طرابلس تنبض بالحياة في انتظار الانتخابات... وتخشى عودة الحرب

مسؤول سياسي: نمد أيدينا بالسلام للجميع لكن لن نسمح بإثارة الفتن

ليبيون يتبضعون من سوق الرشيد بالعاصمة طرابلس (الشرق الأوسط)
ليبيون يتبضعون من سوق الرشيد بالعاصمة طرابلس (الشرق الأوسط)
TT

طرابلس تنبض بالحياة في انتظار الانتخابات... وتخشى عودة الحرب

ليبيون يتبضعون من سوق الرشيد بالعاصمة طرابلس (الشرق الأوسط)
ليبيون يتبضعون من سوق الرشيد بالعاصمة طرابلس (الشرق الأوسط)

لم ينشغل العامل المصري فارس، الذي اندمج في إقناع زبائنه في سوق الرشيد بجودة منتجاته، كثيراً بالوفود السياسية المتدفقة على طرابلس هذه الأيام بوتيرة متسارعة، لكنه أبدى قدراً من الراحة والتفاؤل لانتهاء الحرب على العاصمة الليبية، وعودة الحياة إلى طبيعتها، مما نجم عنه انتعاش حركة البيع والشراء.
وسوق الرشيد واحدة من الأسواق التجارية التي تشهد رواجاً وإقبالاً واسعين من المواطنين، وتقع على مقربة من فندق «كورنثيا»، الذي يقيم به المجلس الرئاسي الليبي، ويستضيف كبار الوفود والمسؤولين الأجانب، وسبق أن تعرض لهجوم «داعشي» مطلع يناير (كانون الثاني) عام 2015.
وفارس (28 عاماً) المنتمي لإحدى مدن جنوب مصر، هو واحد من مئات العاملين من جنسيات عديدة في الأسواق التجارية الليبية، وسبق لهم معايشة الحرب على طرابلس طوال 13 شهراً.
يقول فارس: «عشنا شهوراً من الخوف والفزع بسبب دوي الصواريخ، التي كانت تسقط وتنفجر بشكل عشوائي. أما الآن فالأوضاع تسير على ما يرام، باستثناء انقطاع الكهرباء، وندعو الله ألا تعود الحرب مرة ثانية».
وبموازاة حركة المواطنين وتزاحمهم في شوارع العاصمة، قُبيل ساعات الإفطار الرمضاني وحتى الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، في جميع أحياء العاصمة وأسواقها التجارية؛ هناك حركة دبلوماسية وسياسية واسعة تشهدها الفنادق الليبية ومقار الحكم؛ والرابط بين الحركتين هو أن الأولى موجهة لشراء الطعام وملابس عيد الفطر، وتتمنى زوال الحرب بشكل نهائي، فيما تستهدف الثانية المسارعة لتوقيع الاتفاقيات، وحجز مقعد في قطار عقد الصفقات الرامية لإعمار البلاد.
يقول مسؤول سياسي ليبي رفيع، التقته «الشرق الأوسط» على هامش احتفالية نظمتها حكومة «الوحدة الوطنية» في ذكرى اليوم العالمي لحرية الصحافة: «لا يمر يوم دون استقبال وفود وتوديع أخرى. البلاد منفتحة على مرحلة جديدة من البناء والتعمير، ونريد معاونة الجميع»، مشدداً على أنه «يجب ألا تعود العجلة إلى الوراء، فالليبيون لن يقبلوا ثانية بالعودة إلى الأزمان السابقة، لأنهم علموا أن الحرب لا تجلب إلا الدمار والخراب والقتل».
وأضاف المسؤول: «نمد أيدينا بالسلام للجميع، فليبيا لكل الليبيين، وتسع أهلها شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، وبالتالي لا إقصاء لفصيل على حساب آخر، كما أننا لا نسمح بإثارة الفتن من أجل مصالح فردية أو جهوية»، مبرزاً أن حكومة (الوحدة الوطنية) ستعقد اجتماعها قريباً في بنغازي، و«لن تتخلى عن التزاماتها تجاه شرق البلاد، أو أي مدينة ليبية أخرى».
وتلتقي سوق الرشيد مع شارع عمر المختار، الذي ينفتح في نهايته على ميدان «الشهداء» أو «الساحة الخضراء»، كما كان يطلق عليه إبان عهد الرئيس الراحل معمر القذافي، وتتفرع منه شوارع رئيسية، منها «24 ديسمبر» وشارع الاستقلال، وتطل على الميدان عمارات مصرف الجمهورية (بنك دي روما سابقاً). وعلى أطراف الساحة الشاسعة وفي قلبها يتوافد المواطنون على ميدان «الشهداء»، الذي يحمل رمزاً لـ«ثورة 17 فبراير (شباط)»، ويتنزهون بأريحية شديدة؛ ويشترون الغلال لينثروها أرضاً لإطعام الحمام، المتجمع بأعداد كبيرة في شكل لافت ومبهر.
