طرابلس تنبض بالحياة في انتظار الانتخابات... وتخشى عودة الحرب

طرابلس تنبض بالحياة في انتظار الانتخابات... وتخشى عودة الحرب

مسؤول سياسي: نمد أيدينا بالسلام للجميع لكن لن نسمح بإثارة الفتن
الجمعة - 25 شهر رمضان 1442 هـ - 07 مايو 2021 مـ رقم العدد [ 15501]
ليبيون يتبضعون من سوق الرشيد بالعاصمة طرابلس (الشرق الأوسط)

لم ينشغل العامل المصري فارس، الذي اندمج في إقناع زبائنه في سوق الرشيد بجودة منتجاته، كثيراً بالوفود السياسية المتدفقة على طرابلس هذه الأيام بوتيرة متسارعة، لكنه أبدى قدراً من الراحة والتفاؤل لانتهاء الحرب على العاصمة الليبية، وعودة الحياة إلى طبيعتها، مما نجم عنه انتعاش حركة البيع والشراء.
وسوق الرشيد واحدة من الأسواق التجارية التي تشهد رواجاً وإقبالاً واسعين من المواطنين، وتقع على مقربة من فندق «كورنثيا»، الذي يقيم به المجلس الرئاسي الليبي، ويستضيف كبار الوفود والمسؤولين الأجانب، وسبق أن تعرض لهجوم «داعشي» مطلع يناير (كانون الثاني) عام 2015.
وفارس (28 عاماً) المنتمي لإحدى مدن جنوب مصر، هو واحد من مئات العاملين من جنسيات عديدة في الأسواق التجارية الليبية، وسبق لهم معايشة الحرب على طرابلس طوال 13 شهراً.
يقول فارس: «عشنا شهوراً من الخوف والفزع بسبب دوي الصواريخ، التي كانت تسقط وتنفجر بشكل عشوائي. أما الآن فالأوضاع تسير على ما يرام، باستثناء انقطاع الكهرباء، وندعو الله ألا تعود الحرب مرة ثانية».
وبموازاة حركة المواطنين وتزاحمهم في شوارع العاصمة، قُبيل ساعات الإفطار الرمضاني وحتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، في جميع أحياء العاصمة وأسواقها التجارية؛ هناك حركة دبلوماسية وسياسية واسعة تشهدها الفنادق الليبية ومقار الحكم؛ والرابط بين الحركتين هو أن الأولى موجهة لشراء الطعام وملابس عيد الفطر، وتتمنى زوال الحرب بشكل نهائي، فيما تستهدف الثانية المسارعة لتوقيع الاتفاقيات، وحجز مقعد في قطار عقد الصفقات الرامية لإعمار البلاد.
يقول مسؤول سياسي ليبي رفيع، التقته «الشرق الأوسط» على هامش احتفالية نظمتها حكومة «الوحدة الوطنية» في ذكرى اليوم العالمي لحرية الصحافة: «لا يمر يوم دون استقبال وفود وتوديع أخرى. البلاد منفتحة على مرحلة جديدة من البناء والتعمير، ونريد معاونة الجميع»، مشدداً على أنه «يجب ألا تعود العجلة إلى الوراء، فالليبيون لن يقبلوا ثانية بالعودة إلى الأزمان السابقة، لأنهم علموا أن الحرب لا تجلب إلا الدمار والخراب والقتل».
وأضاف المسؤول: «نمد أيدينا بالسلام للجميع، فليبيا لكل الليبيين، وتسع أهلها شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، وبالتالي لا إقصاء لفصيل على حساب آخر، كما أننا لا نسمح بإثارة الفتن من أجل مصالح فردية أو جهوية»، مبرزاً أن حكومة (الوحدة الوطنية) ستعقد اجتماعها قريباً في بنغازي، و«لن تتخلى عن التزاماتها تجاه شرق البلاد، أو أي مدينة ليبية أخرى».
وتلتقي سوق الرشيد مع شارع عمر المختار، الذي ينفتح في نهايته على ميدان «الشهداء» أو «الساحة الخضراء»، كما كان يطلق عليه إبان عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، وتتفرع منه شوارع رئيسية، منها «24 ديسمبر» وشارع الاستقلال، وتطل على الميدان عمارات مصرف الجمهورية (بنك دي روما سابقاً). وعلى أطراف الساحة الشاسعة وفي قلبها يتوافد المواطنون على ميدان «الشهداء»، الذي يحمل رمزاً لـ«ثورة 17 فبراير (شباط)»، ويتنزهون بأريحية شديدة؛ ويشترون الغلال لينثروها أرضاً لإطعام الحمام، المتجمع بأعداد كبيرة في شكل لافت ومبهر.
