30 فيلماً من الكلاسيكيات العالمية حسب رؤية ناقد سينمائي

العبرة ليست بالعمر بل بالقدرة على الصمود في وجه الزمن

30 فيلماً من الكلاسيكيات العالمية حسب رؤية ناقد سينمائي
TT

30 فيلماً من الكلاسيكيات العالمية حسب رؤية ناقد سينمائي

30 فيلماً من الكلاسيكيات العالمية حسب رؤية ناقد سينمائي

صدر حديثاً عن دار «خطوط وظلال» الأردنية كتاب «كلاسيكيات السينما العالمية» تأليف الناقد السينمائي المصري أمير العمري، ويتضمن تحليلاً مفصلاً لنحو ثلاثين فيلماً من روائع كلاسيكيات السينما القديمة الصامتة والناطقة، والتي تزخر بخصائص صارت مع مرور السنين من أساسيات الفن السابع.
قام المؤلف بترتيب فصول الكتاب حسب تواريخ إنتاج الأفلام، وقدم الكلاسيكيات القديمة الصامتة أولاً، ثم جاءت بعد ذلك الكلاسيكيات الحديثة أو الأحدث، مثل «نظرة عوليس» الذي أخرجه اليوناني أنجلوبولوس عام 1996، كما استهله بمقدمة أوضح فيها السمات الأساسية التي يمكن على أساسها وصف فيلم ما بأنه كلاسيكي، وقال إن «الكثير من هواة السينما، وحتى المشتغلين بها، يعتقدون أن الكلاسيكيات هي الأفلام القديمة والصامتة فقط، وهذا غير صحيح، فقد قدم السينمائيون عدداً من الكلاسيكيات في أزمنة حديثة تالية، وذكر أن هناك من السينما الحديثة ما يطلق عليها بعض النقاد في الغرب (الكلاسيكيات الحديثة) تمييزاً لها عن القديمة، وهذا رأي غير دقيق، حسب وجهة نظر العمري، فالعبرة عنده ليست بعمر الفيلم بل بقدرته على الصمود في وجه الزمن، وتأثيره الذي يتغلغل في ذاكرة المشاهدين، ويدفعهم لمشاهدته مرات عديدة، فتزيد متعتهم، ويكتشفون في كل مرة شيئاً جديداً».
وذكر العمري أن الثراء الفني، في الشكل واللغة وعناصر السينما وقدرة صناع الفيلم، على صياغة عمل مؤثر ومبتكر، يمتلك كثيراً من مظاهر الدهشة والجمال، تعد من أهم الشروط التي تجعل الفيلم كلاسيكياً، وهذا يمكن ملاحظته على نحو مثالي في فيلم الرعب الألماني «خزانة الدكتور كاليغاري».

أبعاد إنسانية

تدور فكرة فيلم «خزانة الدكتور كاليغاري» برأي العمري حول «التحكم» أو «السيطرة»، وكيف يمكن لشخص يمتلك سلطة أن يتحكم بمصائر الآخرين، وقد قام بإخراجه الفنان الألماني روبرت فينه قبل مائة وعشرين عاماً، ودخل تاريخ السينما بوصفه أحد الكلاسيكيات الكبرى. ويتضمن كثيراً من الديكورات الغريبة الضيقة الخانقة التي صمّمها الفنانون التعبيريون الذين استعان بهم فينه، والتي تعد بمثابة ثورة في عالم السينما عندما كانت في بداياتها، وقتها قدم كل من وولتر ريمان وهيرمان فارم وهما من أشهر الفنانين التعبيريين الألمان رسوماً وتصميمات لرؤية فنية تقوم على التعبير الذاتي عن الواقع، وليس تجسيده، وذلك من منظور الفرد المحبط المضطرب الذي يعاني من الهواجس وانعدام الثقة في الآخرين، وتشي الرسومات والتصميمات بعلاقة الفرد بالواقع، وكيف يراه ويتفاعل معه، وهي صور «تعبيرية» تعكس الخوف والقلق والكوابيس المرعبة، وتستخرج ما يدور داخل الذهن البشري، والذي لا يتجانس بالضرورة مع الواقع.
وبهذا التصور لا يخضع الفيلم للواقع بل يتجاوزه لأنه ابن رؤية فنان، يبرز من خلالها هواجسه الداخلية العميقة في سياق الملامح الخاصة للتعبيرية التي تصور الغرف كمقابر، والشوارع مائلة، والسلالم حادة الزوايا. إلى جانب استخدام الإضاءة لتوليد الظلال القاتمة والتركيز على الوجوه من خلال استخدام دوائر مغلقة تحبس الشخصيات، وتُظهر الانفعالات على الوجوه بطريقة مبالغ فيها، مع تضييق المساحات أو الفراغات داخل الصورة، وتصوير الجدران التي تمتلئ بالصور والرسوم الغريبة، والأسقف المنخفضة فوق الرؤوس مباشرة.
وأشار العمري إلى أن العالم في الفيلم يبدو كأنه سجن، فلا تؤدي الشوارع الملتوية الضيقة إلى شيء، وتظهر العمارات والمباني نحيفة مدببة، والمنازل أقبية مليئة بالأسطح المدببة. هذه الصور وغيرها هي ما تشكل الرؤية البصرية في الفيلم، ليصبح نموذجاً كلاسيكياً في استخدام التعبيرية، التي تجعل صورة الواقع «السينمائي» منفصلة تماماً عن الواقع الحقيقي.
ويشير العمري إلى أن الفيلم الكلاسيكي قد يشمل التعبير عن فترة زمنية لم نعشها، يُعيد تأسيسها وبنائها بحيث يمكن لنا أن نستخرج من الفيلم ومن القصة المعروضة نفسها كثيراً من المعاني الإنسانية التي تجعلنا أكثر معرفة بتلك الفترة الزمنية، وأكثر دراية بما فيها من جمال، بل أكثر فهماً للحاضر أيضاً على ضوء الماضي.
ومن بين هذه الأفلام التي تتمتع باهتمام كبير ومستمر يأتي فيلم «ذهب مع الريح»، وهو اهتمام لا يرجع فقط إلى جودة العناصر الفنية، من إخراج وتمثيل وديكورات وموسيقى، ولكن أيضاً في مشاهد المعارك الحربية التي تبدو كما لو كانت واقعية، وهي تجسد وقائع الحرب الأهلية الأميركية عموماً، وتبدو مبهرة كأننا أمام استعادة مجسدة للتاريخ. أما العنصر الأكثر جاذبية لدى الجمهور، فيتمثل في المعاني الإنسانية التي تنبع من قصة الفيلم مثل بشاعة الحرب وقسوتها، والحب الذي يسمو فوق كل شيء، والغيرة التي تدمي القلوب.
وهكذا يرى العمري أن المعاني الإنسانية التي تلمس مشاعر الجمهور تأتي ضمن العوامل التي تجعل فيلماً ما يصبح من الكلاسيكيات، خصوصاً الأفلام الأولى الصامتة التي أُعيد إحياؤها وأصبحت محفورة في ذاكرة جمهور السينما مثل «العصر الحديث» لشابلن، و«نابليون» و«صندوق باندورا»، وقد خصص لها فصولاً في الكتاب وتناولها بالتحليل وسلط الأضواء عليها.

مصداقية الغرابة
وأشار العمري إلى أن كثيراً من أفلام المخرج البريطاني ألفريد هيتشكوك أصبحت من الكلاسيكيات لقدرتها على إثارة مشاعر الجمهور في كل مكان، وذلك بفضل ابتكاراته الخاصة في تعامله مع الوسيط السينمائي، وما تولِّده أفلامه من شعور بالصدمة، وهي تكشف الغامض والمثير والمجهول في النفس البشرية، وذكر أن أفلام هيتشكوك مهما بلغت من الغرابة لا تفقد المصداقية، فقد جعلها مقبولة ومفهومة ومرحباً بها.
ولتوضيح ذلك، قام العمري بتحليل فيلم «الساكن» لهيتشكوك الذي قدمه عام 1927، وهو أحد الأفلام الأولى له، وفيلم «2001... أوديسا الفضاء» وهو من الأفلام الأحدث التي حفرت اتجاهاً جديداً في السينما للمخرج الأميركي ستانلي كوبريك، ورآه العمري عملاً غير مسبوق في مجال أفلام «الخيال العلمي»، رغم أنه لم يكن يعتمد على مؤثرات بصرية متقدمة مثل التي تتوفر اليوم. أما فيلم «بوني وكلايد» فيذكر المؤلف أنه أصبح نموذجاً مؤثراً لفيلم الجريمة الذي يدفع المشاهدين إلى الإعجاب حدَّ الهوس ببطليه اللذين يسرقان ويقتلان عند الضرورة. ويتساءل العمري: لماذا أصبح هذا ممكناً، وكيف كان طبيعياً أن يرسخ الفيلم في الذاكرة ويصبح حتى أقوى تأثيراً من القصة الحقيقية الأصلية؟ والجواب عنه أن ذلك يكمن في القدرة على التعامل مع الإنسان في فردانيته وعزلته وشعوره بالغضب والتمرد والرفض والاحتجاج على الظلم.