يقول السياسي الليبي عبد العظيم البشتي، الذي سُجن مرات عدة في عهد القذافي: «بشيء من التحفظ، الأوضاع في ليبيا باتت تشهد خلال الشهور القليلة الماضية، خصوصاً بعد انتخاب حكومة (الوحدة الوطنية)، حالة استقرار نسبي... استقرار هشّ نعم، لكن قد يتحول إلى استقرار أكثر رسوخاً لو وصلنا إلى محطة الانتخابات الرئاسية والنيابية في 24 ديسمبر (كانون الأول) دون مفاجآت». البشتي، الذي يقيم في مدينة الزاوية (غرب طرابلس) أرجع ما وصفه بـ«هشاشة الأوضاع وقابليتها للخروج عن السيطرة» إلى «عدم تفكيك الميليشيات ونزع سلاحها، رغم موقفها الثابت حتى الآن في المحافظة على مصالحها»، ورأى أن حكومة «الوحدة الوطنية» «لم تقدم شيئاً ذا أهمية أو قيمة، لا في إطار حلحلة بعض الأزمات المعيشية، أو حتى ما يتعلق بالسلاح المنتشر في البلاد، إضافة إلى موضوع (المرتزقة) الذي نسمع حوله جعجعة ولا نرى طحيناً». مشيرا إلى أن حفتر، الذي قال إنه «لم يتخلَّ عن طموحه في السلطة»، استبعد خيار الحرب على الأقل مؤقتاً، «لكنه لن يرضى بأي تسوية لا يتقلد فيها على الأقل منصب وزير الدفاع كمرحلة أولى»، وأنه «لم يسمع عن خروج أي من (المرتزقة)، سواء (فاغنر) أو (الجنجاويد)».
كثيرون من المواطنين، ومن بينهم الشاب الليبي مهند، الذي يعرض بضاعته وسط شارع عمر المختار، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» عن حالة الاستقرار التي يعيشونها الآن، لكنهم لم يخفوا قلقهم ومخاوفهم من عودة الحرب مرة ثانية، لذا يطالبون الحكومة بالإسراع في إجراء الانتخابات مع نهاية العام. لكن السفير الليبي إبراهيم موسى قرادة رأى أن «أحد أخطر وأكبر المطبات المسؤولة عنها البعثة الأممية و(لجنة الحوار السياسي) الليبي، هو تحديد موعد قريب للانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بإهمال كامل ومستعجب لحالة ما بعد الحرب، وغياب القاعدة القانونية للانتخابات». وتحدث قرادة، رئيس اللجنة التنفيذية للمؤتمر الليبي للأمازيغية، المنتمي لمدينة يفرن، عما سمّاه «هلامية وسيولة المشهد الراهن»، ورأى أن من بين الأسباب التي أدت إلى ذلك «طبخة جنيف»، التي تعامت عن معطيات الواقع وتوازن القوى، واستحقاقات المستقبل في تكرار ممسوخ لمخرجات اتفاق الصخيرات، الذي أدى إلى أشرس وأخطر حرب ليبية – ليبية». وقال بهذا الخصوص: «نحن في حالة ترقب غامض ومرعب من اللاحرب واللاسلم ليوم 24 ديسمبر، لأنه إن لم تُجرَ الانتخابات في موعدها، أو حتى انحرفت عن مسارها فالاحتمالات ستكون مرعبة!».
بدوره، استعرض الليبي جمال مبروك، رئيس منظمة التعاون والإغاثة العالمية (Iocea)، الحالة الليبية الراهنة بعد الحرب، وقال إن «الخط الأحمر الذي وضعه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أسهم في تحقيق ما تعيشه ليبيا الآن، من استقرار وسلام حالياً، حتى وإن بدا مهدداً».
ورأى مبروك أن ليبيا تواجه «تحديات كبيرة ومكثفة تعمل عليها أطراف داخلية، يقودها تنظيم الإخوان، وجماعات متطرفة أخرى متنوعة الآيديولوجية والتوجهات، إلى جانب أطراف دولية معروفة للجميع، تحاول إفساد ما وصلنا إليه. لكن بدعم الأشقاء ستكون الأمور في ليبيا أكثر استقراراً».
وتحدث مبروك، وهو من سكان العاصمة، عن «المرتزقة» فقال إن بعض الدول التابعين لها «ترفض سحبهم من البلاد، وفقاً لمخرجات مؤتمر (برلين)»، ورأى أن الليبيين «يمكنهم أن يثوروا عليهم في يوم ما».
وانتهى متحدثاً عن إشكالية الميليشيات المسلحة والمؤدلجة، قائلاً: «يجب على المجتمع الدولي السير في خطين؛ الأول سحب (المرتزقة)، والثاني تفكيك الميليشيات وفق منهجية، ويتحتم على المجتمع الدولي مساعدة ليبيا في ذلك».



إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
TT

إشادة أممية بالدعم السعودي الفاعل لتخفيف معاناة اليمنيين

حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)
حضور سعودي مساند لليمن في المناطق كافة (إعلام محلي)

في إشادة أممية لافتة، أكد «برنامج الأغذية العالمي» أن «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» يمثل شريكاً أساسياً في جهود الإغاثة باليمن، حيث أسهمت تدخلاته في التخفيف من حدة أزمة الجوع المتفاقمة التي تُعدّ من بين الأسوأ عالمياً. وأوضح البرنامج الأممي أن التمويلات المقدمة من «المركز» أحدثت فارقاً ملموساً في حياة الفئات الأكبر احتياجاً، خصوصاً في ظل ازدياد أعداد السكان الذين يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وأشار تقرير حديث من البرنامج إلى أن إجمالي التمويلات المقدمة من «مركز الملك سلمان» تجاوز 300 مليون دولار منذ عام 2020؛ ما مكّن من توسيع نطاق الاستجابة الإنسانية وتعزيز وصول المساعدات إلى ملايين المحتاجين في مختلف المناطق اليمنية، في وقت يواجه فيه أكثر من 17 مليون شخص خطر الجوع.

وذكر البرنامج أنه، في ظل تفاقم الأزمة خلال العام الماضي، قدّم «مركز الملك سلمان» مساهمة مالية بقيمة 25 مليون دولار؛ مما ساعد على توفير مساعدات غذائية منقذة للحياة وتعزيز سبل العيش للأسر الأشد ضعفاً.

ووفق البيانات، فقد مكّن المشروعُ المموّلُ من تقديم مساعدات غذائية طارئة لأكثر من 43 ألف أسرة في المناطق الأشد تضرراً، خصوصاً في محافظة الضالع والساحل الغربي، حيث ترتفع معدلات انعدام الأمن الغذائي.

مليونا طفل دون الخامسة في اليمن يعانون سوء التغذية (الأمم المتحدة)

كما امتدت الجهود لتشمل برامج التعافي في حضرموت والمهرة وسقطرى؛ إذ استفاد نحو 6500 أسرة من مشروعات تنمية سبل العيش؛ بما في ذلك التدريب المهني وتنمية الأصول الإنتاجية.

وفي السياق ذاته، أسهمت هذه التدخلات في دعم الإنتاج الغذائي المحلي من خلال استصلاح 1208 أفدنة من الأراضي الزراعية، وإعادة تأهيل أكثر من 38 ألف متر من قنوات الري، إضافة إلى إنشاء 26 بيتاً زراعياً؛ مما عزز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات المناخية المتصاعدة.