يقول السياسي الليبي عبد العظيم البشتي، الذي سُجن مرات عدة في عهد القذافي: «بشيء من التحفظ، الأوضاع في ليبيا باتت تشهد خلال الشهور القليلة الماضية، خصوصاً بعد انتخاب حكومة (الوحدة الوطنية)، حالة استقرار نسبي... استقرار هشّ نعم، لكن قد يتحول إلى استقرار أكثر رسوخاً لو وصلنا إلى محطة الانتخابات الرئاسية والنيابية في 24 ديسمبر (كانون الأول) دون مفاجآت». البشتي، الذي يقيم في مدينة الزاوية (غرب طرابلس) أرجع ما وصفه بـ«هشاشة الأوضاع وقابليتها للخروج عن السيطرة» إلى «عدم تفكيك الميليشيات ونزع سلاحها، رغم موقفها الثابت حتى الآن في المحافظة على مصالحها»، ورأى أن حكومة «الوحدة الوطنية» «لم تقدم شيئاً ذا أهمية أو قيمة، لا في إطار حلحلة بعض الأزمات المعيشية، أو حتى ما يتعلق بالسلاح المنتشر في البلاد، إضافة إلى موضوع (المرتزقة) الذي نسمع حوله جعجعة ولا نرى طحيناً». مشيرا إلى أن حفتر، الذي قال إنه «لم يتخلَّ عن طموحه في السلطة»، استبعد خيار الحرب على الأقل مؤقتاً، «لكنه لن يرضى بأي تسوية لا يتقلد فيها على الأقل منصب وزير الدفاع كمرحلة أولى»، وأنه «لم يسمع عن خروج أي من (المرتزقة)، سواء (فاغنر) أو (الجنجاويد)».
كثيرون من المواطنين، ومن بينهم الشاب الليبي مهند، الذي يعرض بضاعته وسط شارع عمر المختار، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» عن حالة الاستقرار التي يعيشونها الآن، لكنهم لم يخفوا قلقهم ومخاوفهم من عودة الحرب مرة ثانية، لذا يطالبون الحكومة بالإسراع في إجراء الانتخابات مع نهاية العام. لكن السفير الليبي إبراهيم موسى قرادة رأى أن «أحد أخطر وأكبر المطبات المسؤولة عنها البعثة الأممية و(لجنة الحوار السياسي) الليبي، هو تحديد موعد قريب للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بإهمال كامل ومستعجب لحالة ما بعد الحرب، وغياب القاعدة القانونية للانتخابات». وتحدث قرادة، رئيس اللجنة التنفيذية للمؤتمر الليبي للأمازيغية، المنتمي لمدينة يفرن، عما سمّاه «هلامية وسيولة المشهد الراهن»، ورأى أن من بين الأسباب التي أدت إلى ذلك «طبخة جنيف»، التي تعامت عن معطيات الواقع وتوازن القوى، واستحقاقات المستقبل في تكرار ممسوخ لمخرجات اتفاق الصخيرات، الذي أدى إلى أشرس وأخطر حرب ليبية – ليبية». وقال بهذا الخصوص: «نحن في حالة ترقب غامض ومرعب من اللاحرب واللاسلم ليوم 24 ديسمبر، لأنه إن لم تُجرَ الانتخابات في موعدها، أو حتى انحرفت عن مسارها فالاحتمالات ستكون مرعبة!».
بدوره، استعرض الليبي جمال مبروك، رئيس منظمة التعاون والإغاثة العالمية (Iocea)، الحالة الليبية الراهنة بعد الحرب، وقال إن «الخط الأحمر الذي وضعه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أسهم في تحقيق ما تعيشه ليبيا الآن، من استقرار وسلام حالياً، حتى وإن بدا مهدداً».
ورأى مبروك أن ليبيا تواجه «تحديات كبيرة ومكثفة تعمل عليها أطراف داخلية، يقودها تنظيم الإخوان، وجماعات متطرفة أخرى متنوعة الآيديولوجية والتوجهات، إلى جانب أطراف دولية معروفة للجميع، تحاول إفساد ما وصلنا إليه. لكن بدعم الأشقاء ستكون الأمور في ليبيا أكثر استقراراً».
وتحدث مبروك، وهو من سكان العاصمة، عن «المرتزقة» فقال إن بعض الدول التابعين لها «ترفض سحبهم من البلاد، وفقاً لمخرجات مؤتمر (برلين)»، ورأى أن الليبيين «يمكنهم أن يثوروا عليهم في يوم ما».
وانتهى متحدثاً عن إشكالية الميليشيات المسلحة والمؤدلجة، قائلاً: «يجب على المجتمع الدولي السير في خطين؛ الأول سحب (المرتزقة)، والثاني تفكيك الميليشيات وفق منهجية، ويتحتم على المجتمع الدولي مساعدة ليبيا في ذلك».


ليبيا أخبار ليبيا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة