروع للسياحة العلاجية تحت شعار «نرعاك في مصر - In Egypt We Care»، في خطوة استراتيجية تهدف إلى تعزيز مكانة مصر بوصفها وجهة رائدة للرعاية الصحية المتكاملة، وتقديم خدمات طبية متطورة بمعايير عالمية، وفق بيان للهيئة، الجمعة.

ويجسّد مشروع «In Egypt We Care» رؤية الدولة المصرية في تعظيم الاستفادة من الإمكانيات الصحية المتقدمة، وتعزيز ملف السياحة العلاجية بوصفه أحد المحاور الاستراتيجية للتنمية المستدامة، وفق تصريحات صحافية لرئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للرعاية الصحية، الدكتور أحمد السبكي الذي أكد أن «المشروع يستند إلى بنية تحتية طبية قوية، ومنشآت صحية حديثة، وكوادر بشرية مؤهلة، وفق أعلى المعايير الدولية».

وأوضح الدكتور السبكي أن إطلاق المنصات الرقمية للمشروع يمثّل نافذة تواصل مباشرة مع المرضى من داخل مصر وخارجها، للتعريف بالخدمات الطبية المتخصصة التي تقدمها منشآت الهيئة العامة للرعاية الصحية، بما يُسهم في تسهيل الوصول إلى الخدمة، وتعزيز ثقة المتعاملين بجودة الرعاية الصحية المقدمة.

وتستهدف منصات «In Egypt We Care» تقديم تجربة علاجية متكاملة تبدأ من التواصل المبدئي، مروراً بتقديم المعلومات الطبية والخدمات المتاحة، وصولاً إلى المتابعة والرعاية، بما يعكس احترافية منظومة الرعاية الصحية المصرية، ويعزز قدرتها على المنافسة إقليمياً ودولياً في مجال السياحة العلاجية، حسب السبكي الذي أكد أن المنصات الرقمية للمشروع ستُسهم في إبراز قصص النجاح، وعرض الإمكانيات الطبية المتقدمة، والترويج للسياحة العلاجية المصرية.

الهيئة تراهن على الخدمات والبنى الرقمية (صفحة الهيئة على «فيسبوك»)

ويمثّل إطلاق المنصات الرقمية «نرعاك في مصر - In Egypt We Care» التي تبرز الخدمات المتاحة في مجال السياحة العلاجية خطوة مدروسة تعكس فهماً عميقاً من الجهاز الإداري للدولة المصرية لمتطلبات المنافسة الدولية في هذا القطاع المتخصص، وفق تصريحات الخبير السياحي المصري، أيمن الطرانيسي، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «التوجه نحو الرقمنة لم يعد خياراً، بل أصبح أداة أساسية لجذب السائحين من المرضى الدوليين، وبناء الثقة لديهم، وتسهيل الوصول إلى الخدمات الطبية، وفق معايير واضحة وشفافة».

ويشير الطرانيسي إلى أن «هذه الخطة المصرية الطموحة تؤكد حرص الدولة على توحيد الجهود بين السياحة والصحة، وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية الطبية المتطورة والكوادر المؤهلة، بما يعزز مكانة مصر بصفتها وجهة واعدة للسياحة العلاجية إقليمياً وعالمياً».

وتراهن مصر على التنوع في الأنماط السياحية، وسبق أن أطلقت وزارة السياحية والآثار المصرية حملة ترويجية تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، لإبراز منتجاتها السياحية المختلفة ومقاصدها المتنوعة ما بين السياحة الثقافية والشاطئية وسياحة المؤتمرات والسفاري والغوص والسياحة الرياضية والسياحة العلاجية وغيرها.

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «المنافسة في السياحة العلاجية أصبحت شرسة جداً، ومصر لديها كل المقومات للمنافسة ولكنها تحتاج إلى إطار منظم وواضح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «إطلاق منصات متخصصة تنقل هذا الملف من مرحلة الإمكانيات إلى مرحلة الخدمة الجاهزة للبيع عالمياً يمكنها اختصار رحلة السياحة العلاجية بدءاً من البحث مروراً بالحجز والإقامة والنقل والمتابعة بعد العلاج».

ورأى كارم أن هذه المنصات يمكن أن تخدم قطاع السياحة المصري من جهات متنوعة، فهي «تزيد الثقة لدى السائح الأجنبي بالخدمة المقدمة، لأنه يتعامل مع جهة حكومية واضحة، وتفتح أسواقاً جديدة، وتُعطي ميزة تنافسية لمصر، بالإضافة إلى التجربة العلاجية المتكاملة والجودة الطبية بتكلفة أقل من دول أخرى»، على حد تعبيره.

ولفت إلى ضرورة ربط هذه المنصات بمستشفيات معتمدة دولياً، وكذلك ربطها بأماكن الاستشفاء السياحية مثل سيوة والأقصر وأسوان، بما يدعم قطاع السياحة خلال الفترة المقبلة.

وشهدت مصر طفرة في استقبال السائحين خلال السنوات الماضية، إذ وصلت إلى استقبال أكثر من 19 مليون سائح في عام 2025، وفق تصريحات لوزير السياحة والآثار. وتطمح الدولة المصرية إلى وصول عدد السائحين الوافدين إلى 30 مليون سائح بحلول عام 2031.


«أسافر وحدي ملكاً» يحيي الذكرى المئوية لولادة منصور الرحباني

تحدَّث أسامة الرحباني عن أهمية هذا الحفل بالنسبة إليه (الشرق الأوسط)
تحدَّث أسامة الرحباني عن أهمية هذا الحفل بالنسبة إليه (الشرق الأوسط)
TT

«أسافر وحدي ملكاً» يحيي الذكرى المئوية لولادة منصور الرحباني

تحدَّث أسامة الرحباني عن أهمية هذا الحفل بالنسبة إليه (الشرق الأوسط)
تحدَّث أسامة الرحباني عن أهمية هذا الحفل بالنسبة إليه (الشرق الأوسط)

أعلن الموسيقي أسامة الرحباني تفاصيل حفل «أسافر وحدي ملكاً»، الذي يُقام احتفاءً بالذكرى المئوية لولادة الراحل منصور الرحباني، وذلك خلال مؤتمر صحافي عُقد في المكتبة الوطنية في بيروت، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، ومؤسِّسة مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون هدى إبراهيم الخميس.

ويُعدّ الحفل أوراتوريو سيمفونياً ملحمياً مستوحى من ديوان منصور الرحباني «أسافر وحدي ملكاً». وهو قصيدة واحدة مؤلّفة من 34 جزءاً. يُقدَّم العمل مجاناً في أمسيتين متتاليتين في 13 يناير (كانون الثاني) الحالي، وتحتضنه كنيسة القلب الأقدس العريقة في منطقة الجميزة. ويرتكز الأوراتوريو على النصوص الكاملة للديوان، الذي يُعدّ أحدث ما صدر لمنصور الرحباني في حياته عام 2007.

تحيي الحفل الفنانة هبة طوجي برفقة الأوركسترا الوطني السيمفوني الأوكراني، وبمشاركة جوقة جامعة سيدة اللويزة، في تعاون مشترك بين مهرجان أبوظبي والفنان أسامة الرحباني.

«أسافر وحدي ملكاً» تكريم للراحل منصور الرحباني (الشرق الأوسط)

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، وصف أسامة الرحباني هذا العمل بأنه «تحفة فنية أبحر في موسيقاها على مساحة واسعة»، مضيفاً: «ساعدني النصّ كثيراً على الإبداع موسيقياً. كنت أبحث عن نصّ بهذه الضخامة، مستشعراً غياب والدي الراحل، فوجدتُ هذا الكتاب إلى جانبي ليشكّل المادة التي أفتّش عنها».

وعما إذا كان يرى في هذا الديوان ما يختزل المسيرة الفنّية لمنصور الرحباني، أوضح: «المسألة لا تتعلّق بما يليق بمنصور الرحباني، بل بما هو أبعد من ذلك؛ إذ يعرّفنا إلى الحالة الإبداعية الحقيقية التي يمثّلها، كما يسمح للقارئ، كما للمشاهد، بأن يبحر في صور بلاغية ونصوص موسيقية تنسجها قصائد الكتاب برقيّ».