تأثير مباشر

وأكد الخضر دالوم، المدير القطري لـ«برنامج الأغذية العالمي» في اليمن، أن تدخل «مركز الملك سلمان» جاء في توقيت حرج، موضحاً أن الوصول إلى نحو 50 ألف أسرة عبر المساعدات الغذائية وبرامج سبل العيش يمثل إنجازاً مهماً في ظل الظروف المعقدة التي تمر بها البلاد.

14 مليون يمني يحتاجون للمياه النظيفة وخدمات الصرف الصحي (الأمم المتحدة)

وأشار إلى أن هذه الشراكة لم تقتصر على تقديم الإغاثة الطارئة، «بل امتدت لتشمل دعم التعافي طويل الأمد؛ مما ساعد في تحسين قدرة الأسر على الاعتماد على نفسها وتقليل مستويات الهشاشة الاقتصادية».

وتبرز أهمية هذه الجهود في ظل مؤشرات مقلقة؛ إذ أظهرت بيانات العام الماضي أن نحو 70 في المائة من الأسر اليمنية لم تتمكن من الحصول على غذاء كافٍ خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، في واحدة من أعلى نسب انعدام الأمن الغذائي المسجلة.

جهود أممية موازية

بالتوازي مع هذه الجهود، أعلن «صندوق التمويل الإنساني» في اليمن، التابع لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية»، تقديم مساعدات لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً، خلال الثلث الأخير من العام الماضي، بتمويل بلغ 20 مليون دولار.

واستهدفت هذه التدخلات 17 مديرية ذات أولوية، موزعة على 7 محافظات، شملت الحديدة وحجة والضالع ولحج وتعز وعمران والجوف، حيث ركزت على المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية.

وبيّن «الصندوق» أن المساعدات ركزت على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، مع إعطاء أولوية خاصة لخدمات الحماية، خصوصاً للفئات الأكبر عرضة للمخاطر، بمن فيهم النساء والأطفال وذوو الإعاقة، الذين بلغ عددهم نحو 37 ألف مستفيد ضمن إجمالي المستفيدين.

تحرك سعودي عاجل لإغاثة المتضررين من السيول في اليمن (إعلام محلي)

كما شملت التدخلات قطاعات متعددة، من بينها الأمن الغذائي وسبل العيش والتغذية والرعاية الصحية والمأوى، إلى جانب تعزيز قدرات المجتمعات المحلية على التكيف مع الأزمات والحد من المخاطر.

وتُظهر بيانات الأمم المتحدة أن «الصندوق» تلقى نحو 14.3 مليون دولار مساهماتٍ في ميزانيته للعام الحالي، مقدمة من دول عدة، من بينها الدنمارك وفنلندا والسعودية وكندا، في إطار دعم الجهود الإنسانية الرامية إلى الحد من تداعيات الأزمة.

وفي ظل استمرار التحديات، تشير التقديرات إلى أن نحو 14 مليون يمني بحاجة إلى المساعدة للحصول على المياه وخدمات الصرف الصحي، في حين يعاني نحو مليوني طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية؛ مما يعكس حجم الأزمة الإنسانية وتعقيداتها.

Your Premium trial has ended


انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
TT

انتهاكات حوثية تستهدف المعلمين في 4 محافظات يمنية

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)
اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

شهدت 4 محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية موجةً جديدةً من الانتهاكات بحق الكوادر التعليمية، في تطور يعكس تصعيداً مقلقاً ضد العاملين في القطاع التربوي، الذين يواجهون ضغوطاً متزايدة؛ بسبب مواقفهم الرافضة لسياسات الجماعة، لا سيما ما يتعلَّق بتجنيد الطلبة، والمطالبة بصرف الرواتب.

ووفق مصادر تربوية، طالت هذه الانتهاكات معلمين وإداريين في محافظات عمران وحجة وصنعاء وإب، حيث نفَّذت الجماعة حملات مداهمة واعتقال تعسفي، إضافة إلى اعتداءات جسدية وتهديدات مباشرة، استهدفت مَن يرفضون الانصياع لتوجيهاتها داخل المدارس أو يعارضون إدخال ممارسات غير قانونية إلى العملية التعليمية.