الابتكار والدهشة
يضيف العمري أن تميز الفيلم بالابتكار هو ما يجعل فيلماً ما كلاسيكياً يبقى في الذاكرة، ويستمر الاحتفاء به حين ينجح صانعه في تطوير أبجديات السينما والصنعة السينمائية، وخلق بطل مثالي أو بطلة نموذجية تظل صورتهما في الأذهان ولو عبر قصة «بسيطة»، تكون رغم ذلك موحية بكثير من الأفكار وتولِّد كثيراً من المشاعر التي تربط بين البشر وتوحِّد بينهم رغم اختلاف الثقافات والأجناس والانتماءات.
وقال المؤلف إن الابتكار الذي يعكس طموحاً بل مغامرة مدهشة في تطويع الوسيط السينمائي لخيال فنان السينما يتضح في الفيلم الصامت «نابليون» لأبيل غانس، وفي «المواطن كين»، هو ما يميز كثيراً من الأفلام التي أصبحت راسخة في ذاكرة الملايين عبر العصور، وضمنت لها بالتالي مكاناً بين «الكلاسيكيات».
ولم يتناول العمري في كتابه أفلاماً شهيرة رائجة بين الجمهور العريض فقط، بل قام بتحليل أفلام أخرى تنتمي لسينمات خارج أميركا وهوليوود، دخلت تاريخ الكلاسيكيات السينمائية، ويعرفها جمهور السينما الفنية الرفيعة، وبعضها أفلام ظهرت في الاتحاد السوفياتي السابق مثل «أغنية البجع الطائر» أو «سيبيرياد»، وأفلام أخرى خلقت اتجاهاً جديداً مثل تيار السينما السياسية، وأشهرها «قضية ماتيه» الإيطالي، و«زد» الفرنسي. وقد سلط العمري الضوء على هذا النوع من الأفلام، وأظهر أهميتها السينمائية، وقيمتها التاريخية.


مقالات ذات صلة

«اللحمة» في السينما المصرية... تاريخ طويل من «الهيبة» و«التمني»

يوميات الشرق عادل إمام في فيلم «بخيت وعديلة» منفرداً بكميات من اللحوم (يوتيوب)

«اللحمة» في السينما المصرية... تاريخ طويل من «الهيبة» و«التمني»

لم تكن «اللحمة» مجرد طعام على موائد المصريين، بل كانت دائماً تحمل معنى أكبر، فهي دليل وليمة محترمة، وعلامة على «الستر» و«الهيبة».

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الأطفال في الفيلم جزء من الحركة الثائرة (مؤسسة دلول للفنون)

«فلسطين 36»... الملحمة المنسية التي سبقت النكبة

أياً تكن الانتقادات التي توجه إلى فيلم آن ماري جاسر «فلسطين 36» سيبقى لوقت طويل محطةً أساسيةً في مسار السينما الفلسطينية.

سوسن الأبطح
يوميات الشرق ماكس هوانغ مع جاكي شان (فيسبوك)

ماكس هوانغ: خبرتي مع جاكي شان ساعدتني في «7DOGS»

أكد هوانغ أنّ التحدّي الأكبر كان الحفاظ على التوازن بين الأداء البدني العنيف والحضور التمثيلي للشخصية.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق الفنانة المصرية تارا عماد شاركت في «سفن دوجز»  (حسابها على فيسبوك)

تارا عماد: نفذت معظم مشاهد الأكشن بنفسي في «سفن دوجز»

قالت الممثلة المصرية تارا عماد إن فيلم «سفن دوجز» بمنزلة تجربة سينمائية جديدة بالنسبة لها، وعدته «مغامرة كاملة».

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق المخرج محمد أبو سيف (حسابه على فيسبوك)

محمد صلاح أبو سيف: تجنبت إخراج فيلم عن والدي

أكد المخرج المصري محمد أبو سيف نجل المخرج الراحل صلاح أبو سيف أن أسرته قامت قبل سنوات بإهداء مكتبة ومقتنيات والده لوزارة الثقافة المصرية.

انتصار دردير (القاهرة)

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».