ورفض أسامة الرحباني فكرة تقديم هذا التكريم عبر مشاركة مجموعة من النجوم الذين عاصروا والده، بدل حصره بالفنانة هبة طوجي، موضحاً: «عندما نقرّر تقديم عمل فنّي متكامل، لا يمكن التفكير بهذه الطريقة، وإلا تحوَّل إلى حفل غنائي. نحن أمام أوراتوريو راقٍ يميل إلى الأعمال الملحمية الضخمة».

وزير الثقافة غسان سلامة خلال المؤتمر الصحافي لإطلاق «أسافر وحدي ملكاً» (الشرق الأوسط)

ويُجسّد ديوان «أسافر وحدي ملكاً» تجربة منصور الرحباني الوجودية، ومواجهته قدره بصلابة حول الرحيل والغياب، الوجود والغربة، فيعبق الكتاب بنَفَس فلسفي شمولي كوني وتأمّلي، تُغلّفه رمزية واضحة حيناً ومخفية أحياناً، تماماً كما تقضي البراعة الشعرية التي يشكّل منصور أحد أبرز أركانها في الشعر العربي الحديث.

ويختصر الديوان زمن الخوف والملاجئ أيام الحرب اللبنانية. ومما يقوله منصور: «في اليوم السابع جاز القصف، صعدنا في الشرفات، جلسنا، وتنبّأت على بيروت». ويضيف: «سأموت الليلة عن بيروت، سأُصلب في الحمراء. فيكون للبنان رجاء وحياة للشهداء». ويرى أسامة الرحباني في هذا العمل ترجمة صادقة لحبّ منصور لبيروت ولبنان، مشيراً إلى أنّ قارئ الكتاب لا بد أن يغوص في كلماته ومعانيه لما تحمله من دعوة إلى تفكيك النصوص والتأمُّل فيها، وهو ما ينعكس موسيقياً في هذا العمل. ويضيف: «تشمل الموسيقى كلّ هذه الصور في نغماتها، إلى جانب صوت هبة طوجي الذي يضفي على العمل بريقاً وتألقاً. لقد مثّلت هبة لبنان على أفضل وجه، وقدّمت نموذجاً عن المرأة العربية صاحبة الفن الأصيل، بحضورها وبصوتها. سعيد بتعاوني معها، فهي مرآة تعكس أفكاري».

وخلال المؤتمر، وصف وزير الثقافة غسان سلامة الراحل منصور الرحباني بأنه أحد أعظم فناني الرحابنة، مضيفاً: «لقد سافر وحده ملكاً، بعدما ترك لنا كنوز الدنيا في شِعره»، كما أعلن عن مشروعات عدة تسعى الوزارة إلى التعجيل في تنفيذها، من بينها إنجاز دار الأوبرا في منطقة ضبية، متمنّياً الانتهاء من عملية بنائها مع نهاية العام، بدعم من دولة الصين التي تتكفَّل بتكلفتها. كما أعلن عن رصد مبلغ 700 ألف دولار لترميم قصر «اليونيسكو» وتجديده.

هدى إبراهيم الخميس خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

من جهتها، أكدت هدى إبراهيم الخميس، ممثلة مهرجان أبوظبي الفني، في كلمة مقتضبة، أنّ إرث منصور الرحباني هو للعالم أجمع، ويجب ألا يُحفظ فقط، بل أن يُحيى ليبقى نابضاً بين محبيه.

وعن سبب اختيار كنيسة القلب الأقدس لاستضافة الحفل، قال أسامة الرحباني ردّاً على سؤال أحد الصحافيين: «عندما أنوي تقديم عمل فنّي، تبحث عيناي عن مكان مُشبَّع بالجمال. وجدتُ في هذه الكنيسة ما ينسجم مع رؤيتي، فهي تاريخية وعريقة، وجمالها يسكن قبابها وجدرانها وتفاصيلها كافة». وأضاف: «بحثت طويلاً عن مكان يحتضن هذا العمل الضخم ولم أوفّق. كنتُ أتمنى إقامته في كنيسة لا مادلين في فرنسا». لتردّ عليه هدى إبراهيم، الخميس، بعد دقائق معلنة استعدادها لتحقيق هذا الحلم، ونقل العمل يوماً ما إلى رحاب هذه الكنيسة.