ففي محافظة عمران (شمال صنعاء) أقدم مسلحون حوثيون على اعتقال المعلم علي عاطف في مديرية خمر، واقتادوه إلى أحد مراكز الاحتجاز، بناءً على توجيهات قيادي أمني محلي، بعد اتهامه بالتحريض ضد الجماعة.

وذكرت المصادر أنَّ المعلم، الذي يمتلك خبرةً تمتد لعقدين، تعرَّض سابقاً لعمليات استدعاء واحتجاز متكررة دون مبررات قانونية واضحة، في سياق استهداف الأصوات التربوية المنتقدة.

عناصر من الحوثيين في أحد شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وفي محافظة حجة (شمالي غرب)، شهدت مديرية كُعيدنه حادثة مشابهة، حيث داهم مسلحون منزل المعلم حمود نور، واختطفوه عقب اتهامه بنشر مطالبات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصرف رواتب المعلمين. وأفادت مصادر مطلعة بتعرُّضه للاعتداء الجسدي قبل نقله إلى جهة مجهولة، في تكرار لنمط من الانتهاكات التي طالت المعلم ذاته في مناسبات سابقة.

وفي العاصمة اليمنية المختطفة، صنعاء، تصاعدت الانتهاكات لتشمل البيئة المدرسية نفسها، إذ تعرَّضت حارسة مدرسة في حي مذبح بمديرية معين لاعتداء عنيف في أثناء محاولتها منع مسلحين من اقتحام المدرسة خلال فترة الامتحانات.

وبحسب شهود، حاول المسلحون إدخال وسائل غش لطالبات، قبل أن يهاجم أحدهم الحارسة بسلاح أبيض؛ ما أدى إلى إصابتها، في حادثة أثارت استنكاراً واسعاً في الأوساط التربوية.

تصاعد الاستهداف في إب

وفي محافظة إب، (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) اختطفت الجماعة الحوثية المعلم أحمد نعمان السارة من منزله في مديرية العدين، ونقلته إلى أحد السجون التابعة لها، على خلفية رفضه توجيهات تقضي بتجنيد الطلاب وإشراكهم في أنشطة ذات طابع عسكري وفكري. وتؤكد مصادر تربوية أنَّ هذه الممارسات باتت تُشكِّل ضغطاً ممنهجاً على المعلمين، الذين يجدون أنفسهم بين خيار الامتثال أو التعرُّض للعقاب.

ويشكو معلمون في المحافظة من تصاعد الضغوط لإقحام الطلاب في برامج تعبوية لا تمت للعملية التعليمية بصلة، عادين أنَّ هذه السياسات تهدِّد جوهر التعليم وتحوله إلى أداة لخدمة أهداف آيديولوجية.

الحوثيون أخضعوا تربويين في صنعاء للتعبئة الفكرية والقتالية (إعلام حوثي)

وتأتي هذه الحوادث ضمن سياق أوسع من الانتهاكات المستمرة التي تستهدف القطاع التعليمي في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث يسعى القائمون على هذه السياسات، وفق مراقبين، إلى إحكام السيطرة على المدارس وتوجيه مخرجاتها بما يتوافق مع توجهاتهم الفكرية والسياسية.

في المقابل، حذَّرت منظمات حقوقية محلية ودولية من خطورة استمرار هذه الانتهاكات، مطالِبة بالإفراج الفوري عن جميع المعتقلين، ووقف حملات القمع التي تطال المعلمين، وضمان بيئة تعليمية آمنة ومستقلة. وأكدت أنَّ استمرار هذه الممارسات يهدِّد بتقويض ما تبقَّى من النظام التعليمي في البلاد.

ويأتي ذلك في ظلِّ تدهور حاد يشهده قطاع التعليم في اليمن منذ سنوات؛ نتيجة الحرب والانقلاب، حيث تراجعت مستويات التحصيل الدراسي، وارتفعت معدلات التسرُّب من المدارس، في وقت يعاني فيه المعلمون من انقطاع الرواتب وتدهور أوضاعهم المعيشية، ما ينذر بتداعيات طويلة الأمد على مستقبل الأجيال القادمة.


«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.