«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)
يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)
TT

«مهرجان الكُتّاب والقُرّاء 2026» ينطلق في الطائف بتجارب ثقافية وترفيهية

يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)
يحتفي المهرجان بالكُتّاب والقُرّاء بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة (واس)

انطلقت، الجمعة، فعاليات «مهرجان الكُتّاب والقُرّاء» بنسخته الثالثة، وذلك في متنزّه الردف بمحافظة الطائف (غرب السعودية)، تحت شعار «حضورك مكسب»، ويستمر حتى 15 يناير (كانون الثاني) الحالي.

ويخوض الزوار تجربة ثقافية وترفيهية متكاملة، صُمّمت لتكون مساحة نابضة بالحياة، تحتفي بالكُتّاب والقُرّاء من مختلف الفئات العمرية، بأسلوب معاصر يجمع بين عبق التاريخ وروح الثقافة الحديثة.

وأكد الدكتور عبد اللطيف الواصل، الرئيس التنفيذي لهيئة الأدب والنشر والترجمة، أنهم يعملون على تعزيز جودة الحياة بوصفها إحدى المرتكزات الرئيسة لـ«رؤية السعودية 2030»، من خلال جعل الثقافة أسلوب حياة، وتوسيع آفاق المعرفة، وتمكين الإنسان من الإسهام في تنمية مجتمعه فكرياً وثقافياً.

وأوضح أن المهرجان في نسخته الثالثة يُجسّد هذا التوجُّه عبر تقديم تجربة ثقافية ترفيهية شاملة في الطائف، بما تحمله من مكانة ثقافية وإرث أدبي عريق، وبوصفها أول مدينة مصنّفة ضمن شبكة اليونيسكو للمدن المبدعة بمجال الأدب على مستوى السعودية.

وأشار الواصل إلى أن المهرجان يستهدف مختلف فئات المجتمع، عبر برنامج متنوع يوازن بين الفائدة المعرفية والتجربة الترفيهية، بما يتيح للزائر الخروج بحصيلة ثقافية مميزة، وقضاء أوقات ممتعة تناسب جميع الأعمار، ضمن سعي الهيئة لترسيخ حضور الثقافة في المشهد العام، وتعزيز مكانة الأدب في الحياة اليومية، وتهيئة بيئة تفاعلية محفزة تجمع الكُتّاب والقرّاء والمثقفين.

يُقدِّم المهرجان برنامجاً متنوعاً يوازن بين الفائدة المعرفية والتجربة الترفيهية (واس)

وأكد أن المهرجان يسعى للاحتفاء بالكُتّاب والقرّاء بوصفهما الركيزة الأساسية في منظومة الإنتاج الثقافي، وتوفير منصة تفاعلية، تتيح للمبدعين من داخل السعودية وخارجها التواصل الإبداعي الخلّاق، بما يسهم في إثراء الساحة الثقافية وتلبية تطلعات الجمهور للأدب والثقافة والفنون، في صورة تعكس حيوية المشهد الثقافي السعودي.

ويشتمل المهرجان على أربعة مواقع رئيسية هي: منطقة الدرب، والمطل، والفِناء، والصرح، حيث تُقام أكثر من 270 فعالية، تتضمن 176 تفعيلة ثقافية، و84 عرضاً مسرحياً، و7 أمسيات غنائية وشعرية، إضافةً إلى تجسيد 45 عملاً أدبياً وفنياً.

وخصصت الهيئة 20 منصة فنية تُمكّن الحرفيين من عرض منتجاتهم في بيئة احترافية، ومنصات تفاعلية تتيح للزائر الاستماع إلى قصائد مختارة، وعروض موسيقية، والتعرّف على سيَر وأعمال أدباء من التاريخ، والتنقل بين عوالم تعبيرية متنوعة تبدأ من الرواية التاريخية وتنتهي بعالم المانجا.

وهيأت الهيئة جناحاً تفاعلياً يعرّف الزوار بدورها في دعم قطاعات الأدب والنشر والترجمة، وأبرز مبادراتها ومشاريعها الثقافية، وخططها المستقبلية، وتصميم منطقة متكاملة للأطفال تضم 5 أركان رئيسية، تقدم أنشطة تطبيقية، وألعاباً تعليمية مبتكرة، تنمّي التفكير وتعزز القيم، كذلك مسرح الحكواتي الذي يقدم قصصاً هادفة، في بيئة ترفيهية تسعى لبناء جيل واعٍ ومثقف.